يتسع الجرح العراقي على التعقل والبكاء
قراءة فـي كتاب هاديا سعيد <<سنوات من الخوف العراقي>>

 

خالد الحروب


أراجع سطورا كثيرة. غالبا  ما أرتجل تدخلاتي وأخيل بها. بعض تلك السطور يستوقفني أكثر. ألتحم به. أشعر بحميمية خاصة. عندها أخجل من الارتجال. أورط نفسي في النص. أكتب عنه وفيه.. تتفاقم الحالة عندما يكون النص عصير مرارة عراقي.. وجزءا  من التوريط الاختياري قادما من شعور خفي وخجل ممزوج بعتاب داخلي. مرده أن كثيرا من المثقفين العرب, وأنا منهم, انشغلوا عن سماع الأنين العراقي المديد كما ينبغي. وأن الآوان قد آن ليس للسماع فقط, فلربما فات الوقت, لكن للاعتذار. لذا, فكأنما المعتذر في داخلي يقف راكعا  في هذه اللحظة أمام محراب الجرح العراقي طالبا  صك غفران. لم يتورط صاحب هذه السطور في أية ممارسة أو كتابة نفاقية للنظام السابق, ولم يقترب منه أم من غيره, قيد أنملة. لكن مع ذلك يشعر بأن الرجولة تقتضي القول بأن صمت المثقفين العرب عن مناصرة الجرح العراقي كان عارا  علينا جميعا . هل فاضت جروحنا عن قدرتنا على الاستماع لأنينها? ربما. أنا ابن الجرح  الفلسطيني المشرع على الأنين منذ قرن, أقر بأن لا عذر لعدم الاستماع لأنين العراقيين. لا مسافة بين أنين وأنين وإن اختلفت الجروح وتعددت صداه ذلك الأنين واحد, يتردد في جنبات جروح المشرق والمغرب. يترنح من جرح لآخر, يتيه في اتساعاتها الموحشة, المتعددة, كأنما هي مغارات سحر بشع لا تني تتوالد. خجلا أمام ذلك الأنين, أقر أن الارتجال لا يفي صلاة الجرح حق التلاوة. لكل ذلك, أراني أقدم نص مداخلتي مكتوبا , لا مرتجلا. آنئذ أشعر براحة داخلية أكثر إذ أطارح مرارة نص هاديا سعيد حرارة الاستقبال. أشعر, وآمل أن أكون محقا , أن ذلك يجفف جفاف الارتجال.

هذا هو حال الطالعين الجدد إلى حياة الكتابة والقلم والثقافة. ما أن تصل أعمارهم حد العشرين, حتى تكون طموحاتهم قد جاوزت كل أفق محتمل. فاليقين الجارف بالكلمة التي يصوغون ويعشقون, هو سجادة سندبادهم. تحملهم من مصر إلى مصر. وهذا هو حال هاديا البيروتية المترجلة عن سجادة سندبادها في بغداد. تريد عناق دجلة كله, وسرقة مائه كله لتصبه حبرا  في قلمها. تغريها كما تغرينا الكلمة. فنلحقها, تغشى عيوننا, تحجبنا عن بشاعة واقع ما, نعرفه ولا نريد أن نعرفه. نتماكر مع تلك الكلمة بولادية بريئة حتى لا نرى السواد المحيق بنا. أو, نعلق عليها أملا  وحلما  ونمحضها قداسة كبرى كأنما هي قادرة على تبييض ذلك السواد. هذا هو حال هذه البيروتية, الكلمة والكاتبة, إذ تتلمس طريقا حذرا في شعاب بغدادية تضج بالتحزب والتأدلج.

تختار الكلمة المتبخترة بيفاعتها وعنفوانها انحيازا  أوليا ومعلنا لإبداع ونقد يقودهما صدق بسيط, وحب غير متفلسف للناس والأشياء. تظن بسذاجة أن انحيازا  هكذا  قمين بأن يكشف هزال التأدلج, ويحشره في زوايا البشاعة. لسبب بسيط أن الحياة أرحب من ضيقه, أجمل من قبحه, أكثر براءة من غدره.

تخادع الكلمة نفسها أن بغداد السبعينيات على وشك أن تقصم ظهر الغدر. وتدخل عصرا جديدا بين بعثيين وشيوعيين يقسمون على كتاب الاحترام أن الدم لن يسيل بعد اليوم. لاعبون كبار يقودون اللعبة الكبرى: رئيس آيل إلى الشطب (بلغة الأحزاب) وسيد نائب يتقدم كل يوم مطيحا  بكل من يعارضه الطريق. بل ومطيحا  بكل من يصادفه مساقا بأقدار السوء محاذيا له على حواف ذلك الطريق, وليس مواجها أو متحديا. وبالتوزاي, سيتم شطب جبهة وطنية ضمت أعداء الأمس, وقدمت للناس وعدا وأملا بالكف عن الدم. اللعبة الكبرى تتسرب إلى كل تفاصيل الحياة والبشر. إلى مجلة ألف باء حيث الكلمة البيروتية تختال من الألف إلى الياء فوق صهوة أبجدية مخدوعة بقدرتها على كسر رتابة السياسة. فجأة تكتشف أن كثيرا ممن حولها يقلدون السيد النائب, يحشرون أنفسهم في بدلات باريسية أنيقة تطابق ما يلبس السيد النائب, وربطات عنق انجليزية تناظر ما يتمنطق السيد النائب, وشوارب تتماهى مع شوارب السيد النائب: السيد النائب الطافح شبابا وحيوية ... ووعدا كاذبا بالتغيير. تهبط السياسة على الكلمة, تطوقها, تخنقها, تغلق سماءها, وتدوس على كل حلم صغير من أحلامها. يضج الفضاء الصغير بالسياسة والتصنيف والنميمة والغدر. يحيل جزر السياسة مد الأبجدية إلى طحلب مشوه, أدار دجلة ظهره له وتابع الجريان.

يهبط السيد النائب في زيارة مفاجئة على مكتب الكلمة. يريد أن ينهض بـ<<إنتاجيتها>>, كما بـ<<إنتاجية>> كل مصنع أو مزرعة أو مدرسة يزورها. كأنما هو إله الخصب, يمرر بركاته على كل موضع ومكان ليمور بالبركة وليتبرعم في العطاء. إلهنا هنا: السيد النائب يفهم في كل الأشياء. يزور الجيش ومعسكراته فيزداد قوة. يزور الشوارع فتزداد اتساعا. يزور الصحف فتزداد انتشارا . يزور الموظفين فيزدادون نشاطا . يركب العربات فتزداد سرعة. يقرأ الكلمات فتزداد تألقا. إلهنا هنا السيد النائب. يا إلهنا لست سوى إله الخوف والرعب والاوصال المرتجفة. يدخل مكتب الكلمة, يتسنم صدر المكان. يعبس في وجوه الأحرف المرتبكة. يسأل عن غياب <<المواطنة>> هاديا السعيد المدرج إسمها في قائمة المتدخلين. يقولون له لم تأت. جاءتها فجأة شقيقتها وعائلتها من بيروت, محطمين وينزون بالجراح, فما استطاعت القدوم. يغضب إله الخوف. يرغي ويزبد. يأمر بفصل الكلمة من عملها. كان يريد سجنها. قال لها إن ما شفع لها هو <<عدم عراقيتها>>. يخر صمت رهيب على الكلمة وصويحباتها. إله الخوف لا يعترف بألم الناس. لا يأبه به. إله الخوف يعتاش على البطش. يستولي الرعب على فضاء المكاتب وردهات المجلة حيث تعمل الكلمة. تتسربل الكلمة في حزنها, وتقيم في البيت شهورا . خلالها, ينسد الأفق سريعا , ويتبدى لها أن المغامرة البغدادية انتهت, أو يجب أن تنتهي. فاجرة أنت أيتها السياسة. حزينة أنت أيتها البراءة. تخرجين كسيرة من باب خلفي, تلقين دمعة وداع وتنتحرين في دجلة. كأنما تضاجعينه مضاجعة الموت: تموتين فيه ومعه.

تحكي لنا هاديا عن العراقيين العاديين. ناس يطاردون أرغفة خبز عيشهم, في أزقة انقلابات السياسة, ووحل الغدر المحزب. يذهبون إلى أماكن عملهم, يسايرون <<الرفيق>> هنا, والمسؤول هناك, يلصقون بسمات المجاملة حتى يمضي اليوم بلا مصائب. هناك أفواه صغيرة مشرعة متروكة في البيت سينهشها الجوع, والرعب, إن حاد أرباب الأسر, كتابا وناسا عاديين, عن الخط. لكنهم أيضا يطاردون الكتاب والثقافة أيضا . وهم في صوغهم كلمتهم ماكرون نبلاء. تقول عنهم هاديا: <<يظل العراقيون أبطال المكر النبيل في الدفاع عن ثقافتهم وإبداعهم. لم أر شعبا أكثر قراءة وتعلقا بالأدب والفكر كالعراقيين. إن مرجعيتهم هي الورق والكتب وليس الحياة>>. لكن تختنق الكلمة في بؤس الالتزام الحزبي الكئيب. كل حرف يجب أن يخدم الحزب والثورة والشعارات الكبيرة. يطيح الالتزام السقيم برؤوس الإبداع وقيم الجمال قيمة قيمة. تموت الحياة في كتابة إبداعية روحها في اللا التزام واللاقيد. أي كتابة هذه المنصوص على أهدافها النهائية, المرسومة محطاتها بدقة حزبية شديدة. هي دمى بشعة تسير بلا رؤوس. رؤوسها أسقطت, ومعها جفت أوردة الحياة فما عاد فيها نضارة. شعراء وكتاب وروائيون, ينتجون دمى بشعة, بلا رؤوس, تصفق للحزب, تمجد الرفاق, وتؤله السيد النائب. لكن, هناك هوامش, كما تشير هاديا. هناك آخرون التصقوا بكلماتهم الحبيبة. دافعوا عن صدقها, وعدم نفاقها, وجمالياتها. بقيت فيها رؤوس حية, وطافحة بالحياة. مكروا بنبل كي يحافظوا عليها. خلقوا هوامش لهم على حواف مجنزرة الخوف التي ترعب الجميع. كانوا يغامرون برؤوسهم هم, دفاعا عن رأس الكلمة الصادقة. لو دارت مجنزرة الخوف نصف دورة لرأتهم مكشوفين عاريي الصدور مختبئين على مقربة منها. كانوا يراهنون على غباء المجنزرة, لكن كانت أرواحهم هي الثمن لو وقعوا نصب هدفها.

نقرأ كيف صارت صور السيد النائب تنافس صور الرئيس. كيف أصبحت الصورتان من أثاث كل بيت عراقي. غيابهما يعني أن ثمة تمردا  صغيرا  في بيت ما, يستدعي قمعا كبيرا. اشتغل المكر العراقي النبيل مرة أخرى, فصنع ساعات حائطية في داخلها صورة الرئيس أو النائب. بذلك يرضى كتاب التقارير أن صور الآلهة موجودة. وبذلك أيضا يقدم صاحب البيت رشوة بريئة لضميره, ذاك أنه يعلق الساعة لا صورة من بداخلها.

في فصلها الثاني, نقرأ  لهاديا تسعة عشر خوفا . تتواضع وتكرر أن كل تخوفاتها, إن على أولادها, أو زوجها الشاعر, أو عملها, أو بيتها, أو خنق كلمتها, ليست سوى دلالة مقارنة بما كان يحدث للعراقيين. تسمي خوفها <<الخوف المدلل>>. يقابله الخوف المرعب. الخوف الناتج عن القتل والسحل والسجن والترويع الحقيقي. لكنها مع ذلك, ترسم لنا صورة كابية عن تحول الحياة العادية إلى شيء خارق. يصبح جميع الناس العاديين أبطالا , لمجرد أنهم تمكنوا من تمرير يوم آخر وهم على قيد الحياة. يكره الناس البطولة عندما لا تعدو سوى الحياة العادية نفسها. يخادعون أنفسهم بمرارة. لكن, هم في واقع الأمر أبطال, وإن أنكروا. لكن, أيضا , يتشوه العادي في دواخلهم. ففي لحظة ما يصبح القمع نيشان تفاخر. أنا مقموع إذن أنا إنسان. وإلى ذلك تشير هاديا, تقول: << لا يعود التعذيب عقابا وإهانة فحسب, ..., هو في الآن نفسه دليل يثبت للآخر مواجهة المعذب, ورفضه وتحديه وفوزه بمقعد الامتياز>>.

في واحد من الخوفات التسعة عشر, تتحدث عن معارك الكبار. عن الطحن الناتج عنها. يوم ظفر كبار الرفاق البعثيين بكل شيء, أصدر كبار الرفاق الشيوعيين تعليماتهم لرفاقهم الصغار بالبحث عن ملاذ أو مغادرة البلاد. وكما العادة, دفع الصغار الثمن الباهظ لمطاحنات الكبار. تحولوا إلى كائنات مذعورة لا تدري ماذا تفعل وقد رفع عنها الغطاء فجأة. يقول النص: <<ترك الصغار مثل طيور لم تتعلم التحليق ... حدثت مآس عديدة في محاولات الخروج أصبحت من تراث التهجير والعذاب الإنساني الذي يتحمل مسؤوليته كبار في القيادتين>>.

 تستنكف مشاهد الخوف والخديعة عن التوقف. فها هي هاديا وزوجها يقرران الهجرة مع طفليهما إلى موسكو للعمل في الإعلام العربي المدار رسميا من قبل الرفاق السوفييت هناك. تمت الموافقات والمقابلات مع السفارة في بغداد. كل شيء على ما يرام. قبيل السفر, ترفض موسكو, قبلتنا الأممية, دخول جليل حيدر, زوج هاديا, إليها لأنه الأخ غير الشقيق لعزيز الحاج الشيوعي المنشق عن الحزب الأم! يمتد فجر السياسة من بغداد إلى موسكو.

تصبح مغادرة بغداد هي الأمل الكبير في الحياة. هي البطولة القصوى لو تحققت. يشتغل المكران الخائفان: البغدادي والبيروتي, جليل وهاديا, على تحقيق خطة المغادرة. ينجحان. يغادر جليل متذرعا  إلى لبنان بحجج مكشوفة. بعده بأشهر تحط الطائرة بهاديا وطفليها في مطار بيروت: كلمة بيروتية جريحة, تعود محملة بانكسارات وهزائم وطفلين عراقيين! لا يقبل أمن المطار بالحمولة, يحققون لساعات: لماذا تكون الأم لبنانية والطفلان عراقيين?

نطوي الصفحة, ندلف إلى قصص نساء العراق. اللواتي إن استمعت لهن, فكأنما ينساب صوتهن إليك مثل هديل حمام, كما تنص هاديا. هنا نترك عالم الرجال المؤدلجين, والسياسة الفظة. نرتاح قليلا  مع بعض وجوه هادئة. مع إناث يطوين أجنحة كسيرة على جراحات الأب أو الزوج أو الإبن أو المسؤول, أو على جراحات منهم. لكنهن يقاومن بإبتسامة أو نكتة أو تسريحة شعر. يتحدثن في السياسة, فذلك هو الهواء ما عن استنشاقه بد. لكنهن إن اختلفن فيها لا يصلن إلى حد القطيعة والإستئصال, وسائر قرف التقليد الذكوري المعروف.

تحكي لنا هاديا عن أمل الشرقي, كاتبة, وصحفية, ومترجمة متعددة المواهب. تصف <<تمسكها بخزين الكبرياء, الذي هو سمة وسمت العراقيين عموما>>. تستطرد: <<كأن أم العراقيين الأولى أرضعتهم هذا العناد والكبرياء>>. فرحت شخصيا عندما قرأت عن أمل الشرقي. فأنا أعرفها وقابلتها في عم ان منذ سنوات قليلة, وتعاونا في موضوعات عمل وترجمة. هي كما وصفتها هاديا, نخلة عراقية باسقة بتواضع. قالت لي بكبرياء رقيق أن آخر ما تريده هو أن لا ينتهي خلاصة ما تكتب أو تترجم في صالح مؤسسة <<معادية لهذه الأمة>>. لم تفقد بوصلتها رغم الجراح, عناد كبرياء أنحنيت له إجلالا .

نقرأ عن سميرة المانع وروايتها التي منعتها الرقابة. نكتشف أن الرقيب أراد أن ي قال عنه أنه فعل شيئا ما, فأصدر قرارا بمنع توزيع <<الثنائية اللندنية>>, روايتها الثانية بعد <<السابقون واللاحقون>>. لم يكن ثمة سياسة أو تسيس في رواية سميرة. كانت تتحدث عن أفراد يواجهون اغترابا لندنيا, ينحازون لخيارات فردية. لكنها, اقترفت كفرا سياسيا لم تقصد. أشارت إلى اغتيال سعيد حمامي, الفلسطيني, الذي أردته رصاصات فيها شبهة رفاقية عراقية. كانت الإشارة العامة لمقتل حمامي كفيلة بإعدام الرواية على مشنقة الرقيب.

في بيروت, يزداد الدم نزا  ونزيفا . فتبحث الكلمة عن فضاء هادىء, بعيد, لا دم فيه. يصبح عليها صباح مغربي في السنة الثانية من الثمانينيات. هي الآن في الرباط, تعمل في جريدة العلم. <<هدوء, صفاء, بطء, وملحقات من ذلك الإيقاع تعيره الرباط لكل سكانها>>, تلحظ هاديا. لكن العراقيين مستثنون. كتاب التقارير, والحرب العراقية الإيرانية, لم يتركوا عراقيا في العالم يعيش من دون خوف أو توجس. أنت (معرف) بموقفك من الحزب, أو القيادة, والآن من الحرب مع إيران. وبعد قليل, ستعرف وتصنف من خلال موقفك من غزو الكويت. أنت لا أنت, إن كنت عراقيا أو عراقية. أنت (موقف) سياسي وحسب. أنت مسيس معلن ويجب أن تكون معلنا , حتى تعرف السلطة كيف تعاملك. أنت كومة سياسة صغيرة أو كبيرة, لا يهم. لست إنسانا بأحلام صغيرة, وطموحات عادية تحوم حول رعاية بيت صغير وعائلة صغيرة بأولاد تعد سنوات نضارتهم فرحا  سنة إثر سنة. هؤلاء الأولاد, هم أيضا مستهدفون. فالحرب جوعى, وتزداد سعارا كل سنة. والقيادة الحكيمة وقد أنهت قصف أعمار أجيال العراقيين البالغين, تتوجه الآن للأولاد. ت صدر قراراتها لسفاراتها في العالم: كل الذكور, حتى من لم يبلغ الخامسة عشر قد يلزم تجنيدهم, أشبالا , في الجيش للدفاع عن بوابتنا الشرقية! تبدأ حملة ذعر في أوساط عراقيين في المغرب كانوا قد ظنوا أنهم في منأى عن بطش الحرب وصناعها. مذعورين للمرة المليون, قاموا بتسفير أولادهم خفية وسرا إلى الغرب, نفوهم طوعا , وذرفوا دموعا  غزيرة تمحي آثار خطاهم الصغيرة في المطار.

أعادني نص هاديا المرير إلى مرارات نصوص عراقية كنت قد اقتربت منها في السنوات الأخيرة. أتصفح منها, خاتما , مرارتين. قبل سنوات أهداني الصديق عبد الحسين شعبان كتابا له بعنوان <<أبو قاطع>>, وهو الاسم المستعار للكاتب الراحل شمران الياسري. ذكرته هاديا في نصها أكثر من مرة. لم أكن أعلم  عنه شيئا قبل ذلك, وشعرت وأنا أدوخ بين مرارات حكايات أبي قاطع بذنب الجهل. أتذكر من ذلك الكتاب, وقد حاولت العثور عليه لتصفحه قبل القدوم لهذه الأمسية, كيف أن فتى عراقيا في الخامسة عشر من عمره أعدم لأنه تبرع بقروش للحزب الشيوعي. وجه ذلك الفتى صرت أتخيله دوما  كأنما أراه. أراه كما أراكم, من يوم أن قرأت عنه ذينك السطرين العابرين في ذلك الكتاب. ربما كان من عمري لو بقي على قيد الحياة, ربما كان معنا هنا, ربما صار صديقي. ربما ربما ربما. أين هي أمه, وأبوه, كيف بكوا ريعان شبابه المقصوف على مشنقة السياسة والحكم الفاجرين.

المرارة الثانية أقتبسها لكم من نص قصير التقف دمعة عاندتني وانسابت بسخونة بعد وفاة شريف الربيعي في لندن عام 97. قالت تلك الدمعة: <<المرارة سيدة الموقف. تتبختر في مجالس النخيل العراقي المشنوق في المنافي. هزأت بأشواق بلند الحيدري من عام وأطاحت بصهيله في لندن. سخرت من حنين الجواهري منذ أسابيع وطوت تهدجاته في دمشق. وتصب اليوم جرعة من جرعاتها في حلوق الذين عرفوا شريف, أصدقاء او عابري سبيل. ربما تخالف الثلاثة في الموقف والمكانة, لكنهم تساووا مرتين: ساواهم الموت وساوتهم مرارة المنفى الباطشة. لوعة حارقة ظلت ترن في صوت شعرهم, وتتجمد في ماء عيونهم. جعلت موتهم وكأنه واحد.

لم نكن أصدقاء بمعنى الكلمة. كنا عابري سبيل التقينا في محطة عابرة. مررنا بالهيئة الإدارية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا. اجتماعات مستغرقة, مناقشات شتى ... ثم صارت مصافحات حارة. كان لهذا الأشعث الأغبر البغدادي طعم دجلة كما تخيلته لو ذقته, وبرودة نخيله في يوم قائظ صحراوي. فيه حرقة الذين أدمنوا نخيل بلادهم, وفي قلبه بوابات مشرعة لكل حملة الهموم. المرارة سيدة الموقف. إذ لكأنما يموت نصف العراقيين في صقيع المهاجر, ويموت نصفهم الثاني في صقيع عراقهم. ولا تملك أمتهم, أمة التمطي, سوى أن ترثي لحالهم وحسب. تنظر إلى موتهم البطيء, هنا وهناك, ويقعدها العجز سوى أن تحبر بعض كلمات الأسى الباردة, كما تفعل هذه السطور, ثم  تتابع التمطي.


تصميم الحاسب الشامل