مئوية الشاعر التشيلي
بابلو نيرودا

 

 ترجمة وتقديم: بول شاوول


مائة عام على ولادة بابلو نيرودا, العالم يحتفل او يستعد للاحتفال في هذه المناسبة من امريكا اللاتينية (قارته الواسعة) الى باريس. ونظن انه من خلال ما وصلنا من برمجات في هذه البلدان, ان الاحتفال به سيكون استثنائيا: اكثر من تكريم. وأكثر من تذكير بدوره. وأكثر من منابر وأفلام وفيديو وندوات وكتب وأمسيات وآراء. وهذا طبيعي, فنيرودا أكثر من شاعر. وأكثر من مناضل من أجل الحرية وضد الدكتاتوريات التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة.

نيرودا أكبر من حجم مرحلة. وهو كما قيل <<شاعر مرحلة>> (ولو نرى ان هذه التسمية انتقاص منه) شأنه في ذلك شأن الشعراء الذين يستوون في الجبهة ذاتها, والفنانين والكتاب أو في الفضاءات السياسية وحتى الايديولوجية والابداعية ذاتها: لوركا, البرتي, ناظم حكمت, اراغون, ايلويار... كأنما حلقة واحدة وأحيانا لغة متقاربة الرهافات والهواجس والمستويات. ونظن ان نيرودا, مع بعض هؤلاء اكتسب ما اكتسبه. من هالات واسطورة, ليس فقط بسبب نهايته <<المأساوية>>. عندما استولى بينوشيه على السلطة ومات نيرودا حرقة وألما  بعد نحو اسبوعين بعدما أحرق منزله ومتاعه ومكتبته..., وانما لأنه أيضا استطاع بشعره أولا  وأخيرا, وخارج الضجيج الاعلامي, أن ينجو, أو ان يبقى بعدما سقطت الايديولوجيات (وقبلها الأنظمة) التي تبناها, كيساري وشيوعي ملتزم.

بمعنى آخر, ولأن شعر نيرودا, (وحتى نيرودا كرمز), ما زال يحتفظ بقوته ونضارته بعد زوال مختلف الظروف التي ساهمت في تغذيته وشحنه, فانه يبدو الآن أكثر حضورا , مما كان في تلك المرحلة. ذلك ان الهالات السياسية التي كانت تغلف هذا الشعر وتحجب طاقته الهائلة وتقننه وتوجهه توجها <<أحاديا>> (أي توجها  ايديولوجيا  بالدرجة الاولى) عبر الادوار التي لعبتها الأحزاب والتنظيمات السياسية , (لأهداف أحيانا  دعائية) قد تبددت, لتترك الشعر وحيدا  بحياته الخاصة. بقيمته النسبية. وهذا تحديدا  ما شعرت به, وأنا اراجع دواوينه: من كتاباته الأولى في العشرينيات وحتى كتاباته الأخيرة في السبعينيات أي قبل وفاته, وما صدر بعد رحيله.

شعرت  أولا  بأني اكتشفت حجم نيرودا الشعري. وهذا ما كان ليتم عبر قراءات متباعدة ومتفرقة لأعماله. ثانيا , شعرت بأن الاحزاب اليسارية العربية اساءت الى هذا الرجل, عندما قدمته في صورته الطاغية <<كمناضل سياسي>>, وأغفلت ما تناءى من شعره عن سياساتها. ثالثا , شعرت بأن قراءتي لهذا الشاعر الكبير قد تحررت مما يجعلها تقع في أحكام مسبقة, والتي ورثناها من <<الطليعيات>> الشعرية, والنخبوية, واعتبار أن نيرودا <<دون>> هذه الملامح التجريبية والالتباسات اللغوية, والتشريحات في بنية اللغة وصولا  الى القصيدة, التي عرفتها الحداثة الشعرية منذ بودلير حتى اليوم.

المغامـــــرة

اذا هنا تبدأ المغامرة: ان تقرأ عاري الذهن, نصا , تريد ان تتوغل فيه, لا بحثا  عن أفكار ومواقف ايديولوجية وثورية وملتزمة, وانما بحثا  عن طاقات هذه الشعرية وتعابيرها, وأسرارها, ومتونها, وفضاءاتها, وتراكيبها, ومنتوجاتها وكانت قراءاتي على مدى أكثر من شهر قمة المتعة. والسعادة. والحرية أيضا. فأخيرا  وجدنا الشاعر بعدما كان ضائعا  في متاهات ما <<أغدق>> عليه من شعارات وخانات... لكن كل هذا لا يعني وضع حدود بين الشاعر وقصيدته ومضامينها وأطرها الفكرية والسياسية.

على مدى قراءاتي لأعمال هذا الشاعر التشيلي الكبير وجدت انه لم <<يتخل>> لحظة عن الغنائية. شاعر غنائي بامتياز. نقول هذا لأن هناك اتجاهات راهنة (كانت موجودة من قبل) ت نكر على الشعر أي غنائية أو عاطفية أو حتى رومانسية. ويمثل هذه الاتجاهات شعراء كبار في فرنسا مثلا  كبرنار نويل أو دنيس روس أو غينيك او غرومون, او شارل دوبزنسكي من دون أن ننسى أن جزءا من ارث السوريالية القائم على التداعيات واقتباس الصورة المجانية والهذر المجاني (التلقائي الآلي) واللاوعي السحيق ينفي طغيان الغنائية او يختزلها او يحولها في اتجاهات اخرى, من دون أن تغفل المنحى الصوفي الشرقي فيها.

الشاعر الغنائي نيرودا.. ينتمي في غنائيته هذه الى سلالة ضاربة الجذور في أمريكا اللاتينية وفي اوروبا, منذ ردنار, ودوبيليه وحتى الرمزية (في بعض جوانبها) مرورا بالينبوع المتدفق: الرومانطيقية: من لامرتين الى هولدرلين الى كيتس وبايرون وويتمان وغوته ونوفاليس (شاعر الليل). موروث غني ومتنوع يختزن العاطفية المبسطة اختزانه الميتافيزيقيا والفلسفة والتأملية, الى حدود الادراكات الحدسية في اكتشاف العالم, وكذلك الادراكات الذهنية والعقلانية.

لكن أين نيرودا من كل ذلك? أين غنائيته? لا نبالغ اذا قلنا انه تأثر او استوعب او اغترف من كل هذه الغنائيات. فمن حالات <<رومانسية>> مبسطة وحميمة وخصوصية رافقته منذ بداياته وهو في العشرينيات, حتى آخر ايامه, الى غنائية اختلطت فيها الاحاسيس والمناخات التي توجهها نحو الخارج. نحو الآخر. وهنا لابد من أن نشير الى ان نيرودا كماركسي, (أي كعقلاني), واجه العالم بعاطفية واعية, مجمل التناقضات والاوضاع الانسانية من ظروف الاستبداد, الى واقع العمال والفلاحين, والشعوب المسحوقة, والظلم الاجتماعي والتاريخ المرتبط بالحاضر, والحاضر المفتوح على التواريخ, بفروعها الاسطورية والخرافية والحكائية والقصصية. (تراث أمريكا اللاتينية ثري جدا بها).

هذا يعني انه نيرودا الغنائي هو شاعر الداخل. الداخل الذي يتدفق على الخارج. وشاعر الخارج الذي يمتزج في الداخل, العقلاني الذي ينظر الى عقلانية حسية وعاطفية, ورومانسي يوظف شغفه في فضاء أوسع من الذاتية وحدودها الضيقة (كما نرى عند لامرتين ودوموسيه ودو فيني), من منطلق المغادرة الدائمة للذات الى الآخر. فهذا (في غنائيته) شاعر الذات بقدر ما هو شاعر الآخر. أي ان غنائيته هذه, وان راوحت في مجانية خصوصية (وإن مفتوحة), تخرج الى ما هو أرحب: الى الشارع. الى المصانع , الى السجون الى المنافي,. الى الفقراء... الى التفاوت الاجتماعي, والدكتاتورية, غنائية نقدية إذا في بعض وجوهها.

الحــــــب

فهو اكثر شعراء أمريكا اللاتينية كتابة عن الحب فمنذ بداياته: <<عشرون قصيدة حب>>. الى مراحله المتقدمة (مائة قصيدة حب). وقد عرف كيف يجمع بين البوحية (المباشرة), وبين ربط هذا الحب <<الشقي>> الجارف المجنون بالأرض والطبيعة والناس وبالزمن أيضا. وألاحظ هنا ان نيرودا في ابرز كتابين عن الحب <<عشرون قصيدة حب>> و<<مائة قصيدة حب>> يعود في نهاية العملين الى نوع من الميلودراما, او الاحرى الدرامية: خط بياني يبدأ باللحظات الباهرة, والعشق المتفتح, لينتهي الى الفراق. تطور درامي عند نيرودا  وكأنه . في عبره غير المباشرة, يجعل الزمن ينتصر.

لكن علينا ان نتبع هذه الغنائية الرقيقة والعنيفة والفاجعة في عشقه الى ما هو أضخم وأوسع عندما تعانقا, وباجواء خيالية واسطورية عالية الملحمية لا سيما في <<النشيد العمومي>> (تحفته الكبرى), أو <<سيف اللهب>>, حيث يمتزج الحس الخاص بالحس التاريخي والاسطوري, لتتداخل فيها الخوارق والحكايات والاساطير والتواريخ في بنية متماسكة ومفتوحة. فهو في هذين الكتابين عرف كيف يعد الغنائية المتفجرة بالملحمية العالية ووصولا الى صفاء النشيد.

فغنائيته هنا تخترق المخيلة التاريخية والذاكرة الجماعية. في لغة متماسكة, وموصولة يبني عمارتها حجرا  حجرا , ونشيدا  نشيدا , ومشهدا   مشهدا , ولحظة لحظة. انه الوعي الحاد بالتاريخ اكتسبه من انتمائه الايديولوجي, وهو الوعي الحاد بالاسطورة اكتسبه من تراثه اللاتيني, وهو يمر بكيمياء العناصر اللغوية والصورية والايقاعية اكتسب بعضها من ثقافته الاوروبية لا سيما الفرنسية (هذا ما فعله ماركيز وبورخيس).

هذه المناخات <<الغرائبية>> التي نقرأها في <<النشيد العمومي>> و<<سيف اللهب>> (متأثرا بهذا الأخير بحكاية التكوين بارودي للواقع), هل تلتقي السوريالية التي تعمقها نيرودا. هل عناصر الصورة: جمع المتباعد, أو لم  المتنافر, من ارث الدادائية او السوريالية?

علينا ان نعرف ان نيرودا التقى السوريالية وافترق عنها (كرينيه شار, وبريتير وارطو وايلويار وحتى لوركا): اقصد انه اختزن هذه اللعبة السوريالية القائمة على <<المدهش..., والغرائبي, والصدمة في الصورة والتراكيب. هذا موجود في شعره: المزيج من الابهار الغريب في تركيب الصورة نجده حتى في قصائده الاولى (صدرت في ثلاثة أجزاء), وفي مجمل أعماله حتى في قصائده الغنائية <<الصافية>>.

لكن علينا أيضا ان نعرف ان نيرودا يبتعد بحكم تكوينه الايديولوجي والنفسي على المجانية. فالصورة المتداعية عند السورياليين مجانية. يسمها الغياب. او الغيبوبة. ولا تذهب ابعد من ذاتها, أي انها لا توظف في خدمة رؤيا أبعد منها. وتحديدا  رؤيا يتخللها وعي <<صارم>> بالعالم.

الصورة السوريالية تلتقي مناخات الصوفية, والصوفية حواس متلاشية, او ذائبة, او نائمة, او حالمة... عند نيرودا الصورة جزء من الصمد: الصوفيون <<ذوو عيون مغلقة>> يستنبطون بها العالم. عند نيرودا الصورة طالعة من <<عين مفتوحة>> على العالم. أي ذاهبة الى وظيفة ومعنى وايحاء وفكرة أي حقيقة ما. أي مغادرة لقيمتها <<الادهاشية>> ومجانيتها.. يعني ان نيرودا استفاد والى حد كبير من <<تقنيات>> السورياليين, ليدرجها في رؤيا <<نقدية.. للعالم. أو في نسيج متماسك للقصيدة (السورياليون رفضوا مبدأ القصيدة كبناء واع  في اتجاه ان الجمالية المشغولة بعيدة عنهم>>.

لكن اذا كان نيرودا ترك ما ترك من السوريالية, واخذ ما أخذ, فلأنه تأثر أيضا بالرمزية (البرسامان, جان بول رو, هنري جايمس, بول فور, وصولا الى مالرمه نفاليري وصعودا الى بودلير وفرين وحتى رومبو). اقصد ان نيرودا لعب لعبة الظاهر والباطن (وهي أيضا عند الصوفيين), الرمز والمرموز اليه. أي المجاز الذي يحبك عناصره حبكا مشدودا , أو حبكا  يستغل فيها مبدأ <<الايماء>> بدلا من التفسير المباشر, سواء عبر الصورة (رامبو), او الموسيقى (فرلين), او الاثنين معا (فاليري).

لكن علينا ان نلاحظ ان علاقة نيرودا بالرمزية (كمدرسة) كعلاقته بالسوريالية (كمدرسة أيضا) وبالرومانطيقية, علاقة تقاطع ومغادرة. فهو ابتعد عن الوقوع في التصنيفات. وفي الكاتدرائيات النظرية الصارمة. أي ابتعد عن تبني احدى هذه المدارس كأبجدية مكتملة, ليستغلها كمفردات. ويكون بذلك قد تحرر من كل ربق او جماعة او لغة جاهزة. (كل المدارس تخضع لنظريات جاهزة وهذا مقتلها).

نقول هذا من دون ان نغفل ان نيرودا الذي نأى بنفسه عن الارتباطات الجمالية المحددة, قد التزم الفكر الماركسي أو الشيوعي كمناضل وكحزبي حتى آخر أيامه. هل هو تناقض? ربما! لكن علينا ان نعرف ان نيرودا بقي في مجمل نتاجه ذا التزام مفتوح. شيوعي متفتح. بلا علامات مفروضة ولا ارتباط مقنن, أي انتصر الشاعر على الايديولوجيا. وعلينا ان نعرف انه, عدا بعض شعره السياسي المباشر, كتب معظم شعره خارج هذه الالتزامات الايديولوجية الضيقة, سواء في <<حجارة التشيلي>> او في <<قصائد الحب>>, او في <<سيف اللهب>>.. وهي أعمال مشرعة على الشرط الانساني العمومي لكن عبر تواريخ وطنه تشيلي وأمريكا اللاتينية. (هكذا كان لوركا والبرتي بالنسبة الى اسبانيا, وناظم حكمت بالنسبة الى تركيا), بل وعلينا ان نلاحظ ان نيرودا وظف كل العناصر والمدارس الجمالية في زمانه, في خدمة قصيدته الخاصة. أي قصيدته التي بقيت خارج التصنيف, ولكن يجدر بنا ان نلاحظ انه اذا كان نيرودا من اصحاب الضربات الجمالية العالية, وتلك الكيميائية الخصبة في صهر العناصر لصوغ قصيدة متماسكة, فانه في المقابل بقي شاعر الضوء بامتياز. أي شاعرا لم يلجأ وعلى امتداد مراحله (عدا مرحلة شبابه عندما انفعل بكثير من السوريالية او الرمزية), لا الى الغموض, ولا الى الالتباس (علما  بأن صورته بعناصره تؤدي الى التباس مضيء. او التباس بلا تعمية), ولا الى الصيغ الوعرة, ولا الى عتمة الداخل, ولا الى التمارين اللغوية (كريمون كلينو وفيليب سوبو), ولا الى اجتراحات شكلانية, انه كالديار شاعر البساطة (لا التبسيط), ولوركا (وان بدت السوريالية اكثر تأثيرا  فيه), وناظم حكمت ذي السلاسة الصعبة. أي ذو سهولة مركبة. وهو بذلك ابتعد عن <<ظلمة>> الداخل عند فاليري, وانغلاقية مالرمه, وصوفية رمبو... ذلك ان الغموض, اذا كان موجودا  عند نيرودا, بالمواصفات (الرمزية او السوريالية بناء على الايحاء وتراكم العناصر), فانه غموض شفاف غموض يضيء الداخل, والفكرة, والموضوع. لا غموض طالعا  من تجريبية لغوية, او تكسير متونه, او تحطيم معان , او طمس علامات, أي لا غموض تجريبيا  متصلا  بفكرة منسبقة او بقلق شكلي يريد تطبيقهما. فهو بعيد عن المختبرات, ب عده عن ارادة تسجيل أهداف <<طليعية>> مجردة. على صعيد التجربة الشعرية, او تحقيق <<بيانات>> ايديولوجية ترتبط بجماعة او بفرقة. فلنقل ان غموضه <<ضوئي>> لا معتم (وانا لا أفاضل هنا). غموض العناصر الطبيعية والانسانية في تبادليتها ضمن اطار جمالية ما. ونظن ان استغلال الاساطير والحكايات والتاريخ عند شاعرنا, ما هو إلا سير او تحليق في ظواهر غرائبية او تخييلية تصب في نوع من الادهاش قد يلتقي السوريالية لكن يفترق عنها. أقصد ان كل اسطورة هي <<فعل مركب وادهاشي في ذاته ينفتح على مجمل الظواهر العجيبة>> و<<الغريبة>> لأنه يتجاوز الحسابات <<العقلانية>> , الى ما هو مقدس, أي الى ما هو فوق عقلاني. هذه هي طبيعة الحكاية. او الاسطورة. هذه الجماليات الغامضة بمثابة جسور الى الآخرة, لا فجوات ولا جدران, ذلك ان نيرودا هو شاعر الذات وشاعر الآخر بامتياز.

ولكن هل هذا يعني اننا يمكن ادراج نيرودا ضمن لائحة الشعراء الشعبيين? (او الشعبويين كما هي حال كثير من شعراء الايديولوجيا والاحزاب?). هذه النقطة حساسة جدا. وملتبسة. ذلك ان نيرودا, هو, اصلا ذو انعطافات شعبية بطبيعة تركيبه وتوجهاته ومفهومه لدور الشاعر والمثقف, لكن هذه الانعطافات <<الفكرية>> قد لا تتحقق في ميدانه القصيدة النيروداوية بالشكل الكامل. صحيح ان لديه كثيرا من القصائد <<المناسبية>> صاغها لأهداف آنية كأن يوزعها او يلقيها في تجمعات عمالية او ثقافية او حتى جماهيرية ثم تطوى بانطواء المناسبة, لكن الاصح ان نيرودا ليس شاعرا  شعبيا  بالمفهوم الاستهلاكي او السياسي او الآني. فشعره يحتاج الى تأمل. والى درجة ما من الثقافة, والوعي الجمالي, والتلقي الايجابي (النقدي) أي انه شاعر تهيأ لي قرأ في كتاب. لا ليسمع في مهرجان. حتى قراءته تحتاج الى جهد قد لا يقوم به سوى <<النخب>> (مع انه يعارض مفهوم النخبة). فقصائد مثل <<النشيد العمومي>> او <<السيف الملتهب>>, او <<يوميات الاقامة>>... او حتى حجارة التشيلي, هي قصائد ذات ب نى مرتبة. أي قصائد كتبت ضمن مشاريع كتب. وهنا نصل الى نقطة هامة: قلما كتب نيرودا قصائد متفرقة, كانت كل قصيدة عنده (أو معظمها) مشروع كتاب مؤلف بدأب وصبر وبهواجس فنية عالية. معظم قصائده طويلة. تمشي في الزمن (على عكس رينيه شار مثلا الذي لم يكتب سوى قصائد قصيرة باستثناء <<أوراق هيبنوز>>). ويعني ذلك ان هاجس <<الكتاب>> كتجربة متكاملة كان يسكن بال نيرودا. هذه الناحية, وارتباطا بقصيدته المركبة لا المبسطة, تعني القارئ <<المبدع>> الجلود, والمكتشف والمتفاعل (لا المنفعل فقط). اكثر مما تعني القارئ الجوال, او الهتاف او العابر.

انه عام نيرودا في وطنه تشيلي وفي العالم كله. عام شاعر كبير. وحالم كبير, وتراجيدي كبير, استخلص في شعره عصارة قارة كاملة, بكل تواريخها, واساطيرها, واحلامها, وافكارها, ونضالاتها, ودكتاتورييها, وسجونها, ومنافيها, شاعر القارة بل هو الشاعر القارة.

مختارات من شعره

FAREE WELL

أحب حب  المراكب:

بضع قبل ثم تمضي

تترك تلك وعودا

لكنها لا تعود أبدا

امرأة تنتظر في كل مرفأ,

البحارة يقبلون ويمضون

ذات مساء ينامون مع الموت

بأسره في زرقة المحيط.

***

أحب الحب الذي يتقاسم بالقبل, في السرير والخبز.

حب يمكن أن يكون ابديا

وربما أيضا  عابرا .

حب يريد أن يتحرر

ليعاود الحب من جديد.

حب كإله يقترب

حب, كإله يمضي.

غسق ماروري

المساء على السطوح

يهبط

يهبط...

من اعطاه لكي يأتي

جناحي عصفور?

وهذا الصمت الذي يملأ

كل شيء,

من أي بلد كوكبي

جاء وحده

ولماذا هذا الضباب أيضا

- ريشة صغيرة مرتعشة -

قبلته المطر

- المحسوسة -

هل سقطت في الصمت

- والى الأبد- كل حياتي

                                   (مقطع)

الريـــــح

الريح تمشطني, يدها تمر

أمومية, على شعري.

للذكرى افتح الباب

وفكرتي تخرج وتمضي.

انها اصوات أخرى احملها

غنائي من شفاه أخرى

لمغارة تذكاراتي

- ضوء غريب!

ثمار أراض  غريبة,

أمواج زرق من بحر آخر,

عشق آخرين, أحزان

لا اجرؤ على تذكرها.

والريح الريح التي تمشطني,

على شعري يد أموية!

حقيقتي أكملها القمة

ليس لي لا عتمة ولا حقيقة!

نائما  وسط الطريق,

يجب دعسي لأمشي.

قلوبهم تطأني, قلوبهم

السكرى بالخمر والحلم.

جسر جامد, اصل

قلبك بالابدية.

ان مت   فجأة

فلن أكف  عن الغناء!

 

مياه راكدة

اريد ان اقفز الى الماء لأسقط في السماء

 

                                         من <<غسق>>

عشرون قصيدة حب

(1)

انه الصباح المليء بالعاصفة

في قلب الصيف.

مناديل بيض للوداع, الغيوم تجنح

والريح يدفعها بيديه المسافرتين.

قلب الريح لا يحصى , ويخبط

حبنا الصامت.

اوركسترالي وإلهي, يهمهم في الشجر

كلغة مفعمة بالحروب والاناشيد.

الريح لص سريع يخطف الشجر

ويحرف سهمه الهادر للطيور

يقلبها في موجة بلا زبد

مادة أصبحت بلا وزن, نيران تنحني.

إناء قبل غارق ومكسور

يهزمه للتو ريح الصيف عند الباب

(2)

انها النحلة البيضاء, السكرى بالعسل, التي

تطن في نفسي, تنكسرين في لوالب بطيئة

من الدخان.

انا اليائس, الكلمة بلا صدى.

الذي حصل على كل شيء وفقد كل شيء.

الملجأ الأخير, فيك يحطم قلقي الأخير.

أنت في صحرائي الوردة الأخيرة.

آه! أيتها الصامتة!

اغمضي عينيك العميقتين. فالليل يجنح فيهما.

آه! عري جسدك من التمثال الخائن.

تمتلكين عينين عميقتين تصطفق فيهما أجنحة الليل.

واذرع طرية للزهر وحضن ورد.

ونهدين شبيهين ببزاقات بيضاء.

فراشة ليلية تحط على بطنك.

آه ! أيتها الصامتة!

ها هي الوحدة وانت غائبة عنها.

تمطر. ريح البحر يطرد بجعا  تائها .

الماء يمشي بخطى غارية في الدروب المبللة.

وورقة الشجرة تئن كمريض..

أيتها النحلة البيضاء, الغائبة, في همهماتك تدوم.

تنبعثين في الزمن, نحيلة وصامتة!

آه, أيتها الصامتة.

(3)

فقدنا مرة أخرى هذا الغسق..

ولا أحد رآنا متشابكي الأيدي

بينما كانت القمة الزرقاء تهبط على العالم.

رأيت من نافذتي

عيد المغيب على الهضاب البعيدة.

أحيانا , وكميدالية

تشتعل قطعة شمس في يدي.

واتذكرك وقلبي منقبض

حزين من الحزن الذي تعرفينه في .

أين كنت إذا?

وبين أي أناس?

أي كلمات كنت تلفظين?

لماذا يمكن ان يأتيني كل هذا الحب دفعة واحدة

عندما احس نفسي حزينا  واعرفك بعيدة?

سقط الكتاب الذي كنا نأخذه الى الغسق,

معطفي, قلب جريح, تدحرج عند قدمي.

تبتعدين دائما , ودائما  في المساء

فالى اين يسرع الليل ماحيا  التماثيل?

(4)

قلبي يكفيه صدرك,

أجنحتي لحريتك.

من فمي يدرك السماء

كل ما كان يرقد في نفسك.

فيك الوهم اليومي.

تأتيني, ندى على التويجات

غائبة وتحفرين الأفق

تهربين, موجة أبدية.

وقلتها: تغنين في الريح

كالصنوبر وأشرعة السفن.

أنت مثلها عالية ومثلها صامتة.

تكتئبين فجأة, كما يكتئب سفر.

مضيافة, مثل درب قديم.

أصداء وأصوات حنينية تسكنك.

عند يقظتي أحيانا  تهاجر وتمضي

طيور نامت في نفسك.

(5)

ايتها الصبية السمراء, الصبية الرشيقة, الشمس التي تصنع الثمر,

التي تثقل القمح وتعذب ال- alque ,

صنعت جسدك الفرح وعينيك المضيئتين

وفمك الذي من بسمة الماء.

سوداء, قلقة التقت شمسي بخيوط

ع رفك الأسود, وانت تشدين الذراعين.

وتلاعبينهما كما تلاعبين نهدا ,

الذي يخلف في عينيك ماءين قاتمين راكدين.

ايتها الصبية , الصبية الرشيقة, لا شيء يقربني منك.

كل شيء يبتعد عنك, كما في ظهيرة مكتملة.

لك  طفولة النحلة الهاذية,

قوة السنبلة, ثمالة الموجة.

مع هذا فقلبي القاتم يبحث عنك,

أحب جسدك الحبور وصوتك الحر والنحيل.

آه, يا فراشتي السمراء, عذبة وحاسمة.

انت قمح وشمس وماء وخشخاش.

(6)

يمكنني ان أكتب أحزن الأبيات هذه الليلة.

أكتب مثلا: <<الليل مزدان بالنجوم وكواكب

الاثير ترتعش في البعيد>>.

ريح الليل يدور في السماء ويغني:

يمكنني أن اكتب أحزن الأبيات هذه الليلة.

كنت أحبها, وأحيانا  هي احبتني أيضا .

في الليالي وكهذه الليلة كانت في أحضاني.

كنت أحضنها مرات كثيرة تحت السماء, السماء اللامتناهية..

أحبتني, وأحيانا  أنا أحببتها أيضا .

وكيف لا ت حب عيناها الواسعتان, عيناها

الواسعتان الثابتتان.

يمكنني ان أكتب أحزن الأبيات هذه الليلة.

أفكر بأنها لم تعد لدي . آسف لأني فقدتها.                              

                                (مقطع)

                        من <<عشرون قصيدة حب>>

الفن غير المرئي

قصائــــد أولى

نمشـــــــــي

نمضي ونغني, نغني الأغاني

التي تملأ قلوبنا حبا  ونشوة,

وهذه الشكوك المرة التي نحملها فيها

تحت جلبتها الحبورة تحرك أجنحتها.

نمشي نمشي متعطشين للأوهام,

ووجوهنا تصرخ بالحزن والتعب

ومع هذا نغني: بعيدا  في الغابة

نجد الينبوع المنعش المنشود.

نصل متعبين, نحني جباهنا

وشفاهنا الملتهبة, الناشفة والمجعدة

تشرب وهي ترتعش من العطش والانفعال

عندها, بهدوء المياه الهادئة

نرى الضوء ينبعث في بؤبؤنا

وينبعث عطش الأوهام من قلوبنا.

سأشرح لكم

سأشرح لكم: عندما كنت أعيش في المدينة,

كان شارعي يحمل اسم كابتن

وكان لهذا الشارع جموعه,

حانات الشرب, أسواق بيع الأحذية

محاله المليئة بالمجوهرات.

ما كان يمكن التجول

من شدة ما كان الناس عجولين,

الناس الذين يأكلون, يبصقون,

يتنفسون,

يشترون ويبيعون ملابس.

كل شيء كان يبدو لي مضيئا,

كل شيء كان يلتهب

ولم يكن سوى رنين

كأن من اجل ابهارنا او ادهاشنا

مضى زمان ولم اسمع شيئا عن

هذا الشارع, نعم زمان طويل طويل

غيرت اسلوب حياتي, أعيش بين الحجارة

والمياه المتحركة.

الشارع الذي أتكلم عنه قد يكون مات

ميتة طبيعية.

                        من <<البحر والاجراس>>

البحر هنا?

البحر هنا? حسنا فليدخل.

احضروا لي الجرس, من النوع الاخضر.

هذا, لا, الآخر, الذي فمه من

النحاس المغلول,

وهذا كل شيء الآن, دعوني وحدي

مع البحر الأساسي, مع الجرس.

أريد الامتناع عن الكلام مدة طويلة,

أريد, أيها الصمت, ان أتكلم أكثر,

أريد ان أعرف, نعم, اذا كنت موجودا

                        من <<البحر والأجراس>>.

أغنيـــة حزينـــة

أمضيت ليالي حياتي كلها

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

ما كنت أدرج لا أبقارا

ولا جنيهات استرلينية

ولا فرنكات

ولا دولارات

لا لا , لا شيء من هذا.

أمضيت ليالي حياتي كلها

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

ما كنت ادرج لا الهررة

ولا السيارات

ولا العلاقات.

لا.

أمضيت ليالي حياتي كلها

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

ما كنت أدرج لا الكتب

ولا الأرقام

لا..

أمضيت ليالي حياتي كلها

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

لم أكن أدرج لا الأسرة

ولا القبل

ولا الخطيبات

ولا..

أمضيت ليالي حياتي كلها

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

لم أكن أدرج, لا الاسنان

ولا القناني

ولا الكؤوس,

لا.

أمضيت في الحرب كلها سلمي

وأنا أحسب, لكن في حساباتي

لم أكن ادرج لا الموتى

ولا الازهار

لا.

                        (مقاطع)

                        من <<أخطاء مختارة>>

الزوايـــــا

ثلاث زوايا من الطيور عبرت

السماء على المحيط الضخم

المتمدد في الشتاء كحيوان أخضر.

كل شيء جمود موت, الصمت,

الانتشار الرمادي, الضوء الثقيل.

للفضاء, الأرض العاطلة.

فوق كل شيء عبر

طيران

ثم طيران آخر

لطيور س ود, لأجسام شتائية, زوايا مرتعشة بالكاد تنبض

ناقلة من مكان الى آخر

على سواحل تشيلي

البرد الرمادي, الأيام الآسفة.

انا هنا بينما ارتعاش

الطيور المهاجرة المنزلقة من سماء الى سماء

تتركني غارقا  في ذاتي وفي مادتي

كما في بئر من الابدية

محفورة بلولب جامد.

اختفت الآن:

الرياش السود للبحر,

الطيور المعدنية

للصخور والموج والعواصف

الآن, ظهرا

ها انا ازاء الفراغ: انه خفاء

الشتاء المنتشر

والبحر وضع

على وجهه الأزرق

قناعا  من المرارة.

                        من <<حديقة الشتاء>>

Le froudeus euthousiaste. (1935)

(1)

يا عبدتي. اخشيني, احبيني. يا عبدتي

نحن من سماء اوسع غروب

وقلبي ينبثق فيه كنجمة باردة.

خطاي اذ تبتعد عنك تعود اليّ.

السوط المسلول عليك يسقط علي .

انت ما هو موجود في  ابعد مني.

ما يهرب كجوقة من الضباب المطارد.

قربا  مني لكن أين? بعيد بعيد ما هو بعيد.

وما هو بعيد جدا , يمشي تحت قدمي.

صدى هذا الصوت وأبعد من الصمت.

وما ينبت في قلبي كزبدٍ على الحطام.

كتاب الاسئلة

(1)

اذا كنت مت من دون ان اعرف

فمن سأسأل عن الوقت?

أي اذا في فرنسا, يستنفد

الربيع كثيرا وكثيرا من الأوراق?

حيث يستطيع أعمى ان يعيش

يطارده طيران النحل?

اذا اختفى الاصغر يوما ما

فبم سنصنع الخبز?

(2)

ماذا تخبئ هنا تحت حدبتك?

قال الجمل للسلحفاة.

اجابته السلحفاة:

- وانت ماذا تقول لأشجار البرتقال?

ايكون لشجرة الاجاص من الاوراق

أكثر من <<بحثا عن الزمن الضائع?>>

لماذا اذن تحس الاوراق

باصفرارها تنتحر?

(3)

سلام الحماقة أهو سلام?

أيضع الفهد الحرب?

لماذا يدرس المعلم

جغرافية الموت?

ماذا يحدث للسنونوات

التي تعد متأخرة الى المدرسة?

أصحيح انها توزع عبر السماء

رسائل شفافة?

(4)

هل ادركت كم يشبه

الخريف بقرة صفراء?

وكيف ان الحيوان الخريفي

يصبح بعدها هيكلا  عظميا  قاتما ?

وكيف ان الشتاء يكدس

اكثر فأكثر زرقات أفقية?

من سأل الربيع

شفافيته الملكية?

(5)

أي مسافة بالامتار المدورة

تفصل الشمس عن اشجار البرتقال?

من تراه يوقظ الشمس

عندما تنام على سريرها الملتهب?

الأرض هل تغني كجدجد

في الجوقة السمدية

 

الحزن أهو بهذا الاتساع,

بهذا التماسك, الكآبة?

(6)

من أسأل عما

جئت افعل في هذا العالم?

لماذا أتحرك بالرغم مني

لماذا لا استطيع أن أكون جامدا!

لماذا أجري هكذا بلا طرق

واطير بلا اجنحة ولا ريش?

ومن دفعني الى المكان الآخر

اذا كانت عظامي تعيش في تشيلي?

(7)

ولماذا تكون الشمس صديقا بهذا السدى

لمسافر الصحراء?

ولماذا الشمس لطيفة

في حديقة المستشفى?

اعصافير أم أسماكا  يحفظ

القمر في شباكه?

لا هنا ضيعوني لكي

انتهي عن ايجاد نفسي?

(8)

وفي الفضائل المنسية, هل يمكنني

ان أخيط بدلة جديدة?

لماذا تذهب أجمل الانهار

لتجري في فرنسا?

لماذا لا يحط ليل

غيفارا في فجر بوليفيا?

هناك, قلبه المغتال, هل

يبحث عن مغتاليه?

وعنب المنفى الاسود

أوليس فيه أولا  طعم الدمع?

(9)

الا تحس ايفا الخطر

في ضحكة البحر المجنونة?

الا ترى في حرير الخشخاش

المفرح تهديدا?

الا ترى ان شجرة التفاح

تزهر لتموت في التفاحة?

الا تبكي, بين الضحكات,

قرب زجاجات النسيان?

(10)

من كانت تلك التي كانت تحبك

في الاحلام, عندما كنت نائما?

اين تمضي أشياء أحلامنا?

أفي أحلام الغير?

الأب الذي يعيش في أحلامك

أيموت بمجرد ان تستيقظ?

ونباتاتها أتزهر?

وثمارها الرحيبة اتنضج?

(11)

ما الذي مر يهتز في الليل?

الناس? سنابك الخيل?

أعلي ان اختار هذا الصباح.

بين البحر والسماء?

ولم السماء, اذا كان الصبح

قد اكتسى بضبابه?

من كان ينتظرني في <<الجزيرة السوداء>>?

الحقيقة الخضراء أم الاطار?

(12)

لماذا ولدت  بلا سر ?

لماذا كبرت هكذا وحدي?

من طلب مني أن أحطم

ابواب كبريائي?

من خرج ليعيش مكاني

عندما كنت أنام او الزم الفراش

أي راية ارتفعت هنا

حيث لم أنس?

مقبرة حب

(1)

ايتها المرآة الكلية: تفاحة اللمم, نار القمر

عطر المحار الكثيف, قطعة ضوء مطروقة,

أي ضوء معتم ينفتح بين عموديك?

وأي ليل عتيق يلامس حواس الانسان?

الحب سفر, بكل أسف! من الماء والنجوم,

من الهواء المختنق, من عاصفة طحين مفاجئة:

الحب سفر ومعركة من البروق

وجسدان ضللهما عسل واحد.

اعبر بالقبل لامتناصيك الصغير

انهارك, ضفافك ذات القرى الصغيرة

والنار الحسية وقد تحولت متعا

ها هي تجري بدروب ضيقة من الدم

لتسرع كقرنفلة ليلية

وتصبح في الليل مجرد شعاع.

(2)

انا لا أحبك كوردة من ملح

الزبرجد.. قرنفل نشاب ينشر النار:

كما نحب بعض الاشياء الغامضة

إنما بين الظل والنفس, سرا  أحبك.

احبك كالنبتة التي لا تزهر

التي تحمل في ذاتها, خبيئا , ضوء هذه الازهار,

وبفضل حبك يعيش غامضا في جسمي

العطر المهموم الذي يفوح من الأرض.

أحبك ولا أعرف كيف ولا متى ولا اين,

أحبك بلا مواربة, بلا كبرياء, بلا مشاكل:

أحبك هكذا, ولا اعرف طريقة أخرى للحب,

أحبك هكذا, بدون ان اكون, بدون ان تكوني

قريبا لدرجة ان يدك على صدري هي يدي

وقريبا لدرجة ان عينيك تغمضان حين أنام.

(3)

فلينثره كل الحب في فمه,

فلا اعاني بعد الآن لحظة ربيع

لم ابع للألم سوى يدي

الآن, يا حبيبتي, وقد تبقت لي قبلاتك.

غطي بعطرك ضوء الشهد المفتوح

الابواب, غطيها بشعرك,

أما بالنسبة الي فلا تنسي: اذا افقت وبكيت

فيعني وا