غرفة ترى النيل

 

عــزت القمحــاوي


لم يجرؤ أحدكما على النظر في وجه الآخر. السليم الذي هو أنت لم يقل شيئا للمريض الذي لم يطلب تفاصيل أكثر عن طبيعة المحسن المتبرع بعلاجه. ومن حسن الحظ أنه لا يقرأ الجريدة فلم ير الزفة التي أقاموها لتبرع رجل الأعمال بعلاج << مواطن>>. بخلوا عليه باعترافهم بأنه صحفي زميل فكان هذا إحسانهم الأخير. كأنكما حلمتما حلما واحدا مزعجا يعرف كلاكما تفاصيله ولا يجد الدافع لإعادة روايته. كأنه ليس أنت من دخل مكتب أبي جهل للمرة الأولى وجلس قدامه على المقعد المخسوف في الأرض وهو يتفحصك من فوق كرسيه المرتفع بفظاظة متعمدة منتفخا مثل بالون دون أن يلحظ أنك تتجاوز بنظرتك  ورم ذاته  إلى  المكتبة المضحكة خلفه بكتبها الوهمية من الجبس الملون سيء التنفيذ التي توهم المشاهدين بثقافته في لقاءات تليفزيونية يتلعثم فيها بكلام مقطع الأوصال. هذا الأبله!  لم تقلب عليه المكتب الفخم المزينة حوافه بهدايا تذكارية ورزم من الكتب الحقيقية لا يبدو أنه فتحها مطلقا. هذا أيضا ليس عيسى الذي تعرف; عندما أخبرته بأنكما ستتوجهان إلى هذا المستشفى الفخم لم يستغرب, وكأن كل المرضى يأتون إلى هنا. إما أنه فقد القدرة على التركيز أو أن العفة التي أبقته بعيدا لم تشأ أن تنجرح. لو كان بإمكانك  مساعدته ما تعرض كلاكما لهذا, ليس هناك من يرثك, ولكن الحظ الحسن لا يكتمل; فليس لديك أكثر من راتبك  التقاعدي. وفي بلد كهذا لا تؤمن عائدات عشرين رواية إقامة يومين في هذا المستشفى الذي جعل عيسى سعيدا منذ بدأتما التردد على عياداته الخارجية. لا يزال يرتعب من القذارة. والمستشفى أنيق ونظيف بدرجة كانت كافية لتبديل حالته. أعادوا إجراء جميع الأشعات والتحاليل قبل أن يحددوا هذا الموعد مع الاستشاري.

 لم يحاول الطبيب  أن يتحلى بأية درجة من اللياقة, بل تعمد أن يتصرف بالفجاجة التي يحرص طلاب السنوات الأولى في الطب على أن تكون أول ما يتعلمونه. استعرض شرائح الأشعة سريعا واحدة وراء الأخرى ثم جمعها معا وأزاحها مع مغلفاتها الفارغة باتجاههما كأنه يتخلص من قمامة وقال بحسم عراف:

- تأخرتم جدا.

- البركة فيك يا دكتور.

قال رفعت هامسا فنظر إليه الطبيب  مندهشا من جهله وجذب شرائح الأشعة مرة أخرى, وأخذ يؤشر له على تباينات البنفسجي والأحمر في كل منها. دون أن يعرف رفعت أي اللونين للخلايا المصابة وأيها للسليمة. وقال دون أن ينظر إليه:

- ألا ترى?! الأورام منتشرة في كل أجهزته, ولا يمكن أن نغامر بضرب مشرط في بطنه,  ستتداعى أحشاؤه في وجهي مثل بيت عنكبوت فور أن أفتح,و ينتهي كل شيء بأسرع مما تتصور.

- والكيماوي.

قلب شفتيه وغمغم - كل الناس تأتي في آخر لحظة وتطالبنا بالمعجزات!

كان عيسى يستمع راضيا متدثرا بسكينة زادت شقرة وجهه إشراقا وكأن من ستنتهي حياته حسب قرار العراف شخصا غيره. وعندما حسم الطبيب أمر الجراحة رمق صديقه بزهو المنتصر. - ماذا جرى لك, أجننت? انتهى كل شيء, ثم إن أختي لم ترني منذ سنوات طويلة وأريد أن أعود إليها سليما.

وأخذ يضحك بينما وقف رفعت يجمع الأشعات ومغلفاتها منهيا المقابلة. لكن الطبيب أضاف:

- سأكتب له على دخول فورا; لا بد أن يكون تحت الملاحظة هذه الأيام.

وتابع بصوت خافت موجها كلامه لرفعت:

- الآلام ستبدأ بالتزايد بشكل يفوق قدرته على الاحتمال..في المستشفى سيحظى باحتضار مريح.

كانت لهجة الطبيب حاسمة في هذا أيضا.

- كما ترى, ولكننا سنعود إلى البيت أولا لنجلب أشياءنا الضرورية.

قال رفعت وأخذ بيد عيسى الذي قام متحسسا بالأخرى البلل في جلبابه الأبيض, قرب أصابعه من عينيه وقد اصطبغت بالأحمر القاني.قاده رفعت إلى الحمام المجاور لقاعة الاستقبال, وكانت المغلفات قد استقرت مهوشة تحت إبطه بعد أن ازدادت مغلفا جديدا صغيرا به تصريح الدخول.

دفع رفعت الباب بقدميه بقوة أجبرت ذراع الإغلاق الميكانيكي على التراجع.نفذا من الفتحة التي لم تلبث أن أغلقت وراءهما.وضع المظاريف على الأرض وساعده في جمع جلبابه إلى أعلى.خلع سرواله الداخلي.تأمل بقعة الدم الكبيرة وهو ينتزع من داخل السروال شريحة القطن الطبي التي كان قد وضعها داخله. لوثت قطرات الدم سيراميك الأرضية في المسار المائل للقطنة التي ألقى بها فأرجحت غطاء صندوق القمامة واستقرت معلقة خارجه, بينما تساند على الحائط وخلع السروال. فتح الماء على الموضع المبقع بالدم الذي جمعه في يده.أغلق الصنبور. عصر السروال ونفضه ثم تركه على حافة الحوض. 

- آه! كده آخر عظمة.

قال عيسى وهو يجلس على قاعدة المرحاض. وبدأ يكز على أسنانه ويداعب عضوه المستسلم كي يقنعه بإفلات القطرة التي تعانده. أفلتت منه  صرخة ألم بينما اندفعت قطعة دم متجلطة سوداء تبعها خيط وردي غلبه في النهاية لون البول فصار إلى الصفرة الذهبية. مع النقطة الأخيرة التي عادت مرة أخرى إلى الأحمر المحروق كز عيسى على أسنانه وأغمض عينيه يستريح, ثم فتحهما راضيا ومندهشا كعائد من رحلة طويلة.

- عظمة!

قالها مرة أخرى بعد أن غسل مقعدته ووقف محررا جلبابه بحثا عن السيالة التي أخرج منها لفافة جديدة من القطن حشرها بين إليتيه وسحبها إلى الأمام طاويا الحمامة داخلها وقد برزت من عينها قطرة حمراء كحبة رمان.جذب السروال وساعده رفعت في ارتدائه, ثم انحنى ليلتقط المظاريف بسرعة قبل أن تبحث يد عيسى عن ذراعه فلا تجدها.

أمام المستشفى وقف رفعت يستجدي السائقين, بينما لم  عيسى الذي انهارت قواه ذيل جلبابه وجلس على الرصيف, حتى توقف لهما أحدهم. نهض عيسى وساعده على الركوب قبل أن يرد خلفه الباب ويسارع إلى الباب الأمامي ليجلس بجوار السائق.

أخذ التاكسي يشق طريقه خطوة فخطوة وسط زحام من كل الاتجاهات. السائق الذي انحنى ليعيد فتح وإغلاق باب رفعت أخذ ينقر بأصابعه إيقاعا عصبيا على مركز عجلة القيادة فتترجم السيارة نفاد صبره إلى زمرات متتابعة غضبى. بدأ رفعت يعطس من كثافة العادم المختلط برطوبة أغسطس الدبقة. حاول إغلاق الشباك لكنه لم يجد مقبضا لرافعة الزجاج. اختلس نظرة إلى الوراء ليطمئن على عيسى الذي ألقى برأسه إلى الخلف مسبل العينين, منفرج الفم مثل سمكة تبحث عبثا عن الماء. وفجأة حانت منه انتباهة مع حركة مفاجئة من السيارة.

- هذه مسخرة.

- لم تعد عيشة.. ولا هذه حركة بشر متجهين إلى أعمال; إنها مسيرات احتجاج دون إعلان.

عل ق رفعت نافد الصبر من تحت منديل الكلينكس الذي وضعه على أنفه لترشيح الهواء. وعندما التفت إلى الوراء كان عيسي ناعسا من جديد.

- وماذا تقول عن السائقين أمثالنا يا باشا, صدورنا تحجرت من القطران.

قال الرجل ذو الوجه المحمص الذي يبدو مع ذلك أصغر منهما بعشر سنوات على الأقل وهو يدير عجلة القيادة بغيظ هاربا من سيارة تعطلت أمامه.

- لكن هذا الزحام غير عادي, انظر!

وأشار إلى مصفحات الأمن المركزي التي تحتل الشريط الملاصق لكورنيش النيل في الاتجاه المعاكس لحركة السير, بينما احتل رصيف المشاة على الجانبين جنود مسلحون بالعصي والدروع, يقفون كأشجار سوداء تنضح جذوعها بالعرق المقطرن.

- لابد أن هناك موكبا من تلك التي تسمم حياتنا كل يوم.ماذا يخرجهم لمزاحمتنا ماداموا يخافون كل هذا الخوف, ثم ممن يخافون? من خلق ميتة?!

- ميتة كيف?! نحن شعب حديد.

قال رفعت معابثا.

- حديد?!ها هأ!

رد السائق هازئا, وأخذ يغمغم كمن يكلم نفسه.

- هأ! بعد حرق الدم طول اليوم, والعيش على طبق كشري أو ساندويتش فول?..ثلاثة بالله العظيم أنا واحد من الناس أعود كل يوم في منتصف الليل, لأنام مثل خرقة.

عاد رفعت إلى مناوشته:

- وماذا تريد بعد?!

- يا سلام! ولا حاجة! أليست لدي امرأة تريد أن تتزفت كما تتزفت النساء?!

وضغط الزامرة بغيظ ليمنع أحدهم من الاحتكاك به, وهو يزاحمه على صعود الكوبري الذي احتلت جانبيه أعداد ضخمة من الناس معظمهم فلاحون وفلاحات بجلابيبهم البلدية. استيقظ عيسى مرة أخرى مضطربا, وأخذ يتأمل الواقفين مندهشا في البداية ثم ملوحا بيديه مبتسما كما يفعل الزعماء الملهمون مع  موظفي الحكومة وعناصر الأمن الذين يتم رصهم في طريقهم بوصفهم جماهير محبة. والسائق الذي أخذ يحافظ على زحف العربة صعودا شبرا فشبرا أخرج رأسه وسأل عن السر.

- مظاهرة.

أجابت عجوز في جلبابها الأسود. لا ينبئ شكلها عن أية معرفة بالقراءة والكتابة, وتحمل مع ذلك لافتة من القماش كتب عليها بخط بدائي :<<لسنا بلطجية..أنتم اللصوص>>.

تذكر رفعت ما قرأه أمس في صحيفة معارضة عن احتجاجات الفلاحين ملاك جزيرة الذهب على محاولة الحكومة نزع ملكيات أراضيهم  لإقامة مشروعات سياحية عليها, كما قرأ وصف وزير الإسكان لاحتجاجاتهم بأنها بلطجة.

فجأة انفتحت ثغرة أمام السيارة فحررها السائق مغتاظا وانطلقت منحدرة لتغادر الكوبري بحمولته من المحتجين المطوقين بقوات الأمن المتمركزة على المدخلين. اجتازت السيارة طريق الفسطاط الواسع شبه الخالي في دقائق, واستدارت يمينا مستقبلة شارع صلاح سالم.

-  أين بالضبط في روكسي?

سأل السائق, فاعتدل عيسى مبادرا بالرد.

- مقهى الأمفتريون, تعرفه?

أومأ السائق إليه في المرآة موافقا, وعاد إلى تركيز اهتمامه في طريقه مزاحما كمصارع.

عندما توقف أمام المقهى, منحه رفعت عشرة جنيهات, تأملها طويلا, ثم دسها بقرف في جيبه بينما كانت عيناه تزنانه من فوق إلى تحت.

- من يد ما نعدمها يا باشا.

تجاهل رفعت سخريته ولملم الملفات وغادر مقعده ليفتح الباب الخلفي ويأخذ بيد عيسى.

2

ماذا لو صار عيسى غير موجود? كنا نعرف أن ما قاله  في عزاء سلامة صحيح تماما; الدفعة صارت مطلوبة, ولكننا لم نكن نعلم أنه سيتم بهذا التسارع ودون نظام أيضا. لماذا عيسى وليس أنت? لم  تفكر من قبل في أن تكون الأخير كواقف على الشاطئ يحمل ملابس أصدقائه الغرقى. كلهم يمضون ويتركونك  مثقلا بذكريات ما عشتم معا ذات يوم. هو غير مبال. اليوم موجود وغدا غير موجود. هذا كل ما في الأمر!

نعم;  الموت لا يؤذي الموتى;بل الأحياء; الموت ما يختفي بل ما يبقى مدوما وحارقا كسائل يغلي في الذاكرة التي لم يبلغها بعد النداء. ماذا يعني  أن تعيش وحيدا في حياة لم تعد تتعرف عليك. الكتابة التي اعتبرتها بديلا لإنجاب الأولاد ما عادت تجلب السلوى في واقع لم تدربوا خيالكم على مجاراته. وليس هناك من امرأة يمكن أن تنذر نفسها لتمريض كهل مثلك هد ه السكري والضغط.  إذا لم تكن محظوظا بمصافحة نهايتك  في شارع أو مكان عام ستتفسخ جثتك قبل أن يحطموا الأبواب ليلموا ما تبقى من عظامك والكمامات على أنوفهم.

 هبطا بحذر الدرجات الثلاث التي تفصل المقهى عن الرصيف وقد شب  ك رفعت ذراعا بذراع  عيسى وبيده الأخرى حمل الملفات, بينما اتخذ عيسى من يده الأخرى حجابا  للشمس فوق جبينه مظللا عينيه وقد ضيقهما ناظرا إلى الجالسين على الطاولة التي  ظلت لهم طوال ثلاثين عاما, وبدأ في التلويح متدفقا في ضحكته غير المتحفظة, وفجأة أمسك خجلا.

- تصورتهم جماعتنا.

ربت رفعت على ذراعه في حركة مواسية, متأكدا من أنه نسي أنهما آخر من تبقى من <<جبهة الصمود>>. انتبه إلى ما في التسمية من سخرية! فهم لم يصمدوا في شيء أكثر من البقاء بعيدا عن مزاد الفرص غير المحدودة للسلطة والثروة الذي أوقع بمناضلين عاشوا سنوات طويلة على مجد دماء تقيأوها تحت الضرب في غرف التحقيق ولم يخضعوا لإرادة زعيم بحجم إله اختلفوا معه دون أن يكون لديهم شك في إخلاصه الوطني.

أخيرا كانت مداومة الاتصال بينهم البطولة المتبقية. ورغم أنهم عاشوا السنوات الخمس الأخيرة لا يجتمعون إلا في مناسبة رحيل أحدهم, إلا أنهم حافظوا على نوع متثائب من الصلة. في عزاء سلامة منذ أقل من عامين همس عيسى: << الدفعة صارت مطلوبة>> وأخذ يعد المتبقين, أشار بأصابع يمناه: خمسة في عين العدو, يعني كلها سنة ونتخرج كلنا!

 بعدها توفي جميل بالكبد وذهب شوقي في غيبوبة سكري تافهة لم يرجع منها, أما رؤوف المقبل على الحياة بطمع فقد سافر ليعيش مع  ابنه المهاجر إلى أمريكا في حركة هروب من الموت, ولكنه لقي عزرائيل هناك متخفيا في صد ام سيارة بعد وصوله بأسبوعين.

بدت قوى عيسى على وشك النفاد فسحبه رفعت إلى أقرب طاولة من المدخل. مط بوزه وهو يتأمل المكان كأنه يتعرف عليه للمرة الأولى, بينما أخذ رفعت يتابع تشكلات موجات البخار الخفيف المتصاعد من البلاط تحت حزمة من أشعة الشمس المتسللة من فوق المظلة.

جاء العجوز الأرمني ليفون بقهوة رفعت وكوب الشاي الكبير بالنعناع الذي داوم على تقديمه لعيسى منذ عرفت الجماعة طريقها إلى هذا المقهى. بالذات يرفض ليفون أن يقوم أحد غيره على خدمة عيسى بالذات.كان وجهه متهللا وهو يضع بيديه المرتعشتين الكوب الكبير. وبدا في قميصه الأبيض النظيف الذي تآكلت ياقته وبنطلونه وبابيونه طاعنا ونحيلا أكثر من أي وقت مضى.لطالما تسامح معهم مرجئا الحساب, ولطالما أقرضهم بواسطة عيسى الذي كان عليه أن يدعي دوما أن السلفة من أجله هو.

كان عيسى دائما شديد القدرة على جذب ندل المقاهي وبوابي العمارات, وباعة السميط والبيض على الكورنيش, والمجاذيب رثي الثياب حول ضريح الحسين, يسأل عنهم, يعرف أحوال المتزوجين منهم مع زوجاتهم أو مع أولادهم الذين يتمردون عليهم. ورغم أنه لم يكن مفيدا من الناحية العملية لأحد فإن هؤلاء الناس الذين يعيشون أمام الجميع بلا أسماء كانوا يسرون جدا لأن أحدا ما يناديهم بأسمائهم التي لم يسمعوها منذ غادروا بلادهم.

اعتدل ليفون وسأل عيسى بعينين مبتهجتين:

- الصحة تمام?

- أنا? آخر ع ظ مة أهه.

لم يخطر ببال ليفون أن عيسى الذي أتبع إجابته بضحكة واهنة ربما يتبادل معه الحديث للمرة الأخيرة, وأنه لن يكون هنا ليودعه عندما يقرر العودة إلى بلاده التي استطاع أخيرا أن يشير  إلى موقعها على الخريطة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

منذ بدأوا ارتياد هذا المقهى في أواخر الستينيات أخذ عيسى يتابع أخبار جهود ليفون للبحث عن بلاده.وقتها كان النادل العجوز قد تخطى الأربعين, لكنه كان لايزال وسيما. له عالمه الخاص; ينهي عمله دائما قبل موعد إغلاق المقهى بساعتين. يخلع زي النادل ويرتدي ملابسه العادية. يعيد تصفيف شعره بشكل مختلف. ويجلس كزبون مع زجاجة بيرة ونرجيلة. وكثيرا ما كان يحظى بصديقة تشاركه الجلسة ثم ينصرفان معا.

لم يكن متأكدا أنه يريد مغادرة مصر, ولكنه كان يريد أن يثبت أن الأرمن ليسوا طائفة غامضة, بل شعبا  له أرض يعيش عليها مثل سائر الشعوب.الآن أصبحت أرمينيا موجودة في العالم وأصبح لها سفارة بالقاهرة يتردد عليها. ولم يجعل ذلك الأمور أفضل, بل أسوأ من السابق. <<لا يكفي أن يكون الوطن موجودا ليصلح مكانا للعيش, بل لابد أن يكون فيه من ينتظرك>>. ظل ينتظر ردا واحدا على أي من خطاباته التي شرع في إرسالها منذ عشر سنوات.و عندما تضاءلت آماله في تسلم مثل ذلك الرد استقر تفكيره مع عيسى على أن الوطن بلا معارف وإن لم يصلح للعيش, فإنه يصلح على الأقل للموت فيه; ولهذا فإنه لن يلغي فكرة العودة, ولكنه سيؤجلها إلى آخر وقت ممكن. <<أرض الإنسان على الأقل ستكون أحن على بدنه من أية أرض,أليس كذلك?>>.

فجأة أدرك ليفون وهن صديقه فصمت وتضببت عيناه بالدموع.  وأراد عيسى أن يبدد حرج الموقف فسأله:

- عظمة?

- مملكة!

و أشار بإبهامه تجاه فمه يسأله هل يحضر نرجيلة?

لوح عيسى بكفيه كمروحتين متقاطعتين رافضا العرض, ثم أشار إلى كوب الشاي المنعنع أمامه:

- عظمة!

<<حقا,ماذا لو صار عيسى غير موجود?>> أخذ السؤال يدو  م في رأس رفعت المجهد وهو يتأمل  عيسى الهادئ  كما لو كان قد بدأ الغياب. لم يكن في البداية يتمتع بأية مكانة خاصة, كان الوحيد الذي لم يعرف طريقا إلى السجن, وتخلى سريعا عن محاولاته في الكتابة مكتفيا بقراءة مسودات الأصدقاء وإبداء الملاحظات الذكية التي لم يعمل بها أحد, ولذلك فقد كان هناك من يتساءل عن سبب تواجده في هذه المجموعة من الأدباء والرسامين المنهمكين بالسياسة. بعضهم اتهمه بأنه عين للأمن عليهم, ولم يكن عيسى يغضب, بل يبتسم بسذاجة غالبا, بعد ذلك صار يرد بهدوء حاسم:<< اسمع يا ولد! السجن الذي دخلته لبضعة أيام ليس شارة ترتديها, وليس امتيازا خاصا يرتب لك حق التطاول, إنك لم تحرر بسجنك أحدا ولم تنقذ قيمة>>. أخذت مكانة عيسى الذي قبلوه في البداية لظرفه ورقته تتدعم عندما بدأت شارات السجن  تستخدم مسوغات للفجور السياسي, حتى انتظم معظم الذين اختلفوا ذات يوم مع نظام وطني في خدمة سماسرة الرأسمالية العالمية, بما يمتلكون من قدرة على التنظير والتنظيم. ويريدون مع ذلك من الآخرين احترامهم بحق سابق تضحياتهم.

بفضل هؤلاء صار عيسى ضرورة. ربما لا يمثل الموت مشكلة بالنسبة له فعلا, لكنه سيجعل رفعت مسنا ويتيما. أخيرا  بدأ يعامله, لا بوصفه صديقا, بل ذات أخرى احتياطية تحضر عندما تتعب الأولى, يجلس كمرآة يرى فيها وجهه, لا يبادر عيسى بالحلول, ولم يطلب منه ذلك يوما; كانت قدمه تتعثر في الحل بسبب الهدوء الذي يوفره عيسى بإنصاته العميق الذي غالبا ما يتبعه بضحكة مجلجلة يسخر بها من طريقته في تعقيد الأمور, فإذا به يكتشف أن ما تصوره تراجيديا إغريقية ليس سوى فاصل من كوميديا الحياة. وعندما يبدو على رفعت الغيظ من استخفافه, يكف عن الضحك ويتخذ سمتا جادا:<< اسمع! ليست هناك قوى شريرة تترصدنا. وليست هناك أقدار حزينة وأخرى سعيدة. الحياة تحب فقط أن تحاورنا; مثل طفل نزق يطرح عليك ألغازا, فإذا لم تتوصل إلى حلها تولى هو المهمة, لكي يتسنى له  طرح لغز جديد. الطفل أكثر منك حرصا على استمرار المسامرة, وكذلك الحياة>>.

بدد الصمت صراخ روز التي جاءت في جلباب بيتي خفيف, بثدي واحد مستدير يتقافز وقحا كما كان دائما.

- هذا الرجل بلا مسؤولية, لم يكف عن بهدلتي طوال عمري, آهه لترى بنفسك,تركني أكاد أجن دون أن أعلم أين هو!

قالت,ثم انخرطت في البكاء.

- لكنك تعرفين أنه معي!

قال رفعت مغتاظا,و هو يعرف أنها جاءت خصيصا لتقديم هذا العرض أمامه لتثبت أنه كان على خطأ طوال تلك السنوات.

- ولماذا لم تخبرني أنت يا عاقل.

ردت بحدة, لأنه كان الوحيد الذي يحرص على الابتعاد عنها منذ زواجها من عيسى إلى اليوم. زاروها جميعا في المستشفى عندما استأصلت أحد ثدييها, ولكنه لم يفعل. وفي الفترة الأخيرة اتفق مع عيسى أن يطلبه في أي وقت يريد فيه الخروج وينتظره بالشارع أمام بيته بعد خمس دقائق. كانت تتعمد إهانة عيسى وسبه بصوت يصل رفعت عبر الهاتف كلما عرفت أنه على الخط حتى بدأ عيسى يخرج ليطلبه من هاتف البقالة المجاورة ثم ينتظره جالسا على حوض الزرع أمام البيت وقد لم  جلبابه الأنيق.

قدم لها رفعت كرسيا وهو يرجوها  أن تخفف من انفعالها ولومها لعيسى لأن كليهما متعبان. انهارت عليه ضاغطة ثديها في زنده وهي تتداعى إلى الكرسي. واصل عنايته بها فصب لها كوبا من الماء شربته ثم تخلصت منه إلى الطاولة سريعا وهي تمسك رأسها.

- الصداع يقتلني!

أخرج شريطا من الأسبرين وألقاه باتجاهها,جمعت عينيها في بؤرتي النظارة,و قالت بدلال استدعته من لحظة على مسافة أربعين عاما:

- لكن عيب أيضا, أنا روز يا رفعت أم نسيت?!

- وماذا ارتكبت أنا يا روز?

- لنا بيت والأصول أن تطرق بابه,بدلا من أن تخطف صاحبك من الشارع, أنا زوجته ويعلم ربنا كم أنا حزينة عليك يا عيسى.

ثم أخذت تنشج, بينما تململ عيسى متألما دون أن يقول شيئا, ولم يجد رفعت في نفسه القدرة على مجاراتها, لكنه أضاف نافد الصبر.

 - ماذا جرى يا روز, الرجل مريض, نعم, لكنه ليس عيلا صغيرا في النهاية!

-  أنا الأخرى مريضة يا ناس..آه!

و أمسكت رأسها مرة أخرى.

- واضح أنك متعبة فعلا, خذي عيسى جهزي له حقيبته, وسأذهب لأعد حقيبتي وأمر لآخذه.

قال رفعت وهب واقفا حتى لا يدع لها فرصة لمزيد من  المماحكة. أخذت بيد عيسى مواصلة  النشيج وهي تردد:

 - يا حبيبي يا عيسى,ربنا يجعل يومي قبل يومك.

------------------------------------------------------

* صفحات من رواية جديدة بالعنوان نفسه تصدر قريبا للكاتب


تصميم الحاسب الشامل