|
|||||
|
تقدم لنا الكاتبة علوية صبح <<جردا>> لحيوات مجموعة من أبطال روايتها الجديدة <<مريم الحكايا>>, ومن بينهم شخصية الكاتبة علوية صبح نفسها التي جمعت حكايا مريم لتكتبها في رواية واختفت. وتكشف المؤلفة لنا عبر حكايات <<مريم>> (الراوية الأولى) أسرار مجتمعها الروائي وصراعاته, وحكايات البشر والحجر والبيوت والمقاهي طوال ما يقارب القرن من الزمان. لكن علوية, الشخصية الروائية, تنهي روايتها بعبارة تدل على أنها, رغم كل ما كتبته <<لم تتأكد من شيء>> (ص 426) مما قدمته في الرواية. أي أن ما قرأناه ليس هو ما كتبته الكاتبة. فربما جاء بطلها زهير وعبث بأوراقها, وغيّر مصائر شخصياتها, كما عبثت هي, بحسب اعتقاده, بأوراق مسرحيته وغي رت مصائر شخوصها, فيتساءل <<من غيّر هذا البطل من يساري إلى أصولي ؟ من غيّر الوطني إلى متآمر على الوطن؟>> (ص395) كنت أقرأ في الصفحات الأولى مصدوما ومندهشا بهذه الجرأة والقسوة والوضوح. وفي الصفحات القليلة المتبقية قبل النهاية, أخذت أتمن ى أن لا تنتهي الرواية. فانتهاء الرواية كان يعني لي انتهاء مرحلة عشتها بتناقضاتها كلها, بمتعتها وعذاباتها, بحلوها ومرها كما يقولون. ورغم أنه لا بد للرواية من نهاية, فقد كنت أخشى أن تنتهي <<لعبة>> علوية ومريم لأنني شعرت أنها روايتي ورواية جيلنا كله. رواية العاصفة التي عصفت وتعصف بنا. لذا صرت أخشى أن لا أجد من الحكايات ما يشبه حكايا مريم. فمن أين لنا بمريم تروي حكاياتها لنا لا لننام, بل لنصحو, على موسيقاها الصاخبة حينا , الحزينة الموجعة حينا ؟ وحين انتهيت إلى السطر الأخير, وإلى العبارة التي تؤكد أن علوية/ المؤلفة <<لم تتأكد من شيء>> مما كتبته, تأكدت أنني خسرت هذا العالم الذي احتواني واحتويته في أثناء قراءته, بل معايشته والغرق فيه, وهاهو يهرب من اليقين إلى اللايقين. من الكتابة إلى إعادة الكتابة.. أي من التحقق إلى اللاتحق ق. وقد رأيت كيف ينهار هذا البناء الروائي الذي سكنته لأيام, وبصرف النظر عن تفاصيله كلها, عن الروائح الطي بة والكريهة التي تفوح منه, ويتهاوى أمام عيني , كما انهارت بنايات الرواية وبيوتها وشخوصها وتاريخها كله.. وكيف ستبقى حجارته معل قة في فضاء الروح مثل كائنات خرافية, وتصير واحدا من كوابيسي! إنه عالم كامل ينهار كما انهار بيت علوية نفسها, ولم يعرف أحد ما الذي سيقوم في مكانه. ففي مكان كل بيت بيروتي عتيق ينهار, كانت تنهض في بيروت بنايات فخمة تتحول أسواقا تجارية ضخمة. لذا حزنت لانتهاء الرواية أولا , ولانتهائها على هذا النحو من اللايقين الذي انتهت إليه ثانيا . وعدت ألملم شظاياها التي غاصت عميقا في كياني. لأحاول أن أعيد ترتيب أوراقها كما أحب , لأنني أشعر أنها جزء من عالمي الذي أحببته رغم قسوته, وربما بسبب قسوته وجرأته وصداميته! فالرواية واحدة من الروايات التي لا يكتب الكتاب مثلها كل يوم.
المؤلفة.. الشخصية والحكايات سواء كانت المؤلفة علوية صبح هي <<مريم>>, أم لم تكن, وسواء كانت هي نفسها الشخصية الروائية التي تكتب رواية <<مريم الحكايا>>, داخل الرواية, أم كانت صورة من صورها, فنحن أمام عمل روائي تمثل علوية إحدى شخصياته. عمل يشبه صندوق الدنيا, أو صندوق العجائب, الصندوق الذي يعج بالحكايات والقصص والخراريف التي تفضح هشاشة مجتمعاتنا العربية, من خلال المجتمع اللبناني الذي تقدمه لنا كاتبة تنتمي, كما يبدو من حضورها في الكتابة ككاتبة, وليس فقط حضور شخصيتها في الرواية, تنتمي إلى جيل الثمانينيات, وقد أصدرت روايتها الأولى <<نوم الأيام>> العام 1986. وواحدة من سمات هذا الجيل أنه <<ضائع>> بين الأجيال, أو محشور بين جيل السبعينيات وجيل التسعينيات. والضياع هذا يظهر في ملامح عمل هذا الجيل ونتاجه, حيث تكسر الكثير من القيم, وتبدل الكثير من المعايير. وعليه, فرواية علوية هي من النتاجات المحكومة بهذه التبدلات وتلك التكسيرات والانهيارات. مسألة أخرى يمكن الإشارة إليها على نحو سريع, وهي أثر الحرب في حوادث الرواية ومسارات شخوصها وحيواتهم. فما من شك في وجود تأثير كبير للحرب على مصائر الأبطال والشخصيات, وعلى مصير البلد (لبنان) كله. لكنني أعتقد أن المشكلة العقدة في الرواية ليست هي الحرب, بل عناصر أخرى في بنية المجتمع, عناصر سبقت الحرب الأخيرة التي استمرت من 1975 حتى أواخر الثمانينيات, وانتهت باتفاق الطائف. ودراسة هذه العناصر تتطلب عملا كبيرا يذهب في الدراسة إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والدينية/ الطائفية, كما تتطلب دراسات علم/نفسية (بسيكولوجية). لذا سأكتفي بجوانب من العلاقة بين الرجل والمرأة, وبعض التحولات التي أصابت البشر.. كما تبدو في حكايات مريم. تتناسل حكايا مريم بعفوية. ومريم كما نلحظ اسم من مقطعين هما <<مر>> و<<يم>>. وكلاهما مرتبط بالمرايا على نحو ما. فاليم, أو الماء, هو أول المرايا, المرآة التي خلقت شخصية نرسيس. رأى جمال وجهه في الماء فجن جنونه. لذا فـ<<الحكايات مرايا>> و <<الحكايات.. ماء الكلام>>, و<<الأخريات مرايا>> نرى فيهن لا وجوهنا فحسب, بل أرواحنا وتحو لاتنا العميقة. هل لهذا قامت علوية صبح, من خلال مريم, <<بتذكير>> مفردة البئر <<لدلالات مقصودة>>, رغم أن الواجب تأنيثها, كما تقول في الصفحة الأولى من الرواية؟ وكأن البئر الذي خلق حالة الرعب الأولى في حياة مريم, لأن والدتها ظلت تهد دها بإلقائها فيه, يبدو أنه ارتبط لديها بكل ما هو عقوبة وعذاب, ومصدر تهديد, أي بالمذكر الذي يصنع مصائر الأنثى في الرواية؟ ربما! بدايات ونهايات يبدأ نص <<مريم الحكايا>> بمريم اليائسة الحائرة القلقة, وفي يدها فيزا ستحملها إلى كندا. وقبل نهاية الرواية بقليل, نعرف أنها مهاجرة لكي تتزوج هناك من شخص يدعى أمين كانت رفضت الزواج منه في صباها. مريم تبحث عن علوية صبح لتود عها. هذه هي بداية النص الرواية/ الحكاية, لكنها ليست بداية الكتاب, فما من بداية واحدة للرواية, بل هي تدور في منظومة من السرد الذي لا يأخذ في الاعتبار أمر الزمن, فتتداخل فيه الأزمنة والحوادث. وحضور شخصية المؤلفة في الرواية يلعب دورا في تبرير بنيتها المتشظية, فعلوية تمثل الشخصية المتحو لة من مناضلة وكاتبة في جريدة حزبية, إلى محررة في مجلة فنية نسائية. ويمثل ظهورها في مقابلة تلفزيونية لتجيب على أسئلة عن الغناء والمطربين الجدد, يمثل عنصر مفاجأة لمريم, لكنه أحد مظاهر ذلك التحول الجذري في حياة علوية, مثلما يمثل لباسها وتسريحة شعرها مظهرين آخرين للتحول. قبل السير مع هذه البداية الروائية, يجدر القول إن ثمة بداية خارج نص الرواية, من جهة, إلا أنها في صميم عملها في الآن نفسه, أعني القول الذي اقتطفته الكاتبة من إنجيل متى وهو <<مرتا.. مرتا.. تهتم ين بأمور كثيرة والمطلوب واحد>>. وهنا نتوقف قليلا , فهذه الجملة التي تقف بين العنوان والنص هي عبارة مركزية في تلخيص مقولة النص وخطابه الأساس. فالنص يقول الكثير, ومريم تروي الكثير من الحكايات, والكثير من التأملات في قضايا شتى, لكن المطلوب قوله هو أمر واحد شديد الخطورة: التغير هو ما حدث, لا التغيير. هذا على المستوى الظاهر والمباشر من العلاقة بين عبارة الإنجيل وبين الرواية, أما المستوى الآخر غير المباشر فيستحق ويتطلب دراسة أعمق. شخصيات وتحولات الحكاية. كل من كانوا يحلمون بتغيير الدنيا, تغيّروا هم وتحو لوا عن ماضيهم. ومن هنا الربط بين هذه المقولة وبين بداية النص التي تعلن اليأس والاختفاء والتغيّر. وحين تتساءل مريم عن مصير الكاتبة علوية التي جمعت منها حكاياتها وحكايات سواها واختفت, يبدو سؤالها تكثيفا لأسئلة التحو لات (الميتامورفوسيز) التي<<مسخت>> العالم. أما كيف اختفت؟ ولماذا اختفت؟ وهل اختفت أم تغيّرت؟ وهل كتبت روايتها أم لم تكتبها؟ ومن هي علوية صبح التي اختفت أو تغيّرت؟ هل هي مؤلفة الرواية التي بين أيدينا, أم الكاتبة التي تعمل في <<جريدة الحزب>>, وتحاول أن تكتب رواية, بعد روايتها <<نوم الأيام>>, والتي تسللت إلى أوراق مسرحية صديقها زهير وعبثت بها حتى دفعته للجنون؟ هذه كلها أسئلة فروع على السؤال الأصل/ المحور. على مستوى بناء الشخصيات الروائية, يمكن النظر إلى جيلين من الشخصيات, يكو نان نمطين هما: نمط/ يشك ل بؤرة من البؤر التي تفجّر السرد وتحوّلاته, وهو جيل مريم وابتسام وزهير وسواهم من هذا الجيل, وشخصيات تمثل محور هذا السرد وموضوعه الأساس, مثل فاطمة وحسن (والدا مريم) وجدّها وجدّتها وخالاتها نرجس وسمية وتفاحة ونزيهة المومس, وشخصية <<أبو طلال>> وأم طلال وابنتهما زينة وابنهما حم ودي, وأبو يوسف وزوجته ونبيهة وسواهم الكثير من الشخصيات الهامشية أو الثانوية. ما من شخصية تنجو من التحوّل/ التشوّه. المؤلفة تقود الجميع إلى مصائرهم المحتومة مثل قدر مكتوب. الهجرة أو الموت أو الجنون أو الصمت, هي مصائر معظم الشخصيات. فبعد ما رأيناه من تحول علوية, نرى مريم التي ظلت بلا زواج تهاجر لتتزوج. ونرى زهير الطبيب الحالم بكتابة مسرح, يجن ويدور في الشوارع يوزع البيان الذي كتبه وهو مرعوب من العالم ومن أجهزة مخابرات دولية تلاحقه. ابتسام الفدائية التي كانت تقود المظاهرات وتقوم بكل ما سيؤدي إلى التغيير والتحرر, وترفض الزواج دون حب, رضخت وتزوجت من رجل <<ناجح>> نقل حياتها نقلة نوعية وأخيرة, و<<كي فت>> حياتها معه حتى وهي تكره سلوكاته تجاهها, بحجة الأولاد, ولم تتورع عن قطع علاقاتها مع مريم وعلوية. أسئلة ابتسام الفتاة الثورية والأنثى, هي أسئلة التحرّر والتغيير على الصعد كافة, من جهة, والهزيمة والانهيارات على الصعد ذاتها من جهة مقابلة. أسئلة الذكورة والأنوثة, والعلاقة المعقّدة بين الرجل والمرأة, بين المناضل ورفيقته <<هل رآنا المناضلون مومسات مستوردات في علب ثورية جاهزة يا ترى؟>>, وأسئلة عن الأحلام والهزائم <<هل حين ينهزم الإنسان, ينهزم في السياسة والحب وفي كل الأحلام؟>>. و<<هل حصدنا خيبات مضاعفة عن خيبات الرجال الذين صدّقنا أنهم متحررون ويريدون الحرية لنا ولهم, وهم في الحقيقة لم يكونوا سوى نماذج لانفصامات نفسية وفكرية وأجساد تحمل في داخلها عصورا مضت, ونماذج كاريكاتورية لهارون الرشيد الثوري؟>>. وهذا جانب يحتل حيزا واسعا من الرواية, وسنكتفي برصد وتحليل جوهره من خلال بعض مظاهره, فمن الصعب متابعة تفاصيله في عشرات الحكايات التي تتناسل وتتفجر كينابيع الجبال. صراع ذكورة/ أنوثة الأسئلة التي تحاكم الرجل, لا تستثني المرأة. ورغم أن شحنة هائلة من الغضب والاتهامات تنصب على رأس الرجل وسلوكي اته التحكّمية, فابتسام نفسها تتساءل <<هل كنا نحن النساء حقيقيات في أحلامنا, أم كانت لدينا أيضا انفصامات ومشاكل نحملها في أجسادنا المخبّأة بثياب الثورة والنضال, ونخبئ فيها روائح الجواري في كل العصور؟>>. فالرواية تحاكم شريحة المثقفين, كما تحاكم القيم والتقاليد والأعراف والقوانين التي شكلت مجتمعاتنا منذ قرون, ضمن منظومة تقتحم التابوات ولا تخشى المحرمات. إنه سؤال المرأة العربية منذ عقود طويلة, فمنذ مطالع القرن العشرين كان السؤال محل جدل, وقد طرحته المرأة الكاتبة في الرواية العربية في كثير من الأعمال, لكنه هنا مرتبط بظروف وملابسات ذات خصوصية, فهو مرتبط بظروف المجتمع اللبناني تحديدا , وهو المجتمع المعدود الأكثر تحررا بين المجتمعات العربية. كما أنه مرتبط بزمن الثورة في لبنان, وزمن الأحزاب وحركات التحرر, ما يجعلنا نفترض أن تحرر المرأة ينبغي أن يكون بندا على برنامج هذه الأحزاب والحركات. لكن الرواية تقول لنا إن وضع مريم, مثلا , في علاقتها مع صديقها <<عباس>> المحامي والمثقف, والمتزوج, لم يكن أفضل من وضع والدتها فاطمة مع والدها حسن. فالاختلاف هو في التفاصيل, أما الجوهر فهو نفسه في الحالين. فمريم تعشق عباس وهي تعلم أن ليس في الأفق زواج منه, ومع ذلك فهو يمارس أعلى درجات ذكوريته معها في الفراش. تقول مريم إن عباس <<كان يعشق ضعفي ليعيش إحساسه بقوته (...) أحب الحاجة إلي ليرسم صورته التي يريدها لنفسه بعيني>> (ص 36). وهو ما يكشف لنا أن العلاقة المتمثلة في معادلة (ضعف/ قوة) ليست علاقة حب , بل صراع يخوضه الطرفان, ويفكر كل منهما في الانتصار فيه. لكن مريم لا تريد أكثر من العلاقة والاستمرار فيها رغم كل شيء. ولعل من أشد المشاهد الروائية سخرية في رؤيتها للعلاقة/ الصراع, مشهد مريم في مظاهرة من المظاهرات, ربما كانت الأولى التي تشارك فيها, فهي تصف كيف كانت تتخفى من أخيها حتى لا يشاهدها في المظاهرة. لكن اللافت هو الشعار المرفوع في المظاهرة, فالمتظاهرون والمتظاهرات يرددون/ يرددن <<يا حرية كلنا رجالك..>>. فاختيار الشعار في هذا المشهد تحديدا يظهر شدة التناقض بين الشعار ومن يرفعونه. فأية حرية هي التي تجعل الجميع رجالها؟ وأين النساء؟ عن أية حرية يتحدث الأخ وهو يضرب أخته ويمنعها من التظاهر للمطالبة بالحرية!؟ وتظل معادلة ذكورة/ أنوثة , ومعادلها قوة/ ضعف تتكرر في صور مختلفة, كأنما لتخبرنا أن هذه العلاقة هي في جذر المشكلات الاجتماعية, وفي أساس تكوين الوعي العربي, ويتمثل هذا الوعي في الرواية في صور شتى, بعضها مقولات والآخر سلوكيات. فمن المقولات المألوفة في مجتمعاتنا العربية ما يتردد عن <<كلام زلم>>, أو <<حكي رجال>> و<<حكي نسوان>>. وليس مستغربا قول امرأة لجارتها إن <<الرجّال هو الرب الصغير على الأرض>>, أو <<نحن النسوان شو بفهمنا بحكي الرجال>>, أو القول الذي يجري مجرى المثل عن الرجال الذين جاءوا إلى عزاء البيك برماحهم وخيولهم, والنساء بدموعهن وزغاريدهن. فمن أقام التقسيم؟ وفي هذا الباب, باب العلاقة بين الرجل والمرأة, بين القوة والضعف, تقع علاقات وحكايات كثيرة, ومتنوعة, لكن ها جميعا محكومة بالقانون نفسه. فعلاقة حسن والد مريم مع والدتها فاطمة التي تزوجها وعمرها أحد عشر عاما , وظل يربطها ليمارس معها وهي تصرخ وتلم الجيران, وعلاقة أبو طلال وأم طلال, وأبو يوسف وزوجته, من بين علاقات جيل الآباء, وعلاقة عباس ومريم, وابتسام وجلال, من علاقات الجيل الجديد, هي جميعا أمثلة على قوة الرجل وضعف الأنثى. لكن الطريف أن تنتهي علاقة أم طلال مع زوجها معكوسة. فحين يعجز أبو طلال عن الحركة, ويغدو ثقيلا , لن تتورع أم طلال عن توبيخه وضربه حتى! وتحشد الرواية عددا من قصص الزواج الذي هو, في الحقيقة, اغتصاب وليس علاقة سوية بين كائنين. وتوفر شخصية أم يوسف, وغيرتها على زوجها, وطاعتها العمياء له, أنموذجا شديد القسوة لخضوع المرأة, إذ يبلغ هذا الخنوع حدا غير معقول عندما نعلم أن أم يوسف تغار من <<ضر تها>> لأنها (أي الضر ة) أكثر خنوعا وتبعية منها. أما أبو يوسف نفسه, الذي يعمل جزّارا , ولم يكن ينادي زوجته إلا بالبهيمة والحمارة, فقد تزوج زواج متعة (هذا الشكل من الزواج وحده يتطلب دراسة في مجال العلاقة التي تعالجها الرواية), ولم تستطع زوجته سوى أن تسقيه الشاي ممزوجا بب ول ها لتضبعه (ص253). وحين تموت أم يوسف يموت زوجها بعدها بشهور, وتعليل ذلك في الرواية <<لأنه كانت شبشبته ونشاطه جايين من جبروته عليها.. يفقع قلبها من القهر ليحس حاله إنه سبع البرمبا. ولما ماتت فرط المشحر وحس إنه ما بيسوا خرية مرمية بعين الشمس>> (ص 256). ومن سخرية الأقدار, وربما لشدة ذكوريته, يخرج أبو يوسف من قبره حاملا الساطور ليحاكم المؤلفة على الصورة التي رسمتها له, فتروح تهرب منه في شوارع بيروت (ص313). لغة مكشوفة وعارية وتذهب الرواية بعيدا , عمقا وات ساعا, في تحليل العلاقة بين الرجل والمرأة, فتتناولها بتفاصيلها وأبعادها العاطفية والجنسية والنفسية والاجتماعية. وهي تفصل في كشف خفايا هذه العلاقة, ولا تتورع عن التوقف أمام التفاصيل الجنسية التي لم يسبق تفصيلها على هذا النحو ربما, حتى في روايات يكتبها الرجل! ولا يتوقف الأمر على وصف العملية الجنسية, إذ تغوص الكاتبة في منظومة المفاهيم والقيم التي تحكم هذه العملية, والوعي الذي تنتجه ويعيد إنتاجها عبر الأجيال. ومن ذلك أن المؤلفة تقف على مجموعة الآليات والسلوكيات التي تنتمي إلى عالم الجنس, الخفي منها والظاهر, المباشر وغير المباشر. فالجنس ليس ممارسة فقط, إنه لغة محكية ونظرات مسمومة وروائح تنتشر كالنار في الهشيم. فعبارة <<بلا معنى>> التي تستعملها النساء خصوصا في كلامهن حتى لا يفهم منه أية دلالات جنسية, (وهي العبارة التي نستعمل مثيلا لها بالقول <<بلا قافية>>), تبدو هنا لغة جنسية مكشوفة. وحين نستعملها لإبعاد المعنى الجنسي من كلامنا, إنما نؤكد هذا المعنى ونبعثه ونحييه في ذاكرة المتلقي. فنبيهة التي سيتزوجها أبو يوسف <<زواج متعة>> قادته إلى هذا الزواج بكلام مليئ بعبارات <<بلا معنى>>, فهي تقول له وهي تطلب منه كيلو من اللحم <<إنت بتعرف اللحمة الطرية وين بتكون , بلا معنى. المهم تفوت سكينك محل الهبرة الطرية وتشيل شقفة منها لأنبسط بأكلها, بلا معنى>> (ص 243). ثم تكشف الرواية عن نظرة نبيهة إلى الجنس, بلغة جنسية مكشوفة, حين تجعلها تمارسه مع <<كميل الأخوت>> (ص 247 و 248). وتتهيج مريم وهي تسمع الحوار بين أمها والولد <<السمكري>> الذي يقوم بإصلاح <<البيديه>>, ويحتشد كلامهما بـ<<بلا معنى>> هذه. وليس المقصود من هذه <<الجردة>> الجنسية مجرد الجنس. فهذا هو المعنى المباشر والدلالة السطحية للموضوع. فمثل هذه اللغة تحيل إلى مفاهيم وقيم متناقضة ومشو هة يعيشها المجتمع ويخضع لها. فمن جهة ثمة هذه الرغبات والشهوات والاشتعالات الجنسية, ومن جهة مقابلة ثمة هذا التابو حيال الحديث في الجنس بلغة مباشرة. إنه عالم من التناقضات هذا الذي نعيش فيه. عالم مزيّف ومراوغ ومزوّر. ولنقرأ حول الاحتفال بعيد المولد النبوي, وما تفعله النسوة في هذا الاحتفال! وتتجلى جرأة الرواية ليس فقط في اللغة المستخدمة للوصف والتصوير, بل في استعمال ضمير الأنا من قبل الراوية مريم, في تصوير علاقاتها مع كل من علي ومصطفى وعباس. كما تتجلى أيضا في نبش كل ما هو مثير, فمفهوم الإثارة يتجل ى هنا على نحو واسع ومعمّق, إذ يتضمن إثارة المشاعر والأفكار والأسئلة, ويتجنب تماما , وبمهارة عالية ولغة مسبوكة جيدا , إثارة الغرائز. وهذا ما يجعل دور هذه المشاهد والصور الروائية, وهي كثيرة جدا , دورا يرقى إلى مستوى التشريح والتحليل, أو يرقى إلى مستوى التفكيك والتركيب, لا الوقوف عند سطوح الأشياء فقط. وربما كان كسر التابو هدفا من أهداف الرواية في رصدها وتحليلها هذا القدر من العلاقات, وهي تفعل ذلك باقتدار. وباقتدار ترسم صور شخصيات ينتمي كل منها إلى عالم, فتعطي لكل شخصية ما يجعلها تتحرّك على <<خشبة الرواية>> أو على <<شاشتها>> بكل ما يعنيه ذلك من حيوية وصدقية. وفي حين تذهب إلى الوصف الكامل لملامح الوجه والجسد والمشاعر والحركات لبعض شخصياتها, فنرى ونحس حضورها في لوحة بالحجم الطبيعي , قد تكتفي برسم شخصية أخرى بخطوط عامة, خارجية, تضع أمامنا <<إسكتش>> أو كاريكاتور الشخصية. لكننا في كل الأحوال أمام حياة ممتلئة وغنية بلغتها وسلوكها. نأخذ, مثلا , شخصية الدكتور كامل, زوج ياسمين, الذي درس الطب في فرنسا ليعالج الفقراء, وظل يرفض طلب زوجته أخذ بدل <<كشفية>> من الفقراء.. وكان يرى أن <<كل الأحزاب رجعية وانتهازية, ولا تتاجر بحياة الفقراء فقط, بل بموتهم أيضا>>, صار يقضي ليله أواخر الحرب في لعب البوكر ويسكر حتى يفقد وعيه, لكنه ظل يحكي عن <<ميكروبات وجراثيم الجهل المعشعشة في أبدان وعقول مرضاه الفقراء>> (ص 343). ثم صار يشتم المرضى ويطردهم, وفي واحد من المشاهد يمكن أن يسقط القارئ على ظهره ضحكا كالبكاء, وهو <<يشاهد>> الدكتور يركض خلف مريض أو مريضة. (ص 348). خرافات وتقاليد ومخدرات وفي بيت <<أبو طلال>> تجتمع نكبات ونكسات, أهمها نكبة حمّودي وأخته زينة. نكبة الولد تتمثل في إدمانه المخدرات التي كان يشتريها لأخيه. والغريب أن الأم تبدو شديدة القسوة معه, فهي تطرده من البيت, ثم تزج به في السجن لتخل صه من الإدمان.. ويموت الشاب في المستشفى بين يدي إحدى الراهبات. وهناك جانب الخرافات التي يتعاطى بها جمهور الرواية وشخوصها, وخصوصا النسوة اللاتي يغرقن في ثقافة الخرافة والجن والعفاريت, من جهة, والثقافة الدينية المتعلقة بالخرافة, من جهة ثانية. فالمجتمع المتدين تدينا فطريا, مثل المجتمع المتدين بالتقليد واتباع السيد <<المقلد>>, يسير بلا ضوابط محددة سلفا , فهو يختار الأحكام التي تلائم وعيه ومحيطه الثقافي والديني المتزمت, ويختلق المحرمات بحسب هذه الثقافة, ولا يتبع كتابا أو سنة. وهكذا نجد أحاديث النساء عن الغيبات, ومنها مسألة عذاب القبر, كما لو كانت ثقافة حصلتها النساء من تجارب واقعية, فهن يتحدثن عن عذاب القبر كما لو كان حدث معهن . وهذه مسألة مرعبة في الوعي الشعبي الذي لا عقل له, وليس التدي ن لديه سوى خرافة. إن اختيار الكاتبة لحكايات الجن , واستخدامها بكثرة في تحليل ما يجري في بيوتنا, يعبر عن خطورة هذه الحكايات وتأثيرها الكارثي على المجتمع. وتنطوي الرواية على مجموعة هائلة من علاقات النساء بالجن , وبعض هذه العلاقات مبني روائيا ليخدم فكرة محددة, وبعضها لتحليل موقف, والبعض الثالث قد يكون لتعميق حضور الحالة الخرافية في المجتمع الروائي. وربما كانت حالة الطفلة <<زينة>>, ابنة أبو طلال, مثالا صارخا على ما ينتج عن التفكير الخرافي بالعلاقة مع الجن . وهي حالة لا يخلو مجتمع عربي منها. فالطفلة زينة تشكو من آلام نفسية وبيولوجية, لكن العلاج الوحيد الذي يعرفه أهلها وجيرانها هو الضرب بأشكال شتى, خصوصا بالـ<<الصرامي>> لإخراج الجن. وهذا مثل على عقلية يعشش فيها الجهل والخرافة. وأخيرا , كثيرة هي الحكايات التي تقع في هذا الباب, وكثيرة هي القضايا التي تطرحها الرواية بحيث لا يمكن حصرها, ولكن الغاية واحدة. لذا اكتفيت بهذا الجانب المحتشد بالصراع بين الرجل والمرأة, وبالتقاليد التي تحكمه. فالمجتمع الذي ينطوي على هذا القدر من الخرافة والتناقضات والزيف, وتلعب فيه هذه العناصر دور البطل والمحرك, هو مجتمع سائر نحو مصير من المصائر التي قادت المؤلفة شخصياتها إليها: الموت أو الجنون أو.. الخراب. هذه واحدة من مفردات الخطاب الذي ترسله الكاتبة في نص يفيد من معطيات كثيرة, ثقافية وحياتية, تراثية ومعاصرة, وينهل من تجارب <<عصرتها>> المؤلفة وأخذت زبدة الكلام منها ووضعته في كتابها, متحررة من كل خوف, كما ينبغي للكتابة الحرّة أن تفعل. |
|||||
|
|||||