هومي بابا والمنظور ما بعد الكولونيالي:
فضاء الهجنة والترجمة الثقافية

 

ثائـــر ديــب


(1)

أن تقرأ هومي بابا يعني أن تعيش تلك اللحظات من الغرابة المقلقة, على الحدود ما بين الثقافات والأمم والهويات والعوالم; في الممر الفاصل الواصل; على الجسر; في منطقة <<الهجنة>>, و<<التجاذب>>, و<<الانشطار>>; في <<الفترة الزمنية الفاصلة>>, و<<ما لا يقبل الترجمة>>; في الخفاء>>, و<<العماء>>, و<<ما لا يدرك>>, وذلك كيما تستكشف أن   هذه اللحظات والأمكنة ذاتها هي زمنيات وفضاءات المعرفة, والإدراك, وقابلية الترجمة, حيث يجري تفاوض الهوية, وتنبع المقاومة, وتدخل الجدة  العالم.

أن تقرأ هومي بابا يعني أن تمضي حيث تأخذك توني موريسون, ونادين غوردايمر, ومحمود درويش, وديريك والكوت, وعادل جوس والا والا, ونهضة هارلم...; ويعني أن تتواصل وتقطع, في آن  واحد, مع فرانز فانون, وميشيل فوكو, وجاك لاكان, وجاك ديريدا, وإدوارد سعيد, وجوليا كريستيفا, وفريدريك جيمسون, وريتشارد رورتي, وجوزيف كونراد, وإ.م فوستر...; وأن تتحرك مع نثره من ترينيداد, مرورا  بالكونغو, ودلهي, والضفة الغربية, ولندن, ونيويورك, وتاهيتي..., في مراحل تاريخية مختلفة; وعبر مختلف الفروع المعرفية, الفلسفة, وتاريخ الأدب, والنظرية السياسية, والتحليل النفسي..., بعد أن تكون قد تضل عت ما أمكن من كل  ذلك كيما تلتقط الوشم الذي تركه كل  هؤلاء على هومي بابا دون أن يحول الوشم بينه وبين نقد أرباب هذه الفروع, أو دفعهم في مسالك ومجاهيل ما كانوا ليحلموا بها, فاتحا  حقولا  جديدة  للبحث والدراسة, شأنه في ذلك شأن نظيريه الآخرين فيما يدعى بـ <<الثالوث المقدّس>> للنظرية ما بعد الكولونيالية: إدوارد سعيد وغاياتري سبيفاك وهومي بابا, حيث ينطبق على ثلاثتهم ما قاله عن سبيفاك أحد زملائها من أن ها <<تركيبة علمية قد تكون أفضل المتاح على وجه الأرض>>(1).

أن تقرأ هومي بابا يعني أن تتورط في ذلك المنظور ما بعد الكولونيالي, أو الأقلوي, أو المهاجر الذي تعاد منه كتابة تاريخ الحداثة. فما يراه هومي بابا هو أن   تواريخ الكولونيالية, والاستعباد, والاستغلال, والتمييز الجنسي, والاضطهاد, والتراتب الطبقي... لا تتكلم على شعوب أو طبقات أو مناطق بعينها مرتبطة بهذه التواريخ, بل تتكلم على التباينات الاجتماعية المشكلة للحداثة, تتكلم على يومي  الحداثة. وما يساعدنا عليه المنظور ما بعد الكولونيالي, أو الأقلوي, هو التفكير في تلك الطرائق التي يفصح من خلالها عن التراتبات الاجتماعية وتفاوضاتها ضمن الحداثة. بل إن  بابا يُسَاجل, بمعنى  ما, ضد  القول بأن   الخطاب ما بعد الكولونيالي هو شكل من أشكال <<ما بعد الحداثة>>, ذلك أن   اهتمامه منصب   أكثر على إعادة التفكير بجينالوجيا الحداثة, ضد  التيار. فسؤال بابا هو: ما الحداثة بالنسبة لأولئك الذين هم جزء من أداتها وحكمها, لكنهم لأسباب  تتعلق بالعرق, أو الجنس, أو الموقع الاقتصادي الاجتماعي تم  إقصاؤهم عن معايير عقلانيتها أو وصفتها الخاصة بالتقدم فراحوا يعيشون <<بخلاف الحداثة>> إن ما ليس خارجها? وسؤال بابا هو: ما أشكال الهوية والفاعلية التي تبزغ من أكدار الحداثة ومنغ صاتها وضروب قلقها?

فعلى الرغم من ذلك الاستخدام الفضفاض لمصطلح <<ما بعد الكولونيالية>> في وصف تشكيلة هائلة من الممارسات الثقافية والاقتصادية والسياسية على نحو  يهدد بأن يفقد هذا المصطلح معناه الفعال(2), فإن   ما يبقى مشتركا  بين الدراسات ما بعد الكولونيالية هو ذلك الاهتمام لا بانقضاء الحداثة, وإن ما بإعادة تحديد موقعها. ما يبقى مشتركا  هو ما تحاوله الحواف - في زماننا ما بعد الحديث - من إعادة تحديد اللب , وما تتجرأ عليه الهوامش من إعادة تشكيل المركز, في مراجعة  لا تنظر إلى <<اللاغرب>> على أنه مجرد آخر لـ <<الغرب>>, أو موقعا  يجري تعريف تاريخه وهويته في تكوين حداثة صاغها مسار <<الغرب>> وعقله, إنما دون أن تسلك [أي هذه المراجعة] سبيل الأصولية الثقافية أو القومية أو الدينية التي تصوغ صورة  لثقافتها أو أمتها أو ديانتها بوصفها مصدرا  أصيلا  للهوية النقية التي لم يلوثها الغرب الحديث(3).

أن تقرأ هومي بابا يعني أن تسمع ذلك الاعتراف المدوي بأن   النظرية ما بعد الكولونيالية لا يمكنها تفادي بنى المعرفة الغربية, وإن  سلطت نقدها على عماياتها وضروب انغلاقها. كما يعني أن تدرك أن   موقع الثقافة اليوم لا يقع في لباب  نقي  من التراث, بل على حواف التماس بين الحضارات حيث تنطلق <<بيني ة>> و<<هجنة>> و<<هويات>> جديدة. فشاغل بابا الأساسي هو ذلك الإهمال  الذي نال <<التجاذب>> الذي يتسم به موقع الثقافة والهوية, ذلك الإهمال الذي لا يقتصر على الممارسة الأوروبية للتحليل للثقافي بل يتعداها إلى الطرف الآخر الذي يفترض به العكس. وجهود بابا مكرسة لاستكشاف الموقع الثقافي الهجين والبيني , مدافعا  عن موقع  نظري يفلت من ثنائيات الشرق والغرب, والذات الآخر, والسيد والعبد, والداخل والخارج, موقع  يتغلب على الأسس المتعينة ويكشف عن فضاء  من الترجمة لا تكون فيه الهويات منسوبة  إلى سمات  ثقافية متعينة مسبقا  وغير قابلة للاختزال وقائمة خارج التاريخ. فالسيد والعبد, أو المستعمر والمستعمر, لا يمكن النظر إليهما, في عرف بابا, على أنهما كيانان منفصلان يحدد كل   منهما ذاته على نحو  مستقل . والأمر, في عرف بابا, أن   ثمة تواجها  وتبادلا  متواصلين تؤدى فيهما الهوية الثقافية أداء , في زمن الحاضر, وفي فضاء <<حدّي>> هو موقع هجين يترك لـ <<الاختلاف الثقافي>> أن يبرز  وينتج  معارف ومعاني جديدة ويمكن من بناء موضوع سياسي جديد يغرب توقعاتنا السياسية المعهودة ويغير الأشكال المألوفة لمعرفتنا بلحظة السياسة.

وبهذا المعنى, فإن   كتابة بابا تهدف إلى إعادة موقعة  من يحلل الإنتاج الثقافي, فاتحا  فضاء  جديدا  وزمنا  جديدا  للنطق النقدي, حيث يعيد <<الاختلاف الثقافي>> الإفصاح  عن محصلة المعرفة من منظور موقع الأقلية الدال  الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني دون أن يكون محليا  أو خصوصيا , والذي يمكن منه إنتاج أشد  أشكال الثقافة استنطاقا  ومساءلة, وإعادة تقويم كامل الحداثة وما بعد الحداثة وما فيهما من عمايات حيال بنى القوة المتوضعة ضمن آلياتهما في الهيمنة.

هكذا تنزع كتابة بابا تلك الألفة التي تغلف المصطلحات التي نتقاذفها اليوم, مثل <<التعددية الثقافية>>, و<<التنوع الثقافي>> و<<تعدد الهويات>>..., فلا يعود بمقدورنا أن نستخدم تلك الكلمات بما نستخدمها فيه من رضا وبداهة دونما تفكير. ذلك أن   <<الهجنة>>, و<<التجاذب, و<<الانشطار>>, و<<الاختلاف الثقافي>> (لا التعددية الثقافية) تشق  الهوية وتجعلها ضربا معقدا  من التقاطع والتفاوض بين فضاءات مكانية وزمنيات تاريخية ومواقع للذات متعددة, على نحو  يضعنا إزاء, بل في, ما هو <<ليس هذا ولا ذاك, بل شيء آخر بجانبهما>>, وإزاء, بل في, ما هو <<أقل  من واحد ومزدوج>>. وبذلك فإن   بابا يقول لنا ما لا نريد سماعه, في اللحظة التي لا نراها مناسبة, إن ما بطريقة يستحيل علينا أن نتجاهلها أو نهملها. ففي الوقت الذي غدت فيه الأفكار الليبرالية عن <<التعدد>> والمواعظ ما بعد البنيوية عن <<الاختلاف>> أشبه بمصطلحات نهائية في الحكم على مسائل الصراع الثقافي; وفي الوقت الذي تعمد فيه براغماتية جديدة وأصولية سلفية إلى تصنيم ما هو <<خاص>> و<<محلي>> وإلى شل  حتى إمكانية التفكير بما هو عام; وفي الوقت الذي بلغ فيه تسليع <<الآخرية>> من أجل الاستهلاك معدلات غير مسبوقة وغدا فيه التداول العالمي للصور والقوالب النمطية الثقافية صناعة كبرى, راح هومي بابا يطرح أسئلته العميقة حول كفاية القوالب الخاصة بـ <<التسامح>> و<<المدنية>> وقدرتها على سرد تواريخ عدم التسامح واللامدنية, مما تعرض ويتعرض له آخرو المتروبول الغربي من مستعمرين, وزنوج, ونساء, وعمال..., وراح يشد  القوالب الليبرالية والأصولية والراديكالية إلى الحد  الذي تتضح عنده نقاطها العمياء التي تشف  عن مركزياتها الإثنية وبلاغاتها الإرادوية, وإلى الحد  الذي تنم   فيه على <<الآخر>> الذي يظهر في عماياتها كما العرض المرضي الدال .

(2)

ليس عمل هومي بابا, إذا , مجرد استكشاف لأوضاع البلدان الكولونيالية وما بعد الكولونيالية, بل جلاء لديناميات السلطة والإخضاع والمقاومة. وبذلك فهو ينطوي على فكرة العمومية المفاهمية, أو على ذلك النوع من العمل الذي ندعوه بـ <<النظرية>>, وذلك في اللحظة التي نسمع فيها من كل  حدب وصوب أن   <<النظرية قد ماتت>>. ولعل  من المهم, قبل أن نستكشف طبيعة ممارسة بابا للنظرية, أن نلقي نظرة على النحو الذي تنبع فيه المقاومة من ذلك العيش على الحدود, في منطقة القلق والهجنة والانشطار; وإلى الكيفية التي يعمل فيها دك   المعاني المألوفة, للهوية والإثنية والذاتية والآخرية, على خلق إمكانية الانفتاح على واحة من الاستنارة النظرية واجتراح مقاومة تدخل  الجدة إلى العالم, بما يرفع من قلق اللحظة الراهنة وخوفها ويخلق فسحة من الأمل.

ما يراه هومي بابا هو أن   أنظمة المعنى, والخطاب, والحكم... تعمل في, وعبر, العلاقات الاجتماعية المتجاذبة التي يخلقها فعل الانشطار الاجتماعي والخطابي, بحيث أننا كذوات  لتلك الأنظمة نكون واقعين في شراك هذه السيرورات الإشكالية من تعيين الهوية والتي تمثل الشروط التي يتكون فيها مخيالنا الاجتماعي, سواء كنا مستعمرين أم مستعمرين, مضطهدين أم مضطهدين, من الأقلية أم من الأكثرية. بيد أن   هذا الانشطار ليس عند بابا مجرد شرك أو مأزق, فهو لا يقع على الطرفين في النقطة ذاتها, وسيرورته المتفارقة لدى كل   منهما تتيح للمستعمر أو المضطهد إمكانية بناء استراتيجية أو فاعلية تفكك صوت السلطة عند نقطة الانشطار. وبذا تخلق إمكانية الاستنارة والتدبر والمقاومة, بل وإمكانية الهدم, من العيش عند التقاطع والتجاذب, وربما من الجهد الذي يجب أن يبذله المستعمر والمضطهد كيما يعيش هناك ويعنى بشيئين متناقضين في الوقت ذاته دون التعالي على هذا التناقض أو كبته. ذلك أن   إقامة المستعمر, أو المضطهد, أو الأقلوي في التناقض, تتيح له أن يستخدم هذه السيرورة في بناء فاعلية اجتماعية تتم من خلال التدخل في لغة السلطة وكشف انشطارها وإعادة إنتاج تلك اللغة في حالة متبدلة قليلا , على نحو  يطيح بحسابات المتمكنين ويتيح لغير المتمكنين أن يعرفوا الاستراتيجيات التي يضطهدون من خلالها وأن يستخدموا تلك المعرفة في بناء مقاومة. ففي عرف  بابا أن   الاختلافات الطفيفة والانزياحات البسيطة غالبا  ما تكون العناصر الأشد  أهمية في سيرورة الهدم والتغيير(4).

وبغية إيضاح كل  هذا, فإننا نلجأ إلى مثالين يوردهما بابا في موقع الثقافة. أولهما هو الذي يقوم عليه الفصل السادس المعنون <<دواليل أخذت على أنها أعاجيب: أسئلة التجاذب والسلطة تحت شجرة  خارج دلهي, مايو (أيار) 1817>>. ففي أوائل القرن التاسع عشر, حاول بعض الهنود الذين اعتنقوا المسيحية وراحوا يمارسون تعليمها والهداية إليها, حاولوا حث  الفلاحين الهندوس في شمال الهند على التحول إلى المسيحية. وكان ذلك يثير حوارات بين الطرفين قد يسهل تفسيرها على أنها نوع من التبادل بين مسيحية استعمارية قوية ومتحمسة لتحويل الهندوس إليها وبين تقليد ديني محلي أو أصلي يقاوم هذا التحويل. غير أن   اللافت في سيرورة هذا التناقض الحواري أو هذا الحوار التناقضي هو أن   الطريقة التي خاض بها الفلاحون الهندوس هذه العلاقة الكولونيالية تمثلت بمواصلة إنتاج خطابات  إضافية [بالمعنى الديريدي لكلمة الإضافة] هي مواقع للتفاوض والمقاومة. كانوا يقولون, مثلا , <<يسعدنا أن نتحول إلى المسيحية إذا ما أقنعتمونا بأن   كلمات الإله المسيحي لا تصدر من أفواه أشخاص يأكلون اللحم. كلمات  إلهكم جميلة, لكن كهنتكم ليسوا نباتيين, ونحن لا نصد ق أن   أحدا  يأكل اللحم يمكن أن ينقل كلمة الله>>. وبالطبع, فإن منطق التقابل والتضاد بين المسيحية والهندوسية, أو حوار السيد والعبد, لا ينطوي على ما يقتضي بناء هذا الموقع المتفارق والمتناقض, أو هذا الدالول (Sign) القائم على التفاوض والذي يمكن أن نسميه <<الإنجيل النباتي>>, هذا الإنجيل الذي يبدو بمثابة مطالبة بقراءة جديدة لذلك النص المقدّس الذي يقول: <<كل  ما يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن ينج سه. لأنه لا يدخل إلى قلبه بل إلى الجوف ثم يخرج إلى الخلاء وذلك يطه ر كل  الأطعمة... إن  الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان. لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة, زنى, فسق, قتل, سرقة, طمع, خبث, مكر, عهارة, عين شريرة, تجديف, كبرياء, جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان>>(5). فهذا النص الآمن والقار عقيديا , يبدو كأنه يأخذ معنى جديدا , وتعاد ترجمته, في نطقه الكولونيالي ليكشف عن موقع آخر لمفاوضة السلطة ومقاومتها, سواء رمزيا  أم اجتماعيا .

أما المثال الثاني, فهو ذلك الفضاء الجديد والإضافي الذي فتحته في إنجلترا تلك الجماعات النسوية مثل حركة النساء المناهضات للأصولية والأخوات السوداوات الجنوبيات إبان قضية سلمان رشدي. فلقد ساد الموقف  آنذاك نوع  من الاستقطاب بين الكتاب الليبراليين من جهة والأصوليين الإسلاميين من جهة أخرى. وكان ثمة تصوران مختلفان تماما  فيما يتعلق بمسائل النص  والنصية: هل نحاول قراءة القرآن الكريم عبر استراتيجيات الرواية ما بعد الحداثية وسردها وقيمها الأخلاقية أم نحاول أن نقرأ الرواية ما بعد الحداثية تبعا  لمعطيات التأويل والتوجه النصي القرآني. وبذا كان الأمر  أمر  ضرب  من الاختلاف لا سبيل إلى حله أو تجاوزه. وبالمقابل, فإن   رد  تلك الجماعات النسوية كان خارج هذا الاستقطاب بكل ما للكلمة من معنى. فقد احتللن فضاء  آخر, وطرحن منه سلسلة  كاملة من القضايا المتعلقة بتربية النساء وتعليمهن, وسياسات المنزل والأسرة, وسياسات البغاء, كما ربطن بين سياسات الدين في إيرلندا الشمالية والطريقة التي تم  بها تحويل الاختلاف الديني في قضية رشدي إلى عامل واسم للاختلاف الإثني والثقافي. ومع أنه لا رابط مباشر لهذه القضايا بقضية رشدي, فإن ها كانت بمثابة الإضافة الديريدية إليها. وبدلا  من أخذ قضية رشدي أخذا  مباشرا  وجعلها مشروعهن الخاص والتنطح لحلها, قامت هذه الجماعات النسوية بفتح هذا الموقع السياسي المنتج إلى جانب قضية رشدي, وبذا أعدن تصريف هذا الحدث وترجمته باتجاه السياسات المتعلقة بالجماعات والمؤسسات العامة, وباتجاه ما تمارسه الدولة من إضفاء الطابع العنصري على الاختلاف الديني.

والحال, أن   مثل هذا الفهم يعتبر لدى كثيرين واحدا  من أهم الأسباب التي تجعل بابا أشد  النقاد ما بعد الكولونياليين إفصاحا  عن كيفية تطور المقاومة ضمن الفرجات أو السطوح البينية التي يكون فيها على القوة والسلطة أن تمحو إمكانية المقاومة. فإذا ما كان الآخرون يحاولون تنظير المقاومة عموما  واستكشافها, فإن   إنجاز بابا يتمثل في تنظيرها تحت شروط مصممة لبرمجة حتى المقاومة. بل إن بابا يبدو قريبا  جدا  من الإيحاء بأن   الهجنة هي مصدر المقاومة والهدم الأبرز. وأن   وجود البرمجة الدائم يحتم أن يكون هنالك هجنة دائمة. وهذه الهجنة هي التي توفر على الدوام وجود إضافة وزيادة تسم  الفعلي والأدائي قياسا  بالمبرمج, منطقة من عدم التعيين والانتشار تنشأ عن ديالكتيك المبرمج والزيادي . وبذا تكون المقاومة محتومة لا سبيل إلى تفاديها لأن   الهجنة عادة الأشياء وديدنها. وبتعبير أدق , فإن   بابا يرى أن   ما هو مبرمج يقوض ذاته إذ  يولد هجنة عبر سعيه المحموم وراء النقاء.

وبذا نكون أمام هجنة تبدي كامل التعقيد وتقاوم أي  اختزال, وأمام سيرورة مزدوجة من المقاومة تشتمل على مقاومة الآخر بوصفها تنكرا , ومقاومة الذات لرغبتها الخاصة الرامية إلى الاستقطاب والنقاء, هذه المقاومة التي يخلقها أثر الآخر الذي لا تستطيع الذات محوه من ذاتها. وبذا لا نكون أمام علاقة بين <<ذات>> و <<لا ذات>> مفصولين واحدهما عن الآخر فصلا  سحريا  كما يطمح جدول أعمال المضطه دين, بل أمام علاقة الذات - و- الآخر التي تنتمي إلى ما يلاقيه جدول الأعمال هذا من عناد وعنت  لدى أدائه وتطبيقه(6).

ولعل  كل  ذلك أن يعيد إلى الأذهان ذلك الجدال حول نقلة  قام بها إدوارد سعيد من مرحلة كتابه الاستشراق إلى مرحلة كتابه الإمبريالية والثقافة, وما كان قد تعرض له من نقد, ماركسي خاصة , يتهمه بانحراف فوكوي  عن جوهر صراع القوى والانحياز إلى مفهوم للقوة المتوالدة بمعزل عن موضعها الذي تتحرك بداخله, مما يجعل الفعاليات السياسية الصغيرة, كما يعرض لها فوكو, بديلا  يتجاهل الصراعات الكبرى التي تنبني على التبعية والاستغلال بين الاقتصاديات والثقافات والأمم والأعراق والأجناس(7).

(3)

فإذا ما عدنا إلى ممارسة بابا لـ <<النظرية>> والعمومية المفاهيمية, نجد أن   ذلك مصطبغ برؤاه الآنفة أشد  الاصطباغ. فما يتميز به عمل هومي بابا النظري هو أمران اثنان يرى أنهما لا بد  أن يتوفرا للنظرية(8), أولهما هو عدم اكتفائها بإلقاء الضوء على البنية العميقة لحدث , أو موضوع , أو نص   ما; وثانيهما هو قابليتها للترجمة.

فما ينبغي للنظرية أن تقوم به لا يقتصر على زركشة الإطار الخطابي الذي يتوضع ضمنه موضوع البحث والتحليل, ولا على استكناه العمق ضمن هذا الإطار. ما ينبغي للنظرية أن تنهض به, أولا  وقبل كل شيء, هو أن تنشأ في مواجهة مشكلة  ما فتكون استجابة  لهذه المشكلة وتصد يا  لها بروح  من التمرد والعصيان والخروج على الضوابط, وبطريقة متعدية للفروع المعرفية, وعلى نحو  يضع الذات في مكان آخر, أو زمن  آخر, يتم  منه النظر وإعادة النظر. وبذا يفترق بابا عن أولئك المنظرين الذين يجلسون ويفكرون بالمبادئ الأولى في حالة  من الرصانة ورباطة الجأش, ليقوموا من ثم   ببناء قوالبهم الفكرية. فالأمر عند بابا يبدأ أولا  بتلك الصدمة التي تعتري المرء إزاء المشكلة على الرغم من كل  ما يمكن أن يوجد من توصيفات لها موروثة وقارة. ليأتي بعدئذ  ذلك الشعور بضرورة طرح بناء  آخر قادر على استكشاف ما يدعوه باللحظات <<البازغة>> أو <<الطارئة>> في التعيين الاجتماعي للهوية أو النطق الثقافي. فتلك اللحظات هي الحد  الذي يمكن من استكشاف كيف يلتمس حدث , أو موضوع, أو أيديولوجيا أن يشرعن  ذاته ويقر ها ويغدو خطابا  تمثيليا  وعاما  ممتلكا  للقوة.

وبالطبع, فإن   امتلاك الخطاب للقوة لا يتم  من خلال قوة الحجة أو القدرة على الإقناع وحدها, بل يتطلب نوعا  آخر من السيرورة الخطرة غير المتعينة مسبقا  التي تعمل على <<إسقاط>> الخطاب على حقول متجاورة ومتناحرة, بحيث يكون عمل <<الإسقاط>> هذا بمثابة تدخل  ومحاولة  لبدء وتأسيس شيء  ما <<خارج النطاق>>. وهذا ما يقتضي من الخطاب اختراق حدوده الخطابية وأطره المفاهيمية القارة وإزاحتها في نوع  من مفاوضة حالة العمومية. وبذا يبدو اختراق الحدود القارة ناجما  عن نوعين من الخرق في آن  واحد. أولهما يتمثل في أن   الخطاب لا يكتسب سطوته وعموميته إلا عبر عدد من المناوشات المحلية أو الخصوصية التي تقع على حدوده الخطابية وتهدد انغلاقه ونهائيته. وثانيهما يتمث ل في أن  المقاومة التي تبديها الحالة المحلية أو الخصوصية تولد نوعا  آخر من الخرق أثناء إفصاحها عن خطاب عام أو تمفصلها فيه. وبذا يبدو الخطاب والنظرية نتاجا  للتدخل في التوتر والصراع بين الخصوصي والعام, والتجريبي والمفاهيمي, والوضع الخاص والمؤسسة, في استراتيجية  من إعادة التمفصل وإعادة الإفصاح تمكن من مفاوضة ضروب الاستقطاب دون استسلام لمزاعمها أو وقوع في شراك تمثيلاتها وتقسيماتها الثنائية. وباختصار, فإن   النظرية تعمل في تلك اللحظة التي يكون فيها ثمة خرق لحدود الخطاب وحدود الحدث, كما تتدخل في حركة الانزياح التي تعمل على رسم الحدود ومفاوضتها في آن  معا , بحيث يكون المرء داخل حقل  خطابي  ما وخارجه في الوقت ذاته, وبحيث لا تكون للنظرية الأولوية على التجربة ولا للتجربة الأولوية على النظرية.

أما قابلية النظرية للترجمة فتقف بديلا  لذلك الضرب من العمومية المطلقة التي يمكن أن تد عيها النظرية, وبديلا  لاكتفائها بتكرار إطارها المفاهيمي ومضاعفته ونسخه نسخا  ميكانيكيا  في وضعيات ومواضع أخرى. وهي [أي قابلية النظرية للترجمة] تفرض على المنظر أن يعرف لغتين على الأقل , أو بعبارة أدق , أن يعرف لغات مزدوجة, وأن يكون معنى كل  من العمومية والخصوصية مزدوجا  لديه. والحق  , أن   بابا يشير إلى إمكانية وجود طرائق للتفكير بالعام جديدة وأصيلة. فبدلا  من الأفكار السائدة عن العمومية أو الكونية التي تقوم على التفكير الثنائي: النظرية/ الخصوصية, العمومية/ التحديد, الكونية/ التاريخية, المشروطية/ السياق, يحاول بابا أن يتخلص من هذا النموذج وأن يدلل على إمكانية التفكير بالعام بوصفه شكلا  من الشرطية العارضة أو الطارئة, أو بوصفه ضربا  من الإفصاح والتمفصل الذي يقع في الـ <<ما بين>> في الوقت الذي يمارس فيه عمل الجمع والضم . كل ذلك شرط أن نفهم <<البينية>> لا على أن ها مجرد الوقوع في مكان  فاصل ما, بل على أنها تدخل ومقاطعة, واندساس, واقتحام, مما يخلق إمكانية  ومشكلة  في آن  معا . وبذا نكون إزاء إمكانية التفكير بالعمومية لا على الطريقة الثنائية والمحاكاتية, بل عبر ما يدعوه بابا بـ<<التكرار>>. و<<تكرار>> بابا هو تكرار منزاح أو انزياح متكرر يفترق أشد  الافتراق عما يعنيه النسخ أو مضاعفة المماثل. فهو يقيم الفارق بين الاكتفاء بمجرد نقل العمومية وبين ترجمتها, موطدا  بذلك شروطا  جديدة للعمومية وفهما  آخر لها. ويمكن القول: إن هذا الضرب من التكرار يدخل تلك اللحظة من الغرابة المقلقة حيث يمكن لشيء  ما أن يبدو مماثلا  أو قائما  على التماثل, لكنه ما إن  يدخل لحظة نطقه, وتحيينه, وتخصيصه حتى يتكشف عن اختلاف المماثل.

هكذا يواصل بابا ممارسة النظرية, وإمكانية الترجمة عبر الثقافات, وطرائق جديدة في التفكير في العلاقة الديالكتيكية بين الخاص والعام. والحال, أن   كل  تمل ك فعلي لعمل بابا لا بد  أن يكتشف حضورا  طاغيا  لفكرتي<<الهجنة>> و<<التجاذب>>, كما لو أن   هاتين الفكرتين عنوان أساسي لما يمكن أن ندعوه <<نظريته>> أو تصوره الخاص عن العمومية بالمعنى الذي أشرنا إليه. فالهجنة, عند بابا, حركة ترجمة تبقي أسئلة الهوية والانتماء مفتوحة دوما  على التفاوض, وعلى أن تطرح من جديد, ومن مكان آخر, أو زمن آخر, وتغدو سيرورات تكرارية استقصائية لا تعينات  أوامرية, ثابتة ومسبقة. إنه فن العيش في الفرجات الخلالية والسطوح البينية, بحيث لا يكون للانفتاح ذلك المعنى السطحي الذي يشير إلى عدم وجود انغلاق وإلى ذوبان الهوية والانتماء, بل يكون له ذلك المعنى الذي ينطوي على المراجعة وإعادة النظر والبناء من جديد, في الحاضر الذي يمثل عيشه  فنا  قائما  بذاته, فن  يقيم الفارق بين التكرار واختلاف المماثل من جهة والتجانس والمجتمع المتجانس من جهة أخرى, ويكشف أن  هذين المفهومين الأخيرين جزء من عتاد تلك الثقافات التي تضطهد الآخرين. ألم نقل إن بابا يسمعنا مالا نريد سماعه?

(4)

يمكن إلقاء المزيد من الضوء على فكر هومي بابا بالإشارة إلى علاقته المتجاذبة هو ذاته مع كثير من المفكرين والتيارات السياسية التي نركز هنا على الأبرز بينها. وبداية , فإن   تنظير ما بعد الكولونيالية عموما  متأثرا  أعمق التأثر بأعمال المنظرين الفرنسيين, خاصة  ميشيل فوكو وجاك لاكان وجاك ديريدا. وقد أدى هذا اللقاء بين دراسات ما بعد الكولونيالية ونخبوية النظريات الفرنسية إلى مناظرات مشحونة بين مؤيدي ومناهضي هذا التوجه في تحليل عالم ما بعد الكولونيالية. ويكاد أثر الثلاثي السابق أن يكون واضحا  في كل  صفحة يكتبها بابا, حيث يدخل إسهاماتهم في مشروعه الخاص, بل ويدافع عنها أشد الدفاع في بعض الأحيان, دون أن يحول ذلك بينه وبين تسليط أشد  النقد عليهم ومساءلتهم في كثير من النقاط.

فأثر فوكو واضح لدى بابا من حيث ذلك الدفع الذي تدفعه أعماله [أي فوكو] باتجاه إعادة التفكير في طبيعة القوة والسلطة خارج النموذج الثنائي الاستقطابي, وباتجاه البحث عن مكان  للنطق وبناء المعنى هو مكان يقع بين حاجة المعنى إلى سنة نظامية وحاجة فعل المعنى أو أدائيته إلى إزاحة تلك السنة وتجديدها على نحو  متكرر. غير أن   بابا ينتقد فوكو على عجزه عن النظر خارج الأطر المفاهيمية الخاصة بالحداثة الغربية. فهو في الوقت الذي لم يكف  فيه عن تبيان ما تتسم به الحداثة الغربية من حدية وإقصائية وضبط, لم يعن  بما فيه الكفاية بالتفارق بين الحداثة الغربية وما يدعوه بابا فضاءها الآخر, أو نظيرها أو صنوها المخيف, الفضاء الكولونيالي. وذلك ناجم برأيه عن أن فوكو كان بحاجة  إلى استعارات مكانية تقوم على التجانس ولا تتيح مجالا  للزمنيات المتباينة والمتفارقة الخاصة بضروب الإفصاح الثقافي الأخرى.

وما يستوقف بابا عند لاكان هو قدرة الأخير على تناول الرغبة وتعيين الهوية والذاتية ضمن السجل الألسني والسيميائي. ولذا نجد أن   أكثر مفاهيم بابا وتحليلاته لا يمكن أن تنفصل في بنيانها وآليات اشتغالها عن التحليل النفسي السيميائي اللاكاني. ومن الواضح أن   قراءة لاكان قد دفعت بابا إلى استكشاف لقاء الاستعارة والكناية في موعدهما المداري الكولونيالي, ذلك اللقاء الذي يكون مشحونا  لا بالمعاني الذاتية وحسب, وإن ما بالمعاني بين الذاتية والاجتماعية اللاواعية التي يمكن استخدامها في قراءة الدور الذي يلعبه الرمز في النص  الاجتماعي, والكيفية التي يوظف بها مسار  الرغبة قيمة  اجتماعية في موضوعات محددة. وذلك فضلا  عن كثير من المفاهيم والآليات اللاكانية الأخرى التي غدت مصطلحات وآليات بابا في استكناه قضايا الترجمة الثقافية, على نحو  يظهر فيه واضحا  كيف يحرف بابا لاكان ويميل به عن سبيله المعهود ويلحن بكلماته ومفاهيمه مستخدما  إياها في غير ما و ضعت  له.

أما ديريدا فأثره واضح على بابا من حيث قدرته [أي ديريدا] على إيضاح الممارسات النصية, والكتابية, والمؤسساتية التي يمارسها الانزياح والإرجاء, وكذلك من حيث الوظائف المتفارقة والمتناقضة التي يدفع ديريدا مصطلحاته لأن تقوم بها, مثل <<الإضافة>>, و<<الاخـتلاف>>, و<<التشتيت>>, و<<التكرار>> وسواها. غير أن   السؤال الذي لم يجب عنه ديريدا, كما توحي كتابة بابا, هو التالي: إذا ما قبلنا سيرورة الإرجاء والاختلاف مكانيا  وزمانيا  على السواء, ثم قبلنا أن ثم ة انغلاقات طارئة وعارضة في نقاط معينة, فكيف نعيد التفكير بتلك العرضي ة أو الطارئية لا بوصفها نوعا  من السببية الغائية, بل بوصفها سببية تكرارية تقع أبعد من نقد التعيين والحتمية البنيوية أو الوظيفية? وبعبارة أخرى, فإن بابا يبدو معنيا  بأن يكسو باللحم قول ديريدا: <<بالنسبة للبعض منا, فإن مبدأ عدم التعيين هو ما يجعل حرية الإنسان الواعية أمرا  قابلا  للفهم>>.

وثمة علاقة متجاذبة أيضا  بين بابا وتلك البنى الديالكتيكية أو الأزواج المفاهيمية التي ينطوي عليها الديالكتيك الهيغلي, كالذات والموضوع, والذات والآخر, والسيد والعبد, حيث يبدو الأمر لدى بابا كما لو أن هذه الأزواج لا يمكن العيش معها ولا من دونها. وهذا ما يدفعه إلى التطلع إلى ديالكتيك دون تعال , ديالكتيك يجد له سوابق ضمن التقليد الديالكتيكي ذاته, لدى وولتر بنجامين مثلا .وهكذا, فإن   الكتابة ضد هيغل تقتضي عند بابا <<العمل عبر هيغل ومن خلاله(9) باتجاه مفاهيم ديالكتيكية مشحونة بمعنى الإضافة الديريدية. فلكي تتخطى هيغل وتتجاوزه لا يكفي منازعة فكرة التعالي. والعبرة تكمن في تعلم فهم <<التناقض>> أو <<الديالكتيك>> بوصفه حالة من الكينونة <<ليست هذا ولا ذاك, بل شيء آخر بجانبهما>>. وهذا هو الموقع الذي كان لنفوذ وولتر بنجامين وتأثيره دورا  تكوينيا  بالنسبة لبابا, كما يقول. فتأملات بنجامين في زمنيات <<الحدث>> التاريخي المتفارقة لا غنى عنها بالنسبة لتفكير بابا في مشاكل الحداثة الثقافية, خاصة  التقاطه ما يصفه بنجامين بأنه <<شرط الترجمة>>, حيث يرى إلى الترجمة على أن ها تحويل متواصل وليست أفكارا  مجرد ة عن الهوية والتشابه. وهذا, من بين أشياء أخرى, ما دفع بابا إلى التأمل في الحركات الزمنية المتباينة ضمن سيرورة التفكير الديالكتيكي وفي الحالة الإضافية أو البيني ة التي تتكشف إلى جانب النزوع المتعالي للتناقض الديالكتيكي, وهو ما دعاه بابا بـ<<الفضاء الثالث>> أو <<الفترة الزمنية الفاصلة>>, مما يوضحه المثالان اللذان سبق ورودهما.

ومن علاقات بابا التي لا يمكن إغفالها علاقته بتيار دراسات التابع(10), الذي ارتبط بمجلة تحمل الاسم ذاته, Subaltern Studies, صدرت في عام 1982 تحت رئاسة تحرير مؤرخ هندي ماركسي بارز هو راناجيت جحا, ويتلخص مشروعها الأصلي بإعادة كتابة تاريخ الهند في الفترة الكولونيالية لا من خلال وجهة النظر الاستعمارية أو من المنظور القومي للبرجوازية المحلية وإن ما من خلال الدور التاريخي الذي لعبته الجماعات التابعة. فبدلا  من التركيز على النخب السياسية, أظهرت دراسات التابع الدور النشيط الذي لعبه العمال والفلاحون والنساء وسواهم من الجماعات التابعة في صنع التاريخ الهندي. وبدلا  من التركيز على اللحظات الانتقالية, ركزت على لحظات الصراع, مما شكل إنجازا  احدث أزمة في التاريخ المهيمن الكولونيالي والبرجوازي المحلي أو القومي, كما ترى غاياتري سبيفاك(11). إلا أنه في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وفي تسعينياته, بدأ اهتمام عدد من الباحثين البارزين في هذا التيار بمسائل أوسع هي كيف يمكن كتابة تاريخ الهند, أو مناطق أخرى غير غربية, بأشكال  تخالف وتنتقد رؤية العالم التي تتخذ من أوروبا مركزا  ومحورا  لها. وقد تأث ر هؤلاء بما بعد البنيويين الفرنسيين, كما تأثروا بإدوارد سعيد, وأعادوا تحديد حقل جديد للنظرية ما بعد الكولونيالية. ومن أبرز هؤلاء بارتا تشاترجي, وغاياتري سبيفاك, وهومي بابا, وجيان براكاش, وديبيش تشاكرابارتي. وربما كان من الممكن اختصار النقد الذي وجهه هؤلاء للمدرسة الأصلية في انتقادهم محاولتها كشف وعي التابع بمعزل عن التكوين الكولونيالي والقطاعات الأخرى من المجتمع, كما لو أن ثمة وعيا  <<نقيا>> أو <<جوهريا>> يمكن إلقاء الضوء عليه بعيدا  عن الخطاب الكولونيالي والتركيبة الكولونيالية ككل.

ولقد ترك كل   من فرانز فانون وإدوارد سعيد أعمق الأثر لدى بابا. فعناية فانون بالعلاقة بين السياسة والنفس وقضايا التمثيل تتصادى في فكر بابا, شأنها في كثير من الجدالات الراهنة حول مسألة الهوية. وكذا رؤية فانون إلى الثقافة على أنها حقل أدائي, وتركيزه على الجسد الذي يقع في مركز تفكيره الخاص بالفاعلية السياسية والممارسة الثقافية. غير أن ذلك لن يمنع بابا من كشف بعض الحدود في تفكير فانون أو من دفعه باتجاهات جديدة. وهذا ما يصح أيضا  على علاقة بابا بإدوارد سعيد, مع أن عمل هذا الأخير كان حاسما  بالنسبة لبابا إذ أشار إلى ميدان كامل عابر للفروع المعرفية وأحدث لديه ومضة  معرفية التقط فيها لأول مرة مشروعه الخاص(12). وكذا الأمر أيضا  بالنسبة لكثير من الكتاب والفنانين, مثل ديريك والكوت, وتوني موريسون, ورشدي, والنحات أنيش كابور, والمعمارية رينيه غرين وسواهم, ممن ساعدوه مساعدة هائلة, كما يقول, على التفكير في مسألة اكتناف الزمان للمكان وبالعكس, فضلا  عن عدد من المشاكل المفاهيمية الأخرى التي سبقه إليها هؤلاء الفنانون والكتاب(13).

أما الإحداثيات السياسية لتفكير بابا, فيبدو أن ها تتحرك بين التقليد الليبرالي والتقليد الراديكالي, بين جون ستيوارت م ل  وكارل ماركس, بين ريتشارد رورتي وستيوارت هال. ولا بد  أن يستوقف قارئ بابا ذلك الإحساس العارم بأننا نعيش الآن في لحظة تاريخية تنم   على تفاوض متواصل بين أفكار وإيديولوجيا ليبرالية معينة ونقد راديكالي لهذه الأفكار وهذه الإيديولوجيا يبزغ مما يمكن تسميته بالفكر <<المادي>>, دون أن يكون هذا الأخير محقا  دائما  في نقده. وبعبارة أخرى, فإننا إزاء إحساس طاغ بحالة من الترجمة بين هذين التقليدين, على نحو  يكون فيه انتقاد  تصور  ليبرالي معين - كفكرة الحقوق مثلا , خاصة  حين يتعلق الأمر بالعرق والجنس وقضايا المهاجرين واللاجئين - مضطرا , كيما يكون فعّالا , إلى تفعيل فكرة الحقوق لا إلى تجاهلها أو إهمال ما تنطوي عليه من إمكانات فعلية. وبذا يقف بابا ضد  تلك العجرفة الساذجة التي ترى أن تفكيكا  فلسفيا  لممارسة  ما يحول دون إدراك ما تنطوي عليه هذه الممارسة من قدرات أدائية تتفت ح وتتكش ف في لحظات نطقها. وعلى هذا الأساس, فإن   كتابة بابا تنطوي على دعوة لقراءة أخرى لتاريخ الليبرالية المعقد والغني تختلف عن تلك القراءة الضعيفة القائمة على المماحكة مما سبق للتيارات الراديكالية أن قرأت به هذا التاريخ.

وتبقى ميزة مهمة في تفكير بابا لا بد من الإشارة إليها, هي ما يبديه في كتابته من تعد   للفروع المعرفية وعبور  لها يختلف عن ذلك النوع من التعدي القائم على نظرة إنسانوية تفترض أن   الفروع المعرفية المختلفة تنطوي على حقائق أساسية تسمح لنا بأن نضع فرعين أو أكثر بجانب واحدهما الآخر لتغدو لدينا قاعدة أوسع لهذه الحقائق, قاعدة تتيح لنا إلقاء الضوء على أطروحاتنا بإحالات  على الأدب, ثم بربطها بمنظورات سوسيولوجية وسيكولوجية وتاريخية, إلخ. رؤية بابا إلى تعد ي الفروع المعرفية تختلف كثيرا  عن هذه الرؤية, حيث يتم  فيها توسل فرع لفرع آخر على حافة الأول وحده, في محاولة  لا لتعزيز حقيقة أساسية ما بالاتكاء على الفرع الآخر والاستعارة منه بل كردة فعل حيال واقعة أننا نعيش على الحد الفعلي لفروعنا الخاصة, حيث تكون بعض الأفكار الأساسية في هذه الأخيرة مهتزة اهتزازا  عميقا . هكذا تغدو لحظة تعد ي المرء لفرعه الخاص حركة بقاء وتشكيلا  للمعارف يتطل بان بحث فرعنا وتقنيته لكنهما يتطل بان أيضا  أن نهجر التسيد والمراقبة اللتين يمكن أن يمارسهما. فلقد غدت أسئلة عدم التعيين, والعرضية, والتناص, والتجاذب أسئلة أساسية في العلوم الإنسانية المتعددة. ولأن هذا النوع من تعدي الفروع المعرفية مفعم بالرغبة في الفهم الأكمل ومفعم بالتعطش إلى الترجمة بين الفروع, فإنه يتوضع على حدود فرعنا, مما يقتضي الإفصاح عن تعريف جديد وتعاوني للعلوم الإنسانية.

(5)

أثار عمل هومي بابا, وخاصة  كتابه موقع الثقافة, كثيرا  من الاهتمام المتباين والخلافي. فقد وصف , لجهة المديح والتقويم الإيجابي, بأنه عمل يمضي بالنقد الثقافي إلى مناطق جديدة ومهمة بصورة حاسمة, تاركا  أثره البالغ على الطريقة التي ندرك من خلالها الممارسات الثقافية, وبأنه واحد من المتون الأساسية في النظرية ما بعد الكولونيالية المعاصرة, واضعا  هومي بابا كواحد من أبرز المنظرين ما بعد الكولونياليين(14). واعتبر تيموثي ميتشل موقع الثقافة أهم , وإن  يكن أيضا  أصعب الأعمال المعاصرة المعبرة عن النظرية ما بعد الكولونيالية(15). ورأى جيمس صيداوي أن   كتاب بابا مكثف لا تسهل قراءته على نحو  سريع, وأنه مجرد تجريدا  شديدا  يدعو إلى الإحباط في بعض الأحيان, إلا أنه يحلل بجرأة معضلات الهويات والحركات ما بعد الكولونيالية, كمعضلة تناقضاتها وتخفيها في قوالب وصور تثير الالتباس وطبيعتها الهجينة, على نحو  يدفعنا من غير شك  أبعد من التبسيطات الأولية التي كانت تميز جيلا  سابقا  من دراسة الحالات الكولونيالية والحركات المناهضة للكولونيالية(16).

ولقد وصف عمل بابا, لجهة الذم  والتقويم السلبي, بشتى الأوصاف التي تتراوح من الابتذال إلى أقصى حدود الجدية. وصف بأنه عمل خلافي , وأنه بالغ الصعوبة, وأنه سياسي جدا , وأنه ليس سياسيا  بما فيه الكفاية, بل وأنه خطر على التفكير العلمي(17). ولقد بلغ الأمر في بعض الأحيان حد  الرفض المطلق والتشنيع, كما هو الحال لدى راسل جاكوبي الذي يقول:

يبقى تايلور والفلاسفة الليبراليون مفكرين أكثر وضوحا  وشرفا  من التالين عليهم باتجاه اليسار. في بحر التعددية الثقافية, يبحر اليساريون عن طريق الهمهمة والتمتمة عن السلطة والاختلاف والتهميش. إنهم يسودون مقالات وكتبا  لا نهاية لها بالحديث عن التعددية الثقافية الراديكالية والمتحولة. أما ما الذي يتحول فلم يتحدد أبدا , وتكرارهم الدائم لمصطلحات مثل <<السيطرة المضادة>> و<<التمزق>> و<<النضال>>, يثير الشكوك, لا بد أن تتكرر هذه المصطلحات في كل جملة, حتى لا ينهار الصرح كله. هومي .ك. راهابها [كذا], الاستاذ بجامعة شيكاغو, ممارس جيد لهذا الأسلوب(18).

والحال, أن   من الممكن إيراد قائمة طويلة جدا  بصنوف المديح والذم, غير أن   الأهم من كل  ذلك هو إدراك أن  من غير الطبيعي أن يقرأ عمل بابا, المعقد  والإشكالي والمستند إلى مصادر واسعة, بغير الروح النقدية التي تثير الأسئلة, وتطرح المشكلات, وتربط نقدها هذه الفكرة أو تلك بنقد الأسس التي تقوم عليها ولا تفهم إلا  بارتباطها بها.

يلاحظ, من هذا المنظور, أن   في عمل بابا تصديرا  للخطاب واللغة على حساب كل  ما هو مادي, وإعلاء  من شأن النص  والتحليل النفسي السيميائي بحيث يتبدى  كل أمر على أنه نص   ليس غير, نص   يتحرك بآليات  سيميائية ونفسانية تحل  محل  الوقائع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, وتعزل الثقافة عن دورها الاجتماعي والسياسي وتغرقها في هذا الضرب من مفهوم النصية. ويلاحظ أيضا  أن  مفاهيم مثل <<الهجنة>> و<<الحدية>> و<<التجاذب>> تفضي إلى الإعلاء من شأن <<المهاجر>> و<<الأقلوي>> على حساب الشعوب والأكثريات المظلومة والمضطهدة وتؤدي إلى مفهوم لـ<<المقاومة>> و<<الهدم>> و<<السياسة>> غايته أن يحل  محل  مفهوم <<الثورة>> و<<التغيير>>. وهذا الأمر الأخير هو ما سنركز عليه أولا  قبل أن ننتقل إلى نقد  لما نجده لدى بابا, ولدى النظرية ما بعد الكولونيالية عموما , من ربط  معين بين العرق والجنس والطبقة على نحو  يحاكي نظرة التيار ما بعد الحداثي لهذا الثالوث الذي غدا ثالوثا  مقدّسا  بالنسبة له.

ثمة اشتباه في أن   إقامة بابا فكرته عن <<امتلاك القوة>> و<<المقاومة>>على سياسات النطق والخطاب تفضي إلى وضع المستعمر والمستعمر, أو المضطهد والمضطهد, في حالة  من الاعتماد المتبادل والحوار المتواصل من ذلك النوع الذي يزيل الاختلاف الاجتماعي المادي  بين هذين الطرفين المتناقضين ويحل  محله اختلافا  خطابيا  وسيميائيا  داخل طرف واحد مكون منهما معا . وهذا ما يؤدي إلى جعل الاختلاف بين المسيطر والمسيطر عليه اختلافا  غير متعين, وإلى جعل الممارسات الاستغلالية التي يمارسها الأول <<غير محسومة أو محددة>> هي ذاتها, مما يجعلها غير متاحة كأساس نظري لأية مقاومة جماعية <<محسومة أو محددة>> وبذا يكون الخيار هو الاعتراف بأن   من الضروري التخلي عن تلك المقاومة المحسومة والمحددة الرامية إلى التغيير الجذري للعلاقات الاجتماعية السائدة باتجاه مقاربة تتأمل في عدم التسيد الذاتي الذي يسم  خطاب الطبقة المسيطرة, أو العرق المسيطر, أو الجنس المسيطر(19).

يبين النظر إلى تاريخ التجربة الكولونيالية, وتجربة الاضطهاد عموما , أن   الاستعمار والاضطهاد قد أخفقا في إقامة تلاحم بشري, وفي ترسيخ علاقة بين الشعوب قائمة على الترجمة الثقافية المتبادلة. فما توط د هو علاقات الهيمنة والإخضاع لا العلاقات التبادلية المتصلة بين المستعم ر والمستعم ر, بين المضطهد والمضطهد. وربما كان بوسعنا أن نتقبل نظرية بابا في فاعلية المقاومة لو اقتصرت على المهمشين نظرا  لارتحالهم الدائم الذي يحتم عليهم ترجمة الثقافات المتغايرة. أما كما هي, فثمة من يرى أن نظرية بابا لا تفيد الواقع الراهن وتعوق التحرك الإيجابي(20).

صحيح  أن   التغيرات الكبرى التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات الحديثة قد أعطت لرأس المال والشركات متعددة الجنسية قوى غير مسبوقة في الوصول إلى زوايا الأرض جميعا , إلا أن ما يميز هذه المرحلة الراهنة من حركة الرساميل والسلع والعاملين, لا ينبغي أن يسقط على الثقافات بالدرجة التي تدعو بابا إلى الاحتفاء بالهجنة كما لو أنها حالة منجزة تتحقق دون إخضاع وتملك تمارسهما الرساميل الغازية الأوروبية والأمريكية على العالم الثالث, أو تتحقق خارج العلاقات غير المتكافئة التي تسم  القوى الثقافية كما تسم بقية القوى. وإذ  يرصد مثل هذا النقد تهرب بابا وسواه من مناقشة هذا الأمر, فأنه يصف المزاج الاحتفائي بالهجنة الثقافية بأنه مزاج الحرية المطلقة الذي يعززه السوبرماركت المعولم إذ  يبدي كما لو أن   جميع المستهلكين لهم مددهم المتساوي وأن   جميع الثقافات فيه ميسورة للاستهلاك بشكل متكافئ, وحسب الخليط أو المزيج الذي يرغب فيه المستهلك(21).

وإلى هذا, فإن   مراجعة مفهوم <<الهجنة>> و<<البينية>> تنقاد بالضرورة إلى تناول قضية المنفي  والمهاجر, حيث يرى أن الاحتفاء بالهجنة يفضي إلى التغاضي عن الثقافة الوطنية وعن أبناء تلك الثقافة الذين يعيشون فيها عبر إعلاء  متصل للمثقف المهاجر على أنه مالك الحقيقة كل ها ومجمع كل الثقافات,على نحو  يحرره من الجنس والعرق والطبقة والموقع السياسي والثقافي المتعين. والأسئلة المطروحة هنا هي: ما إذا كان فضاء بابا الحدي, ذلك الفضاء الخطابي والنصي المتميز, متاحا  لغير المثقفين الأكاديميين? ألا تفضي الحظوة والامتياز اللذان يعطيان لإدوارد سعيد, مثلا , بوصفه <<مثقفا  حديا>> مهاجرا  إلى إهمال المنفى الحقيقي للفلسطينيين المشتتين الذين طردهم الاحتلال الإسرائيلي? ألا يخفق فضاء هومي بابا الحدي هذا في تناول الشروط المادية للعالم الثالث? أليس من الضروري التمييز بين النفي والتشرد, حيث ثمة مبدأ في النفي عادة , في حين لا نجد في التشرد سوى التراخي? ألا يختلف المنفي, الذي يدفعه نظام بلده أو خوفه من التصفية الشخصية إلى العيش خارج مسقط رأسه عيشة استحالة وألم لا عيشة امتياز وحظوة, ألا يختلف عن المهاجر الذي يأتي إلى المتروبول الغربي بقصد الارتباط لا بالفئات العاملة, بل بالطبقة المهنية الوسطى, مبتدعا  نمطا  بلاغيا  يطغى على قضية الطبقة ليتحدث عن الهجرة بوصفها حالة وجودية(22)?

والانتقاد الذي يطول قضية المنفي  والمهاجر عند بابا يطول أيضا  ما يدعوه بـ<<المنظور الأقلوي>> أو <<المنظور الهامشي>>. فالاحتفاء الشديد بما هو هامشي وأقلوي لمجرد كونهما هامشيا  وأقلويا , والدفاع العنيد والمتهور عن كل  ما يلفظه النظام من نثار وحطام وكل  مالا تدمجه عقلانيته الحاكمة, ينسى أن   الهوامش والأقليات اليوم تضم  النازيين الجدد, والمأخوذين بالصحون الطائرة, والبرجوازية الدولية, وأولئك الذين يؤمنون بضرورة جلد المراهقين الجانحين إلى أن يسيل الدم من أفخاذهم, كما يسخر تيري إيغلتون من النظرية السخيفة والمجافية للعقل التي تدافع عنها ما بعد الحداثة(23).

وخلاصة هذه الانتقادات هي أن   تبصرات بابا اللاكانية والفوكوية... في حركات التجاذب والهجنة وسكناتهما, لم تحل دون أحادية البعد, وربما هي التي أفضت إليه كما أفضت إلى سخريته من الثورة, وهيغل, وماركس, ومن توق فانون إلى تغيير جذري وكامل للمجتمع, ليقوم مكان ذلك كله انحياز لسياسات <<الهدم>> التي يجد بابا أنها أكثر ثورية من سياسات الثورة إذ  تقوم على التجاذب الذي لا يريد أن يلغي أو يتعالى وتركز على تلك الفعاليات السياسية الصغيرة والجزئية الممكنة. وبذا يقيم بابا لفانون, مثلا , جذورا  لدى لاكان ضد هيغل, وفي التشظي ما بعد الحداثي ضد ماركس, فيحل محل  فانون الداعي إلى التغيير الجذري فانون داجن يبدو <<الهدم>> الذي يمارسه ويدعو إليه أشبه بلفظة فارغة منه بسياسات فعلية(24).

وفي نقده الذي يوجهه بابا للماركسيين, مثل فريدريك جيمسون, على إعلائهم من شأن <<الطبقة>>, نجد أنه يحذو حذو معظم التيار ما بعد الحداثي في تعامله مع ثالوث العرق - الجنس - الطبقة تعاملا  لا يفرق بدقة بين هذه الحدود الثلاثة ويضعها على المستوى الواحد ذاته. ففي الظاهر, وعلى السطح الذي يكتفي به ما بعد الحداثيين وبابا, يبدو الربط بين أطراف هذا الثالوث ربطا  بدهيا  ومقنعا . فبعض البشر يعانون الاضطهاد بسبب جنسهم, وبعضهم بسبب عرقهم, وبعضهم بسبب طبقتهم. غير أن   مشكلة مثل هذا القول لا تقتصر على سذاجته وتبسيطيته وإنما تتعداها إلى التضليل والخداع. فليس الأمر أن   بعض الأفراد يبدون صفات معينة تفضي إلى تصنيفهم كـ <<طبقة>> مما يؤدي من ثم   إلى إخضاعهم. بل الأمر على العكس من ذلك, كما يرى الماركسيون, حيث أن  الانتماء إلى طبقة هو بالضبط أن تكون مضطهدا  أو تكون مضطهدا . والطبقة بهذا المعنى مقولة اجتماعية تماما , بخلاف كونك امرأة أو كونك تحمل لونا  معينا . فهذان الأمران الأخيران, اللذان لا ينبغي أن يخلط بينهما وبين كونك نسويا  أو أفروأميركيا , هما مسألة تتعلق بجسدك لا بالثقافة التي تنتمي إليها(25).

وبعبارة أخرى, فإننا هنا إزاء ضرب  من النزعة الثقافوية التي تغفل ما هو خاص ومميز بشأن تلك الأشكال من الاضطهاد التي تتحرك على السطح البيني  للطبيعة والثقافة. فاضطهاد النساء هو مسألة تمييز بين الجنسين, أي أنه بناء اجتماعي بصورة كاملة, غير أن   النساء يضطهدن  بوصفهن نساء, وهو أمر ينطوي على نوع  من الجسد يصادف أن يمتلكه المرء. في حين أن  كون هذا المرء بورجوازيا  أو بروليتاريا  ليس شأنا  بيولوجيا  على الإطلاق. وإلى هذا, فإن  التعالق والارتباط بين <<الطبقة الوسطى الصناعية>> و<<البروليتاريا>>, بحيث لا يمكن لمجتمع  أن يشتمل على إحداهما دون أن يشتمل على الأخرى, هو ارتباط وتعالق من النوع الذي يختلف عن تعالق المقولات  الجنسية والإثنية التي لا تكون متبادلة التكوين على هذا النحو الكامل والكلي. فالذكري  والأنثوي, شان القوقازي والأفروأميركي, مقولتان تتبادلان التحديد من غير شك, إلا أن   أحدا  لا يصطبغ جلده بلون معين لأن جلد سواه قد اصطبغ بلون آخر, كما أن   أحدا  لا يكون رجلا  لأن أحدا  آخر هو امرأة, على النحو الذي يكون فيه البعض كادحين بلا أرض لأن سواهم أسياد مالكون للأرض.

وفوق هذا وذاك, فإن   ثمة خطأ آخر يشجع عليه هذا الفهم أو الربط لثالوث العرق - الطبقة - الجنس. ذلك أن  هذا الربط يقوم في المقام الأول على نوع  من الحكم الأخلاقي الذي يرى أن ما تشترك به هذه الجماعات الثلاث هو واقعة أن   <<إنسانيتها الكاملة>> تنكر عليها. غير أن   ما يجعل طبقة العمال, في نظر الماركسية مثلا , قوة كامنة للديمقراطية الاشتراكية ليس معاناتها الشديدة أو اضطهادها الشديد أو إنسانيتها الناقصة, بل توضعها الخاص ضمن نظام الإنتاج, وتنظيمها من خلاله وتكاملها معه على النحو الذي يمكنها من تسييره على نحو  تعاوني. وهو أمر لا يتوفر لسوى الطبقة العاملة من الجماعات التي قد تعاني أكثر من الطبقة العاملة وترزح تحت بؤس  أشد . ومثل هذا الأمر لا يقتضي بالضرورة أن تحل  الطبقة العاملة محل  الجماعات الأخرى في مقاومة القوى الظالمة التي تضطهدها. فلا أحد يستطيع أن يحرر أحدا  آخر, وضرورة أن يقوم ضحايا القوة الظالمة بتحرير أنفسهم هي مسألة مبدأ ديمقراطي. وطبيعي, إذا , أن يعني هذا في ميدان الإنتاج المادي أولئك المتضررين بصورة مباشرة من القوة الظالمة القائمة هناك. وما يستتبعه هذا المبدأ ذاته هو أن النساء, على سبيل المثال, وليس العمال, هن   قوى التغيير السياسي حين يتعلق الأمر بالبطريركية والإطاحة بها. وإذا ما كان خطأ بعض الماركسيين النياندرتاليين أنهم يتخيلون وجود قوة واحدة وحيدة للتغيير الاجتماعي [هي الطبقة العاملة], فإن   الخطأ المقابل هو تخيل أن   هذه القوة قد أبطلتها <<الحركات السياسية الجديدة>>. وما يعنيه هذا هو إما إنكار وجود الاستغلال الاقتصادي أو التخيل بنوع من الوقاحة <<النخبوية>> أن النساء والشاذين أو الجماعات الإثنية ممن لا يشك لون جزءا  من الطبقة العاملة يمكنهم أن يحلوا محل  هذه الأخيرة في تحدي قوة رأس المال(26).

(6)

تبقى تهمة <<الصعوبة>>, التي أوردت  آنفا  بعضا  مما قاله بشأنها عدد من الكتاب المهمين, تبقى أكثر التهم التي تكرر  كيلها لبابا. أما جوابه بهذا الشأن فيتلخص في أن  تهمة عدم الوضوح هي التهمة الكبرى التي يمكن أن توجه لكل  من يريد القيام بعمل  جدي, وأنها يجب أن تؤخذ بجدية بالغة لأن   كتابا  لا بد  أن يتأذ ى إذا ما كان مفتقرا  إلى الوضوح فلا يتمكن الناس من الاستجابة له والتأمل فيه والانتفاع به. لكنه يرى أن   الأجزاء الصعبة في عمله هي غالبا  تلك الأماكن التي يحاول أن يفكر فيها <<أصعب التفكير>>, تلك الأماكن التي يحاول فيها <<خوض معركة>> مع نفسه, تلك اللحظات من الغموض التي تشتمل على <<حدود>> ما يفكر به, وعلى <<آفاق لم يتم بلوغها بعد,... لحظات يشعر فيها المرء أن   ثمة شيئا  يجب أن يقوله, شيئا  يمكن أن يأتي على فمه دون كلمات, ويمكن لليدين أن ترسماه في الهواء, لكنه شيء لا يستطيع المرء أن يمسك به مع أنه يحاول>>(27).

وبذا يكون التفاوت بين رأي بابا ورأي بعض قر ائه بشأن الصعوبة, ليس تفاوتا  من النوع الذي يجعل أولئك القراء صنفا  من الأغبياء الذين يحول بعض التعقيد بينهم وبين الفهم. فالصعوبة, بل الصعوبة البالغة, التي يتسم بها عمل بابا, تقف على مستوى آخر غير هذا, مستوى يمكن التمثيل له بما قاله كمال أبو ديب عن <<صعوبة>> كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد:

سيكون تبسيطا  للأمور أن أصف كتاب إدوارد سعيد بأنه صعب للقراءة والترجمة. ففي مواجهة فكر عميق, مسفسط حتى الإدهاش, غائر في مصائر المعرفة الإنسانية حتى ليبدو الأكثر غرابة في المعرفة مألوفا  لديه ألفة العام الشائع, قادر على التعامل مع اللغة بحيث يصبح شاردها طبيعيا  لديه, وبعيدها قريبا  منه, لا تتحدد استجابة المرء في إطار السهولة والصعوبة, بل في إطار آخر مختلف, وعلى مستوى مغاير: مستوى القدرة على استخدام أكثر مستويات التحليل صعوبة, وأكثر التصورات غموضا  في مناقشة ما يبدو عاديا , ثم القدرة المماثلة على الوصول إلى رصد دقيق لأبعاد الظاهرة المعاينة يضيئها إضاءة فذ ة(28).

كما يمكن التمثيل له أيضا  بما قالته سامية محرز عن <<صعوبة>> غاياتري سبيفاك:

صعوبة الأسلوب, صعوبة المرجعية والمنهجية, صعوبة مستوى التحليل.... داخل وخارج الأكاديمية... من <<العالم الثالث>> تتحدى, وبجرأة, حدود العوالم التي تعمل بداخلها سواء كان ذلك في الغرب أو في الشرق. وسمة <<الصعوبة>> هذه قد تكون العنصر الفيصل عند مؤيديها ومهاجميها على السواء فهي [أي الصعوبة] السبب في الإعجاب الشديد بذلك الأسلوب المتميز والدقيق في تطويع لغة ومنهجية <<الآخر>> وهي السبب أيضا  في السخط على ذلك الأسلوب الذي يخرج باستمرار على طرائق الكتابة الأكاديمية خروجا  محرجا  للقارئ الذي تعود على الصياغة الأكاديمية التي تبنى بناء متسقا يؤدي في النهاية إلى <<الحقيقة>>(29).

ولعل مصدر الصعوبة الأساسي لدى هذا الثلاثي ما بعد الكولونيالي هو ذلك المنطلق أو الأساس الفكري, المستمد من مصادرهم ما بعد البنيوية الفرنسية, الذي يقضي بتدعيم أهمية الدال على حساب أهمية المدلول وتمثيل ذلك في الكتابة التي يكون تركيبها مصطنعا  إلى حد   بعيد, حيث يسود اللعب على الألفاظ, واللحن أو استخدام الكلمات في غير ما و ضعت  له, والمعاني المزدوجة, والاشتقاق الجريء, ومختلف ضروب الغموض والإبهام والالتباس, وحيث لا يكون مصدر الصعوبة مقتصرا  على الأسلوب وحده, بل يتعداه إلى تلك الرغبة الجدية بتحدي الأفكار التي تحكم الطريقة التي نقرأ بها.

إزاء الصعوبة ومصادرها, وإزاء فكر بابا عموما , وجدتني - في ترجمتي موقع الثقافة - أترجح بين رؤيتين إلى الترجمة لا أريد أن أحسم بينهما نظرا  للفوائد التي قدّر لكل  منهما أن تمنحها لتجربتي وللقارئ تاليا . تتمثل الرؤية الأولى فيما يراه آلن باس, مترجم كتاب ديريدا الكتابة والاختلاف إلى الإنجليزية, من أن   كثيرا  من المترجمين غالبا  ما يحاولون استخدام لغة هي بمثابة تسوية بين اللغة المنقول إليها كما هي معروفة وهذه اللغة ذاتها كما يرغبون أن تكون بحيث تتمك ن من استيعاب ما يعترضهم من مشاكل ترجمية وتلتقط أقصى ما يمكن التقاطه من النص  الأصلي. غير أن لغة الترجمة القائمة على التسوية هذه لا تكون قابلة للفهم إلا من قبل أولئك الذين يقرؤون الترجمة مع النص  الأصلي. ولذا, فإن  باس يختار أن يترجم إلى اللغة كما هي معروفة, بما يعني في بعض الأحيان إعادة ترتيب وتقطيع بعض الجمل الطويلة, وقبول ضياع بعض اللعب على الألفاظ, والتعليق على بعض الأمور, إلخ. وهو يرى أن   هذه المصاعب العملية مرتبطة بمسألة الدالول اللغوي ذاته. فهل يمكن لأية ترجمة أن تدل  على الشيء ذاته كما النص  الأصلي? إلى أية درجة يكون لعب الدواليل - اللعب على الألفاظ, واللعب الأسلوبي - حاسما  بالنسبة لما يدل  عليه النص?(30)

والحال, أن   جاك ديريدا نفسه كان قد تطرق لهذه المسائل في مقابلة مع جوليا كريستيفا نشرت  في كتابه مواقع بعنوان <<السيميولوجيا والغراماتولوجيا>>. وصلب الموضوع, بحسب ديريدا, هو ذلك المفهوم الموروث الذي مفاده أن   الدالول (sign) يتألف من دال  (signifier) (أو جزء حسي) ومدلول (signified) (حامل للمفهوم أو المعنى), حيث لم يكف  تاريخ الميتافيزيقا عن أن يفرض على السيميولوجيا (أو علم الدواليل) أن تبحث عن <<مدلول متعال>>, أي عن مفهوم مستقل عن اللغة, من عالم آخر, مشتق  غالبا  من النموذج اللاهوتي الخاص بحضور الله. غير أن  ديريدا يرى, على الرغم من ذلك, أننا حتى لو تمكنا من تبيان أن   التقابل الموروث بين الدال والمدلول هو تبادل مبرمج من قبل الرغبة الميتافيزيقية, بمعنى أنه متعال , فإن   ذلك لا يعني أن   بمقدورنا أن نهجر هذا التقابل ببساطة بوصفه مجرد وهم أو ضلال تاريخي. يقول ديريدا (على النحو الذي بد لنا فيه بعض الشيء من ترجمته العربية بمقارنتها مع الترجمة الإنجليزية):

إن   كون هذا التقابل أو هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون جذريا  ومطلقا  لا يحول بينه وبين الاشتغال أو حتى بينه وبين أن يكون ضروريا  لا غنى عنه ضمن حدود معينة هي حدود جد  واسعة. وعلى سبيل المثال, فإن   ما من ترجمة يمكن أن تكون ممكنة من دونه. والواقع أن   الثيمة المرتبطة بمدلول  متعال  قد تكونت في أفق قابلية للترجمة نقية, وشفافة, لا لبس فيها ولا إبهام. غير أن   الترجمة, ضمن الحدود التي تبدو فيها ممكنة , تمارس الاختلاف بين المدلول والدال. وبما أن   هذا الاختلاف لم يكن نقيا  أبدا , فإن الترجمة, مثله, لا تكون أكثر نقاء . ولذا ينبغي أن نحل  محل فكرة الترجمة فكرة التحويل: تحويل منظم للغة إلى لغة أخرى, وللنص  إلى نص  آخر. فنحن لسنا, ولم نكن أبدا  في الحقيقة, إزاء <<نقل>> من أي نوع لمدلولات نقية - سواء من لغة إلى لغة أو ضمن اللغة الواحدة - مدلولات تترك  عذراء لا تمس ها أداة التدليل أو <<حامله>>(31).

وإزاء رأي ديريدا الذي يستند إليه باس في رؤيته أن   على المترجم أن يكون متأكدا  من أنه قد فهم تركيب النص  الأصلي ومفرداته كيما يتيح  للغته القيام بعمل التحويل, وأن   هذا يغدو أسهل وأيسر إذ  يطيع المترجم تقييدات لغته ويخضع لها, وأن   إجبار المترجم لغته على أداء أشكال غير معتادة قد يكون مرده عدم إحاطته بالنص  الأصلي وليس صعوبة هذا الأخير, إزاء كل  ذلك ثمة رأي ثان  يمثل له ما عبر عنه كمال أبو ديب في تقديمه ترجمة الاستشراق لإدوارد سعيد.

فالمعنى الأساسي للترجمة, عند كمال أبو ديب, هو تمثيل النص  المترجم في لغة  قادرة على تجسيد خصائصه البنيوية الكلية, وليس رسالته الفكرية وحسب, بعد أن يكون المترجم قد قام, بالطبع, بـ تمثل كل  ذلك تمثلا  مدركا . ومن هنا تنبع ضرورة مقابلة اللفظة باللفظة, والتركيب بالتركيب, والجملة بالجملة لا دلالة  فقط, بل صيغة  أيضا , وبصورة تحقق شروط الإيجاز والاطراد والكثافة في العلاقات, أي قدرة اللغة على التعامل مع النص  الأصلي دون أن تتحول إلى شرح عليه أو تبسيط له, ودون أن تقع في المغايرة الدائمة من سياق إلى سياق للألفاظ التي تستخدمها لتمثيل لفظة أجنبية واحدة. وهذا ما يقتضي, في عرف أبو ديب, الجرأة, والابتكار, والمغامرة باستخدام اللغة لا باعتبارها وجودا  نهائيا  مقدسا  لايمس , بل بوصفها عملية مستمرة من التوليد الاصطلاحي, أو من الاصطلاح التوليدي. أيهما. وآية ذلك كله, كما سبق القول, هو أن التمثيل إخلاص للنص  الممثل الذي لا يجسد فكرا  وحسب, أو طريقة في معاينة العالم فقط, بل يجسد أيضا  طريقة  في التعامل مع اللغة, أو بنية فكرية ثقافية تتحد فيها فاعلية بنية اللغة بفاعلية العقل الفردي المبدع. وبذا تكون مهمة المترجم هي تمثيل حصيلة الفاعليتين (أي النص) في اللغة التي ينقل إليها. أما غاية ذلك, فضلا  عن تجسيد بنية الفكر المنشئ, فهو الإسهام في توسيع بنية اللغة المنقول إليها, لأن   ما نحتاج إليه هو التفجير وليس حشر كل شيء في البنية القائمة (بشرحه وتبسيطه, وتحويله إلى ما يمكن أن يقال مباشرة).(32)

ومع أن   المقام لا يتسع لمناقشة نظرية مفصلة لهذين الرأيين, فإن   من الممكن القول أنني اخترت, بين التمثيل المخلص للنص  الممثل والتحويل الذي لا ينقل أية مدلولات عذراء نقية, أن أقطن فضاء  ثالثا  يزيل ما بينهما من استقطاب أو ثنائية, في تلك المنطقة من عدم قابلية الترجمة التي تولد منها إمكانية الترجمة, بحيث أقدم للقارئ أقصى ما يمكن من الأمانة وأقصى ما يمكن من قابلية الفهم في آن  معا . وإذا ما كنت أكرر هنا مفردات بابا ومصطلحاته, فلأنني أرى أن العيش على الحدود, في الفضاء الثالث, أمر ضروري حين يتعلق الأمر بكل ما يدفع المعرفة والثقافة قدما  وييسرهما. بخلاف ما يكون عليه الحال حين يتعلق الأمر بضرب  من الفضاء الثالث الذي يصون منظومة التناقض القائمة ويدفع إلى استساغة العيش في إطارها بدلا  من الإطاحة بها, كما يفهم من بابا في بعض الأحيان.

* بابا, أستاذ الأدب الإنجليزي والفن  في جامعة شيكاغو, وعضو الهيئة الاستشارية في معهد الفن  المعاصر وعضو هيئة المديرين في المعهد الدولي للفنون البصرية, وكلاهما في لندن. بابا, الأستاذ الزائر في عدد من الجامعات الدولية, والموصوف بأنه واحد من بين العشرين مفكرا  الأبرز في حقبتنا هذه. وبابا, مؤلف موقع الثقافة (روتلدج 1994) ومحرر الأمة والسرد (روتلدج 1990), وكلاهما كان لهما نفوذ واسع ورفيع في تحديد ما تعنيه الدراسات الكولونيالية والثقافية, وفي رسم آفاق النظرية المعاصرة, مما يقتضي من القارئ أن يستنهض كل  الطاقة على الفهم والاستمتاع, وكل القدرة على القراءة النقدية أيضا .

هوامش مقدمة المترجم:

1 - أوردت ذلك سامية محرز في تقديمها لترجمة مقالة غاياتري سبيفاك <<دراسات التابع, تفكيك التأريخ>>, ألف: مجلة البلاغة المقارنة, العدد 18, 1998, ص 122-156.

2 - جيمس صيداوي, <<جغرافيا ما بعد الاستعمار: بحث استطلاعي>>, ترجمة أسعد حليم, الثقافة العالمية, العدد 108, سبتمبر- أكتوبر 2001, ص 52-77.

3 - تيموثي ميتشل, <<مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة>>, ترجمة بشير السباعي, ألف: مجلة البلاغة المقارنة, العدد 18, 1998, ص 100-121.

4  -  (Translator translated: interview with cultural theorist Homi Bhabha. by

                 W.J.T. Mitchell)). Artforum V.33. n.7 (March. 1995): 80-84.

5 - إنجيل مرقس 7: 18-23.

6 - Balachandra Rajan. ((Review of The Location of Culture)). Modern

     Philology. V. 95. n.4 (May. 1998): 490-500.

7 - انظر, محسن جاسم الموسوي, <<مواجهات إعجاز أحمد الثقافية>>, ألف: مجلة البلاغة المقارنة, العدد 18, 1998, ص 80-99.

8 - ((Translator translated)).

9-  - ((Translator translated)).

10 - مصطلح التابع يعود إلى المفك ر الماركسي الإيطالي الشهير غرامشي الذي يشير به إلى العمالة الريفية والبروليتاريا, في حين تستخدم جماعة دراسات التابع هذا المصطلح للإشارة إلى القطاعات الواقعة خارج الصفوة الهندية, خاصة  الريفية منها.

11 - غاياتري سبيفاك, <<دراسات التابع, تفكيك التأريخ>>. ورد سابقا .

12 - Translator translated>>.

13 - المصدر السابق.

41 - Tim Wood. ((Review of The Location of Culture)). British Journal of

      Aesthetics. V.35. n.3 (july. 1995): 292-293.

15 - تيموثي متيشل, مصدر سابق.

16 - جيمس صيداوي, مصدر سابق.

17 - ((Translator translated)).

18 - راسل جاكوبي, نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة, ترجمة فاروق عبد القادر, سلسلة عالم المعرفة (269), المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت, مايو 2004, ص 78.

19 - Amorhini.J.Sahay ((Review of The Location of Culture))  College

                               Literature  V.33  n.1 (Feb 1996): 227-232.

20 - تنقل ماري تريز عبد المسيح هذا الانتقاد لبابا عن بنيتاباري. انظر: ماري تريز عبد المسيح, <<الترجمة الإنماء خطاب عابر للثقافات>>, نزوى, العدد 20, ص77-86.

21 - محسن جاسم الموسوي, مصدر سابق.

22 - المصدر السابق.

23 - تيري إيغلتون, أوهام ما بعد الحداثة, ترجمة ثائر ديب, دار الحوار - اللاذقية, 2000, ص 17-18.

24 - Nigel Cibson ((Thoughts about doing Fanonism in the 1990s))  College

                                   Literature V.26  n.2 (spring 1999): 96-97.

25 - تيري إيغلتون, مصدر سابق, ص 113.

26 - المصدر السابق, ص 115, 117-118.

27 - ((Translator translated)).

28 - انظر <<مقدمة المترجم>> التي وضعها كمال أبو ديب لترجمته الاستشراق لإدوارد سعيد, مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت 1981- ص9.

29 - سامية محرز, مصدر سابق.

30 - Translator s Introduction>>  in Jacques Derrida Writing and Difference

           translated and introduced by Alan Bass Routledge and Kegan Paul

                                                      London 1981 pp xiv-xv.

31 - جاك ديريدا, مواقع, ترجمة وتقديم فريد الزاهي، دار توبقال للنشر – الدار البيضاء 1992، ص 24.

32 – كمال ابو ديب، المصدر السابق ص 10 – 12 ، 14.


تصميم الحاسب الشامل