|
|||||
|
ربما أحببتها, أو أحببت ذلك الصمت في عينيها. فضولي جرني إلى كل هذا, واستغرابي من هذين الشخصين. ربما لو كنت رجلا يتصرف بطريقة مختلفة, ويرى الأمور جيدا لما تعقّدت. سواء كان الأمر أني أحببتها, أو أعجبت بها, أو تعاطفت معها, فإني لم أملك من ذلك شيئا في صالحها. انتقلا إلى الغرفة المجاورة: زوجان لم يبد عليهما شيء غير أنهما عاديان. كان الرجل طويلا وأشقر, وكانت السكينة تملأ ملامحه. أما هي فقد كانت قصيرة إذا ما مشت بجنبه. لا أدري لماذا حدث ذلك في اليوم الذي قررت زيارتهما فيه. بدأت أشعر بالوحدة في هذا المكان, ولم يعد لي أصدقاء. ربما لم يكن ينبغي أن أكون ضعيفا لأبحث عن أصدقاء, لكني لم أقابل سوى زوجها <<أليكس>>. تعرفت عليه وسألته عن عمله, وتبين لي أنه يعمل في شركة لتعبيد الشوارع. بعد أيام قليلة من تعرفنا الودي, حدث أن طرق أحدهم الباب علي في اليوم الذي قررت أن أسافر فيه إلى مزرعة البرتقال الكبيرة مع صديقي. فتحت الباب فدفعتني بقوة, وأغلقت الباب من بعدي وأمرتني أن أطفئ الأنوار. كأنني اسمع صوتها للمرة الأولى. لم أتخيل صوتها هكذا. وقبل أن أدرك ما حدث, انتبهت إليها تطفئ الأنوار. لم تعد ساقاي تحملاني, فقررت الجلوس على الأرض من دون أن أستفهم. جلست أمامي, وكنت أسمع لهاثها مثلما أسمع تنفسي. مر الوقت على هذا الحال, ولم أعرف تماما كم مضى على جلوسنا صامتين, إلا أن الوقت كان طويلا . تمنيت لو استطعت أن أرى وجهها وهي قريبة مني هكذا. تمنيت أن أرى عينيها. لا أدري كيف لم يبد هذا الاقتحام غريبا لي كثيرا. ربما خوفي من أنها ستقتلني كان أكثر من خوفي من الاقتحام. لكن مجرد جلوسها أمامي كان يعني لي أنها لن تقتلني. استسخفت فكرة قتلي, وندمت على ظني السيئ, فما الداعي لقتلي? مر وقت دارت فيه أفكار شبيهة في رأسي, وبدأ الألم يرتخي في ظهري وساقي بل أظن أني سهوت قليلا , فالأمر بدا لي كلعبة أو حلم. لم أدر إن كان ينبغي أن أتكلم معها, لكني فضلت الصمت فهي من سيبدأ الكلام إن أرادت. لم أنس <<أليكس>> ولا أعرف تماما كيف لم يكن يهمني. أن أفكر أنه قد يطرق الباب في أية لحظة ويراها معي لم يكن أمرا يهمني على الإطلاق, لكن الذي أصابني ضيق شديد من ذلك الصمت وكدت أن أتكلم لكني ما استطعت إلا أن أواصل التحديق فيها. لا أتذكر إن كانت هي اقتربت مني أو أنني الذي اقترب لقبلة محمومة, إلا أني وضعت يدي اللتين رطبتهما دمعات شحيحة ساخنة على وجنتيها, ومسحت على شعرها وأخبرتها أنه ينبغي عليها أن تعود. لم تنطق بكلمة. مات صاحب المزرعة الكبيرة في الشمال, وصديقي الآن يدعوني إلى الصيد الثمين. يخبرني أنه رتب كل شيء وأن قريبه حارس المزرعة سيسهل دخول الشاحنة الصغيرة, وتتم العملية في غفلة الورثة وأصحاب المزرعة الجدد. يخبرني إن المزرعة كبيرة جداً, وإننا مهما قطفنا منها من البرتقال, فلن يكون الأمر ملحوظا لدى أحد. والأمر أن الجني سيكون لثلاث ليال متواصلة فيما ننقل البرتقال إلى الجنوب في الصباح. <<المزرعة كبيرة جدا>>, يكرر لي, ويخبرني إننا لن نسرق البرتقال بعد اليوم إلا من المزارع الكبيرة. صديقي محق في أغلب الأحوال لكن الفكرة لم ترق لي كثيرا. عندما بدأنا بجمع البرتقال, كان الأمر لي متعة أكثر من أي شيء آخر. لقد أحببت هذا العمل لأنه حدث بالصدفة. كنا نجتاح المجمعات السكنية والبيوت المحاطة بالبرتقال بالليل, ونحصد بلا هدى ما نستطيع من البرتقال الناضج ثم نعدو. لم نظن أن أحدا سيحاول القبض علينا. فالبرتقال في تلك الأماكن يظل حتى يفسد ويسقط, ولا يقطفه أحد, وهو في الحقيقة مزروع للتجميل. في البداية, كنا نتقاسم البرتقال في غرفته, ونظل نضحك في تلك الليلة ونسترجع أحداث الليلة كأن نستعرض سواعدنا المخدوشة من الجني, ونظل نأكل البرتقال حتى الغثيان, وما تيسر فنوزعه على الأصدقاء والجيران! غير أنه اقترح علي أن نسرق البرتقال بطريقة منظمة ونبيعه في المتجر الكبير. صديقي محق في أغلب الأحوال, لكن فكرة السرقة الجاهزة من المزارع الكبيرة لا تبدو بتلك الإثارة والمتعة التي أحببتها في سرقات المدينة, رغم أنها مربح مدر كما علمنا بعد ذلك. المزارع الكبيرة بها ما يقارب الألف شجرة من البرتقال. تعلمنا ذلك من المزارع المختلفة التي ننهبها. نتواطأ مع الحراس والمشرفين في البداية ونسرق ما لا يزيد عن عشرين برتقالة من كل شجرة. في الموسم الخصب تنبت الشجرة ما يقارب المائة برتقالة. لم نتمكن من جميع الأشجار بطبيعة الحال لكننا مع معاونين آخرين نتمكن تقريبا من نهب نصف أشجار المزرعة. في المرة القادمة نتجه إلى النصف الآخر, وهكذا لا يلاحظ أي نقص. لا يمكنك أن تتخيل بكم نبيع البرتقال في المدينة للمحلات الكبيرة. حين تأخذ في الحسبان ما تكلفنا الرحلة, فإننا نبيع البرتقال بخمسة أضعاف ما يكلفنا- بما في ذلك حصة الحراس. بعد فترة قصيرة جدا , ابتعنا شاحنة أكبر من الشاحنة التي كنا نستأجرها, وانتقل صديقي من غرفته الصغيرة إلى شقة فاخرة. توفر لنا الكثير من المال بحيث كنا لا نخرج إلا للصيد السمين. في المرحلة الثانية من الوقاحة, كنا نسرق في وضح النهار. فقد كنا بتواطؤ الحراس من جديد نعرف متى يأتي صاحب المزرعة, وكنا نوهم من يزور المزرعة كأبناء وزوجات أصحاب المزارع بأننا نعمل عندهم وإننا من قسم التسويق. أسهل ما في الأمر هي الأسئلة التي يسألونها عن زراعة شجر البرتقال, وتخصيبه. ما نجيبه يكون من نسيج خيالنا والاستعانة ببعض المعلومات العامة. يمكنك أن تحفظ أسماء بعض المواد الكيميائية لتبهر الناس من حولك. السرقة مربحة لكنها كانت عملية متعبة. المزارع تقع في أماكن بعيدة, وفي أكثر الأحوال, لا توجد مزارع بجنب بعضها البعض. عملية الج ن ي مضجرة وتستغرق وقتا . ولا تخفى المخاطر الجمة التي قد تحدث من ذلك. وكذلك التوخيات التي اتبعناها في السرقة كانت تزيد الأمر صعوبة. منها أننا كنا أحيانا نقوم بسرقات فردية بأن يقوم شخص واحد بالسرقة في منطقة معينة ويقوم اثنان على الأقل بمراقبته حتى تسهل عملية الهرب إذا تم اكتشافنا. كنت أكره السرقات الفردية لأننا نقوم بها إذا كانت المخاطرة جسيمة. مضت عدة شهور, ونحن على هذه الحالة. لم يتغير الكثير إلا أننا لم نعد نسرق في النهار كما كنا نعمل. بعد كل شيء, أصبحت سرقة النهار ذات خطورة فعدنا إلى السرقة الليلية. إلا أن ما حدث مؤخرا غير حياتنا للأبد. عدت في ذلك اليوم إلى غرفتي بعد رحلة عمل مضنية ورأيت شيئين على بابي. رأيت عقد ياسمين يابس أظنه بقي معلقا على مقبض الباب لأيام عديدة, ورسالة من الشرطة تطلب مني الحضور طوعا إلى مركز تحقيق ولي مهلة يومين. خفت كثيرا وارتبكت. قد تكون هذه النهاية. حتما لقد تم اكتشاف السرقات, ولكن كيف? ولماذا الحضور الطوعي? خبأت العقد, وذهبت كي أطرق على باب جاري لأسألهما إن كانا يعلمان بأمر الشرطة, وتمنيت لو أن <<أليكس>> يرد علي. لم أرد رؤيتها. طرقت لكن أحدا لم يجبني. لم تمض سوى دقائق قليلة حتى أجيب على تساؤلاتي إذ تقدم نحوي شخصان عرفت من هيئتهما أنهما شرطيان كانا يراقبان المكان, وكانا كما يبدو يراقباني من بعد. أخبراني إني مطلوب للتحقيق في مركز الشرطة ورفضا إخباري بالأمر, لكنني طلبت الاتصال بمحام فوافقا على أن أقوم بذلك من مركز الشرطة. قادني الشرطيان إلى غرفة التحقيق, ولم أعرف إن كان ينبغي علي الصمت أثناء التحقيق حتى يصل المحامي, أم علي إنكار السرقة منذ البداية. الأمر حتى هذه اللحظة لم يكن يقلقني كثيرا فقد توقعت أن طريقة الاعتقال والتحقيق ستكون أسوأ وأسرع مما جرى. عرض المحقق الشاب علي قهوة فوافقت. قال لي إن حظي سيئ فما يجري لي الآن لا يحدث إلا نادرا. لم أفهم فوضح لي ان السبب الأساسي للتحقيق معي هو لجمع معلومات تتعلق بجريمة قتل تمت مؤخرا في منطقتي. - جريمة قتل? قال إنها جريمة قتل جاري <<أليكس رونسون>> مسموما والمتهم الوحيد في هذه الجريمة الساذجة هو زوجته <<ماري رونسون>>. - ماذا? لم أفهم. طلب مني الهدوء وقال إنني لست متهما وأضاف بافتخار بأن القاتل معروف فقد توصلوا إلى حل الجريمة في أقل من يوم واحد, وهو اليوم الذي لم أعد فيه إلى المنزل. - لم أفهم بعد. أجابني إن الجريمة تمت وكان التحقيق يهدف إلى جمع معلومات من المقربين فوضعوا استدعائي التطوعي على بابي, وكان المنزل مراقبا . أثار شكوكهم عقد الياسمين على باب بيتي. فقد وجدوا عشرات العقود في بيت الضحية. ارتبكت وقلت أن لا علم لي به. ابتسم لي المحقق وقال لي للمرة الثانية لا داعي للقلق فكما أخبرتك إنه لا صلة لك بالجريمة. تحيرت وسألته: <<لماذا التحقيق معي إذا?>> قال لي: <<هنا يكمن حظك السيئ. حينما بحثنا في سجلك, وجدنا في مواصفاتك مواصفات أحد المطلوبين لعبور غير مرخص لإحدى المزارع>>. سألته بارتباك عن ما كان يعنيه. قال لي إن إحدى كاميرات مزرعة ما التقطت صورتي وأنا أعبر المزرعة, وهي ممتلك شخصي لأصحابها لا يمكن لأحد التعدي على حرمتها بالدخول. صرخت أنني لم أسرق شيئا . فرد علي بأن لا أحد يتهمني بالسرقة. فكرت إنها قد تكون إحدى المرات التي كنت أسرق فيها فرديا والتي انتهت بعدم السرقة لأنهم لم يوجهوا ضدي أي تهمة سرقة. ولذلك, فإن هذه هي قضيتي, ويمكنني أن أتفق مع المحامي والقاضي على غرامة ما حتى يتم تسريحي. وقد يتم ذلك في عدة أسابيع. هذه القصة كما يقول. لكن عدت وسألته عن جريمة القتل, فقال لي إن تفاصيل الجريمة منشورة في جريدة اليوم لكنه سيخبرني بها على أي-ة حال. قال متقززا إن الجريمة ساذجة لدرجة لا يتم تصورها. قامت المتهمة بحقن جميع حبات البرتقال في الثلاجة بحقنة مسمومة حتى يتناولها زوجها. يبدو أن الزوج تناول شيئا منها ومن ثم قامت بتناولها هي أيضا . قتل وانتحار كما يبدو, لكن <<أليكس>> استطاع الاتصال بالمستشفى قبل أن يموت فيه فيما بعد. مات <<أليكس>> وتسممت هي, لكنهم استطاعوا إنقاذها. عاد ليسألني إن كنت على علاقة مع المتهمة, وسألني عن عقد الياسمين. لم أجب وفضلت انتظار المحامي لأجيب. مرت عدة أسابيع بها كانت حياتي بين مكتب المحامي وقاعات المحكمة. قابلت صديقي بعد أن انتهى الأمر, وبعنا الشاحنة وسرحنا العمال وكل ما تبقى من برتقال. مازلت لا أدري سر عقد الياسمين الذي علقته على بابي, وهل علقته قبل الجريمة أما بعدها? تكاليف المحاماة والغرامات والعمال استنزفت جميع حصتي من المال. أعطيت المال لصديقي الذي تكفل بهذه الأمور قبل انتهاء القضية. صديقي الآن يعمل في تجارة الإطارات الجديدة والمستعملة. تجارة مربحة. صديقي محق في أغلب الأحوال, أما أنا الآن فمستعد للرحيل من هذه المدينة الثرثارة التي لا تعرف سوى التحدث عن جريمة <<ماري>>, ومازلت أتساءل بين ليلة وأخرى وأنا أبعثر الياسمين اليابس على وجهي إن كانت <<ماري>> أرادت أن تقول لي شيئا لم أكن لأفهمه. والبرتقال والياسمين والحقنة وأشياء كثيرة لا أستطيع أن أعيها. أتساءل لو كنت رجلا يتصرف بطريقة مختلفة ورأيت الأمور جيدا فهل كانت ستتعقّد؟ |
|||||
|
|||||