مقاربات لنظرية القارئ

 

آمنة الربيع


من الصعوبة بمكان الإحاطة بكل نظريات القارئ في النقد الأدبي. وليس من همنا في هذه القراءة الاستفاضة والاستفادة والوقوف على كل ما كتب عن هذا المكون السردي, لما سوف تلاقيه القراءة من صعوبات تتمثل في عدم العثور على كافة المراجع والدراسات المطلوبة; ولأن الكتابة عن هذا المكون لا تنفصل كما سنرى لاحقا عن التطرق إلى أمرين مترابطين هما: الأمر الأول: ويتعلق بما سوف نصطلح عليه بين ثنايا هذه القراءة بمصطلح <<الرؤية السردية>> والمكونة من الراوي / السارد, والمروي, والمروي له, وهي في رأينا مقولة جامعة ومنفتحة على الراوي كمنتج للسرد وعلاقته بما يرويه ولمن يرويه, وعلى أساس الرؤية السردية, ينهض أي خطاب سردي تخييلي كالرواية والقصة القصيرة.

أما الأمر الثاني: فيحيل إلى ضرورة التطرق لجهود الفلسفة والاتجاهات النقدية واللغوية التي من شأنها أن تثقل عبء هذه القراءة وتشدها إلى جوانب عديدة. لكن الاشارة إلى بعض تلك الاتجاهات والجهود لا يمنع من الأخذ والاستفادة ذات الصلة المباشرة بموضوع قراءتنا.

وتجدر الإشارة إلى أن من أهداف هذه القراءة التطرق إلى مفهوم القارئ, والفرق بينه وبين مصطلح <<المروي له>>  الذي أكد بعض النقاد على ضرورة التفريق بينهما, مع كثير من التأكيدات التي تشير الى صعوبة العثور على مستوياته.

وترمي القراءة الى البحث عن مواصفات <<القارئ والمروي>> <<القارئ والمروي له>> في نموذج تخييلي حي ضمن المقاربة التطبيقية عن المسرح , لنرى مدى تعدد هذا المروي له في النص/ العرض المسرحي, والمغاير كما نعلم, للرواية وللقصة القصيرة.

ولتبسيط هذه النظرية سوف نقربها من خلال عدد من المقاربات نبدأها على النحو التالي:

المقاربة الأولى:

مراودات لما قبل الكتابة

 لا أخفي دهشتي من سيل النظريات [المحاكاة, الواقعية, الطبيعية, الرمزية, البنيوية, التفكيكية, موت المؤلف, القارئ العمدة, النص المفتوح, السيميائية, التلقي] التي درسناها في السنة الجامعية الأولى ضمن برنامج الدراسات العليا, إذ استوقفتني رحلة النص والكاتب والقارئ في النقد الأدبي منذ ارسطو حتى منتصف القرن التاسع عشر, وكان مما اكدت وحرصت عليه, قراءة السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي لأي نظرية نسعى الى تطبيقها على واقع مختلف عن الواقع الذي نبتت فيه تلك النظرية. ومن الضروري أن تتوفر لدينا الرؤية الواضحة والمنهج الذي يخدم الرؤية, فالرؤية في رأيي هي طرح السؤال الذي لا يخلو من منظومة تتكون من أبعاد متداخلة: ثقافية وأخلاقية وفلسفية وسياسية واجتماعية واقتصادية, لا يمكن فيها الفصل بين العام والخاص إلا لغايات إجرائية. بينما المنهج هو أداة واحدة تساندها مناهج وأدوات عدة, يملي استعمالها على الباحث الاستفادة الموضوعية لخدمة تصور الرؤية الكلياني .

وقد راودتني هذه الأسئلة: هل كان السياق الاجتماعي والسياسي والفكري الذي مرت به أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية سببا من الأسباب المباشرة أو الخفية, التي دعت الناقد [رولان بارت] للقول بنظرية <<موت المؤلف>>, وأثرا  في نشوء نظرية تقابلها نصطلح عليها بنظرية موت القارئ? فقد سارعت التفكيكية إلى إعلان ما يشبه ذلك حين قالت بلا معنى في النص, وأن الدلالة مرجأة. ونحن كما نعلم أن نجاح أية قراءة للنص <<التخييلي>> إنما يعتمد على ثقافة القارئ? ولاشتقاق أية دلالة من القراءة, ينبغي أن يكون القارئ حاضرا في مادة النص; حتى يتمكن من انتاج المعنى. فكيف نوفق بين هذه البديهية, وبين الرأي الذي يذهب إليه رولان بارت حين عبر في كتابه [الدرجة الصفر للكتابة] عن الحداثة قائلا: <<الحداثة تبدأ بالبحث عن أدب مستحيل>>?! فما مواصفات هذا الأدب المستحيل الذي تبدأ به الحداثة? أهو أدب الغيب والماورائيات? أم هي كتابة جديدة تكسر أفق كل توقعاتنا ليس للجنس الأدبي فحسب, بل وللكتابة ذاتها? والمطلوب على الجهة المقابلة أن يسهم القارئ بواسطة المشاركة على تحريرها وإنتاجها?

المقاربة الثانية:

لحظات هادئة في حياة قارئ غير قلق

لا جديد في القول أو الطرح إننا نعيش في عصر ثورة الاتصالات التي جعلت من العالم قرية الكترونية كونية صغيرة, هذا الأمر بالضرورة يسهل عملية التأثر والتأثير بين أقطار العالم كافة, وليس ذلك في مجالات الفنون والآداب فحسب, بل وفي أساليب التلقي والدهشة من نمو الحياة وتغير وتسارع أنماط المعيشة. هذا كله من دون شك قد أثر على وظيفة الكتاب / النص الأدبي, ووجه اتجاه القارئ نحو آلية معينة لتحصيل المعلومات. فهل يكتفي القارئ بالمحافظة على عاداته الكلاسيكية أثناء القراءة خاسرا في ذلك الوقت الكثير لتدوين الملاحظات التي استوقفته على هامش الكتاب بالقلم الرصاص, أو تدوينها في دفتر مخصص لذلك وغيرها كثير من العادات, أمام ما تمنحه له البوابة الالكترونية من مواقع توفر عليه الجهد المبذول للقراءة التقليدية? فالقارئ الذي يتمكن من قراءة أعمال روائية متباينة مثل [ثلاثية نجيب محفوظ, أو فاوست, أو الدون كيخوته, أو السيدة دالاواي] عبر موقع على شبكة الانترنت لا بد من التساؤل عن نوعية القراء وأنمذجتهم, التي تتجه إليهم هذه المواقع? هل هو القارئ العادي الفطري الذي تصفه [فرجينيا وولف] بأنه قارئ أو شخص ثقافته أقل ثقافة من العالم والناقد. فالقارئ العادي هو في آخر الأمر قارئ لا يسعى إلا لتحقيق المتعة قبل أن تكون سبيلا إلى المعرفة أو مجالا لتصحيح آراء الآخرين.

قد يفاجئنا أحيانا بعض المؤلفين حين يوجه إليهم القارئ الأقل ثقافة سؤالا من مثل: ماذا تريد أن تقول أيها الكاتب في عملك الأدبي الفلاني? نتوقع أن يجيب المؤلف مثلا: ليس هناك أسرار في الكتاب.أو يا إلهي لقد تعبت طويلا حتى لا يسألني أحدهم هذا السؤال.أو قد ينصح المؤلف القارئ بأن يعيد قراءة الكتاب ثانية, لكن على حد علمي أن التكرار وسيلة للتعليم, وليس وسيلة للفهم وادراك ما بين السطور! وهناك نماذج من المؤلفين الذين يجيبون قراءهم بسؤال المتشكك من مثل: هل قرأت كتابي جيدا? ألم تستمتع به صدقا? فيصفعه جواب القارئ بأدب جم: نعم قرأته, لكنني لم أفهم ماذا تريد أن تقول.

ويبدو من الاستشهاد السابق أن نماذج هؤلاء القراء يتوفرون في كل زمان, بل ويتناسخون جيلا بعد جيل. فمن هو القارئ الذي يريده المؤلف أن يقرأ عمله الأدبي ويستمتع به, ويفهمه ويتكلم عنه بنوع من المحبة والولاء?

المقاربة الثالثة:

طموح السرديات وغواية النص الأدبي التخييلي

يثير مكون القارئ ليس في النقد الأدبي والألسني بل وفي النص <<الأدبي التخييلي الحداثي المعاصر>> مشكلات وأسئلة لا ينفك الباحثون والدارسون والمتلقون من التعرض لها والوقوف عندها والتصدي لمناقشتها. لقد طرح الناقد اللغوي الألسني [جيرالد برنس] البداية الفعلية أكاديميا لإثارة البحث عن <<القارئ والمروي له>> حين سأل وأظنه كان متضايقا: نحن نتكبد عناء البحث عن مختلف أنواع الرواة [الواسع المعرفة, المصاحب,الضمني] ولا نسأل أبدا عن مختلف أنواع الأشخاص الذين يوجه إليهم الراوي / السارد مهما كانت هيئته الخطاب? لذا أخذت جل الدراسات النقدية الحديثة والمعنية بالسرديات أو علم السرد, على الاهتمام بدراسة هذا المكون الخطابي وأنواعه التي يتمظهر فيها [قارئا ضمنيا, قارئا محتملا] مثلما فعلت مع أنواع المؤلف وميزت بين [المؤلف الحقيقي,المؤلف الضمني] كذلك ميزت بين أنواع النصوص [النص المفتوح, النص المغلق,النص المتعالق, التناص].

ولا شك أن للجهود الفلسفية واللغوية والنقدية في الغرب أثرها بهذا المكون الخطابي. فإذا كان الباحث [فلاديمير بروب] هو من استقامت على جهوده السردية الدلالية المعنية بالمنطق الذي يحكم تعاقب الأفعال السردية من دون العناية بالسرد ; السرد من حيث إنه الخطاب أو القول الذي يستحضر عالما خياليا مكونا من أشخاص وأفعال وأزمنة وأمكنة, فإن الفضل في شأن الاهتمام بالقارئ والمروي له لا يقتصر على جيرالد برنس, فالباحث [ولفانج إيزر] يعود له الشأن في البحث مطولا عما أسماه بنظرية التأثير والاتصال, أو استجابة الأثر الأدبي على القارئ التي من أهم أهدافها:

- عدم ابتعاد القارئ عن النص والواقع المعيش.

 - التأكيد على تحقيق بعدين:

 أ- البعد الفني الذي يختص بالنص وصفته اللغوية فوق كل شيء.

ب- البعد الجمالي الذي يختص بنشاط عملية القراءة. لكن إيزر على الرغم من هذه الأهداف الكبيرة والآمال العظيمة لا يقدم لنا معايير أو مواصفات للقارئ المنشود: أهو القارئ العادي الأقل ثقافة, أم المثالي? يكتفي إيزر بأن يقول لنا أن لا وجود في الواقع للقارئ الذي ينشده وإنما هو قارئ ضمني, يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي, ومن ثم فهو قارئ ذو قدرات خيالية, شأنه شأن النص.


تصميم الحاسب الشامل