|
|||||
|
هذا هو النسيان هذا هو النسيان حولك : يافطات توقظ الماضي, تحث على التذكر. تكبح الزمن السريع على إشارات المرور, وتغلق الساحات /
تمثال رخامي هو النسيان . تمثال يحملق فيك: قف مثلي لتشبهني. وضع وردا على قدمي /
أغنية مكررة / هو النسيان . أغنية تطارد ربة البيت احتفاء بالمناسبة السعيدة , في السرير وغرفة الفيديو, وفي صالونها الخاوي ومطبخها/
وأنصاب هو النسيان . أنصاب على الطرقات تأخذ هيئة الشجر البرونزي المرصع بالمدائح والصقور/
ومتحف خال من الغد, بارد , يروي الفصول المنتقاة من البداية هذا هو النسيان : أن تتذكر الماضي ولا تتذكر الغد في الحكاية
ابتداء من ديوان (لماذا تركت الحصان وحيدا) الصادر عام 1995م كشف الشاعر محمود درويش عن مرحلة تحول جديدة في تجربته الشعرية مما عبر عن حيوية هذه التجربة, وقدرتها على التجديد والتطور دون أن تتخلى عن مستوى التجريب في بنية القصيدة الايقاعية, وعن غنائيتها المميزة باستخدام الفعل المضارع المسند الى ضمير المتكلم في الخطاب الموجه الى الآخر لضمير المخاطب المؤنث أو المذكر, عن هذا التحول أو التجديد في شكل القصيدة, وأدواتها وسماتها الأسلوبية والتعبيرية قد دلل على تحول في الرؤية الجمالية, والفكرية عند الشاعر الذي أخذ يتحول باتجاه الدخول في تفاصيل الحياة اليومية, ووقائعها ومشاهدها ورغباتها من دون أن يفصل الذات الشعرية في الخطاب عن علاقتها بالذات الجمعية, بل نراه ينتقل في نفس الخطاب من ضمير المتكلم المفرد الى ضمير الجماعة تعبيرا عن تداخل هذه المستويات وتوحدها وجودا وقضية, رؤية وواقعا في بؤرة الخطاب الشعري ومرجعياته. لا شك أن دراسة تجليات هذا التحول تستدعي قراءة أعماله الأخيرة, لا سيما على مستويي الحوار الخارجي بين قصيدته والمرجعيات الدينية والاسطورية المختلفة التي يتجلى تناصه الخطي معها مما شكل إثراء فكريا واضحا لقصيدته, والحوار الداخلي المتمثل في علاقة قصيدته التالية مع قصائده السابقة, وهو ما يعرف بالتناص الداخلي. بالإضافة الى طبيعة توالد القصيدة وتناميها من الداخل. وقد لاحظنا في أغلب أعماله الأخيرة ان الشاعر بات يميل الى القصيدة القصيرة, وإلى ما يعرف بالقصيدة المدورة. في ديوانه الأخير- لا تعتذر عما فعلت- يستوقف العنوان القارئ باعتبار أن العنوان يشكل صلة الاتصال الأولى بين القارئ والعمل وهو يمثل في شعرية الموضوع مرسلة توازي وتختزل العمل, نظرا لكون العنوان يخترق نصوص العمل, ويخلق نواة بنية دلالية كبرى وأولية, ومع أن عنوان العمل مأخوذ من النصوص الداخلية اذ يشكل عنوان احدى القصائد, فان انتخابه لكي يمنح العمل هويته واسمه ينطوي على مقاصد دلالية, تحاول أن تكون بمثابة بؤرة دلالية, تخترق وتكثف مضمون التجربة في هذا العمل. من هنا فان قراءة العنوان في صيغته النحوية يكشف عن استخدام الشاعر لأداة النفي في مطلع الجملة الأولى التي تتألف من فعل مضارع تليها جملة أخرى بصيغة الفعل الماضي وبذلك فان الصياغة تنطوي على نفي الاعتذار راهنا عن شيء حدث في الماضي كما ان صيغة الخطاب تتحرك بين ضمير متكلم مفرد وضمير مخاطب غائب, لا يمكن معرفته إلا بعد قراءة نصوص الشاعر مما يجعل العنوان يحيل مرة أخرى الى داخل العمل. تتوزع قصائد الديوان على عنوان داخلي رئيسي هو - في شهوة الايقاع- بينما تمثل القصائد الخمس الأخيرة عناوين متفرقة الأمر الذي يدل على أن القصائد التي تتجاوز الخمس والاربعين قصيدة وهي تشغل مساحة ثلثي الديوان يجمعها مناخ شعري واحد وتلتقي على مستوى التجربة إذ تمثل حالات مختلفة او مشاهد متعددة تتكامل في مشهدية واسعة الطيف فهي تنفصل وتتصل في الآن معا ويمكن استجلاء ذلك حتى على مستوى الخطاب الشعري الواحد كما هو الحال في قصيدته الأولى- يختارني الايقاع- والتي يمكن ان تشكل اضاءة هامة للمضمون الدلالي للعنوان الداخلي الرئيسي لأنه يحدد مضمون العلاقة بين الشاعر والايقاع/ القصيدة وبين التجربة ومرجعياتها وطبيعة حضور الذات في هذه التجربة: يختارني الايقاع يشرق بي أنا رجع الكمان ولست عازفه أنا في حضرة الذكرى صدى الأشياء تنطق بي فأنطق.... ص15 يختار الشاعر محمود درويش عناوين قصائده من النص الشعري نفسه فهو يمثل الجملة الافتتاحية في كل نص وبذلك يتوحد النص مع العنوان ويغدو بؤرته حيث تؤسس الجملة الافتتاحية للخطاب لتأتي النهاية مستكملة للمعنى فيه ولذلك فان قراءة دلالات العنوان الرئيس لا تتكشف إلا في ضوء قراءة القصيدة التي تحمل نفس العنوان لأن الضمير المخاطب غير المحدد فيه هو في القصيدة الآخر الشخصي او الذات الأخرى للشاعر في انقسام الذات عنده الى ضمير مخاطب وضمير متكلم في لعبة القناع التي تفصح عن المخزون الذي شكل ذاكرة الآخر وعن اختلاف الشهود حول حقيقة هويته التي لا تستطيع تأكيدها وتحديد مساراتها إلا الأم مما يدفع الذات المتكلمة الى دعوة الذات الشخصية الأخرى للاعتذار الى هذه الأم وحدها التي تحمل دلالات رمزية للوطن/ الأم: لا تعتذر عما فعلت- أقول في سري أقول لآخري الشخصي ها هي ذكرياتك كلها مرئية ضجر الظهيرة في نعاس القط عرف الديك/ عطر المريمية/ قهوة الأم **** أنا الأم التي ولدته لكن الرياح هي التي ربته قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك! ص25- 26 المخيلة الخصبة, وثيمات الخطاب: ما يميز تجربة الشاعر محمود درويش هو تلك المخيلة الخصبة والثرية على الرغم من كون المعجم الشعري محكوما بالعديد من المفردات التي يتكرر استخدامها في خطاباته الشعرية المختلفة وقد شكلت هذه المخيلة أداة توليد غنية للصور الشعرية بعد ان بات الشاعر يركز في تجربته على الصورة الشعرية كوسيلة تعبير وإيحاء بصرية وجمالية تخلق الدهشة والتأثير المباشرين عند المتلقي. في التصدير الذي يفتتح به الشاعر ديوانه تتحدد فضاءات الخطاب عبر أشكال العلاقة مع الذات في توحدها وانقسامها ومع المكان الذي يشكل الحاضن الوجودي لتجربته اضافة الى العلاقة مع الآخر/ المؤنث ومع المكان أيضا حيث تمثل العلاقة مع المكان في الحالتين الاشكالية الوجودية المشتركة في هذه العلاقة ولهذا فان خطاب الشاعر في حركته وفي تمثله لسيرة الذات في بعديها الخاص والجمعي يقوم على وعي مأساوي بتاريخ هذه العلاقة مع المكان الأمر الذي يجعل حواراته مع الآخر/ الأنثى الذي يرمز له بالغريبة او الغريب يتركز حول ملكية هذه الأرض ودلالات علاقته الوجودية والروحية والتاريخية معها وهنا يعكس درويش إشكالية محنة الإنسان الفلسطيني في علاقته مع أرضه المسروقة منه بالقوة وبمحاولة القضاء عليه لكي يتفرد الغاصب بملكيتها. إن المكان كخزان للذكريات والصور الشعرية وكشرط للوجد لا يمكن أن ينفصل عن الزمان كبعدين يستدعي كل منهما الآخر في تجربة الشاعر أو الذات المتكلمة في الخطاب الشعري وهو ما يفصح عن نفسه من خلال المعينات المكانية والزمانية وأسماء الاشارة التي غالبا ما نجدها حاضرة في هذا الخطاب أو من خلال رفع المكان الى مستوى جمالي عال أي شعرنة المكان حيث برعت مخيلة الشاعر في توليد هذه الصور الجمالية المدهشة أو من خلال استحضار وتوظيف البعد الثقافي الديني والاسطوري لهذه الأرض في جدل الذات مع ذاتها وجدل الذات مع الآخر/ الغريب وفي جدل العلاقة بين المكان والزمان المتجلية في وعي الذات لذاته وادراك هويتها بعد هذه التجربة الدامية: كر وفر, كالكمنجة في الرباعيات أنأى عن زماني حين أدنو من تضاريس المكان **** سقط الحصان مضرجا / بقصيدتي وأنا سقطت مضرجا / بدم الحصان... ص38 واذا كانت اشكالية الوجود في هذه التجربة تتمثل في الانفصال على مستوى العلاقة بين المكان والزمان اللذين يمثلان شرطين لا يمكن لأحدهما أن يكون من دون الآخر بحيث يكشف ذلك عن الاختلال في معادلة الوجود فإن سمة الاغتراب داخل هذه الذات هي التي تميز الذات في تشظيها وفي حوارها الناقص مع ذاتها الأخرى تعبيرا عن المآل الذي انتهت إليه بعد هذا الضياع والموت والبحث الطويل عن الخلاص إلا أن التباين بين صيغة النفي التي يتضمنها البيت الشعري في تصدير الديوان تحت عنوان: توارد خواطر أو توارد مصائر والمستمدة من شعر أبي تمام ؛ولا الديار ديار« وبين صيغة اليقين المؤكد التي يعلن عنها الشاعر في قصيدته ؛إن عدت وحدك« يكشف عن مسافة التوتر في هذه التجربة المريرة والشاقة التي يعيشها الانسان الفلسطيني ولعل الاستخدام المكثف لحوار الذات مع ذاتها الأخرى يؤكد رغبة الشاعر في الاستماع الى صوته الخاص وفي نقل القضية من مستواها القومي الى مستواها الوطني للتخلص من ؛مكيدة اللامكان« كما يقول في نفس القصيدة وطالما أن الديار تبقى هي الديار حتى وان عاد إليها ناقصا قمرين ولهذا تشيع الثنائيات في قصائد الشاعر سواء على المستوى المكاني (هنا/ هناك, هناك/ هنا) أو على مستوى علاقة المكان مع الزمان في تجربة الانسان الفلسطيني التي يكثف معناها الجمالي والتاريخي على المستوى المكاني وما ستكونه هذه الذات في بحثها عن مكانها الأعلى والبعيد الذي يعلو على زمنها الكائن والمتحقق الآن: أنا ما أكون غدا / ولم أوقف حصاني إلا لأقطع وردة حمراء من بستان كنعانية أغوت حصاني ومضيت أبحث عن مكاني أعلى وأبعد ثم أعلى ثم أبعد/ من زماني ... ص44 تتجرد رؤية الشاعر من طابعها المثالي إلى الإنسان والحياة وتستمد من الرؤية الأسطورية القديمة التي تلغي التمايز بين الإنسان وعناصر الطبيعة مرجعية لها كما يتجلى ذلك في حوارية الشاعر مع هذه العناصر وتمجيده لها واستخدام الاستعارة التي تعمل على تشخيص هذه العناصر وبث الحياة فيها فهي شقيقتنا في الوجود لكن الشاعر لا يتوقف في رؤيته عند الاتحاد مع هذه العناصر بل يمد فضاء الرؤية لتجمع كل الثنائيات في رؤية جمالية ثرية لصورة المكان توحدها لحظة تتحد البداية والنهاية في سيرة وجود الانسان الفلسطيني الذي تستعيد فيه الحياة والأشياء والوجود معانيها الأولى التي ضاعت مع تحول البشرية من مجتمع الأمومة الى مجتمع الذكورة الذي عملت حضارته على تدمير الطبيعة والجمال واغتيال الروح في الإنسان: في مثل هذا اليوم في الطرف الخفي من الكنيسة في بهاء كامل التأنيث في السنة الكبيسة في التقاء الأخضر الأبدي بالكحلي في هذا الصباح وفي التقاء الشكل بالمضمون والحسي بالصوفي تحت عريشة فضفاضة في ظل دوري يوتر صورة المعنى وفي هذا المكان العاطفي سألتقي بنهايتي وبدايتي ... ص72 ويبشر الشاعر بمجيء هذا اليوم في قصيدة أخرى مبينا المعاني الجمالية العالية والخاصة التي ستميز هذا الحضور والتي ستجعل الإنسان يستعيد (رديف صفاته الأولى): سيجيء يوم آخر يوم نسائي شفيف الاستعارة كامل التكوين ماسي زفافي الزيارة مشمس سلس خفيف لظل لا أحد يحس برغبة في الانتحار أو الرحيل.... ص19 سمات الخطاب الأسلوبية: ينوع الشاعر درويش في السمات الأسلوبية للخطاب الشعري ويستخدم وسائل متعددة كتكرار الاستهلال كما في قصيدة (لبلادنا ص39) وقصيدة (لا راية في الريح ص35) وقصيدة (هو هادئ ص87) وقصيدة (ماذا سيبقى ص101) كما يستخدم الحشد التراتبي كما في قصيدة (الأربعاء, الجمعة السبت... ص19) وقصيدة (لا تعتذر عما فعلت... ص25) حيث يساهم التكرار في تعميق احساس المتلقي بالحالة وفي خلق بنية ايقاعية منتظمة في الخطاب في حين أن الحشد الترابي القائم على الاستطراد والتداعي في الكشف عن غنى الحياة وخلق متوالية ايقاعية سريعة كذلك يستخدم حشد التوصيف من خلال استخدام الأفعال المضارعة المتوالية. ويوظف الشاعر في خطابه أسلوب السرد والتقطيع المشهدي والحوار الدرامي وتعدد الأصوات وصيغة الراوي الغائب والتراكم المركب من خلال استخدام الأساطير وصور الطبيعة البدائية التي ترمز الى الجمال والعفوية والبساطة كما يلجأ الى استخدام الألوان وتوظيف دلالاتها الرمزية الموحية ويظهر التناص بأشكاله المختلفة الشعرية والأسطورية والدينية في قصائد الديوان تأكيدا للبعد الثقافي الذي يمنح هذه الأرض هويتها الثقافية التاريخية والروحية والتي بقدر ما شكلت حالة من الثراء والغنى والخصوبة فإنها أسهمت في تحقيق مأساة إنسان هذه الأرض: من سوء حظك أنك اخترت البساتين القريبة من حدود الله حيث السيف يكتب سيرة الصلصال في قصائد الشاعر الأخيرة ينفتح على أشكال وحالات وتجارب مختلفة ففي قصيدة (طريق ساحلي) يستخدم الشاعر شكل الكتابة العمودية وأسلوب تكرار كلمة البداية في المقطع الأول حيث يأتي المقطع التالي تعليقا على فكرة المقطع الأول أو تأكيدا لها أما في قصيدة (لا كما يفعل السائح الأجنبي) فإنه يستخدم السرد في وصف العلاقة مع المكان والبحث عن معانيه الحاضرة الغائبة في الأسطورة والواقع وصولا الى التوحد مع الطبيعة والأساطير لكنه في قصيدته (بيت من الشعر بين الجنوبي) يستعيد ذكرى الشاعر الراحل أمل دنقل مستخدما في مطلع القصيدة التقديم والتأخير للتأكيد على البعد الدلالي لهذه العلاقة مع الشاعر. وفي قصيدته (كحادثة غامضة) يتحدث عن زيارة الى بيت الشاعر التشيلي بابلونيرودا, وما ولده ذلك من تداعيات وأسئلة وتأتي قصيدة (ليس للكردي إلا الريح) المهداة الى الشاعر سليم بركات لتكشف عن توحد صورة الشاعر مع معاناة الإنسان الكردي الوجودية ولتستجلي صورة المشهد لتجربة تنتصر باللغة على الهوية وتنتقم من الغياب أيضا . وكما هي العادة في خطاب الشاعر فإن الجملة الاسمية الوصفية تمثل فاتحة أغلب قصائد الديوان مما يدل على اهتمام الشاعر برسم الصورة الشعرية الساكنة في البداية ليأخذ الخطاب فيما بعد شكل الحوار او السؤال او الطابع الدرامي أو المشهد المتحرك بين لحظات زمنية مختلفة وتحتل القصائد التي تبدأ بأداة نهي ونفي وجزم المرتبة الثانية تعبيرا عن نزوع الشاعر في حواره الداخلي او الخارجي الى تعديل مسار الرؤية من جهة والكشف عن سكونية المشهد القائم وحالة القلق والتوتر الناجمة عن بؤس اللحظة الراهنة وجوديا وإنسانيا اضافة الى التعبير عن توحد الذات مع المصير الذي اختارته خاصة وأن الشاعر يستخدم الاستعارة والمجاز ويوظف دلالاتهما في التعبير عن أفكاره ورؤاه التي يؤثث فيها ومعها فضاء قصيدته الجديدة. |
|||||
|
|||||