|
|||||
|
اذا كان الأسد هو حاصل مجموع لحم الخراف فتصورا إذا أن الخراف ذرات رمل, وان الاسد نخلة في الصحراء تزأر بصوتها وهي تهش غيوم السماء بعيدا .
قالت نخلة لأختها: من يلمس حدود الوجع? وانطوت على نفسها تئن في بغام مكتوم.. لم تكن نخلات من اللدائن, ولم تكن من نخل الزينة الدارج الذي يضعونه في ردهات الفنادق وزوايا محلات السوبر ماركت العصرية تكملة لديكور المكان.. كانت نخلات حقيقية, طبيعية, من لحم ودم, تحب وتحاول ألا تكره.. يأخذها الاحساس حتى أقاصيه, مثل البشر الذين لم تترمد أرواحهم باللهاث وراء السراب, وكان الفصل في عز الحلي والثمر: ها هي صبية تميس بالعثاكيل من تمر الذهب. ها عشر نخلات.. عشرون.. ثلاثون.. خمسون.. مائة.. نهر من نخيل اصطف مثل عسكر العروض ولا يجري, واجهة من البيادق الثابتة في رقعة اللعب, رصت بهندسة متقنة.. تميس في لحظات مستذكرة صحراءها البعيدة, ومرابع الإمارة الاولى, بعضها يحن , بعضها يروح الى البعيد ويرنو, وبعضها يأخذه الجنون, فيقطع حبال الوقت ولا يستطيع, وله حكاية مع المدن المرسومة بالاسمنت والحديد.. وتلفت إلى مهاد العز والصبا, يوم كانت الحرية كل شيء وما عداها باطل. من يلمس حدود وجعي?.. قالت نخلة لأختها واستذكرت أمة وأخوة ومرابع حنان, وربما عن على بالها من ذلك موّال من مواويل البوح, ونسمة من قصائد الضنى: (لو كنت يوم..) التفتت عفراء الى أختها وتمتمت كمن يحدث نفسه: لم أحمل هذه السنة, وأنا أغبط حملك يا أختي, ثم التم ت على نفسها كمن باح بشيء لا يجوز له.. أجابتها سعفاء حانية ومطمئنة : لا بأس عليك يا أختي, فالحال الذي نحن فيه لا يجود كثيرا , لقد آذانا المهندس فحد لنا بيوتنا وهواءنا وجيراننا المحيطين بنا.. تأملي ما نحن فيه, كل شيء مرسوم بمقدار, وأنت على ما أنت عليه من الحساسية والرهافة والرقة, فاصبري يا أخية . أجابت عفراء: ويلي كيف اصبر على وضع لا خيار لي فيه, فلا أنا بالحرة التي تختار أنسام روحها, ولا أنا بالميتة فأرتاح. مس سعفاء شعور غريب بين القهر والمرارة لأختها, ولم تدر كيف تخففت عنها لتأخذ بأختها الى بر الطمأنينة.. قالت بصوت يغمره الحب: هو ني عليك, إنك تقسين على نفسك وتؤذين روحك, ستحملين العام القادم كما يليق بك, وسوف أقتسم معك حمْلي الآن, فما أنا بدونك وأنت توأمتي?.. ابتسمي هيّا ابتسمي, فلولاك لم يكن حملي كبيرا .. وراحت سعفاء تلاطف أختها وتحنو عليها مخففة, وقد أطلقت رموش أجنحتها الناعمة مروحة تنسم بها نحوها, شيئا فشيئا .. حتى بدت عفراء تستسلم إليها مثل طفل يميل الى النوم. تابعت سعفاء: أي أخي تي.. أنت التي حميتني في أيام حملي الأولى من ذلك البرد الذي أصاب أجسادنا, وغطيتني من هجمة الحر الداهم وكان سعفي غضا .. أنت التي تركت لي نسغا أكثر ولم تشربي كفايتك منه.. وأنا لولاك يعلم الله كيف يكون حالي.. هيه.. ابتسمي..! فعلت العذوبة فعلها في عفراء, وبدأت تتحرك مقتربة من أختها تريد عناقها.. فكرت سعفاء بأختها النخيلة وبسخطها المشروع.. ضغطت على مشاعر الأسى مخفية لها ومكابرة, فالهواء الذي تتنس مه مع أخواتها أصبح مختنقا ببترول السيارات, وضجيج المكيفات, وروائح الأفران الكهربائية السريعة, وحتى الماء الذي تشربه يختلط بالمحاليل الكيميائية وأدوية العشب.. إيه.. أينك يا صحراء العطش وبادية الروح.. حتى عطشك كان أكثر رحمة لأنه بلا منة, حتى أنسامك كانت شفاء للنفس من غبار وهجير! كان الشارع يعج بحركات السيارات الذاهبة الرائحة فلا يسمع حوار النخيل ولا يعبأ بهمس الأشياء أحد, وكانت الأبنية والأبراج على جانبيه تشكل سورا حول النخيل اشبه بأسوار المقابر, أو عوارض المعالف في حظائر البقر.. أبنية من الإسمنت والبورسلين والزجاج العاتم, قبور للبشر من نوع آخر يأوون إليها مدارين سوءات موتهم, وقد أعد ها المهندس الماهر بجماليات الألوان والخطوط والأشكال المعجزة.. حالمون من البشر والخلائط ينوؤون تحت ضغط الحاجة والتعب ونفاد الصبر, كل أثقلته رغباته وأحماله المركبة الوافدة والراهنة التي اصطحبها معه والتي أنشبت هنا.. مغلوبون من كل لون ينضغطون كالسردين, أشكال وهيئات وروائح تنفذ ببعضها فتفقد خصائصها الإنسانية, وتسفح عطنها ونتنها في الزوايا والمداخل والمصاعد المنم قة.. أعمار تزول, أعمار تمضي, أعمار أيام لا تساوي طولها, مسامير لا تخرج ولا تنغرز, شواهد مغطاة بالقار والكلس الكالح الغريب, أين القمر في عزه, والحب الذي كان.. وأين? قالت عمارة لجارتها.. لم تقل.. رطنت بشيء غامض وجاف .. لقد أجادت الامتثال والسكوت حتى تنوء بحملها بعد عقد من السنين أو أكثر, فتهوي صريعة بداء الرطوبة والقهر, وإن لم تهو يجهزون عليها بما حملت من أنين الوجع وصور البؤس وعري الأرواح. حتى المرايا تشحبت ألوانها من كثرة ما ترى فتصفر وتهترئ وتتشقّق مثل سهوب اليباب في أبد . وقف مسمار صدئ في النافذة يتأمل المشهد.. تل فت في غرفته بالأشياء والجدار والسقف وخزانة الثياب, حاول الكلام فلم يلتفت إليه شيء, كانت الأشياء غارقة في صمتها وأثقالها البليدة, حتى أنينها لم يخرج عن أخاديده الضي قة اللزجة, فماذا تحكي ولمن? تأمل المسمار عمره الضائع ورحلته المشوبة بالوجع, حتى الحديد لا يحن عليه, حتى الألمونيوم لا يعرفه, حتى أبواب الخزانة المضغوطة من النشارة والمقوى غير معنية به أو بمشاعره الناصلة.. نهر من السيارات يجري في الاتجاهين, خنافس صغيرة وارتال من الصراصير الملونة اللامعة تشع وتعبر .. حركة من الأسى الغامض المستديم.. محطة أدنوك تستقبل بعضها لتملأ خزاناتها بالسموم والشحوم وتقنعها بمماسح الرضا, تضخ السائل اللامع, وترفع عنها بعض الغبار الوسخ.. كانت السيارات في عبورها أشبه بحركة الزمن وقد ارتبطت بعقارب الوقت, وكان خط قبور النخل بين الشارعين مقيما على حالة, معز ون.. فضوليون.. مفجوعون.. مأتم دائب الحركة لا يمل العبور, ولا يقف ليتلو فاتحة على الفقيد الغالي, أو يلتفت الى رتل الموتى المضي ع من النخيل. شهد المسمار كل ذلك, وهجس به, ولم ا تيقن أن الموت يسكن الأشياء, يلبسها ويحيط بها, يحاصر هواءها وماءها.. لما تيقن من كل ذلك نزل إلى قبره وتغطى بالصمت المقيم, لا يفكر أو يحل م ولا يهجس بحياة أو قلق. كان السديم يزحف على طرف المساحة الباقية من المشهد, محملا بجيوش الرطوبة, وهو يغطي <<المارينا مول>> بقبابها المستعارة المقلوبة, فتغيب الصورة حتى لا تبين, وكان في القريب مئذنتان لجامع آثر البقاء لاطيا بين الأبراج وداخل حديقة الإسمنت.. خرج من فم المئذنة الصغيرة صوت طفلي طري الزغب لا يكاد يجيد الحب و: الله أكبر الله أكبر.. كان الاختلاط واللعثمة باديين في الصوت, أشبه بحمامة الصباحات الأولى التي لم تجد الصداح, ولم يكن يسمع ذلك النداء إلا بضعة مصلين, لا أحد يعرف كيف خرجوا من قبورهم بأكفانهم البيضاء وسراويلهم الناصلة اللون.. سمعت النخلتان النداء فتقلبتا في قبريهما عسى أن يمد أحد إليهما يده ويصطحبهما إلى صلاة الصبح, بعدما طال ليلهما, وقلق نومها, وأثقلتهما الكوابيس.. ولم يمد أحد إليهما يدا أو يعرهما بقية انتباه.. لا أمهما أيقظت, ولا أبوهما عاد من خلوات الليل.. عادت النخلتان إلى نومهما الضائع تحت رخام التمدد والهواء الجامد... |
|||||
|
|||||