إيف بونفوا شاعر التناهي والحضور في العالم

 

حكيم ميلود


تتعدد مسالك و مسارات عمل إيف بونفوا. يحضر فيه الشاعر ليقود جوقة الشخوص الأخرى, بأقنعة لا تخفي خلفها الوجه ولكن تبدده وتشظيه ليمتلئ الفراغ بمنحوتات يشكلها الهاجس وتمتحنها الحيرة, طويلا كأنما من أجل سفر بلا طرق ولا أدلاء ولا وصول, قد يكون وراء هذا البحث عن تجليات مختلفة لعطش واحد, رغبة متكتمة في مطاردة الحضور أينما حل, قد يكون هناك في الأقاصي البعيدة دهش أمام ما يأخذ صيغة البقاء صامدا أمام عاديات الزمن, لهذا يحب الشاعر الأحجار وما يحفر عليها, والمنحوتات التي تحرس أرواحا هاجرت منها, قد يختفي أيضا حسد للرسامين الذين باستطاعتهم القبض على الآني والفوري وسريع الزوال وتأبيده.

بمهارة الخيميائي يبتعد بونفوا في شعاب الإبداع, يجرب ويبحث.. يتعانق داخله الشعر والرسم والنحت والمسرح والرياضيات والمنطق والفلسفة والتاريخ و... ليقول انشغالا مؤسسا, يعمل بإلحاح السؤال الأنطولوجي, سؤال التواجد في العالم, هنا والآن, في جدل الموت والحياة. والشاعر لا يقف عند ضفة واحدة ليمجدها أو يرثيها, ولكنه يحيا في التعلق الدائم, في الشهقة الباقية من امتلاء الولادة  وفراغ الفناء, يعيش في الوعد الذي يحمله الأمل الساهر في مسارب المحتمل  والمستحيل. <<يشير العمل الشعري في هذا إلى هاجسه الأصلي إلى مكان انبجاسه الذي هو لحظة الخطر, حيث يتأرجح كل شيء بين الحياة والموت وبين الخلاص  والهلاك>>.(1)

يمكن أن نقول أن مدار تجربة الشاعر هو الحضور في العالم, لكن على بساطة هذه الكلمات إلا أنها تستطيع أن تخترق حياة كائن لتبطش به, وتعصف به في امتحان التجربة, وجسامة العبء الذي لا تطيقه ذات مقذوف بها وحدها في المهب. يتأمل الكاتب الكبير موريس بلانشو, وهو يحاور عمل إيف بونفوا, هذا الحضور: <<الحضور الآني (الفوري) هو حضور متجاوز ورافض لكل حضور... إنه الحضور اللانهائي لما يظل جذريا غائبا, حضور هو آخر دائما وبلا انتهاء في حضوره. حضور الآخر في غيريته: اللا-حضور>>(2), إن بونفوا عندما يتحدث عن الحضور في العالم, فهو بذلك يطرد كل فكرة متعالية تجعل الأرض مجرد مكان عبور نحو عالم آخر, والحضور حتى وإن كان يأخذ ب عد الصيرورة التي لا تتحقق إلا كمطاردة لما لا يحضر, أو لغياب يتحايل عند عتبة الوقتي والآني, إلا أن الشاعر مسكون برغبة القبض عليه:

<<ما الذي نلتقط إذا لم يكن ما يفلت,

ما الذي نرى إذا لم يكن ما يعتم,

ما الذي نرغب فيه إذا لم يكن ما يموت,

و ما يتكلم ويتمزق?>>(3)

و حتى الممكن والمحتمل وبعيد الاحتمال ليسوا من مكان آخر, إنهم يوجدون في ثنايا الوجود وطياته, وفيما هو قابل لأن يوجد. إن فكرة العالم عند بونفوا تقطع مع كل الإرث الميتافيزيقي, لتؤسس الوجود <<هنا>>. كأني به قريب من الشاعر الجاهلي الذي كان يمجد اللحظة, ويغبط الكائنات الأخرى التي لها قدرة الصمود, سواء بصلابتها أو جسامتها مثل الجبال والصخور, أو بدفقها الحيوي, وامتلائها الفياض مثل فرس امرئ القيس القريب من جلمود الصخر, أو ناقة طرفة التي تشبه قنطرة الرومي. كأن إيف بونفوا, وهو يؤكد على صلابة الحجر في كل شعره, إنما يمنح بيت تميم بن مقبل:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

                       تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

أفق أخوة شعرية أخرى, تعطي لسؤال الكائن, تواصل الهم ودوام الحرقة. لهذا اختلف بونفوا مع كل التصورات التي قدمت الوهم والخديعة ليس غريبا أن يسمي إحدى مجموعاته <<في خديعة العتبة>>, ابتداء من الدين والعلم وحتى السوريالية التي تقاطع معها في لحظة من حياته ثم ابتعد عنها, فنظرا <<لأنه مارس الرياضيات في فترة شبابه, وتاريخ العلوم والمنطق, فإن إيف بونفوا يعرف عن تجربة ملمح الفكر التجريدي, والفرحة التي يمكن أن يستشعرها العقل وهو يبني صرح المفاهيم والعلاقات الخالصة. لكنه يعرف مثل باشلار, الذي تابع درسه العلمي, أن صرامة المعرفة تتطلب التضحية بالبداهات الآنية, والصور الأولى, التي لا يمكن أن يتخلى عنها. لكنه على خلاف باشلار, يرى أن ما يشعر بالحاجة إليه ليس ب عدا خياليا للإبقاء على الجدوة الضرورية للحياة, ولكن واقعا بسيطا ممتلئا, حاملا للمعنى- وأرضا كما يقول ذلك بإلحاح>>(4).

و ما يعيبه على السوريالية أيضا, هو تركها للعالم من أجل بديل آخر لا ينكشف إلا منفلتا, وطرحها حقيقة أعلى لا تظهر إلا لكائنات مخصوصة, مما يفقد أشياء الوجود الأخرى أهميتها.

في تجليات العالم اللامنتهية يقف الشاعر الفنان ليمجد النظرة والمنظور, من هنا يأتي اهتمام بونفوا بالفنون التشكيلية والنحت والعمارة والطبع الحجري... لأنها فنون تقدر أن تقبض الحضور في ملموسيته, وتلتقط المادية بكل حيويتها, الأمر الذي يبدو صعبا في فنون الكلام, إن لم يكن مستحيلا, لأن الكلمات في علاقتها مع ما تسميه تبقي دائما حصة للعتمة والغموض والالتباس, تبقى مجهولا ما ينزف في ليل الكلمات... لهذا كان الاختيار الشعري لإيف بونفوا منذ بداياته هو التعويل على الصور والتفكير في علاقتها مع الكلمات, <<فكلما كان اهتمام الشعراء منصبا بالخصوص, على الآني, كلما كان اهتمامهم بتقنية الرسم أكبر>> كما كتب في <<رسم, شعر دوار وسلام>> هذا الاهتمام الذي جعله يكتب كتبا عن الفن التشكيلي والنحت,  وعن فنانين تقاطع مع أعمالهم, فأنقذت لوحاتهم ورسوماتهم ومنحوتاتهم قصائده  وكتاباته من نقص ما, هو كعب أخيل القصيدة التي تحلم في مياه اللون كي تجدد ينابيعها, أو تتقمص حجر وطين المنحوتات لتملك صلابة البقاء والصمود, وسطوع الإشعاع الذي يسهر على ما لا يتشكل إلا منفلتا, في مدارج اللون, وعتمات الصلد.

يبقى أن حيوية عمل إيف بونفوا تكمن في تلك القدرة على الوقوف في البرزخ بين ما ينهار ويموت, وبين ماهو بصدد الولادة, وما أعظمه من خطر عندما نحدق في هاوية التناهي ولكن نأمل في الوقت نفسه بما ينبثق. لكن الأمل هنا ليس الوهم ولا أضغاث الأحلام, لأنه أمل لا ينتظر خلاصا متعاليا, ولكن يؤمن بقوى الحياة. لأن <<الأمل السيئ هو ذلك الذي يمر عبر عالم المثل- سماء الفكرة, جمال الأسماء, الخلاص التجريدي للمفهوم. الأمل هو أمل حقيقي بما يزعم إعطاءه لنا في مستقبل وعد, ما هو موجود, ما هو موجود وهو الحضور>>(5) لهذا عندما نتأمل كتابة بونفوا نرى ذلك الصراع بين الموت والحياة, فرغم استحواذ الموت على كامل المشهد, إلا أن الحياة ت غالب وتعاند لتنتصر وحتى عندما نعود إلى القبسات التي يفتتح بها مجموعاته نجدها تدل على كل هذا ففي افتتاحه ل-<<حجر مكتوب>> نجد مقتطفا من <<حكاية الشتاء>> لشكسبير: <<أنت التقيت بما يموت, وأنا بما ولد لتوه>> وفي <<أمس سادت الصحراء  يبدأ بمقطع من هيبريون هولدرلين <<إنك تريد عالما, قال ديوتيما, لهذا لك كل شيء, ولا شيء>> وقوف الكائن في هذا المفترق العاصف, هو الذي يجعل الريبة تحلق كالطائر فوق المعركة, لكنها ريبة, فيما تستدعي المستقبل وما لا يطاق, تختبر احتمالات الأمل. لأن <<الأمل يقول احتمال ما يفلت من المحتمل; إنه, في الأقصى العلاقة المعاد خوضها, هناك حيث تفقد العلاقة, الأمل يكون أكثر عمقا, عندما ينسحب هو نفسه ويتنازل عن كل أمل ظاهر... الأمل الحقيقي- ما لا يؤمل في كل أمل- هو تأكيد اللامحتمل وانتظار ما هو موجود>>(6) .

ينأى الشاعر بونفوا في ثمانيناته, وهو ما يزال ذاهبا في تعميق هواجسه الأساسية, واختياراته الخطيرة, وتجذير حضوره بالسؤال الدؤوب, بالأحلام والصور, وعناق الكلمات في ارتحالها الدائم, وبامتحان متميز وبصير لفضيلة البطء الذي تدفعه اللاطمأنينة, ليقف بعمق النظرة القانصة لعلاقات الأضواء والظلال, مثلما في لوحة لرسام لم يكمل المشهد, وهو منتظر لطخة اللون الأخيرة, واللمسة التي تضيف ارتجافة الكائن لدهشة أخرى تقف في الانتظار, ليلا يجره فجر يصحو على مهل بأرجوان الأبدية.

الإحــالات

1 -مقدمة جون ستاروبنسكي لأعمال إيف بونفوا.

1- Yves Bonnefoy, poème, gallimard, col. Poésie, Paris 1982  P(7-8).

2-  Maurice Blanchot : Lentretien infini. Ed Gallimard, Paris 1969 - P ((54.

3-.- Yves Bonnefoy - P (64)

4- - (Ibid -P (12

5- - Blanchot - P (58)

6-  - (Ibid - P (58

حوار مع الشاعر: إيف بونفوا

الحقيقة الوحيدة هي

الكائن الإنساني المنخرط في تناهيه

* خلال السنوات الأخيرة أجريت الكثير من الحوارات حول الشعر, هل يعتبر ذلك تنازلا لكسلنا أم ضرورة للتفسير?

**إنه ضرورة : لأن أفهم نفسي خاصة, إنني أتم ل ص من اقتراحات الحوارات السريعة, ذات المواضيع الشفوية غالبا, وغير المهيأة جيدا والمختصرة, لأن هذه الفرص لا تؤدي إلا إلى تكرار الأفكار,  بل وإفقارها لكونها تأخذ الأشكال البسيطة, لكن عندما يتاح لي أن أعبر عن طريق الكتابة, كما أفعل الآن, أهتم كثيرا بالأسئلة التي تحتاج الإجابة عنها للسرعة, ودون الاهتمام باستنفاذها, لأنه من المؤسف بالتأكيد أن لا نجعل مسعانا هو الذهاب, بقدر المستطاع, إلى عمق مشكل ما, وليكن ذلك المتعلق بالشعر مثلا, لكن ذلك يتيح بالمقابل أن نخاطر في أصعدة لم يكتمل فيها التفكير, أو هو مؤجل إلى وقت آخر. ويكون السؤال حينئذ شيئا محفزا, ويدعو إلى الذهاب إلى مكان آخر غير ذلك الذي نقف فيه عادة.

* مكان آخر : أنحو فكرة الحدث مثلا? في شعرك لا يشف  الحدث إلا من بعيد. ومع ذلك فقد عشت مثلنا الراهن المرعب لزمننا.

** ها هو واحد من تلك الأسئلة التي تأخذ, في الواقع, ما نمثله عبر ما لم نتح له الفرصة ليقال, وهو سؤال أرحب به لأنه يتصل بانشغال يومي لي, بالإضافة إلى كونه مصدرا, أو تقريبا واحدا من مصدرين لمشروعي ككاتب. إنني لا أفسح مجالا للحدث, وللواقعة التاريخية, في أشعاري, لكن رفضي الإثارة المباشرة لا يعني إطلاقا, أنني غير معني بالقدر الذي يعنى به إنسان آخر بالوضعية الحالية للعالم: في الواقع يثير هذا الأخير قلقي, وحتى استنفاري, واستنكاري. وكما أنني مقتنع أن لهذا الخراب علاقة مباشرة مع وضعية الشعر, فأنا لا أجد نفسي إلا شاعرا بالإحساس بمسؤولية خاصة, ولو كانت محدودة, إن لم يكن اتجاه الأحداث, فعلى الأقل اتجاه التفسير الذي يمكن أن يعطى لها, وإعادة النظام المحتملة. لكن يتعلق الأمر إذا بأن نفهم سواء هذه العلاقة بالشعر, أو الطريقة التي يستطيع بها الشعر الوقوف في وجه الخراب. أجد نفسي مأخوذا أكثر بهذا النوع من التفكير لا بمجرد رد الفعل على الأحداث المرعبة المحيطة بنا, يوما بيوم. بناءا على ذلك أعتقد أن الشعر إذا كان طريقا للتخفيف من هذا الشقاء, فلن يكون ذلك إلا بإحياء نبعه الخاص ثانية, وإذن بأن نذهب هناك وأن نبقى في عمق العبارة العادية التي من مهامها أن تفك تشابكها مع غرائزها الشريرة واستياهاماتها.

* لنبقى مع ذلك في الحدث كما عشت ه, ما هي الذكرى التي تحتفظ بها من تحرير باريس مثلا, ومن راهن ما بعد الحرب?

** أي ذكرى? تلك الدهشة اللجية, التي أتت بعد الفرح الساذج عندما اكتشفنا في 1945 ما وقع في معتقلات الإبادة. ولكن, ولكن أيضا, ذلك الإحساس اللاواقعي الذي أعطته, في ساعة الحقيقة تلك الأفكار التي هيمنت على المجتمع الغربي ومازالت تريد الاستمرار في ذلك, مقابل بعض التبديلات: بعد أوزفيتش لم يكن الشعر هو الذي أصبح مستحيلا, كما زعم ذلك أحد الفلاسفة! ولكن بالأحرى الفلسفة! <<الأكاذيب الضافرة>>, واقتراحات الميتافيزيقا واللاهوت التي فضحها مالارميه لزعمها تأسيس الكائن, في حين أنها لم تؤسس إلا أساطير, وعدم أهليتها في الفهم أو بالأحرى الرغبة في الفهم, كانت تبدو على الصعيد (المسند) للواقع الأكثر يومية, وفي عمق العلاقة الأكثر حميمية بين الأشخاص, وذلك لانغلاقها على نفسها في الأحكام المسبقة ذات الطبيعة الاجتماعية أو الدينية, وبسبب عجز الفكر المفهومي بدون شك عن التفكير في لا معكوسية الزمان, والاستعجال في الخسارات, وواقعية الصدفة, وباختصار التناهي الملازم مع ذلك للحياة. لم يستطيع الخطاب الغربي, بالتأكيد, التنبؤ بشيء,  ووقف شيء. لم يحسن الاعتراف بالقيم, والقضايا التي يحتاجها التبادل الإنساني. لقد ترك على مر  العصور عقولا عظيمة تتخبط في تناقضات لا تحل, أو تنهار تحت ضربات الإيديولوجيا التي كانت أقل انهماما بالحقيقي من انشغالها بالاستيلاء على السلطة. الأنقاض كانت هنا أمام أعيننا, مدن م دمرة, إبادات جماعية, اغتصابات, وبعد الحرب, الأمل الذي لا ي قهر عبر التجارة الرأسمالية أو الستالينية, ولكن سبب هذه الآلام كان لا يزال ي حلق فوقهم, ظاهرا بشكل جيد, غمامة سوداء, وهذا أيضا كان يثير الدهشة, وهو ما كان يتطلب أن يكون إلى الأبد, ذكرانا.

أما فيما يخص فكرة الشعر, فلم يكن أمامها إلا أن تتقوى بشكل طبيعي, في هذه الوضعية التي كان يندمج فيها التفكير مع الاكتشاف, يوما بعد يوم, لما سبب آلام المجتمع. لأن الشعر هو البحث من جديد عن التماس مع ما هو آني في الحياة, وفي العلاقات مع كائنات أخرى ستصبح مطلقة, وهذه التجربة لا يمكن أن تحدث إلا بتخليص الكلمة من الأنظمة المفهومية التي تستبدل هذا الامتلاء الممكن بتمثيلاتها المجردة, وهي لهذا السبب جزئية, أي بمعنى, متناقضة, وتضادية بالقوة, كنتائج للحرب. الشعر ليس عدو الفكر, إنه بالعكس ينتظر من العقل المدهش الذي يملكه الفكر أن ينظم هذا العالم- الذي يمكن أن يكون أجمل إذا رح بنا ولو قليلا باقتراحات الامتلاء الحقيقي. وهو ليس حتى عدو أحلام اليقظة الأكثر طوباوية, لأنه يدرك قيمة الأحلام, عندما لا تخفي طبيعتها. لكنه يمتلك وجهة نظر تتيح له نقد الفكر بطريقة جذرية, لتجرم روح النظام. إن رد فعلي على وضعية ما بعد الحرب, هو تقديري أن الشعر كان هو الواجب الأعظم, الذي كان علي إعطاءه الأولوية, ذكرى, هو أيضا, لا أريد إطلاقا الابتعاد عنها.

* وسارتر في هذه الظروف? عندما غادرت السوريالية سجل سارتر تخليك عنها. كيف كان إدراكك للوجودية أو موقفك من التعريف الذي أعطاه سارتر للأدب?

** طبعا, فكرتي عن الشعر, هي ما يعطي الأفضلية, في الفلسفة, للفكر المسمى وجوديا, أي ذلك الذي يعتبر, مثل الحدس الشعري, أن الحقيقة الوحيدة, هي الكائن الإنساني المنخرط في تناهيه, أي في الصدفة والزمن. وكنت أشعر بانجذاب كبير لمطالبات شاستون التي كانت تنشطني حقا, لم أكن أشعر إلا بالإعجاب بالتناقضات المؤلمة التي عاشها كيرارد, والتي اكتشفتها من خلال الكتاب الكبير لجون وال. لكن هذا هو السبب الذي جعلني لا أحب تماما خطاب سارتر الذي كان ينغلق فيه على نفسه الاختصار المفهومي مع متعة العقل التي لا مثيل لفحشها, خاصة في مثل تلك السنوات.

لا شيء وجودي في مثل هذا الفكر الذي بلا أي قلق, والمتصف بشقاق كلي مع الشعر, وحتى بتوجس ما وضغينة انتشرت طويلا, بتأثير من سارتر في الأوساط المثقفة الأدبية بفرنسا. مع سارتر انبعثت الإيديولوجيا من جديد, الأمر الذي كان يبدو لي بقدر أكبر مضرا لأنه كان يتعلق بالكيان في العالم, من خلال كتابات روائية   وفلسفية.

لكنني لم أكن مستعدا من أجل هذا الالتحاق بم ودة هايدجر, تلك التي ارتبطت بالمرحلة الثانية للفيلسوف. سواء كنت محقا أو مخطئا فقد شعرت أن فينومينولوجيا الشعر هذه كانت تنحو أن تدعم اللغة التي تحملها بعلاقة حميمة مع حقيقة متعالية, يفترض أنها جوهر الشعري. في حين أن الشعر, الذي هو بالتأكيد لغة, لا يأخذ قيمته إلا بجعل الإمكانيات التي تمنحها له اللغة موضع تساؤل. الشعر لا يمكن تمثيله بحقيقة قابلة للصياغة, إنه ليس إلا سكة المحراث التي ت قلب الأرض التي يزرع فيها الفكر بذوره, من أجل حقائق ستبقى متناسبة مع حالات الحياة الاجتماعية.

* لقد اكتشفت السوريالية أثناء الحرب, ثم ابتعدت عن أندري بروتون, مع الإبقاء على إعجابك به <<لم أكرهه>> قلت عنه في كتيب حديث. وفي اللحظة التي تشت تت فيها لوحاته وأشياؤه وكتبه التي جمعها في شارع فونتان, كنت من الذين ثاروا. ما هي أهمية السوريالية بالنسبة إليك اليوم?

** بالفعل ارتدت السوريالية خلال بعض السنوات, ثم تركتها لانكرانا...  وللإجابة عن سؤالك هناك عدة طرق, إحداها بالتموقع, إذا جاز القول, داخل الكتابة  والبحث عن إيجاد طريقها وصوتها أيضا, من خلال الكلمة العادية: وسيتعلق الأمر حينئذ بالتفكير في طاقات ما كان يسميه بروتون الصورة, هذه القطيعة في شبكة ما تدعوه البلاغة: الأشكال (Figures) وهي وسائل الإدراك العقلي (التفهم). أصل إلى القول, أن طاقات الصورة هذه, وهي واقعية- بالإضافة إلى تلك التي حلمت بها السوريالية- أهملت اليوم كثيرا, للأسف الشديد, من إصغاء اللاشعور مثلا, الذي يعتبر ضروريا جدا للشعر.

لكنني أفضل البقاء في المستوى الذي التزمت به, الخاص بعلاقة الشعر بالمجتمع والتاريخ. أشعر شيئا فشيئا أن الديمقراطية مهددة في العالم. وشوهت في القرن العشرين بطرق عديدة وكارثية أيضا, في مجتمعات بعينها, وهذا الشقاء يتواصل, بطرق أجمل لكن هذه المسلمات مهددة اليوم في العلاقات بين الأمم أيضا, وفي اللحظة ذاتها التي يفترض أن تتيح العولمة فيها الحق لمختلف البلدان في أخذ الكلمة, لا من أجل إعطاء قيمة لثقافات متميزة- فهذا النوع من التبادل هو قضية أخرى- ولكن من أجل الآراء التي تملكها حول المشاكل الكبرى والمطالبات التي من حقها أن تؤخذ بعين الاعتبار. والحال أن الشعر, من أجل أن يرتقي إلى امتلاء تجربته, هو المكان الذي تتجلى فيه فكرة الديمقراطية للفكر ( العقل), وتضاء وتصبح إلزامية, لماذا?

لأن عمل الشعر, وقد قلت هذا سابقا, هو أن يجعل أنظمة القراءة التي يضعها الفكر المفهومي نسبية: هذه الأنظمة كما هي تمثل نسيانا للمتفرد, وللتناهي. وفي تمزق الشراع هذا يظهر الحضور الكامل للكائنات الأخرى, وإن يكن في غير مستطاعنا أن نختصرها إلى التمثيلات المجردة السابقة: يجب الاعتراف أن الغير-كما نقول بتشويه- له الحق في الوجود كما هو, وهو كما لو أنه واقف في كرامة وجوده. الشعر يمنحه الحق في وجهه, وفكره, ورغبته الخاصة. وهنا بالذات يكمن أساس النظام الديمقراطي. الشعر هو مباشرة  هذا التحديد, وهذا التذكير, وهو على الفور سياسي, لكن فقط بالتجاوز السريع للفضاء البسيط للمدينة, لأن هذا الاعتراف بالآخر, هو بالقدر نفسه اعتراف بالآخر الموجود فينا, في خفايا الأنا الذي ليس هو نفسه إلا تمثيلا مفهوميا. وهكذا تنفتح الطريق أمام <<أنا>> كوني, يشكل العالم الطبيعي وحتى الفضائي أفقه.

الشعر هو تغيير الحياة,و بالقدر نفسه تجديد العلاقات الاجتماعية, يمكن أن لا يستطيع معرفة ذلك, ولكن حتى في الكلمات نفسها التي يستعملها, كلمات اللغة العادية, فهو يواصل على الأقل تكثيف التبادل الإنساني. لهذا السبب, أبديت بعد الحرب, وإن كان بطريقة مازالت غامضة, اهتماما كبيرا بالمشروع السوريالي, وفيما بعد أيضا. بروتون أيضا اعتقد أن الشعر هو الموضع الذي على العلاقة الاجتماعية أن تجدد حيويتها فيه, لتصل ليس فقط إلى عدالة أكبر ولكن إلى قوى الحياة التي توجد حاليا تحت الصاع, لقد عرف كيف يحافظ على موقفه كشاعر في تحليلاته للحدث التاريخي, وقد سبق لي أن كتب ذلك, ولكنني لا أتعب من التذكير به, والدليل على أنه كان محقا هو أنه كان الوحيد من بين من كنا نسمع لهم في هذه الفترة المليئة بالفخاخ, من ندد , في آن واحد, بكل صرامة وبدون أي رغبة في الاستسلام لليأس, بالنظامين التوتاليتاريين  الكبيرين لتلك الفترة: وهو فعل شجاع كذلك لأن أخطاء وجرائم الاشتراكية الحاكمة كان مسكوتا عنها لضرورة محاربة النازية.

* سؤال آخر أيضا, عن هذه السنوات, وعن فاليري. في تلك الفترة التي كنت قريبا فيها من أندري بروتون, كنت تتابع أيضا دروس بول فاليري في الكوليج دو فرانس. أكان ذلك من أجل نوع من قوة موازنة للنشاطات السوريالية?

** أقول نعم, وهذه الرغبة لم يكن لها أي علاقة بالاهتمام الذي كان يمكن أن أبديه تجاه قصائد فاليري. بالتأكيد كنت أحب الكثير منها, والتي كانت تستجيب في  لانشغالات لم يستطيع الشعر السوريالي أن يخفف من حدتها. حتى وإن كانت بعض أبيات <<المقبرة البحرية>> منظورا إليها عن قرب, لا تملك صرامة الكتابة التي كان مؤلفها يستند إليها, إن هذه القصيدة في مجملها, هي تجل مقدس بليغ الأثر للعالم الطبيعي في واحدة من لحظاته ذات الراهنية الفيزيائية العظيمة, حتى يتحول الفكر إلى شهادة خالصة كما هو موجود. والالتقاء هكذا بالوضوح, هذه الوصية المتروكة من اليونان القديمة والتي احتقرها لاهوتيو الخطيئة والسقوط, كان ذلك مفيدا بالنسبة إلي, على هوامش كتابة سوريالية ح لمية ومشحونة بإفراط بالاستيهامات. من جهة أخرى, إذا كانت شعرية فاليري لا تعجبني قبل هذا بنبرتها التي تؤكد على الفعل, وعلى الموضوع الذي كانت تريد أن تراه في القصيدة, وبتقنية الكتابة, كان هناك أيضا المجذف الرائع ليندهش أكثر مني بهذا الشاعري الذي كان يفسح العنان لحزنه الملغز.

لكن القرابة الكبيرة مع فاليري شعرت بها على صعيد آخر, فإذا كانت السوريالية تصر على التأكيد على الكتابة الآلية, وتدفع من جانب آخر, وهي غالبا على صواب, إلى ردود فعل مباشرة وجماعية بالقدر نفسه على الأحداث التي كانت تقع, فإن ذلك كان في نظري, تجاهلا خطيرا للدور الذي على الكاتب النهوض به. ألم يبق هذا الأخير بالفعل, الشخص المتميز, الذي وهو يعمل ويفكر بهذا الشكل, في مكانه وبكل وسائل تفكيره, قادرا إذا أن ي جمع في وحدة رؤيته تنوع المشاكل التي يطرحها زمنه على الفكر: مما يتيح له أن يضيف إلى ممارسة الكتابة, المفتوحة في الشعر على أعماق يجهلها, عقلا قادرا على أن يرى يمينا ويسارا, بالإحساس بمسؤوليته في هذه المنطقة الزلزالية والمدهشة الخصوبة في الآن نفسه, حيث تنهض المفاهيم, المخصبة بواسطة حركات القصيدة? هذا الكاتب لم يكن بروتون إلا ليكونه, وهو قد أعجب كذلك بفاليري, ولكن فاليري كان كاتبا بطريقة أكثر اختلافا, ولا تشكلا. وإذا كان يبدو أقل شاعرية, غالبا, فإن هذا الحال لم يكن إلا ليذكر بأن التطلع الشعري يلزمه أن ينتصر تقريبا دائما على المقاومات, ولكن هذا الفعل لا يؤتي ثماره إلا إذا كان الحاجز الذي يعترضه واقعيا, وإلا فإنه لن يكون قد انتصر إلا في الحلم. يحتاج شاعر المستقبل أن يجد في ذاته شيئا من فاليري ليبلغ الشعر فعلا. ومع ذلك, فقد جاء اليوم الذي طالبتني فيه إرادتي الخاصة, وهي تنسحب من المواسم الأولى المبهمة, أن أحتج  بشدة ضد الاختيارات الوجودية لفاليري.

* لقد جاء اليوم الذي درست  فيه أيضا في الكوليج دو فرانس, ولم يكن الكرسي الذي شغلته فقط وببساطة كرسي <<الشعرية>> ولكن <<الدراسات المقارنة للوظيفة الشعرية>>. وتناولت دروسك: بودلير مالارميه, شكسبير, التراجيديا الإغريقية, وحتى دولاكروا أوجياكوميتي, وقد قبلت قبل هذا مهام التدريس مرات عديدة في فرنسا,  وخاصة في الخارج, ومما أثار دهشتنا ونحن نرحل في عملك, الأهمية التي يحتلها النقد من حيث الحجم, والذي ينصب على شعراء أو رسامين أو نحاتين أو مهندسين, ما هي الروابط الموجودة عندك بين [الشعر والتدريس أو البحث]?

** إن هذا السؤال يتيح لي العودة إلى نقطة انطلاقنا, نهاية الحرب, إن هذه الفترة كانت حقلا من الأنقاض, أنقاض أيضا في الروح, لكن شيئا ما بقي واقفا, داخل هذا الهباء, وكان مرئيا كذلك, على الأقل لعيني, وتمثل في أعمال بعض الباحثين,  وخاصة أولئك الذين لم يكن للإيديولوجيا نفوذ  كبير عليهم, بسبب شغفهم بالبحث عن المعنى الأصلي لهذه الشذرة أو تلك من ماضي الإنسانية, وكانوا كثيرين منذ بداية القرن العشرين. أفكر هنا بعلماء إثنولوجيا, وألسنيين, ومؤرخي الأفكار, أو الإبداع الفني, هؤلاء المتبحرون والعلماء كانوا يشتغلون على مادة كانت في الغالب وهم فترة أخرى, وحتى لأشكال من هذه الأكاذيب, ولكن عملهم كان رغبة في الحقيقة, لكن أي حقيقة?

إن تفكيك قراءات سابقة, ع رفت مثقلة بالفرضيات الميتافيزيقية وأحلام يقظة ذات طبيعة روحانية واستخراج الدلالات المنسية أو المرفوضة, أيا كانت هذه الأخيرة.   ولاتمام هذا المسعى العقل, العقل البسيط. لقد بقيت هذه الأعمال محترمة بالكامل, عندما استبعدت أنواع أخرى من التفكير في 1944, ومن جانبي رأيتها ومازلت أراها دائما, كما لو أنها قريبة في العمق من الشعر. ألا يتعلق الأمر في الحالتين, بتخليص حضور ما, وحياة ما, من التمثيلات غير الملائمة التي تغلفها.

تبع ذلك وبسرعة أنني رأيت في بعض المؤرخين, والفيلولوجيين, الضفة التي يجب الالتحاق بها. منذ 1945 أدخلني رجل رائع هو لوسيان بيتون إلى مكتبته العظيمة, وأوضح لي جون وال, في كتبه, أن تاريخ الفلسفة يستطيع تأمل الانحرافات, وفي 1950 رحب بي أندري شاستل في حلقته الدراسية التي فتحها في المدرسة العليا. ولم أملك إلا أن أتورط في فخ عدد من أحلام اليقظة, بدأت في قراءة بعض المؤلفين الذين در س بعضهم في هذه المدرسة التطبيقية, أو في الكوليج دو فرانس. هكذا استعدت إيماني (ثقتي) إذا أمكن قول ذلك.

لكن لم أعتبر نفسي أبدا باحثا, ولحساب الشعر كان بحثي عن هذه الضفة. في البداية, ومثل الكثير, أحسست أن فهم ما هو الشعر, وتقرير ما يريده, وكيف يكتشف ذلك, هو المطلب الضروري لحداثة لا يكون فيها مكان للإيمانات والعقائد, لربط الشعر بتصوراتها للتعالي: ذلك على الأقل بالنسبة للبعض, الذين كنت واحد منهم, لكن فهم كيفية البحث عن القيام بذلك? ألا يجب الاحتراز من ميلنا للنظرية, التي يمكن للحلم أن يغزوها, ولإمكانياتنا المحدودة في الفهم أن تهدد بكل بساطة الشعر, وأن تبقيه مورطا في نزوات المرحلة? نعم, ولكن من دواعي السرور أن الشعر ينتمي لكل الأزمنة. وكإصلاح للمفهوم, ولد الشعر مثله من نفس واحد, أي في فجر اللغة, وولدت معه في الحال وظيفته الراهنة, وإن كان في سياق آخر, والحل, بالنسبة لمن يريد أن يسائل بطريقة سليمة هو كما يلي: لكي نتعمق أو بكل بساطة نتحقق من الفكرة التي نخاطر بطرحها: فلنطلب من شعراء ومفكري الأحقاب السابقة ما أدركوه وعاشوه من الشعر, واستطاعوا قوله, وفي هذه النقطة بالتأكيد تتجلى أهمية المساءلة العالمة لقضية الشعر. فمن يريد الخوض في فرحيل أودانتي أو شكسبير, ليجد فيهم ما يدل على معنى ما, يلزمه, وهذا ضروري أن يفهم قبل أي شيء كيف أن ما أرادوا قوله تمنع, وتخفى, وحرف في لغة بلدانهم ومرجعيات لحظتهم التاريخية, يجب بمعنى آخر اللجوء إلى أعمال مختلف الباحثين: مؤرخي الكلمات, مؤرخي الأفكار والديانات, مؤرخي الفن, وبدون توسط هذه المعرفة لا يمكن تحقيق شيء جاد. وإذا افتقد هذا, فإن كل ما ليس إلا سرابنا, سيبدو بديهة. بإيجاز, لكي نفكر في الشعر, وفيما يمكن أن يكون له من راهنية وفظاظة وحتى وحشية يجب الإنصات جيدا لما يقوله الناشر الحذر والمتواضع لنص <<الرعويات>> يجب استشارة القواميس العويصة للغة الإليزابيتية.

أي كارثة هو الموضع المشترك, الذي نشأ عند شعراء مزيفين على هامش الرومانسية, ووفقا له فإن ارتياد المدرسة أو التعمق في المعرفة ي ضر بالشعر, الذي يلزمه أن يحافظ على تلقائيته, وقوته الانبثاقية, هذه الحرية المزعومة ليست إلا استسلاما بأيد وأرجل مقيدة, لأفكار تبسيطية لم نعد نعرف كيف نطردها من حكمنا القبلي, واستسلاما لشائعات لم نعد نعرف كيف ننقدها, إنه فراغ في الرأس ينذر الثورة الأساسية العظيمة لأن لا تكون إلا سلسلة من ثورات فلاحين, من أجل السعادة الكبيرة لأعداء الشعر, الموجودين بكثرة وفي كل مكان. الشعراء الكبار هم في الوقت نفسه كل العنف الداخلي وكل الصبر من أجل الفهم, يعرفون فخ الأمية, وأنه لا يكتسح فقط الضواحي.

* هل يفسر هذا الاهتمام بأعمال الماضي انشغالك الذي تخص به الترجمة? فقد, اخترت,مثلا أن تخصص الكثير من وقتك لترجمة شكسبير, حوالي اثنتي عشرة مسرحية,  في الوقت الذي يعتبر المسرحي الأكثر ترجمة. هذه السنة ترجمت أيضا إحدى كوميدياته كما يحلو لك.

** أستطيع أن أجيبك بأنني أنحو إلى الاعتقاد بأن شكسبير لم يعش من جديد بطريقة صحيحة في فرنسا, لأن مترجميه المختلفين لم يرسخوا مباشرة في العمق,   وفي أنفسهم, وهو الأمر الضروري مع ذلك, إيقاعا ما, هذا الإيقاع الأساسي الذي يسند البيت ويغير النظرة إذن, التي تدرك المنطق الخاص للنص, وللوجود على السواء. لكن الأكيد أن الانشغال بفهم فكر شكسبير وتصوره للشعر, أصبح وبسرعة أحد دوافع ترجماتي الممتدة الآن شيئا فشيئا على مدار خمسين سنة: كل مسرحية, بدون أن أنسى السوناتات, تمثل مرحلة في البحث عن الذات الذي عاشه شكسبير, مع لحظات من الوعي الثاقبة في بعض الأحيان. هل يجب التذكير? بأن الطريقة الأحسن للقاء مؤلف هي ترجمته. ذلك أن المترجم ملزم بالوقوف عند معنى ووظيفة كل كلمة, وكل فكرة, وكل صورة. الأمر الذي لا يفعله القارئ العادي, بتصعيد الإيقاع المتحرك الذي أتيت على ذكره إذا أمكنه ذلك, الإيقاع الذي يتكرر باستمرار في كلماته الخاصة, وفي بدايات جمله, فإنه قادر أن يتابع شاعرا في تجريبيته الداخلية الأعمق. إن المترجم, هو القارئ المطلق, المتوغل في العمل الذي أدركه في لحظته التاريخية.

* لاحظت أن المقطع الأول من مجموعتك <<عن حيوية وثبات دوف>> معنون ب-<<مسرح>> هل يدل ذلك على علاقة ما في إبداعك بين الشعر والتعبير المسرحي?

** <<مسرح>>, نعم, هكذا كان يعلن عن نفسه منذ البداية المقطع الأول لـ دوف ولكن في متن الكتاب نفسه أو في النصوص التي جاءت بعد ذلك, هناك صفحات تحت عنوان <<صوت>> أو <<صوت آخر>> أو <<الصوت نفسه دائما>> هي بالنسبة إلي عبارات اعتقدت أنني سمعتها في الخارج. رغم أنها تطلع مني, وهناك أخرى أعنونها ب-<<حجر>> لأنه يفترض أنها شواهد قبور, أحاول أن أصغي  في عمقها لما تعرفه كائنات, وضعها الموت أمام أمره المحتوم, عن التناهي. أصوات في لحظات وأماكن مختلفة في كل ما كتبته, أصوات, وإذن مشهد تعبر فيه هذه الكائنات وتلتقي, وتبادل بعضها الكلام, وتكلمني. أظن أن هذا النوع من المسرح الذي بدون تخيل غير التبصر هو الجوهر نفسه للكتابة التي تنحو إلى الشعر. وهذه الفكرة هي التي تستحوذ علي في الكتاب الذي أشتغل عليه, والذي نشرت مقطعه الأول هذه الأيام.

- حجر-

    لقد أراد

   أن لا يكون النصب حيث توجد بعض الرموز

   التي تحاول قول ما كانه

   إلا  واحدة من تلك الأحجار التي كانت تتدحرج

   تحت قدميه عندما كان ينزل, طفلا بعد,

   على مهابط منحدر أحبه.

   رموز,متعذرة التمييز لهذه العلامات

   التي تجعل كل حجر, مثل

  هذا اللوح من أوكسيد الكوبالت, فريدا في آن

  ومشابها تماما للأخرى.

 

  وحجره هذا, لكي يتكلم

  مع هذا المنحدر الذي كان يعني له

  كل الجمال, وكل الحقيقة. ها هو

  قرب  سيل في الأسفل, بين أحجار أخرى.

 

أيها المار, عندما ستأتي, هل ستنتبه إليه

هل ستفهم أي أحلام, أي آمال

هي  كلمات لغات أخرى غير تلك التي لعوالم أخرى,

تقرأ, في الآثار التي ي خل فها

الجليد والأمطار, والصاعقة? ستدفع

برجلك هذا المطلق نحو الأسفل أيضا

- معجزة  النار-

   وهناك بين أزهار الحقول, تلك التي من شمع

   ليست الأقل تأثيرا, مرسومة بلون فاتح

   كما يريد الأمل الذي يحلم

   حتى في ألم الذكرى.

   وغير المصدق الذي يتباطأ بقربها

   يأخذ هو أيضا الكأس الزجاجي الصغير,

   يرفعه, بشكل يتعذر كبحه, أمام الصورة,

   ويعيد بعث معجزة فيها,

 

   ثم يضعه, غير منته, ويواصل طريقه,

   مدركا العلامة ولكن ليس المعنى.

   ما الذي يوجد في هذه الشعلة التي ليست إلا ظلا.

   يقول, ماهي الكلمة التي تنقص في صوتي?

  

   كل شيء ساطع مع ذلك, عندما يحل  الليل

   لماذا في كل حياة تكون سفينة

   أكثر انخفاضا, والماء الذي تفتن أكثر عنفا

   في انقذافه تحت القبة الصاخبة?

- حجر-

  كان هناك أمل للبناء هنا,

  هنا على هذه الضفة أو في الكلمات.

  كان يلزم أن ي سلم وحهه للشعل

  وأن يقلق في الشعل

  وأن يعمى من جديد.

المسار الكرونولوجي,

لحياة وأعمال الشاعر بونفوا

1923: ولادة الشاعر في 24 جوان (يونيو) في تور, من أب يعمل في ورشات السكة الحديدية, وأم ممرضة ثم مدرسة.

1929-1934 : الدراسة الابتدائية في تور, وقضاء العطل الصيفية في سان بيير طواراك. عند جديه لأمه.

1934-1936 : الدخول إلى الثانوية. اكتشاف اللاتينية والرياضيات. موت الأب.

1937-1940 : يتحصل على منحة الداخلية في ثانوية ديكارت بتور بكالوريا اللغة الفرنسية سنة 1940. يكتشف السوريالية وأشعار  بول فاليري.

1941 : المرحلة الثانية من البكالوريا. يلتحق بالجامعة لدراسة الرياضيات.

1942 : يتحصل على شهادة في الرياضيات.

1945 : يلتقي مع كريستيان دوترومان, مؤسس الجماعة السوريالية <<كوبرا>>

1946 : قراءة بطاي, أرطو, ميشو, إلوار, جوف, وخاصة كيرجارد وباشلار.

 إخراج المجلة السوريالية <<ثورة الليل>> (طبع منها عددان) نشر فيها بونفوا  أشعاره الأولى.

1947 : القطيعة مع أندري بروتون وجماعته قبل افتتاح المعرض الدولي

للسوريالية بقليل, بونفوا لم يكن يقاسم اهتمام بروتون بالسحر والتنجيم.

 أعطى الكثير من نصوصه لمجلة <<الأختين>> التي تصدر في بروكسل من طرف كريستيان دوترومان.

1948 : العودة إلى الدروس الجامعية ومتابعة دروس جون وال, وجون هيبوليت وغاستون باشلار, يتحصل على ليسانس في الفلسفة ثم دبلوم الدراسات العليا حول <<بودلير وكيرجارد>>.

1949-1952: يسافر إلى إيطاليا, وهولندا وبريطانيا. يتعرف على أندري شاستال

3591 : ينشر مجموعته الشعرية <<عن حيوية وثبات دو?>> (منشورات ماركير دو فرانس). تلقاها النقد بترحيب كبير. يلتقي مع بيير جون جوف.

1954-1956 : يلتحق بالمركز الوطني للبحث العلمي CNRS ويسجل كموضوع لأطروحته: <<الدليل والدلالة>> عند بيير دي لا فرنسيسكا.

تحت إشراف جون وال وأندري شاستل. يلتقي مع فيليب جاكوتي, جاك دوبان, أندري دي بوشيه, أندري فرينو, ألبرتو جياكوميتي.

و ينشر بحثه الأول في تاريخ الفن بعنوان <<الرسومات الجدارية لفرنسا القوطية>> (منشورات بول هارتمان)

و يكتب أول نص مخصص لبودلير (مقدمة لديوان أزهار الشر).

1957 : يسافر إلى اليونان.

1958 : يسافر لأول مرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ينشر ديوانه : <<أمس سادت الصحراء>>. و <<حجر مكتوب>> مع رسومات لراؤول أوباك. نص لفليب جاكوتي عن إيف بونفوا في المجلة الفرنسية الجديدة.

1959 : يرتبط بصداقة مع بوريس شلوز, وغايتان بيكون, وجون ستاروبنسكي. ينشر  <<اللامحتمل>> (مقالات حول الشعر والفن).

أول مقالة لموريس بلانشو عن إيف بونفوا في المجلة الفرنسية الجديدة.

1960 : ترجمة مسرحية <<يوليوس قيصر>> لشكسبير وتمثيلها في المسرح.

1961 : ينشر <<البساطة الثانية>> (مقالات).  و<<رامبو بقلمه>>.

1962 : نصوص ضد أفلاطون الشعرية ت نشر مع رسومات لخوان ميرو.

1963 : يكتشف مع صديقته لوسي فين جبال الألب المنخفضة أين يقيمان قليلا.

1964 : يظهر مقال لجون بيير ريشار عن إيف بونفوا في مجلة <<نقد>>.

1965 : ينشر ديوان <<حجر مكتوب>> بطبعة مختلفة عن السابقة. يترجم مسرحية <<الملك لير>> لشكسبير.

1967 : صداقة مع هنري كارتي ومارتين فرانك.

يساهم في فترة الصيف في مهرجان الشعر العالمي في لندن. يصدر<<حلم حدث في مونطو>> (مقالات جديدة حول الشعر والفن). و أيضا <<الشعر الفرنسي ومبدأ الهوية>> مع رسومات لراوول أوباك.

صدور العدد الأول من مجلة <<الوقتي (éphémère)  التي أسسها غايتان بيكون وجاك دوبان وأندري دي بوشيه وبول تسيلان وميشال ليريس.

ينشر <<المحاكمة التعذيبية>> ومقالا حول جياكوميتي الذي رحل قبل ذلك بقليل.

1968 : يتزوج مع لوسي فين- يسافر إلى الهند مع أوكتافيو باز, وإلى اليابان وكمبوديا وإيران.

يدرس لمدة سداسي في جامعة برنستون, أين التقى بجورج سفيريس و ترجم بعض أشعاره.

يترجم مسرحية <<روميو وجولييت>> لشكسبير.

1970 : يصدر كتاب <<روما 1630, أفق الباروك الأول>> يعمل أستاذ زائرا في جامعة جنيف.

ينشر مقال: <<بودلير ضد روبانس>> في مجلة <<الوقتي>>

1971 : يحصل على جائزة النقاد عن كتابه <<روما 1630>>.

1972 : ولادة ابنته ماتيلد- موت أمه- إقامة جديدة في جامعة جونيف يصدر كتاب <<داخل البلاد>> عن منشورات شعاب الإبداع.

1973-1976 : يعمل أستاذا زائرا في جامعة نيس. ويبدأ في إنجاز <<معجم الأساطير>> (مع مئات المساهمين).

1975 : يصدر ديوانه: <<في خديعة العتبة>>.

1976 : يصدر كتاب <<عن تجربة>> مع رسومات لألشنسكي تخصص مجلة <<القوس>> عددا خاصا بإيف بونفوا. فيه مقالات ل- جون ستاروبنسكي, فليب جاكوتي, كلود فيجي...

إصدار كتاب عن إيف بونفوا في سلسلة شعراء اليوم.

1977 : يقيم لأول مرة في جامعة ال.Vale  يكتب قصائد نثرية وحكايات <<حكايات في الحلم>>.- يصدر <<السحاب الأحمر>> مقالات في الشعرية.

1978 : يحصل على جائزة مونتاني- تصدر أعماله الشعرية بين 1947 - 1975- يصدر<<ثلاث ملاحظات عن اللون>> مع طبع حجري ل- برام فان فيلا.

1979-1981 : يعمل أستاذا مشاركا في جامعة إيكس أون بروفنس- ترجمة كتابه <<أصل اللغة وقصائد أخرى>> للإنجليزية.

1980 : يصدر <<اللامحتمل limposable >> متبوع بـ <<حلم حدث في مونطو>> في طبعة جديدة ومنقحة ومزيدة.

1981 : يصدر <<حوارات حول الشعر>>

يحصل على كرسي <<الدراسات المقارنة للوظيفة الشعرية>> بالكوليج دو فرانس يخصص الدروس الأولى لـ<<شعرية جياكوميتي>>- يصدر <<الحجر الذي يثقب المعنى>> مع صور محفورة لـ أنطوني طابييز- يصدر<<معجم أساطير وديانات المجتمعات التقليدية والعالم القديم>> الذي أشرف عليه في جزءين.

 

1982 : يصدر <<الف ضلة>> مع طبع حجري ورسومات مائية لألشنسكي.

1983 : يصدر <<غايتان بيكون كان سيتكلم ذلك المساء>> مع طبع حجري لريمون ماسون, مارساي, إدومني- يترجم مسرحية <<ماكبث>> لشكسبير- ملتقى سوريزي- لا صال يخصص لإيف بونفوا.

1984 : يصدر <<قطعة من منحوتة في عشب أرض مسورة مازالت مقفرة>> مع صور محفورة ل- أنطوني طابييز.

1985 : يحصل على دكتوراه فخرية من جامعة نيوكاسل (سويسرا) والكوليج الأمريكي (فرنسا)- يصدر <<معجزة النار>> مع صور محفورة لإدواردوشليدا- صدور <<إيف بونفوا: شعر, فن وفكر>> أعمال ملتقى مركز البحث حول الشعر المعاصر في بو Pau .

1987 : إقامة أولى في إيرلاندا (محاضرات في جامعة ييتس)

يصدر ديوان <<ما كان بدون ضوء>> و<<حكايات في الحلم>>

1988 : يصدر: <<مرحلة أخرى من الكتابة>> و<<هناك حيث يسقط السهم>> و<<حقيقة العبارة>> (مقالات)- تمثيل مسرحية <<هاملت>> بترجمة بونفوا في مهرجان أفينيون.

1989: يصدر : <<بداية ونهاية الثلج>> شعر مع رسومات مائية (جونفييف آ>>-يترجم أشعار<<ويليام بيتلرييتس: 45 قصيدة متبوعة بـالبعث>> ويصدر <<عن نحات ورسامين>> مقدمة لكاتالوجات الفنانين (ريمون ماسون, كريستيان, دوترومان, ناصر عسار, ميكلوس بوكور, ألكسندر هولان..>>

1990 : يصدر<<هيلانة من الريح أو الدخان>> مع صور محفورة لإدواردو شيليدا- يصدر أيضا <<حوارات حول الشعر>> (1972-1990)

1991: يعيد إصدار <<بداية ونهاية الثلج, متبوعة ب- هناك حيث يسقط السهم>> وكتاب <<أربع خطوات في غير القابل للترجمة>> (lintraduisible)  وكتاب <<جياكوميتي: سيرة عمل>>.

1992 : يصدر <<الحياة التائهة>> مع طبع حجري ل- ميكلوس بوكور و: <<ألشنسكي: العبورات>> و : <<مقالات جديدة عن بودلير ومالارميه>>- يحصل على دكتوراه فخرية من ترينتي كوليج (دوبلان)

1993: يصدر <<الحياة التائهة, متبوعة ب-<<مرحلة أخرى للكتابة>>- يترجم أشعار شكسبير مسبوقة ب- مقال: هل نترجم شعرا أم نثرا?

1994: يترجم مسرحية <<حكاية الشتاء>> لشكسبير.

1997 : يصدر<<الذي لا يزال أعمى>> (الشعر). و<<حفل بطيء>> مع رسومات تانترية أصلية- يترجم مسرحية <<العاصفة>> لشكسبير مسبوقة ب- <<يوم في حياة بروسبيرو>>

1998 : يصدر <<شكسبير ويتيس>> كتاب يضم المقدمات التي وضعها لترجماته منذ 1962 لشكسبير ويتيس- يصدر <<الألواح المنحنية>> شعر مع صور محفورة ل- فرهاد أوسطوفاني.

1999 : يصدر <<مطر الصيف>>, <<أماكن وأقدار الصورة.>> و<<درس في الشعرية بالكوليج دو فرانس>> (1981- 1993)- يترجم مسرحية <<أنطوان وكليوباترا>> لشكسبير مسبوقة ب- <<نبالة كليوباترا>>.

2000 : يصدر <<أندري بروتون في أمام الذات>> (محاضرات) و<<مسرح الأطفال>> (حكايات) و<<تعليم ونموذج ليوباردي>> (مقالات) و<<الشعر والهندسة>> (مقالات)

2002 : يصدر <<داخل البلاد>>- يصدر <<الشاعر والانعكاس المتحرك للتعدديات>> (محاضرات)- مجلة أوربا العريقة تخصص عددا لإيف بونفوا.

الكتـــابة كرســـام

لـ: أليات أرمل (Aliette Armel)

إن علاقة إيف بونفوا مع الفنون التشكيلية مندمجة بعمق مع شعره, وأحلامه,  ومع حكاياته ودروسه في الشعرية بالكوليج دو فرانس. فالرسومات مثل الشعر تقود إلى التقاط الواقع في وحدته.

توجد الصورة في أصل المسار الثقافي لإيف بونفوا. إن عالم طفولته كان مفتقرا إلى الصور, والصورة الوحيدة التي تظهر, كانت منبثقة, مهما كانت قيمتها, مثل استثناء أخاذ ومربك: <<صرح لفرانسواز دافوا قائلا: أتذكر طبعا حجريا ملونا  (molithographie), الله وحده يعلم أية صدفة جعلته يكون معلقا على الجدار في بيت نشأتي الأولى في شارع?الفان-تيو كانت تظهر فيه بحيرة زرقاء, مع سواقي مياه سوداء تقريبا على خلفية من الجبال الوردية, البيضاء في أعاليها بسبب الثلوج (التي كان يقال لي عنها كلمة تسحرني) الخالدة.[.......] وربما بسبب هذه الصورة التي أعتقد أنني رأيتها منذ سنواتي الأولى, كنت مستعدا للبحث والتعرف على نفس هذه الميزة فوق الطبيعة والميتافيزيقية, للبلاد التي كنت أقضي فيها عطلي الصيفية, تلك التي تكلمت عنها في كتاب <<داخل البلاد>>.

عاش بعد ذلك تجربتين منصهرتين في واحدة: <<الفورية (الآنية في الشيء, و<<الصفاء>> في استعمال الكلمة>>. ثم اكتشف النصوص المكتوبة بالفرنسية, من قبل جد ه, الذي كان يتكلم اللهجة الباتوية (Patois) كان ذلك <<كما لو أن اللانهائي الملازم للواقع- الصورة, يسيل عبر هذا النزيف في الكتابة. لقد التقى>> <<في الأشجار,  والأحجار, وتحت رعود ضفاف اللو (lot), حضورات أكثر كثافة وجمالا>> من كل ما كان يعرفه حتى ذلك الحين: <<الحضور فيما هو موجود, الحضور الكامل الملموس الذي ي نهك كلمات صمته. [......] الرسامون الكبار جعلوا هذا الآني, وهذا الامتلاء الملموس يظهر, كأنهم كانوا أنبياءه>>.

إن اكتشاف لوحات تيتيان وبوسان المنسوخة في كتب, تمثل <<نهاية الصورة>> التي تتحول إلى فخ عندما ت ق ل ص إلى مجرد انعكاس للواقع. <<منذئذ كانت شخصية هؤلاء الرسامين قوية جدا, ولم يتركوا لي الإمكانية ولا الحق ربما في المغامرة داخل أعمالهم تحت غطاء الأشكال غير المكتملة, مثل الطفل الذي ي ض ي ع الحدث في غابة حكاية الحوريات. وبدأ نوع آخر من التحريض يصبح قبل الآن أكثر ضغطا>>.

إن هذا التحريض مزدوج, كما كانت دراساته العليا في الفلسفة وتاريخ الفن.  وباللقاء بين سنتي 1945-1947 مع السورياليين تحول إلى الشعر:

<<لأنه إذا كان ذلك هو صفاء اللغة, والصفاء داخل اللغة, وإذا كثافة النظرة أيضا [....] فإن هذا ما يمكن أن يساعدك أكثر في الخلاص أمام أعمال, أمام أماكن من الأرض من غواية الخوض فيهم وعيشهم كصور, والتي ليست إلا بسطا لأفكار,  والعلاقات بين الكلمات, وتسجيلات لاستيهامات في شبكات دلائلية>> لقد أقام أيضا حوارا مع الأعمال الفنية, عبر طريق مختلف وقريب في الوقت نفسه من الشعر: هذه الأعمال التي تقود إلى <<ما يجعل في المظهر إمكانية قيام الحضور>>, وإلى التقاط للواقع في وحدته وكليته. فعندما اقترح أحد المحاورين على إيف بونفوا أنه<<يكتب كرسام>> لم يعترض على العبارة. إن علاقة إيف بونفوا مع الفنون التشكيلية ومع الشكل واللون والضوء والشفافية مندمجة بعمق في شعره وأحلامه وحكاياته ودروسه في الشعرية بالكوليج دو فرانس.

إن النهضة تشغل مكانا أساسيا في كتاب <<داخل البلاد>> 1972, الذي ساهم به في منشورات <<شعاب الإبداع>> التي كان يشرف عليها غايتان بيكون لفائدة ألبير سكيرا:  وفي هذه الكتابات ذات النبرة الحميمية, يقدم الكتاب رؤيتهم الشخصية للفن.

مع ذلك خصص إيف بونفوا لـ <<الرسومات الجدارية لفرنسا القوطية (ghotique) أول بحث في تاريخ الفن, بمقدمة طويلة لـ 144 صورة فتوغرافية لبييردوفينوا. وبقي تقسيم الدراسة إلى مناطق كلاسيكيا جدا. وكان يشير في الإحالات أسفل الورقة إلى المؤرخين: إميل مال, فوسيون أو لويس ريو, ولكن الأمر كان يتعلق منذ ذلك بقضية تمثيل الواقع, والمحاكاة التي كانت مطروحة :لقد كان إيف بونفوا يفضل في رزنامة كنيسة بريتز شهر جوان أين  <<تظهر حيوية أهم من الدقة, تكفي ربما لتعو ض-للحظة- العلم الحقيقي للرسم وحذاقة الروح>>. إن إيف بونفوا كان يبحث في الفن القوطي عن انبثاق الطريقة الجديدة التي قادت إلى انفجار النهضة, وتجاوز الرمزية الثقيلة, و<<الألوان المجم دة في معناها>>.

في كتاب <<روما, 1630, أفق الباروك الأول>>(منشورات فلاماريون 1970 ), يستكشف بونفوا الجانب الأخر من مرحلة النهضة: الفترة التي من خلال أعمال كراش (carrache) والـ: كرفاج (carrvage) انفصل فيها تمثيل الشيء والبحث عن عالم مثالي>>. وقد فسح الكون المنظم لعصر النهضة المجال لعالم كان عليه أن يستخلص نتائج كشوفات غاليليو. <<فإذا كانت الأفلاك السماوية قابلة للفساد مثل الطبيعة الأرضية, [...] فإنه لا يعود للأشياء في عمق شكلها إمكانية كمال هي في الوقت نفسه حضور الله وامتلاكنا لجوهره [...] أي  انقلاب في الفنون التي كان لها إلى حد الآن القدرة,  والعبء أيضا, في تعيين الإلاهي بمعطيات الحواس>>. إن إيف بونفوا ينشغل بالكيفية التي يعبر بها الفن عن تصور للعالم, وكيف يشهد على طريقة الوجود في مكان, في فترة من فترات تطور الفكر والعلوم. <<يقول إنني أدين لأندري شاستل, بكوني تعلمت كيف أنه يجب احترام الحدث (le fait), في الوقت نفسه الذي نكون فيه مشغوفين بالفكرة, وكثافة الوقائع, اللامنتهية, هناك على الخصوص حين يحاول الإيديولوجي أن يقلصها إلى هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها الخد اعة>> إنه يسائل في بعض الأحيان تاريخ الفنان: فبوسان  (Poussin) فردي كثيرا [...] كي لا يكون حزمه الشخصي أكثر تقدما على الشروط العامة للحياة الفنية المعاصرة>> إنه ينتمي لهذه <<الروح المتوحدة العظيمة التي تطالب بكبرياء أن تكون نظرتها وحدها الشكل الكافي أين يختفي قدر>> خلف رسم <<كله ذهني>>.

عندما خصص بونفوا مونوغرافيا لألبرتوجياكوميتي (منشورات فلاماريون 1991), لم يكن يبحث عن وضع سيرة ذاتية للرجل, ولكن <<سيرة ذاتية للعمل>>, إن ما يستوقفه عند فناني الماضي كما الحاضر هو <<الهنا والآن>> حضور الفنان في العالم لحظة تشكل عمله. إن كتابه ينفتح على طريق أقرب إلى التحليل النفسي: فلكي <<نفهم جياكوميتي, لنأخذ في البداية هذا الطريق بما أنه يمنح نفسه على الفور: علاقته مع أمه>>. ولكن ذلك لحمل التفكير أحسن على <<الواحد والكل على الحضور أو الغياب في تجربة العالم وبالتالي على الإدراك, مع هذه السعادات أو هذه الكلمات>>. في نهاية البحث عن الحضور في وجه الآخر الذي اتبعه جياكوميتي, يتوقف إيف بونفوا عند المنحوتة الأخيرة المنجزة من الفنان <<لوتار جالسا>> << في الوقت نفسه هي حجر كلها, مثل مكان الطفولة, وروح كلها, [...] إنها تنتصب في الغياب, وفي عدم كل شيء, باستقامة, وشجاعة تكفيان وحدهما للتأكيد على أن الفعل الإنساني هو قبل أي شيء من يؤكد من جديد مسافته عن الطبيعة, مسافة لها من اللاتوقع والشساعة بحيث يمكن أن نقولها عن المطلق, وهو إذا مع ذلك, حاضر في نهاية العمل, الإنسان الموجود>>.

إن مسار إيف بونفوا معلم بنصوص مهداة إلى أصدقاء فنانين, مقدمات لكتالوفات, مساهمات في كتب ذات سحب محدود, وفي أعداد مجلات فاخرة مثل <<خلف المرآة أو سريع الزوال (الوقتي) (éphémère) المنشورة من طرف ماغت (Maeght), ميرو, أوباك, شليدا, فراش, ريمون ماسون, ميكلوس بوكور, هوبير, موراندي, بالتوس, كارتي بروسون والقائمة ما تزال طويلة بحيث لا يمكن استنفاذها. هذه الكتب تستعاد في الغالب في كتب ضخمة متميزة مثل كتاب <<حول نحات ورسامين>> (منشورات بلون 1989). أو تدمج ضمن مجاميع نصية أكثر تنوعا مثل كتاب <<البعيد الاحتمال  limprobable)) (منشورات ماركير دو فرانس 1959),  و<<حلم حدث في مونطو>> (منشورات ماركير دو فرانس 1967) و<<السحاب الأحمر>> (العنوان المأخوذ من لوحة لموندريان, منشورات ماركير دو فرانس, 1992). و<<رسم ولون وضوء>> (ماركير دو فرانس 1995).

إنه يموقع هؤلاء الفنانين بالنظر إلى الاتجاهات الكبرى التي تعبر الفن الغربي, أحدهم قادم من العالم الإغريقي- الروماني ثم تبنته النهضة, يفضل العقل والمحاكاة, والتمثيل المخلص لصورة شيء ليس في الحقيقة إلا ما أرادته له اللغة. حينئذ تنادي العلاقة بالشكل والفضاء بحقيقة مفهومية, واللون يبقى التعبير الملموس عن العالم الخارجي, البر اني على الإنسان, الاتجاه الآخر يبحث عن منطلق فيما وراء الكلمات  والتمثيل المزعومة دقته. إن هذا الفن المتعلق بالتجلي المقدس (épiphanique) هو الخاص بالقرون الوسطى, ببيزنطة, بسيزان وجياكوميتي, ولكن أيضا بألكسندر هولان الذي كتب عنه إيف بونفوا كتابه <<النهار>> أو أليشنسكي, المعاد وضعه في منظور <<شعرية شمالية>> (نسبة إلى بلدان الشمال: الدانمارك, السويد, النرويج...), من خلال السفينة العابرة للبحر في سلسلة اللوحات المعنونة <<عبورات>> [منشورات فاطا مورغانا 1992), <<لقد نجح ألشنسكي في إنجاز وصلة رائعة بين خارج العالم وداخل الروح>>. يحاول هؤلاء الخميائيون, أن يبلغوا خلف اللون إلى الضوء. وعلاقتهم بالمقدس تتجذر في مادية الأشياء, وهو يبدع رسم المشهد الطبيعي, يرى الرسام <<خميائي اللون>> ثلاثة ملائكة يظهرون وهم يؤكدون: <<إننا الأرض, الأرض التي تبدع>>.

إن الفنانين الذين يهتم بهم إيف بونفوا يشتركون <<في شيء أساسي هو الذي يصنع قيمتهم ويجعلهم غير قابلين للتعويض: إنهم كلهم منشغلون بهذا المعنى للحياة,  وبهذه العلاقة مع الوحدة, والحضور في العالم [...] وبالتالي فإنهم يضطلعون بما حزنوا على رؤيته يختفي مع بيكاسو: مسؤولية الروح في شرطها الأساسي وأمام العالم, الذي يعرف اليوم حالة اضطراب ويتطلب تفكيرا كما يتطلب إبداعا, وجدية كما يتطلب حرية في الكتابة [...] إن هذه الحقيقة لا يمكن تحمل معناها إلا بدمجها مع حقيقة أخرى تتمثل في إعطاء المعنى, مما يتطلب استدعاء الذاكرة من جديد وطريقا مفتوحا, الشيء الذي لا يمكن أن يحدث إلا في آثار الفنانين>>.      

الصوت والصورة

جون ميشال مولبوا   (1) ean-Michel Mauploix

يشكل عمل إيف بونفوا, منذ الكتابة المصطدمة في بداياتها مع شكل من السكينة, بحثا ومراسا بالحياة في التناهي. فالكلمات ترسم طريقا نحو شيء أثمن منها: المكان, الحضور.

عندما نشر إيف بونفوا ديوانه <<عن حيوية وثبات دوف>> في منشورات ماركير دو فرانس سنة 1953, كان الميراث المزدوج للسوريالية والشعر الملتزم في طريقه إلى الفتور. فبعيدا عن الألعاب النارية البلاغية التي كانت تدهش أندري بروتون, وأيضا عن بلاغة الكتابة الملتزمة التي لم تعرف تماما أن تجعل نفسها مقاومة, إلا تحت ريشة رونيه شار, كان على الشاعر الشاب أن يقيم من جديد <<فعل وموضع الشعر>> الذي كان آخرون قد قاربوا التصريح بأنه <<مستحيل البلوغ>>. فقد كانت سنوات الخمسينيات أوقات <<شك>>:

و لم يكن الشعر يجد سبب وجوده إلا بتدمير أضغاث الأحلام هذه قبل أي شيء.

هذه هي النبرة الجديدة التي منحتها <<دوف>> للأسماع: تلك الخاصة بكتابة أصبحت ميدان نزال تمثل <<حقيقة  الكلمة>> رهانه, ومسرح صراع حيث نرى اللغة تنقلب على نفسها لتبدع كلمات ت فقد الكائن فرصة وحظ العودة إليه. إن إيف بونفوا, وهو يعلن حربا جديدة على البلاغة, ويتحدى غوايات المفهوم, وهو يحذر من السلطة الخادعة للصورة, يضع <<الطاقة المفككة للشعر>> في خدمة صراع لصالح الحضور والتناهي.

و إن تلك لمواجهة فريدة, عميقة في القصيدة التي تغرف حيويتها من تصادم الإلحاحات التي تشكلها, وتأتي في مقامها الأول الصورة والصوت, الأولى متعطشة للجمال والخلود, حاملة للرغبة في اللانهائي والثانية مترد دة, محتجبة, أين يتمفصل التناهي الإنساني:

<<أ مجد الصوت الممزوج باللون الرمادي

المتردد في أقاصي النشيد الذي ضاع

كما لو أنه وراء كل شكل خالص

يرتجف النشيد الآخر الوحيد المطلق>>.

الصوت الغنائي عند إيف بونفواليس << صوت <<أنا>> محمولة إلى النبرة الأكثر صفاء>>, صوتا عاطفيا ومغنى وأسمى. إنه بالأحرى من صعيد النظام الموجه إلى مخاطب, من الحوار, العبارة المعطاة والمأخوذة, إنه منفذ لغوي معطى, لقوى داخلية متعددة, وتخاطب بواسطته, وحده يتحول الأنا إلى هو, إنه موضوع مرهف, وتفاهم غير كامل, إن الصوت الغنائي هو صوت باحث, وعمل مسنود من العبارة في القصيدة.

تتحول بجانبه, الصورة المرتاب فيها ثم المعادة إليها الثقة, وسيلة صراع ضد ما كان ملارميه يسميه <<الريش السييء>> للوهم. الصورة التي <<تتشظى فيها الوحدة, وينطفئ فيه الحضور>> تتيح <<وضوح رؤية غير مفهومية>>. وهي أيضا الملاذ الوحيد الذي في حوزة الإنسان ليقول بواسطة الكلمات ما يصمد أمام المفهوم, والحميمية الوحيدة التي بمستطاعه أن يعقدها لغويا مع العالم.

و بما أن الصورة تحمل إلى عيني الشاعر الكثير من الخدائع لا المعرفة الحقيقية, نفهم كيف أن التجربة الشعرية لا تقوم عند إيف بونفوا على <<ترك كل شيء>>, ولكنها تفترض ملاحظة مدققة فيما تستطيعه الكلمات, أو لنقل حوارا دائما بين الصورة والصوت. وهو يستعيد بدون توقف الحركة المزدوجة لحب الصور وتمزيقها في العبارة, فإن الشعر هو هذا الوعي الحاد أين تبقى اللغة مترصدة الممكنات وحدودها.

هل لاحظنا بما يكفي كم كانت الاستعارات مطنبة ومحتدة في البداية حسب النموذج الرامبوي (نسبة إلى رامبو) في القسم الأول المعنون ب- <<مسرح>> من مجموعة <<عن حيوية وثبات دوف>> وكيف بدأت تخف وتقل ما أن بدأت <<دو? تتكلم>> (عنوان المقطع الثالث من المجموعة) وكيف أصبح التفحص بديلا عن الإفراط (في الاستعارات), والصوت الذي ينطق بديلا عن مأساة الرغبة, إن كل معنى ومسار كتابة إيف بونفوا يتلخص هنا.

إن المنحى الذي يرسمه هذا العمل الشعري يقود هكذا من الرفض إلى القبول, من خلال صراع مستمر, ويتمثل في مراس متنامي للقبول, مضاعفا بمجهود جلي للمعرفة, آخذا قيمة النقاهة, بم أن الأمر يتعلق بأن نعقد من جديد داخل اللغة تلك الروابط التي قطعتها هي نفسها.

منطلقا من كتابة شعرية مفاجئة, ممزقة, درامية, مثقلة بالاستعارات, أين يبدو في الأساس الصراع بين الوجود والجوهر, وصل إيف بونفوا منذ <<تفان>> (dévotion) (1959), وحتى دواوينه الأخيرة <<بداية ونهاية الثلج, والألواح المنحنية>>, إلى نبرة أكثر خفة وجلاء, ويبدو أنه وجد من جديد ما يعجبه بشكل كبير عند الرسامين الكبار: القدرة على ترك <<لحظة تشويق تدوم قليلا في خطوطهم>>. هنا مثلا, كتابة شيء مثل مسارة:

<<أمس أيضا

مرت السحب

في العمق المعتم للغرفة

لكن الآن المرآة فارغة

الإثلاج

فض التشابك عن السماء>>

لقد تم استبدال المسرح- ما بعد السوريالي للبدايات منذئذ بمراسيم احتفالية وجيزة, وطقوس مرتجلة أو صلوات دنيوية بواسطتها يصاغ شرط جديد ل- <<هبة القصيدة>> المهداة كلها لما هو سريع الزوال.(éphémère)

هكذا تتجمع النصوص الشعرية المكتوبة حديثا, في الغالب حول كلمة, ممارسة  الإبدال, لاجئة  بإرادة إلى الاستلهام, موجزة البيت. إنها تبحث بوضوح عن إيجاد الرسم المضيء للبسيط من جديد, وتضييق الصورة على الرؤية, وتبحث أيضا عن توزيع جديد للعبارة في الفضاء. وفي الغالب تأخذ القصيدة في الوقت نفسه من الحكاية (Récit) ومن اللوحة ما يثبتها, ويفصلها, وتركب وتحفر من جديد لحظة ما, ونجد فيها الزمن موضوعا في منظور, ومنضدا, وموزعا في فضاء, كما لو أنه مضبوط في تقاطع الخارج والوعي, متحولا إلى مشهد للروح:

<<أنهض, أرى

أن قاربنا دار هذه الليلة.

النار تكاد تنطفئ

البرد يدفع السماء برفة مجذاف>>

راغبا في الحضور, يرفض الشاعر أن يحزن وأن يهرب, ولكن يبحث عن وجهته, عائدا إلى الخدائع والأخطار, وواضعا أيضا من جديد سؤال الأصل.

ففي القصيدة بسبب جلائها الملحاح ومجانيتها أين تدوم بقية أمل, بما أنه تستمر هنا علاقة باللغة والجمال, وانتباه للون العالم المحسوس, لرسم الأشياء ولصورة ورغبة البشر على السواء:

<< الجمال والحقيقة, لكن هذه الأمواج العالية

فوق هذه الصرخات التي تعاند. كيف ن بقي

الأمل مسموعا في الصخب

كيف نفعل كي تكون الشيخوخة, ولادة جديدة,

لكي ي فتح البيت من الداخل,

لكي لا يكون الموت هو الذي يدفع

خارجا ذلك الذي أراد مكان الولادة?>>. 

لقد كتب جان ستارو بنسكي في المقدمة التي وضعها لأشعار إيف بونفوا الصادرة عن منشورات غاليمار في 1982 أن التناهي نفسه في هذا العمل << يصبح  واضحا ويسهر بذلك على المعنى>>. وبالفعل هل هناك طريقة للسهر على معنى حياة إلا بمعرفة الثمن الغالي المنزوع من الدوغمائيات والخدائع? هنا يكمن كل مجهود إيف بونفوا الذي تعيد كل قصيدة بالنسبة إليه هذا التوضيح وهذا السهر, متحملا التكرار<<كشرط حتى للتطور>>. إن الكلمات ترسم دائما طريقا إلى شيء أكثر قيمة منها هي نفسها: المكان, الحضور, والقصيدة لا يمكن أن توجد إلى بفتح طرق كهذه باستمرار.

هكذا لا تصبح المسألة هي قول الأشياء من حيث صمودها (ما استطاع القيام به غيلفيك وبونج) ولكن التقاط الحضور بطريقة أكثر جذرية. فالواقع وحده في ما ديته لا يستوقف إيف بونفوا إلا قليلا بقدر ما تستوقفه الطريقة التي ترغب بها الكائنات الإنسانية في هذا الواقع, وترفضه, وتفقده أو تجده من جديد. إن هذا العمل الشعري المهموم ب- <<الكثافة الأنطولوجية للواقع>>, والغريب على المادية, يرفض أيضا كل نوع من النزعة الدينية الشعرية). فالشعر ليس حلم الكلمة التي تتحول إلى لحم, ولكنه لغة البلبلة, التي عوض أن تنفصل عن اللحم, تعيد ربط العلاقة معه وتضطر إلى صياغة ما يهمنا قريبا جدا من وقتيته وحرارته. وبدون أن تكون له أي قيمة سحرية, فلا يملك إلا أن يبحث بلا حدود عن وضع شروط حضور ليس من صلاحياته أن يجعله يحدث. إنه يكتفي ببسط الديكور ورسم الشخوص, وإعطاء المعنى لرهانات مأساة ليس هو نفسه مسرحها.

يحدث مع ذلك أن علاقة ثانية ت نسج داخل الصوت الشعري مع الامتلاء السعيد مع أرض الطفولة التي تمزقت, وضاعت وانهارت أنقاضا. الصوت <<يبعث العالم من جديد, ويتعرف, في العشب الفقير>> على <<الأزهار المبعثرة>> للفردوس القديم. إن الكتابة الشعرية تتذكر البدء, وتكرره, وتتوجه من جديد إلى المستقبل في القرب الكبير من الأصل. إنها تتابع عمل الولادة في الحضور. وهي تعرف أن ما أ عطي في البدء يجب أن ي فقد. ولا يبقى إلا العطش شرابا. لا رجعة للمسيح, ولا تجل إلاهي, فلا يمكن معرفة الحضور إلا منفصلا, مثل رعشة سريعة, أو مثل التأمل الطويل لعزلة. ومع ذلك فالقصيدة توجد لأنها استطاعت أن تؤمن أن العتمة ستنقشع, ولأنها شعرت بالليل العميق, وأحبت أكثر الأمل اللامجدي لضوء ما.

في الشعر يلزم أن نكون قد أملنا, ثم فقدنا اللانهائي لنعرف التناهي في سطوعه.

الهوامش 

1 - أستاذ في جامعة باريس

* - نانتير, نشر مؤخرا: تساقط أمطار خفيفة (منشورات ماركير دو فرانس, و<<الشاعر الحائر>> (منشورات خوسيه كورني).

 

تصميم الحاسب الشامل