مراثي الغربة.. مرثية للحلاج

 

توفيق فياض


احترق الحلاج

قالها وهو ينظر الي  دهشا.. وهو ينظر حائرا.. تائها مروعا وحزينا.. مات.. قالها وصمت.

لم أعقب لم استوعب كأنني سمعته كأنني لم أسمعه.

نظرت الى وجه صاحبي.. نظرت في عينيه المرجيتين. كان وجهه جادا.. كان حزينا, وكانت عيناه ترحلان في البعيد.. لم يخطر ببالي يا حلاج قط أن تكون أنت هو المعني بالنبأ.. فقد ظننت في البدء أنه عنوان لإحدى رواياته العجائبية وقصصه التي لا ينفك يرويها كلما اشتد به الضجر, وانفلت العمر منه وابتعد عن سنوات الجمر والنار والأحلام الكبيرة مع مهاري الثورة الفلسطينية, ورفاق السلاح في الأغوار المستحمة في مياه الأردن.. أو في الجنوب اللبناني وجباله ووديانه وفي بيروت.

تابع صاحبي وهو ينظر إلي  مستغربا حياديتي تجاه العنوان الخبر.. واحترقت جميع لوحاته التي تغطي جدران مرسمه معه.. اضاف, وحتى جداريته التي قضى نصف عمره في انجازها ليخلد فيها ملحمة الشعب الفلسطيني منذ ما قبل كنعان وحتى يومنا هذا.. احترقت.. اصبحت رمادا..

بدأت استوعب يا صديقي.. بدأت أفهم يا مصطفى.. اية قصة هذه التي يقصها علي  صاحبي هذه المرة وأية رواية.. تصن م وجهي.. تابع, لقد اندفع وسط النيران التي تلتهم كل شيء نحو الجدارية لكي ينقذها.. ولكنه لم يستطع.. كانت النيران  إليها وإليه أسرع.. وكان وحده..

صمت صاحبي.. ثم مال على الجمر فوق تمباك نرجيلته عشيرته في مقاهي الغربة التونسية.. يقلبه وينفخ فيه.

ضاقت بي الدنيا.. سخفت.. هانت.. تتفه ت.. حد قت بصاحبي. حد قت بوهج الجمر المتقد فوق عنق نرجيلته.. اكتوت عيناي, فتركته وانفلت, ثم همت.. هذا هو أنت يا حلاج اذن, هذا هو أنت يا صديقي.

يممت شطر البحر.. ولا بحر في الغربة أهلا كبحر تونس.. ولا شاطئ في المنافي وطنا كشاطئ قرطاج.

توقفت في نهاية أحد الازقة القديمة المتآكلة المؤدية إلى البحر, حيث الحواجز الصخرية المترامية على امتداد الشاطئ عند أقدام قرطاج.. كان البحر مكفهرا والريح عاتبة, ونادبات الموج تلطم وجه الصخر حيث جلست, فيبلل الرذاذ المزبد وجهي..

ولا أدري , أكان هو الدمع ذلك الذي يتحدّر مالحا على شفتي , أم رذاذ الموج.

تناهت إلي  مع الريح وصوت الموج ياحلاج ضحكتك المتزهّدة من فوق الصخور على شاطئ صور في لبنان ذات ليلة مقمرة, برفقة الفنان الشهيد ناجي العلي, والفنان السوري المتشرد مصطفى الكركوتلي.. لفحني الموج.. لفحني دم ناجي, ورماني حنظلة بحجر من زبد الموج.. فزعت.. ارتعشت لماذا طلعت علي يا أيها القتيل المغتسل بدمك وحبر ريشتك من قلب الموج فجأة.. ألكي تطفئ النيران المشتعلة بالحلاج.. بي يا ترى بدمك.. أم طقوس حناء تعودتها للصخور التوأم على شاطئ قرطاج لصخر البحر في صور.. أم لكي, وجعا تزيدني وفجيعة يا أيها القتيل القاتلي حزنا عليك وعجزا عن الثأر لدمك وإن كنت أعرف قاتلك.. وانا الذي لا أكاد أصحو من فجيعتي باحتراق صديقك الحلاج.. يا ناجي.. ولم أكفكف الدمع بعد عليه.. فأية قسوة تلك منك يا صاحبي وأي انتقام لبقائي بعدكما وأي امتحان لوفاء دمعي عليك وعليه, وحزني أيا أيها الشهيدان غيلة واشتعالا.

كنا نسخر ليلتها... أتذكر? من عبثية الحرب الاهلية في لبنان وهمجيتها التي رضعتها الطوائف من أثداء الصهيونية والهمجية الاولى للتاريخ الانساني.. دون أن ننسى ما كنا نتمتع به من ولع بجلد الذات والمازوخية المفرطة, في تهكمنا على المعارك التي نخوضها نحن الفلسطينيين في جبل لبنان أو في الدامور لتحرير فلسطين.. وعلى نتف ريش جنرالات <<الثورة الفلسطينية>> وصولجانات القيادة الخيزرانية التي تزين إباطهم المعطرة.. مما أطرب حنظلة الشقي ليلتها فراح يتقافز بقدميه الحافيتين أمامنا وثيابه الرثة وشعره المتقنفذ ساخرا مستهزئا.. صارخا.. باكيا.. شاتما.. وما كان يدري وقتها ومذ خرج من رحم ريشتك ايا والده الشرعي  الذي يستحقك.. ونيشان بنادق القتلة مصو بة نحوه وأصابعهم على الزناد في انتظار إشارة الجلاد بالإعدام.. واسكات لسانه السليط الفصيح الجارح..

كان معنا في تلك الليلة المقمرة, هل تذكر, مصطفى الكركوتلي.. ذلك الر سام الحكواتي الذي ترك حواري الشام القديمة والليالي الدمشقية, ليضرب في الأرض حاملا أحزانه وقلقه, وملله, وتمرده ولوحاته الجغرافيكية يجوب بها الأصقاع ومدن النور والجليد والكراهية والعنصرية.. وقد جاء حينها لبيروت قادما من مدينة فرانكفورت والتي عرفت الدمار قبل بيروت, حيث كان يعيش مع زوجته الألمانية التي هجرته فيما بعد, وان ظل ت تود ه وتصله.. لقد جاء لزيارة الحلاج صديقه القديم في بيروت وقتها, ولدولة الفكهاني الفلسطينية, وقواعد المقاومة في الجنوب اللبناني والمخيمات, لتكون مادة للوحاته المستقبلية, قال لك يومها بلهجته الدمشقية الخفيضة والتي لم تتبدل, ما اذا كنت مستعدا لابرام صفقة فنية معه.. ضحكت يا ناجي يومها ضحكتك الحنظلية المألوفة سائلا بدورك عناية صفقة يمكن لمعدمين مثلكما ان يبرماها.. فرد الكركوتلي وبنفس الوتيرة البطيئة المملة, بأن يعطيك كل ما يملكه من لوحاته, مقابل ان تعطيه انت حنظلة.. فضحكتما كلاكما من تلك الفكرة التي لم تخطر ببال أحد, بل ضحكنا كلنا, وخاصة حين علق الحلاج موجها كلامه الى مصطفى.. بأن هذا اذا ارتضى حنظلة بوالد سيء مثله, وبأن يعيش خارج مخي مه واللجوء الى ألمانيا معه, خاصة وانه لا يتقن أية لغة, غير العربية وباللهجة الفلسطينية المخيماتية.. أما انت يا ناجي, فقد عقبت وبشيء من الجدية قائلا وكأنك تؤنبه <<ولكنك يا كركوتلي, فلك حنظلتك المهاجر دوما في قماط طفل فلسطيني طائر, ولكن علتك معه انك تركته صامتا ولا يحط ولا يملأ الفضاء صارخا ..>> وكنت تشير في ذلك الى لوحته الشهيرة لذلك الطفل الفلسطيني الذي يحمله طائر البجع بمنقاره مقمطا بكوفية فلسطينية طائرا به في الفضاء الواسع مرتحلا.. وها أنت يا صاحبي قد رحلت والحلاج قد رحل, اما مصطفى الكركوتلي فلا يزال, حسرتي عليه, يطوف المدن الألمانية بحكاياته التي لا تنضب عن سحر الشرق وأوجاعه وآلامه.. كما تقول عنه أخباره التي اتسقطها.. ولا أدري أية نهاية سينتهيها هو الآخر في هذه الغربة القاتلة ينبئني حدسي, انه سيرحل وحيدا, وبصمت دون ان يفطن إليه احد إلا بعد عدة أيام.. او ربما بسكين عنصري قاتل تعاجله عند عودته من حكاياته في أواخر ليل من ليالي فرانكفورت, ان لم تعاجله النار بمرسمه أسوة بك يا حلاج وقبل ان يستطيع انقاذ طفله الفلسطيني المقمط الطائر.. وأن كنت انت يا حلاج قد رفعك الأحبة في دمشقك الغالية.. دمشقه التي احبتك واحتضنتك على الأكف والراحات نحو مثواك الأخير.. فمن سيحمله هو.. وان كنت لا ارى غير سيارة سوداء صماء تقله, وتسير به الله أعلم الى أين... ودون اكليل ورد يزين نعشه..

أما انا يا صديقي وصاحبي الذي ارتحل.. فأعرف مسكني بالقطع أين, اذا ما أتاني صاحب الموت في تونس, وسواء أكان قد طرق الباب أم غالني فجأة.. وأعرف أن من سيحملني, هم أولئك القلة الباقية من الصحب هنا.. فنحن يا صاحبي ندفن الراحل عنا, ثم نعد باقينا, ونفكر من منا هو الراحل بعده.. ومن منا هو الأخير.. وان كنت قد اوصيت يا صاحبي ذوي الأمر منا هنا, ان يعيدوني الى فلسطين اذا ما استطاعوا.. لكي يدفنني الأهل في مقيبلة, وعلى طريق النبع فيها..

بالطبع أنك لا تذكر الآن شيئا يا صديقي, ولكنك كنت تذكر يوم التقينا أول مرة.. كان ذلك في أواخر ايلول (سبتمير) من عام 1974 في دمشق.. وبالتحديد في النادي الثقافي السوفييتي, بعد الأمسية القصصية التي أقمتها في المساء ضيفا على اتحاد الكتاب العرب في دمشق, وعلى اتحاد الكتاب الفلسطينيين.. كانت تلك أول زيارة لي إلى دمشق, قادما إليها برفقة صديقنا الشاعر أحمد دحبور من بيروت التي كنت أزورها هي الاخرى لأول مرة, قادما اليها من القاهرة التي أتيتها مباشرة من سجن شطة في فلسطين المحتلة عام 1948 حين أقلني المحتلون الى صحراء سيناء وسلموني لجيش مصر العظيم.. وكان ذلك في اوائل نيسان (ابريل) من عام 1974.

قرأت في تلك الامسية أول ما قرأت قصة <<أم الخير>>.. وكنت تجلس أنت في الصف الأمامي.. قبالتي تماما.. ولم أكن قد تعرفت اليك بعد.. ولا أدري لماذا كنت كلما آتي على ذكر حسن الحراث, ذلك العاشق القديم المتيم بأم الخير, انظر اليك كما لو كنته.. كانت ملامحك بشعرك الطويل الكث ولحيتك الناعمة, وجسمك الناحل وأدران وجنتيك, أشبه ما تكون بحسن الحراث.. أشبه ما تكون بعاشق قديم.. أو قل بناسك قديم متعبد في القفار.. وكنت تصغي إلي  كما لم يصغ إلي  أحد في القاعة المكتظة.. وحين أتيت على نهاية أم الخير, التي تحولت الى جذع شجرة عجوز جاف في موتها.. رأيتك وأنت تصفق كفا بكف أسى عليها.. تماما كما فعل العاشق القديم حسن.. ثم أطرقت نحو كفيك المنعقدتين بين ركبتيك كما لو كنت تصلي.. وفي النقاش الذي تلا الأمسية القصصية.. ورد ي على الاسئلة الموجهة إلي  حول الحركة الأدبية في الارض المحتلة.. تكلّمت عن كل أولئك الذين أسسوا للحركة الأدبية في فلسطين المحتلة والنهوض بها من كتاب وشعراء.. تكلمت عن الكتاب جميعهم, حتى أولئك الذين لم يصدروا مجموعة واحدة أو رواية واحدة.. فظلت قصصهم وقصائدهم حبيسة الصفحات الثقافية في الصحف أو المجلات, وان كان لمن سبقني وجيلي منهم, فضل كبير على النهوض بالحركة الأدبية عموما.. ووجدتني أسهب يومها في الحديث عن شاعرنا العاصفة, راشد حسين, باعتباره رائدا للحركة الشعرية في الأرض المحتلة, وعلاقته بالشعراء الآخرين والذين كانوا قد عرفوا بشعراء المقاومة.. ولم أكن أعرف يومها, انه سيقضي هو الآخر محترقا, ووحيدا, إلا من قصائده ودواوينه وأوراقه ومكتبته التي احترقت معه, في شقة معزولة, من عمارة مجهولة من عمارات مدينة نيويورك.. ودون أن يدركه أحد, او يفطن اليه أحد.. وشاء القدر أن أكون رفقة الشاعر محمود درويش في مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت حين أتاه الخبر تماما كما شاء حين مرّ بي ومحمود في حيفا مودعا وهو في طريقه إلى أمريكا عام 1966. بات عندنا ليلتها وكنا نسكن سوية.. وفي الصباح ودعنا الى ميناء حيفا.. وارتحل.

وضع محمود سماعة الهاتف.. قال ودون أن ينظر إلي : تكسر صوته <<مات راشد حسين.. لقد احترق>> ثم أطرق طويلا, تاركا لغر ته المناسبة على كفه المظللة لدمعه وهو يتمتم.. <<كنت أعرف يا راشد.. كنت أعرف.. فقد كانت النيران دوما تسكنك>>.

أذكر انك يا حلام لأيام تلت.. لم تكلم حين عرفت أحدا, ولم تخرج من بيتك في بيروت حزنا عليه.. أو ربما حزنا عليك وقد استشعرت لسع النار.. وحين أتيت إليك وقد افتقدتك.. وجدتك وقد كنت منهمكا أنت باشعال نيران ألوانك المتقدة فوق قماشك المشدود الى الحامل..

في تلك الامسية القصصية في دمشق تقدمت شبه منحن وبهدوء نحو المنصة التي كنت أجلس خلفها يا حلاج- هل تذكر- وسحبت المجموعة القصصية من أمامي ودونما استئذان, ثم عدت الى مكانك ورحت تتفحص لوحة الغلاف المزينة بالمصابيح العتيقة التي تلقي أضواءها الصفراء على شارع وادي النسناس في حيفا.. تمشي ا مع عنوان المجموعة.. <<الشارع الأصفر>> ثم سألتني وبسمة محبة في عينيك عم ن يكون الرسام, عبدالله يونس, وهو الرسام الذي صمم غلاف هذه المجموعة, ثم اتبعت سؤالك وقبل أن أجيب عليه, عما اذا كان ثمة حركة فنية تشكيلية في فلسطين المحتلة عام 1948 وكانت الارض المحتلة في تلك الفترة لا تزال مجهولة, ما عدا عدد قليل من الكتاب والشعراء فقط الذين كتب عنهم وعر ف بهم بفرح العاشق كاتبنا الكبير الراحل غسان كنفاني, وبعض النقاد مثل محمد دكروب ورجاء النقاش وغيرهم.

كان عبدالله يونس حين تعرفت إليه لا يزال رساما مبتدئا غير معروف شأنه شأن الرسام عبد عابدي الذي وضع لي غلاف روايتي الأولى <<المشوهون>>, وكذلك مسرحية <<بيت الجنون>>.. وكلا هذين العملين كانا قد سبقا مجموعتي القصصية <<الشارع الاصفر>>.. وهو الذي قدم لي عبدالله يونس الذي جاء من قريته <<عاره>> في المثلث ليزوره في حيفا.. وكان الرسام عبد عابدي وهو من سكان وادي النسناس في حيفا, حين تعرفت اليه هو الآخر شابا صغيرا ويعمل حدادا في حياته العادية, كالرسام والكاتب سهيل أبونوارة من مدينة الناصرة وصديقي في المدرسة الثانوية, والذي أكمل دراسته في كلية الفنون الجميلة <<بتسال إيل>> في القدس الغربية.. أما عبد عابدي ولحسن حظه, فقد تبناه الحزب الشيوعي واحتضنه, وراح يفتح له الآفاق لدراسة الفن التشكيلي وفن النحت, ومن ثم ارسله في بعثة دراسية الى كلية الفنون الجميلة في مدينة درسدن في ألمانيا الشرقية.

كنت تحدّق بي ليلتها وأنا أتحدث, وتتابع كل كلمة أتفوه بها باهتمام شديد كما لو كنت أتحدث عن أناس عشقتهم ثم غابوا, ولم تعرف عن اخبارهم شيئا منذ سنين وسنين حتى أتيتك أنا بها.. ولكنك اهتممت اكثر ما اهتممت بأخبار الفنان المعروف آنذاك, عبدالله القرة, ربما لسيرته الغرائبية, او لصدى من سيرتك كان قد تردّد في سيرته.. فهو ابن لعائلة درزية متوسطة الحال من قرية دالية الكرمل الدرزية المتربعة فوق السفوح الغربية المطلة على البحر لجبل الكرمل.. ليس بعيدا عن توأمها قرية <<عسفيا>>.

كان الصبي عبدالله قد ولع منذ الطفولة بالألوان والنقش على الحجر دون أن يعرف عن فن الرسم والألوان إلا ما تعلمه في السنوات المدرسية الأولى.. أما من فن النحت فلم يعرف إلا فن النقش على حجر البناء في المقالع.. وفي احدى جولاته الاستكشافية ذات يوم في الجبال القريبة من قرية عسفيا, وفوق القمة المطلة على الجانب الآخر من جبال الكرمل يسمى <<المحرقة>>, وجد الصبي عبدالله القرة نفسه يقف مشدوها أمام دير قديم للرهبان.. فراح يطوف حول الدير وعيناه تتعلقان بالتماثيل الحجرية للقديسين المرتفعة على جوانب الدير.. فهرع الى أقرب صخرة منه وراح يعمل فيها ازميله ومطرقته الصغيرة لنحت قديسه الخاص به.. وهكذا أصبح عبدالله الصغير ما ان يفلت من سجن المدرسة حتى يهرع الى الجبال والى ديره القديم, مخفيا ازميله ومطرقته في حافظة كتبه.. حتى بدأ أهل القرية يظنون به الظنون, وخاصة رجال الدين المتزمتين, الذين أشاعوا بأن شيطانا ما يسكن روح الصبي.. هذا ما رواه لي شاعرنا الجميل سميح القاسم حين عرّفني اليه فيما بعد..

 ثم رويت حكايته مع بعض الفنانين اليهود ممن يحتلون قرية عين حوض الساحرة, تلك القرية الفلسطينية المطلة من فوق سفوح الكرمل على البحر.. والتي قاوم أهلها هجمات العصابات الصهيونية مقاومة اسطورية الى أن سقطت.. وقد ظل ت مهجورة بعد ان ه ج  ر عنها اهلها, حتى أواخر الخمسينيات حين بدأ الفنانون اليهود باستيطان بيوتها الحجرية الجميلة واتخذوا منها مسكنا وقرية للفنانين اليهود.. ومرسما كبيرا لهم..

كيف ومتى تعرف عبدالله على بعض هؤلاء الفنانين فلم أكن أذكر تماما, وكل ما كنت أذكره انه التقى بعضهم حين كان ينقش الصخر في الجبال فيما بعد, بينما كانوا يبحثون عن صخور لمنحوتاتهم.. ثم  توطدت علاقته بهم فعاش وترعرع بينهم ودرس على أهم الفنانين التشكيليين الذين كانوا يحتلون هذه القرية.. ومن ثم  اتخذ هو الآخر بيتا له ومرسما خاصا به في احد البيوت العربية القديمة.. ثم سافر بعدها الى الولايات المتحدة بصفته فنانا اسرائيليا, إذ كان يوقع لوحاته باسم <<عوباديا>> وهي الترجمة العبرية لعبدالله, أو بالأحرى الآرامية, وقد لقيت لوحاته ونمنماته رواجا ونجاحا كبيرا في المعارض الأمريكية.

ولم يكن يعرفه من الوسط الثقافي أو الادبي حق المعرفة في ذلك الوقت إلا نفر قليل, إلى أن عاد من الولايات المتحدة الى دالية الكرمل في زيارته الاولى, والى بيته في قرية عين حوض والى مرسمه في منتصف الستينيات, ثم أقام معارضا للوحاته ومنحوتاته في المركز الثقافي <<بيت الكرمة>>, التابع لبلدية حيفا, حيث قدمني صديقي سميح القاسم إليه, ثم  ما لبث أن اصطحبني بعد عدة أيام الى عين حوض, حيث نزلنا ضيفين عليه في بيته ومرسمه ليومين متتاليين.. وهكذا بدأت علاقتي به والتي لم تدم طويلا.. أما لوحاته وأعماله الفنية, فقد كانت تشي به في غالبها, رغم مدلولات توقيعه عليها, بما كانت تختزنه من تراثه الفلسطيني الدرزي المتجذر والعميق, وطفولته الجبلية, الى أن استحقت منه وبعد أن توطدت علاقته بنا, وبالشاعر سميح القاسم خاصة, ان تذيّل باسم <<عبدالله القرة>> بدلا عن <<عوباديا>>.

كنت تجلس يا حلاج يومها صامتا, وعيناك المتصوفتان يا صديقي ترحلان معي بعيدا, وتحلقان فوق جبال الكرمل وفوق قرية عين حوض, ودالية الكرم وعسفيا وحيفا, والدير القديم في المحرقة.. والمطل على البحر من الغرب, ومن الشرق على مرج ابن عامر.. ولا ادري ما اذا كانت قد وصلتا حيث ولدت أنت ونشأت في قرية سلمة, في الناحية الاخرى من فلسطين.. ولا أدري أيضا لماذا كانت عيناك المحدقتين بي تستحثاني على الاستطراد في الحديث عنه وما تتسم به شخصيته الجبلية بشعره الأشعث دوما من نزق عفوي, كنت أنظر وأنا أتحدث طيلة الوقت إليك.. كما لو كنت أتحدث اليك واروي فقط.. ولم أكن اعرف وأنا انظر اليك بأنك أنت هو, ذلك الرسام الفلسطيني, مصطفى الحلاج, ولكنني كنت على يقين, لما كنت تبديه من اهتمام, بأنك لا بد وأن تكون رساما أو نحاتا.. ولما كان يوحي به شعرك الأشعث, وعثنونك الصيني الدقيق, وجسمك الناحل, ونظرتك الذاهلة دوما.. ولم يكذبني حدسي.. فما ان انتهيت من حديثي حتى نهضت تصافحني  بحرارة, وصديقنا الكاتب الضاحك الساخر دوما ولو من نفسه, رشاد أبوشاور, يقدمك لي ساخرا من حماسك لشبيهك عبدالله القرة, كما قال, ثم انضم الينا الشاعر أحمد دحبور, والكاتب يحيى يخلف, والعميد محمد الشاعر, وجمع من الكتاب والشعراء السوريين الذين لم أكن قد تعرفت اليهم بعد, والذين أحاطوني في ذلك اللقاء بحب دافئ وعظيم لا يزال يرافقني ويحميني ويوقظ الحنين بي دوما الى دمشق.

أصررت حين خرجنا من المركز الثقافي, ان نكمل سهرتنا في قبوك العتيق.. منزلك.. مرسمك, وقد أعجبت يومها انا أيما اعجاب باسم الحي نفسه <<الجسر الأبيض>> هكذا كان اسمه.. وما ان دخلت قبوك حتى طالعتني خيولك السابحة فوق مرج جدرانه, بأشكالها الغريبة العصية ولونها الفاحم.. فرحت أتأملها مشدوها, وأنا العاشق للخيل وفارسها القروي.. الى أن انزلني عن صهواتها صهيل رشاد أبوشاور الضاحك.. <<خيول الحلاج يا توفيق لا تمتطى ولا يحرث عليها.. فابحث لك ايها الفلاح القادم الينا من فلسطين عن خيول غيرها>> قال.. وكان يقصد قصتي <<الفرس>> فضحكنا جميعا.. وقد أعجبني تعقيب رشاد على خيولك العجيبة.. ثم امتدت بعدها سهرتنا حتى الصباح.. وهكذا يا حلاج عرفتك.. هكذا يا صديقي بدأت علاقتنا التي لم تنقطع لسنوات طويلة والى ان فرقنا الاجتياح الاسرائيلي لبيروت.. وما من مرة كنت أزور فيها دمشق الغالية علينا.. إلا ويكون قبوك في <<الجسر الأبيض>> ملتقى جميع الاصدقاء والأحبة.. كانت الشلة تنطلق من مقهى النجمة في موكب صاخب نحو قبوك, وشاعرنا العزيز علينا جميعا.. الحانق دوما والمستفز , نزيه ابوعفش, يتقدمنا, يتبعه أحمد دحبور وممدوح عدوان وعلي الجندي, ثم ما يلبث أن يأتي رشاد أبوشاور ويحيى يخلف والفنانان زيناتي قدسية وعبدالرحمن ابوالقاسم, فيمتد بنا السهر بين نبيذك السيء الرخيص, وبين خيولك ونسائك المسترخيات فوق الجدران الكالحة حتى الصب اح.. الى ان قررت المجيء ذات يوم الى بيروت.

كانت الحرب الأهلية على أشد ها.. وبيروت مرجا من الخراب والدم كانت.. جئت تبحث وسط ذلك الخراب عن ذاتك, وعن كنه الموت الفلسطيني المجاني والمباح في شوارع بيروت وفي مخيمات اللاجئين على أطرافها.. كنت تلتفت إلي  وتقول ساخرا كما عهدتك دائما, <<نحن أيضا لنا سرياليتنا>>.. وانه الآن فقط وفي هذه المدنية يبدأ عصر السريالية العربية.. ولكي تعمق أنت من سريالية وجودك في بيروت, استدعيت صديقك القديم, الرسام مصطفى الكركوتلي, لكي يعيش معك في تلك الشقة الارضية المتواضعة في منطقة الظريف, ليس بعيدا عن شارع الحمراء, وعن الخط الفاصل.

وتلك الأرض التي كانت مسيجة بسياج سلكي مشبك, كما لو كنت تملك الارض كلها.. وكان يطيب لك ان تسميها <<الحديقة>>.. هكذا بدأت أسميها انا أيضا.. ولانها كانت حديقة, تمنيت لو انني أجلب لك حيوانا أليفا يقطنها او طيرا, لكي يبدد وحدتك.. فما كان مني إلا أن اتيتك ذات مساء بسلحفاة وجدتها في الأرض البور أمام بيتي في منطقة قريطم.. ولم أكن أتوقع انك ستفرح بها كل ذلك الفرح الذي تملكك وأنت تراها تتبختر في حديقة البيت فتخاطبها مدللا ومرحبا <<يا حلاجتي الصغيرة.. أهلا بك>>.. ولم أكن أعرف فعلا بأنك تحب هذا المخلوق العجيب مثل هذا الحب وتجله.. وتعتبره فيلسوفك الأول.. ولأنه عصي على الاحتلال كما كنت  تقول... أي احتلال.. ولأنه من فرط حبه ببيته, جعله جزءا منه كي لا يحتله أحد.. او ليستولي عليه أحد.. حتى لو احتل الغاصبون أرضه واضطر الى اللجوء او الهجرة, فانه يهاجر وبيته فوق ظهره, ولا ينتظر منة من أحد, حتى ولا من وكالة غوث اللاجئين, كما هو حالنا نحن في كل المهاجر العربية.. فلسفة طريفة يا صاحبي ولكنها وجهة نظر..

هكذا كنت يا حلاج بسيطا, زاهدا.. وحكيما وهازئا بكل ذلك الجنون المتراكض في شوارع بيروت, وفي أزقة بيروت, وفي سماء بيروت.. القذائف تتهاطل فوق بيروت وأنت تجلس الى حامل الرسم وتغيب.. الرصاص يلعلع في أزقة بيروت, والموت يعربد في الشوارع وأنت تجلس لتتأمل سلحفاتك الحلاجية او تتسابق معها.. او تخرج من بيتك وتأتي الي  قاطعا كل تلك المسافة من الظريف الى قريطم في جحيم القصف وجنون الموت المعربد في كل شبر من الطريق.

أتذكر يوم تهاطلت القذائف بالقرب من فندق <<البرستول>> وأمام قصر ذياب في قريطم من خلفك ومن أمامك وأنت في طريقك إلي , ثم راح الرصاص يلعلع, ولم يكن ليخطر ببالي قط انك يمكن أن تكون في طريقك إلي .. ولا ادري أي هاجس خامرني يومها بانك قد تفعلها حقا , فخرجت الى الشرفة أتفحص اول الشارع المؤدي من قصر ذياب الى بيتي في عمارة الزهيري نزولا.. كاد قلبي يسقط وأنا ارى شبحك يتسلل في الاضواء الخافتة الهوينى في وسط الشارع تماما, كم لو كنت تمشي على سديم عابثا بعثنونك كعهدك دائما.. سقطت قذيفة من خلفك فلم تلتفت وكأن شيئا لم يكن.. وحين صرخت بك استحثك لوحت لي بيدك وتقدمت.. وفي الباب وقبل ان تلقي التحية رحت تطمئنني بأن لا اخشى عليك, فعمر الشقي بقي وأنك عصي على الموت.. هكذا كنت تعتقد وتؤمن, يا حلاج لأنك ابن الشمس الطالعة أنت, ومنذ ان وطئت قدماك أرض مصر, ولبست خيش الزهد في معابدها القديمة.. وحملتها فوق رأسك الاشعث ومشيت عاريا خلف ذلك الحيوان الخرافي الولود ذي الاثداء العامرة بالحليب والحياة, يا من عاشرت ايزيس واوزيريس سنين وسنين وأمنت بالخلود والابدية وفي الحياة ما بعد الموت, واعتقدت جازما أنك روح لرسام قديم كان قد قضى العمر في أقبية الاهرامات وقبور الملوك الفراعنة ثم عادت وانبعثت فيك.. فقد عشقت مصر يا صديقي كما لم يعشقها فنان من قبل.. كما لم يعشقها مصري من قبل.. كأنك لم تبتعد عنها.. كأنك لم تزل كنت في أسوان بعد, وفي الاقصر وفي معبد الكرنك وفي وادي الموت.. والقاهرة.. حتى لهجتك التي ورثتها في الأقصر وأسوان التي عشت فيها شبابك لم تفارقك بعد ولم تهجرك .. ظلت هي الاخرى وفية لك.. ساعات وساعات يا صديقي كنت تحدثني وتحدثني عن تلك السنوات التي قضيتها هناك في هياكل الفن الفرعوني. واستخدامك للألوان الفرعونية التي كنت تستخرجها بنفسك من الرمل والتراب والصخور في الاقصر.. كنت دائما تبحث عن الخيط الواصل بين أرض كنعان وارض مصر من خلال المنحوتات وألوان الرسوم فوق جدران المعابد.. لكي تعيد لوحدتها روحها بريشتك أنت ولكي تعيد بعودتها انبعاث الروح بشعبك الفلسطيني من خلال موته اليومي وخرابه.. والإله <<مين>> المتحفز دوما في لوحاتك كفيل دوما بالحفاظ على استمرارية هذا الشعب وتوالده الى أبد الأبدية.. فلا ينضب هو ولا يفنى.. هكذا آمنت.. ولذا.. بأنك لن تموت آمنت أيضا.. ولن تستطيع كل قذائف الجيوش المتهاطلة فوق بيروت وشوارعها وأزقتها بقادرة على ان تصيبك.. لأنك لم تكمل مشوارك بعد ولم تنجز مهمتك التي انبعثت من أجلها.. جداريتك التي تحلم بإنجازها, والتي ستؤرخ فيها لنضال الشعب الفلسطيني بل ولحضارته وتاريخه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا وبأطول وأعرض جدارية عرفها الفن التشكيلي الحديث.. وكما قرأ العالم تاريخ مصر وحضارتها عبر جداريات قبورها واهراماتها.. هكذا سيقرأ المؤرخون وبعد آلاف السنين تاريخ الشعب الفلسطيني وحضارته.

وحين رحت استفزك ساخرا, بانك قد حددت يوم القيامة  موعدا لانتهائك من جداريتك هذه.. أجبت وبكل بساطة بأن ذلك صحيح.. وانك في اليوم الذي ستنتهي فيه من آخر ضربة فرشاة في جداريتك, فان قيامتك حتما ستقوم.. اية نبوءة هذه التي تنبأت يا صديقي, وأي توقيت صارم هذا الذي وضعته يا أيها الراحل عنا لرحيلك?.. ولماذا رحلت برحيلك جداريتك التي كنت تعيش من اجلها.. ومعك? ولماذا يا صديقي احتراقا.. أهل هي النيران التي لابد وان يكون أعداء شعبنا هم الذين أشعلوها بتاريخه وإرثه الحضاري المسطر بدم ريشتك على جداريتك فداهمتكما?!. لم تكن النيران تلك قضاء وقدرا, ولم تكن اهمالا او صدفة كما قيل وقالوا.. بل نيران أعدائنا هي التي كانت مصوبة نحوها.. يقول حدسي.. فأية نيران عبثية تلك التي تتقد بنسغ الروح وتشتعل.. وهل هي النيران يا حلاج حقا, أم هي روحك التي اشتعلت فأشعلت بها الدنيا من حولك وبكل ما أبدعت يداك.. وكان جسدك الناحل, الفتيل هو.. وهو عصف الرياح الذي سعر منها اللهيب.. وأذكى أوارها.. فكيف إذن وهو العصي على الموت احترق!! وكيف على النار يكون عصيا وهو جوهرها.. وهو احتراقها.. وهو نورها وطهرها.. كما شعبك الفلسطيني يا أيها الناسك المتعبد.. كما فلسطين.. أفهو النذير يا حلاج إذن.. أم هو النفخ بصور روحك وأنفاسك الاخيرة وعصف نيرانها لقيامة هذا الشعب التي شهدت ورأيت فيما يرى الأنبياء, ففديت لكي تكون قيامته الاخيرة التي تقوم وموته واحتراقه الذي لا ينتهي ولا ينطفئ.. انبعاثا وحياة لما بعد موته واحتراقه وخرابه.. كما بعل.. كما اوزيريس.. كما تموز.. وكما النيل العظيم, الذي عشقت يا حلاج وقد ست, وعبدت.. كما الأردن.. فسلام عليك يا صديقي.. وإلى أن نلتقي.. وقريبا.. ألف سلام.

 

تصميم الحاسب الشامل