|
|||||
|
يعتبر ميكاييل باختين - الذي ظهر في النصف الأول من القرن الماضي - واحدا من الرموز المثيرة والغامضة في الثقافة الأوروبية. لكن سبب هذا الإعجاب الذي حظي به يرجع مصدره إلى غنى وأصالة أعماله الفكرية التي ليس لها مثيل في الثقافة الروسية خصوصا في مجال العلوم الإنسانية, لكن هذا الإعجاب يقترن كذلك بنوع من الدهشة لأننا ملزمون بأن نتساءل من هو باختين? وماهي الخصائص التي تميز تفكيره? وبما أن خصائص فكره لها أوجه متعددة فإن ذلك يجعلنا أحيانا نشك في نسبتها إلى نفس الشخص. لقد أثار فكر باختين اهتمام الجمهور, فمنذ سنة 1963, ثم إعادة طبع كتبه مع إدخال بعض التعديلات عليها, عندما ظهر كتابه حول دستويفسكي في طبعته الأصلية سنة 1929 منذ تلك المرحلة شد إليه الأنظار, لكن هذا الكتاب الرائع حول قضايا الشعرية عند دستويفسكي, لم يكن آنذاك يطرح مشاكل تتعلق بانسجامه ووحدته. يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام مستقلة لا يوجد بينها خط رابط, ويمثل الجزء الأول عرضا مفصلا لأطروحته حول العالم الروائي عند دستويفسكي من خلال مقاربة فلسفية, أما الفصل الثاني فيعالج موضوع الأنواع الأدبية الصغرى كالحوارات السقراطية والهجاء المينيبي القديم La ménippe و الإنتاجات الكرنفالية القروسطوية التي تمثل حسب باختين التراث النوعي الذي اعتمد عليه دستويفسكي, و آخيرا هناك القسم الثالث الذي يتكون من برنامج للدراسات الأسلوبية, معززا بتحليلات تطبيقية حول روايات دستويفسكي. بعد ذلك سيظهر له كتاب حول رابليه سنة 1965 (ترجم إلى الفرنسية سنة 1970) الذي يمكن أن نعتبره تتمة وامتدادا للفصل الثاني من كتابه حول دستويفسكي (ويمكن أن نعتبر هذا الجزء -منذ تلك المرحلة- بمثابة عرض مكثف لكتابه حول رابليه) لكن لا تجمعه أدنى علاقة مع الجزأين الآخرين اللذين يعالجان التحليل المفهومي/ الموضوعاتي والتحليل الأسلوبي, إنه كتاب تاريخي وصفي, كما أنه من جهة أخرى يفتقر إلى الحدوس الفلسفية التي نجدها في كتابه حول دستويفسكي, ولهذا نجد أن هذا الكتاب سوف يثير اهتمام المختصين حول قضايا مثل الثقافة الشعبية أو ما يعرف بالكرنفالية. في سنة 1973 ستحدث المفاجأة, ذلك لأن كثيرا من المثقفين الذين يعتبرون حجة مرجعية في الدراسات السوفييتية سيعلنون أن باختين هو المؤلف أو المؤلف - المساعد في تأليف ثلاثة كتب, ومجموعة من المقالات التي نشرت بأسماء مستعارة في روسيا مع نهاية سنوات العشرينيات (اثنان من هذه الكتب توجد مترجمة إلى اللغة الفرنسية هما الماركسية وفلسفة اللغة 1977, والفرويدية 1980). أما المقالات الأخرى فقد ترجمت ملحقة في كتابي الذي نشرته بعنوان <<ميكاييل باختين والمبدأ الحواري>> 1981 لكن هذه الوفرة في المراجع حول باختين, ستعمل على التقليل من دهشة القراء واستغرابهم, الذين يصعب عليهم أن يفهموا العلاقة التي تربط بين كتابه حول دستويفسكي وكتابه حول رابليه. إن النصوص التي ظهرت في العشرينيات, تقدم صورة مختلفة عن باختين, هي صورة ذلك الناقد المشاكس (المتأثر بالفكر السوسيولوجي والماركسي) وبعلم النفس واللسانيات البنيوية (أو غيرها) وبالدراسة الشعرية كما كان يطبقها الشكلانيون الروس. في السنة التي توفي فيها باختين (1979) سينشر قسم جديد من كتابه (قضايا الأدب والاستيتيقا) الذي لم ينشر من قبل, متضمنا لمجموعة من الدراسات يعود تاريخ صدور أغلبها إلى سنوات الثلاثينيات, ويعتبر هذا الكتاب بمثابة تكملة لأبحاثه الأسلوبية حول دستويفسكي, وتوطئة لدراسته الموضوعاتية حول رابليه (الذي سينتهي من تأليفه سنة 1940). وكان آخر الأسرار المثيرة (حتى حدود) 1979 ظهور جزء جديد من كتاباته غير المنشورة, أعدها ناشروه بعنوان <<جمالية الإبداع اللغوي>>, تتكون أساسا من كتابات باختين الأولى والأخيرة, مشتملة على عمل ضخم يتضمن النصوص السابقة عن مرحلة الاتجاه السوسيولوجي, مع هوامش وتعليقات كتبت خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياته. ولقد عمل نشره لهذه المختارات من مؤلفاته على توضيح كثير من القضايا الغامضة, لكن بعضها الآخر يزداد غموضا أمام صورة باختين التي نعرفها. سيضاف إليها صورة أخرى عنه هي صورة الباحث الفينومينولوجي والفيلسوف الوجودي. يطرح فكر باختين مشكلا, وهذه مسألة لاريب فيها, لأن الأمر لايقتضي منا أن نفرض عليه بطريقة اعتباطية وحدة وانسجاما لايوجدان في كتاباته, لكن المطلوب هنا هو أن نجعل كتاباته مفهومة وذلك مسعى مختلف. ومن أجل أن نتقدم أكثر في هذا الاتجاه علينا أن نعود إلى الوراء من أجل أن نجد جوابا عن هذا السؤال كيف يمكننا أن نموضع باختين في سياق التطورات الايديولوجية التي عرفها القرن العشرين ? إن الصورة التي تحضر للوهلة الأولى : هي صورة ذلك المنظر ومؤرخ الأدب, لكن في المرحلة التي أصبح فيها اسمه حاضرا في الحياة الثقافية الروسية. نجد أن المشهد الثقافي كان يتصدره في مجال البحث الأدبي مجموعة من النقاد واللسانيين والكتاب الذين سبق لنا أن تعرفنا عليهم من قبل والذين ينعتون بالشكلانيين (بالنسبة إلينا نسميهم <<الشكلانيون الروس>>) لقد كانت تربطهم بالماركسية علاقة مبهمة. ولهذا لم يكونوا يهيمنون على المؤسسات الرسمية, لكن قيمتهم العلمية, وجدارتهم لاينازع فيها أحد, ومن أجل تحديد موقع باختين داخل النقاش الأدبي والجمالي في تلك المرحلة, يجب أن نحدد موقعه من خلال علاقته بالشكلانيين. وسوف يقوم باختين بهذا الدور مرتين, الأولى في مقاله الطويل الذي نشره لأول مرة سنة 1928 في مجلة Voprosy (1975) وبــعد ذلك في كتابه <<المــنهج الشــكلي في الدراسات الأدبية>> (1928) الذي نشر باسم مادفديف .P. Madvede إن الملاحظة الأولى التي يوجهها باختين للشكلانيين, هي أنهم لايعرفون ما يصنعون, لأنهم لم يتساءلوا حول الأسس المعرفية والفلسفية التي يقوم عليها منهجهم, وهذا النسيان لايتعلق بسهو مجاني, لأن الشكلانيين يلتقون في ذلك مع كل أصحاب النزعة الوضعية, الذين يعتقدون أن غرضهم هو تطبيق العلم والبحث عن الحقيقة, ويتناسون أنهم يعتمدون على فرضيات اعتباطية. وسيتولى باختين نيابة عنهم مهمة التفسير, وذلك من أجل أن يرفع من مستوى السجال الفكري. إن المنهج الشكلاني كما يقول باختين هو الدراسة الاستيتيقية للمادة حتى لاتختزل قضايا الإبداع الجمالي داخل أسئلة اللغة, ولهذا نجد الشكلانيين يعطون أهمية لمفهوم اللغة الشعرية, و الاهتمام بالطرائق Procédés مهما كان نوعها, لكنهم لم ينتبهوا إلى دور العوامل الأخرى التي تصنع العمل الإبداعي, كالمضمون والعلاقة مع العالم والشكل عندما ينظر إليهما من زاوية المؤلف, والانتقاء الذي يقوم به المتكلم للضمائر التي تحيل إلى أشخاص محددين في اللغة. إن المفهوم المركزي للدراسة الجمالية يجب أن لايقتصر على مادة البناء فقط. بل أن يشمل كذلك المعمار أو بنية العمل الأدبي عندما ينظر إليهما كملتقى تتقاطع فيه المادة والشكل والمضمون. لاينتقد باختين التعارض الحاصل بين الفن واللافن (non art) أو بين الشعر والخطاب اليومي, وإنما يهتم أساسا بالموقع الذي حاول الشكلانيون أن يضعوه فيه أي بالخصائص المحددة للبويتيقا, التي لاترجع إلى اللغة وعناصرها فقط, بل إلى أبنيتها الجمالية حسب ما ذكره مادفديف ص 115) مضيفا أن موضوع علم البويتيقا يجب أن يكون هو بناء العمل الأدبي ص141. لكن الشعري والأدبي لايعرفان بطريقة مختلفة إلا عند الشكلانيين <<في الإبداع الأدبي نجد أن الملفوظ لم يعد مرتبطا بالموضوع, كما أن الموضوع لم يعد له علاقة بالملفوظ, أو مع علاقته بالفعل [.....] إن واقع الملفوظ كذلك لايخدم هنا أي واقع آخر>>.ص172. لا ينصب نقد باختين للشكلانيين الروس للإطار الجمالي الرومانطيقي الذي تأثروا به, بل نجده لاينتقد موقعهم <<الشكلاني>>, وإنما غلو نزعتهم المادية, ولهذا يمكننا أن نعتبر باختين <<شكلانيا>> أكثر منهم. إذا أضفنا معنى جديدا للشكل, كتفاعل ووحدة بين مختلف العناصر المكونة للعمل الأدبي. إن المعنى الجديد هو الذي كان يبحث عنه باختين بإدخاله مترادفات قيمية <<كالمعمار>> أو <<البناء>> وما ينتقده أساسا هو الجانب غير الرومانطيقي عند الشكلانيين أي القول (بجمالية المادة) الذي يلتقي كثيرا مع البرنامج الذي صاغه ليسينغ Lessing في Laocoon الذي يجعل خصائص الرسم والشعر <<مستخرجة من مادتهما>>. وبذلك يكون ليسينغ Lessing قد استعاد التقليد الأرسطي من خلال وصفه <<للطرائق>> المعزولة كالصور البلاغية والمفاجئ من الأحداث, والاعتراف, وكذلك الأجزاء والعناصر المكونة للتراجيديا. تتمثل مفارقة الشكلانيين وأصالتهم كذلك, في تطبيقهم للمفاهيم الأرسطية انطلاقا من مسلمات الايديولوجية الرومنطقية, ولقد أعاد باختين من جديد وضع المذهب الرومانسي الخالص عندما اهتم جوته Goethe بنفس المجموعة النحتية Sculpturel عند Laocoon فإنه بذلك العمل يضع مفاهيم العمل الأدبي -الوحدة والانسجام- كبديل عن القواعد العامة للرسم والشعر الذين كان يحبهما ليسينغ, إننا نبقى أمناء لتفكير شلينغ Schelling وأتباعه عندما ننظر إلى العمل الفني كملتقى للذاتي والموضوعي, للمفرد والكوني, للإرادة وشرط الإكراه, للشكل والمضمون, إن الجمالية الرومانطيقية تعمل على تثمين المحايثة limmanence وتبخيس التعالي, وبذلك لاتعير أهمية كبرى للعوامل عبر-النصية transtextuelle مثل الاستعارة أو القافية أو طرائق الكشف. لقد كان باختين محقا عندما عاب على الشكلانيين جهلهم لفلسفته. أما فلسفته هو فقد كانت واضحة المعالم, إنها فلسفة الرومانطيقيين. وهذا الانتماء لايعتبر في حد ذاته عيبا. لكنه مع ذلك يحد من أصالة موقفه. إننا لن نتسرع في الوصول إلى نتيجة ما. ومع ذلك فإن الأمر يتعلق هنا بنصين ينتميان إلى العشرينيات من القرن الماضي, بالرغم من أن باختين لم يقطع صلته مع الجمالية الرومانطيقية (خصوصا في نظريته حول الرواية) و لا يمكن أن نختزل فكره فقط في هذه النظرية بل أن نتجاوز ذلك إلى الإشكالية المرتبطة بالأسس الجمالية العامة, التي تبدو وكأنها هامشية, وهذا موضوع آخر نكتشفه اليوم والذي يعتبر منذ بداية العشرينيات حتى وفاة باختين من القضايا المركزية والخصوصية التي كان يهتم بدراستها, لأنه يرتبط بمسألة جمالية واحدة, كما أنه موضوع عام لأنه يتجاوز كثيرا موضوع علم الجمال بالمعنى الحرفي, ويتعلق الأمر هنا بالعلاقة التي تربط بين المبدع والكائنات التي يخلقها, أو كما يقول باختين تلك العلاقة التي تجمع بين المؤلف والشخصيات, لأن معرفة هذه العلاقة ستكون مفيدة في الكشف - وهذا نادرا ما يقع في مسيرته الثقافية - عن انقلاب نوعي في أفكار باختين حول هذا الموضوع. يوجد موقفه الأول في كتابه الذي اكتشف مؤخرا, والمخصص أساسا لدراسة هذه المسألة, حيث يؤكد فيه أن الحياة لايكون لها معنى ولاتتحول إلى عنصر ضروري للبناء الجمالي إلا عندما ينظر إليها من الخارج ككل, بمعنى آخر يجب أن يدمج ذلك داخل أفق شخص آخر. وبالنسبة للشخصية نقصد بها الشخص الآخر, أو الكاتب, أو ما يسميه باختين بالموقع المغاير للكاتب Lexotopie, إن الإبداع الجمالي هو إذا مثال خصوصي متحقق من خلال العلاقات الإنسانية. (حيث يوجد شخصان, أحدهما يتضمن كليا الشخص الآخر, وبذلك يتحقق اكتمال وتحقيق المعنى, هذه العلاقة غير المتكافئة بين ما هو خارجي وما هو فوقي, والتي تعتبر شرطا ضروريا في العملية الإبداعية تتطلب حضور عناصر <<مخربة>> كما يقول باختين, أي أنها خارجة عن الوعي كما ي ف ك ر فيه من الداخل, لكنها تبقى ضرورية في بنائه ككل لايتجزأ. تلك العلاقة اللامتكافئة التي لايتردد باختين في وصفها من خلال الرجوع إلى تشبيه بليغ عندما يقول : إن خلود الفنان رهين باستيعابه للموقع المغاير Extopie العلوي (الاستيتيقا ص 166 التشديد من عندي). لاينكر باختين أنه هنا يقدم لنا معيارا ولايهمه المعطى الواقعي, كما أن بعض الكتاب مثل دستويفسكي ينسون هذه القاعدة الجمالية لأن العلاقة الفوقية تعتبر ضرورية بالنسبة للمؤلف اتجاه الشخصية, حتى تمنح الشخصية قوة تتجاوز قوة المؤلف. وبذلك يهتز عكسيا موقع المؤلف حتى يصير شبيها بموقع الشخصية عندما يكون أمام مواقف خاصة أو حقائق مطلقة, وخطأ هؤلاء الكتاب أنهم يضعون المؤلف والشخصية معا في نفس المستوى, وهذا الموقف له عواقب كارثية لأنه لاتوجد حقيقة مطلقة (عند المؤلف) أو حقيقة خاصة بالشخصية. هناك فقط مواقف نسبية وليس هناك ضرورة للمطلقات. في أحد الكتابات التي نشرها بولشينوف Volchinov سنة 1926. نكتشف أن الموقف الذي يتخلى عن الإيمان بالمطلق يمثل خاصية (غير مرغوب فيها) في المجتمع الحديث, بمعنى آخر أننا لانقدر على أن نقول شيئا موثوقا فيه, ومن أجل الكشف عن هذه الشكوك علينا أن نحتمي بأشكال مختلفة من الشواهد, لأننا لانتكلم إلا بواسطة مزدوجتين. مثل هذه الحاجة إلى <<المواقع المغايرة>> تعتبر تقليدا <<كلاسيكيا>> فالإله ما زال يوجد بالتأكيد في مكانه, وعلينا أن لانخلط بين الخالق ومخلوقاته لأن التراتبية بين مستويات الوعي تعتبر راسخة, كما أن الموقع الفوقي للمؤلف يسمح له بأن يحكم بكل ثقة على شخوصه, لكن هذا الرأي سيتراجع عنه باختين, حيث سيتأثر في مسيرته العلمية بالمثال النقيض الذي عبر عنه دستويفسكي (حسب الصورة التي تقدم عنه) والذي يمثل كتابه الأول (الذي نشر سنة 1929) تنويها بالمسار الذي أدانه من قبل. فبدلا من أن يثبت موقفه السابق الذي يخدم قانونا جماليا عاما, فإنه يتحول إلى ميزة تعبر عن وضع خاص يوجزه باختين من خلال مصطلح (المنولوجية). وبهذا التحريف لدستويفسكي يتم احتواء <<الحوارية>> باعتبارها في نفس الآن رؤية للعالم وأسلوبا في الكتابة, والتي من خلالهما سيعمل في مرحلة لاحقة على الكشف عن أهميتها. في المرحلة السابقة عندما كان يلح على التوازي بين الشخصيات والمؤلف وأفضلية هذا الأخير, نجد باختين يعيد تكرار القول بأن كتابات (دستويفسكي) تظهر صوت الشخصية لتبنيها بنفس الطريقة التي تبنى بها الشخصية كما في الرواية العادية) (1963 ص 7-8) أي أن ما كان يقوم به المؤلف أصبحت الشخصية تقوم به الآن وبذلك لم يعد المؤلف يمتلك أهمية بالمقارنة مع الشخصية. كما أنه لايوجد أي فائض دلالي يميز بين رؤيته لهما,بناء على نفس الحقوق المتكافئة. ترتبط أفكار دستويفسكي المفكر, في علاقة حوارية مع باقي الصور الفكرية الأخرى <<على قدم المساواة>> كما قال بوبر Buber وهذا ما أكده من قبل باختين. لقد كان دستويفسكي أول من استوعب العلائق بين المؤلف والشخصية كعلاقة من نوع (أنا- أنت) بدلا من (أنا - ذاك). لقد أصبحت الإحالة إلى المطلق Labsolu أي إلى الحقيقة التي كانت تقوم عليها الرؤية السابقة موقفا مرفوضا. لقد كتب باختين (ان التمثيل الفني للفكرة ليس ممكنا إلا عندما تكون هذه الفكرة أو تلك بعيدة عن ثنائية التأكيد والنفي, ودون أن نلحقها بالتجربة السيكلوجية) ص106. فالرواية النموذجية لا تعرف إلا حالتين : الأولى إما أن تكون الأفكار مسبوكة تبعا لمضمونها, وبذلك تكون إما صحيحة أو خاطئة, وإما أن ينظر إليها كعلامات تعبر عن سيكولوجية الشخصيات أما الفن الحواري فإنه ينتمي إلى مستوى ثالث, ينزاح عن ثنائية الصواب والخطأ أو الخير والشر كما هو الشأن بالنسبة للمستوى الثاني دون أن يختزل فيه ? وكل فكرة تصدر عن شخص ما تتحدد في علاقتها مع الصوت الذي ينقلها إلى الأفق الذي تتوجه إليه. فبدلا من المطلق نجد تعددا في وجهات النظر التي تمثل رؤى الشخصيات, ورؤية الكاتب كما استوعبها, وهذه الرؤى المختلفة لايوجد بينهما أي تمايز أو تراتبية. ويمكن تشبيه ثورة دستويفسكي على المستوى الجمالي والفني بثورة كوبرنيك أو بثورة أينشتين, عندما يتعلق الأمر بمعرفة عالم الفيزياء (هذه هي الصور المفضلة عند باختين) حيث لايوجد مركز لأننا نعيش داخل <<النسبية المعممة>>.
يؤكد باختين على آرائه, عندما يرى أنه من المستحيل في العالم المعاصر أن نستوعب حقيقة مطلقة, وأنه علينا أن نكتفي بذلك الشاهد بدلا أن نتكلم باسم الحقيقة, لكنه لايضيف إلى هذه النتيجة أي حكم بالإدانة أو الحسرة - وبالتالي فإن السخرية. (هكذا يسمي هذه الطريقة في التعبير) هي حكمتنا, ومن بإمكانه اليوم أن يدعي أنه يمتلك الحقيقة ? إن رفض السخرية يؤدي بنا طواعية إلى اختيار <<التفاهة>>. وهذه هي طريقة دستويفسكي في كتاباته الصحفية, وهو الاختيار الذي يبقى أمامه - بالرغم من أنه اختيار لايسمح لنا بأن نصل إلى المطلق - من أجل أن ننصت إلى الوجود كما ينصح بذلك هيدغر.Heideger من المدهش أن يتفق باختين مع الرأي الذي دافع عنه في نفس المرحلة جان بول سارتر. ففي مقال نشره سارتر سنة 1939 بعنوان <<السيد فرانسوا مورياك والحرية>> (مواقف ج1- 1947) نجد سارتر يدين كل كتابة روائية يمثل فيها المؤلف موقعا متميزا بالمقارنة مع باقي الشخصيات. لكن بالرغم من عدم استعماله لمصطلح المونولوجية, فإنه يقترب كثيرا من الرأي الذي يربط الرواية بالحوارية (الروائي عليه أن لايترك أرض المعركة [....] وأن لايقدم حكما (ص41) بل عليه أن يكتفي بتقديم شخصياته, وعندما يقدم حكما عليها فإنه بذلك يتماهى مع الإلـه / الخالق. بينما الخالق والرواية يتعارضان بطريقة متبادلة (وهذا ما لم يفهمه مورياك). فالرواية تكتب من طرف إنسان من أجل أناس وذلك من خلال رؤية الإله الذي يكشف عن الظواهر السطحية دون أن يهتم بها. في هذه الحالة, لايتعلق الأمر بالرواية (ص57) وكما فعل باختين نجد سارتر يستوعب هذه الثورة التي قامت بها الرواية من خلال كتابات دستويفسكي ويقارنها بثورة أينشتين (في الرواية الحقيقية وكما هو الشأن في عالم أينشتين لايوجد مكان للملاحظ الذي له امتياز). وكما هو الشأن بالنسبة لباختين فإننا نجد سارتر يقر في الأخير بغياب المطلق <<لأن ذكر الحقيقة المطلقة في رواية ما, لا يمكنه أن يصدر إلا عن خطأ تقني>> ص47 <<ما دام الروائي ليس من حقه أن يصدر أحكاما مطلقة>> ص46. لايريد باختين منا أن نتعامل مع آرائه كدعوة إلى النسبية لكنه لايقدم لنا تفسيرا لأوجه الاختلاف في موقفه, إنه يقارن مفهوم التعدد عند دستويفسكي ودانتي Dante الذي يوهمنا باللحظة المثالية للخلود التي تحتلها الأصوات التي تنتمي إلى مختلف المجالات الأرضية والسماوية (دستويفسكي ص36 و42). إن باختين لايكتفي فقط بذكر الطابع العمودي كحدث ثانوي أو تراتبي, حيث يتعارض عالم دانتي مع العالم الأفقي عند دستويفسكي الذي يقابل عالم التواجد الخالص Voprosy ص308) بل يذكر أن الفرق بينهما يعود إلى اختلاف جوهري. وإذا كان الأمر كذلك, فإننا لن ندرك جيدا السبب الذي يجعل من دستويفسكي وكذلك من باختين الذي يعتبر الناطق الرسمي الذي يتكلم نيابة عنه, أن ينجو من النزعة النسبوية. وإذا كان هذا هو الرأي الأخير لباختين فإنه من الضروري أن نتعامل معه باعتباره خير ممثل ليس فقط للجمالية الرومانطيقية في توجهاتها الكبرى بل ممثلا كذلك للايديولوجية الفردية التي تهيمن اليوم على عصرنا. لكن الأشياء لاتبدو بهذه البساطة, بالرغم من أن باختين يفصح عن هذه الايديولوجية, بطريقة غير مباشرة, من أجل أن يبلغنا هنا رأيا آخر يختلف عما قاله سابقا في <<مؤلفات الشباب>> حول الكاتب والبطل, وكذلك كتابه حول دستويفسكي, بحيث أن الصراع ليس مفتوحا, فالأمر لايتعلق هنا بوعي قيد التطور مع مرور الزمن, وعلينا أن نشك في أن باختين كان واعيا بذلك, لأن الأمر يتعلق بأفكار ضعيفة كان يعتقد باختين أنها مواقف متماسكة. ومن ثم يخيل إلي أن هذا الموقف يمكننا أن نعتبره الإضافة الجديدة التي قدمها باختين. يجب علينا من أجل أن نكتشف ذلك الموقف الثالث, أن ننطلق مع باختين من التأويل الذي قام به لفكر وموقف دستويفسكي, لأنهما يعتبران حاسمين في فهم أفكار باختين, فبعد خطابه الشهير حول بوشكين سنة 1880 سأل دستويفسكي الكاتب كيبيلين Keveline حول فكرته التي تقوم على عقيدة أخلاقية (مفادها أن كل من يقوم بفعل أخلاقي يكون بالضرورة منسجما مع معتقداته), وهذا الموقف يمثل تأويلا جديدا للنسبية والفردية (كل شخص له رأيه الخاص) الذي لايختلف في مضمونه عما وجده باختين عند دستويفسكي الذي كتب في جوابه عن سؤال طرحه عليه كيفلين . Keveline
(لايمكننا أن نعرف الأخلاق من خلال الإخلاص لمعتقداتنا بل علينا كذلك أن نسائل ذواتنا حول صحة معتقداتنا. علينا أن نسائل ذواتنا هل تعتبر عقيدتنا صحيحة ? لأن المحك الوحيد من أجل التأكد من صحة معتقداتنا نجده في المسيح [....] إنني لايمكنني أن أعتبر إنسانا بأنه أخلاقي إذا كان يقوم بقتل الزنادقة, فأنا لا أتفق معك عندما تعرف الأخلاق بأنها هي الانسجام مع المعتقدات الخاصة, لأن هذا التعريف يتعلق بالشرف وليس تعريفا للأخلاق. إن لي نموذجا مثاليا للأخلاق ممثلا في المسيح. وهنا نتساءل هل كان بمقدرة المسيح أن يقوم بإحراق الزنادقة ? إذا كان الجواب بالسلب, فإن ذلك يعني أن إحراق الزنادقة هو سلوك غير أخلاقي.[...] لقد أخطأ المسيح - وذلك شيء مؤكد, كما أن نفس الإحساس يقول : أحب أن أكون مخطئا مع المسيح بدلا من أن أكون معكم .(Litératures naslesdstro LXXX III p 674) يلح دستويفسكي كثيرا على وجود نوع من التعالي, عندما يميز بين الشرف أو الإخلاص للمعتقدات والحقيقة, لأن الحقيقة الإنسانية يجب أن يفهمها الإنسان بدلا من أن تبقى صورتها تجريدية وذلك هو معنى صورة المسيح, هذه الحقيقة المؤنسنة humanisé والمجسدة لها دلالة أكثر من الفكرة الأخرى, ويجب أن نفضلها عندما يتعارض المعنيان مع (أخطاء المسيح) وهذه هي الميزة الخصوصية للحقيقة الأخلاقية. لقد كان باختين مطلعا على هذا النص الذي ذكره <<دستويفسكي ص 130-131>> لكن التعليق الذي يقدمه يعتبر دالا عن تأويله الخاص لدستويفسكي (إنه يفضل أن ينحاز للخطإ لكن مع المسيح : ص 131) أو كما كتب في مرحلة لاحقة (التعارض بين الحقيقة والمسيح عند دستويفسكي(الاستيتيقا ص 355) يقترب هذا التأويل من المعنى المضاد لأن دستويفسكي لايعارض بين الحقيقة والمسيح) بل يطابق بينهما من أجل أن يعارضهما مع فلسفة <<وجهات النظر>> أو المعتقدات. ثم بعد ذلك وفي مرحلة ثانية نجده من داخل عالم الأخلاق يميز بين الحقيقة المجسدة والحقيقة اللاشخصية impersonnelle من أجل أن يفضل الحقيقة الأولى على حساب الثانية. لكن الاعتراف بذلك أدى إلى تقويض موقف باختين الذي يكتفي بوجهة نظر قريبة من رأي كابلين)Kablain : ( أن كل الشخصيات الرئيسية عند دستويفسكي هم مجرد <<وجهات نظر>> غير مبالين, خصوصا عندما تكون الفكرة قد أصبحت النواة الصلبة التي تشكل شخصيتهم (دستويفسكي ص 115). وبذلك ألا نؤسس حكما أخلاقيا حول الإخلاص للمعتقدات كما نجدها عند القاتل راس كليكوف Ras Kleikov والعاهرة سونيا Sonia, وإيفان Ivan المتواطئ مع قاتل أبيه <<والمراهق>> الذي يحلم بأن يكون مثل روتشيلد. Rothchild لقد كتب دستويفسكي في مسودات الرواية التي لم يكملها (حياة صياد كبير). (يجب على الفكرة التي تطغى على الحياة أن تكون مرئية, بمعنى آخر أي دون أن نشرح بواسطة الكلمات الفكرة المهيمنة ككل. إلا عندما نتركها لغزا بدون حل, يجب أن نجعل القارئ ينظر دائما إلى هذه الفكرة باعتبارها فخا). يستشهد باختين كذلك بهذا النص (لدستويفسكي ص 132) من أجل دعم رأيه, لكن دستويفسكي لايفصح في هذه القولة عن تخليه عن التمييز بين الفكرة الكافرة والفكرة المفخخة, ولهذا لايعبر عنها صراحة, بل يكتفي بالتلميح بطريقة غير مباشرة.. وفي موقع آخر يعتبر باختين أن الحقيقة ليست منطوقة عند دستويفسكي (قبلة المسيح) الاستيتيقا ص 353) لكن صمت المسيح أمام المحقق الأكبر لايعني تراجعا عن الحقيقة التي لايمكن التعبير عنها بواسطة الكلمات, وعلى الحقيقة أن تكون مجسدة وغير مباشرة, و ما هو مؤكد في كل ما قيل, هو أن الحقيقة موجودة بالنسبة لدستويفسكي. يمكننا أن نضيف إلى هذه الشواهد التي أخذها باختين عن دستويفسكي, شاهدا آخر يقتبسه من (مذكرات كاتب 1973) لدستويفسكي معلقا على مسرحية كاتب شعبوي. <<إن الكاتب معجب كثيرا بشخصيته التي لم يحاول ولو مرة واحدة أن يهيمن عليها برؤيته, يخيل إلينا أنه لم يعرض بطريقة حقيقية كل الخصائص الموجودة في الشخصية, ولهذا عليه أن يكشفها بطريقة صارمة من خلال وجهة نظره الفنية. وفي جميع الأحوال فإن الفنان الحقيقي عليه أن لايساوي نفسه مع الشخصيات التي يقدمها, وأن يكتفي بحقيقته الخاصة به والواقعية بالنسبة له, ح-تى لان-صل إل-ى حقيقة تعتمد على الانطباع 1980 XXI>> Polnoe Sobramiedochinent). لكن من المؤكد أن هذه العبارات توجد في كتابات صحفية <<بلهاء>> عند دستويفسكي, ومساواة البطل بالمؤلف التي ينسبها باختين إلى دستويفسكي ليست فقط مخالفة لمقاصد هذا الأخير, وإنما هي من قبيل المستحيل الذي يتعارض مع مبادئه, وهو ما يؤكده باختين عندما يقول (إن وظيفة <<الفكرة المهيمنة>> التي أشار إليها سابقا دستويفسكي تختزل تقريبا من طرفه إلى لاشيء (ويجب أن لا توجه الاختيار وتنظيم المادة (دستويفسكي ص 132) لكن كلمة التحديد تقريبا هنا هي كلمة كبيرة. وفي نص آخر لدستويفسكي نجده يقول (إن المؤلف ليس سوى مشارك في الحوار <<ومؤطرة>> (الاستيتيقا .(Estitika لكن التقديس يزيل كل أهمية لما ذكره من قبل. فإذا كنت المؤطر للحوار فإنني لن أكون سوى مجرد مشارك بسيط. يخيل إلينا أن باختين يخلط بين شيئين, الأول أن أفكار المؤلف عندما يعرضها في رواية هي قابلة للمناقشة مثلها مثل أفكار المفكرين. كما أن المؤلف يوجد في نفس المستوى الذي توجد فيه شخصياته, لكن مثل هذا الخلط ليس مقبولا لدى المؤلف, الذي يعرض أفكاره وأفكار باقي الشخصيات. إن باختين ليس محقا إلا إذا كان لايميز بين دستويفسكي وشخصية كرامزوف.Alioche آنذاك يمكننا القول إن صوت شخصية أليوش Alioche يوجد في نفس المستوى مع صوت شخصية إيفان. لكن دستويفسكي هو الوحيد الذي كتب (الإخوة كرامزوف) التي يقدم فيها أليوش كما يقدم شخصية إيفان, ليجعل من دستويفسكي مجرد صوت كباقي الأصوات التي توجد في الرواية. إنه المبدع الأوحد والمفضل والمختلف كذلك عن كل الشخصيات, لأن كل واحد منهم ليس سوى مجرد صوت, بينما دستويفسكي هو الخالق لهذا التعدد في الأصوات ذاته. يعتبر مثل هذا الخلط مثيرا للدهشة خاصة في كتاباته الأخيرة, لقد عمل باختين على مقاومة هذا الغموض في كثير من المناسبات, خصوصا عندما يتعلق الأمر بمفهوم <<صورة المؤلف>> التي اعتبرها مفهوما خاطئا Voprosy p 405) (Estitika p 288-353 CF حيث نجد باختين يصر دائما على التمييز الحاسم بين المؤلف من جهة وشخصياته من جهة أخرى, حتى تلك الشخصية الخاصة التي هي <<صورة المؤلف>> أو <<المؤلف الضمني>>). إن المؤلف لا يمكنه أبدا أن يتحول إلى جزء من الأجزاء المكونة لعمله الأدبي, أو أن يتحول إلى صورة أو أن يكون جزءا من الموضوع, إنه ليس بالطبيعة المخلوقة Nature creata أو الطبيعة المطبوعة naturata et creans وإنما هو مجرد طبيعة خالصة أي طبيعة خالقة وليست مخلوقة natura creans et non creata (الاستيتيقا ص 288). من المدهش أن التعريف المدرسي scolastique الذي يتبناه باختين من أجل تعريف المؤلف, بصدق داخل سياق مرتبط (كما هو الشأن عند جان سكوت اريجين (Jean scot Erigène بالإلاه وحده فقط. لقد أدرك باختين وجود خاصية في العمل الأدبي عند دستويفسكي, لكنه أخطأ في طريقة تحديدها. ولقد كان دستويفسكي متميزا عندما قدم في آن واحد, وفي نفس المستوى, مجموعة من الأفكار التي كلها مقنعة. بينما الأمر ليس كذلك عندما يتعلق الأمر به كروائي, هناك اعتقاد في الحقيقة كأفق فضائي, فالمطلق بالإمكان أن لاتتقمصه شخصية ما (والناس ليسوا كلهم هم المسيح) ومع ذلك فإن الاستفادة من الفكرة المنظمة لبحثهم المشترك, هو ما دفع باختين أن يعترف بطريقة ملتوية, بأن تعددية الأفكار وتعدد الحقائق ليست بالضرورة مترابطتين. (من الملاحظ أن مصطلح الحقيقة الوحيدة, لايصدر أبدا - بالرغم من ضرورته - عن وعي واحد ووحيد, بإمكاننا أن نقبل بأن وجود حقيقة واحدة يتطلب تعددا في مستويات الوعي دستويفسكي ص 107). لكن أليس من الممكن أن نقبل أن تعدد مستويات الوعي لايتطلب دائما أن نقبل بالحقيقة الوحيدة ? يذكر باختين عبارة دستويفسكي مع تعليق طويل عليها, عندما لايقدم دستويفسكي نفسه كعالم للنفس Psychologue وإنما <<كواقعي>> بالمعنى الراقي للكلمة أي أن دستويفسكي لايكتفي بالتعبير عن حقيقة جوانية, وإنما يصف لنا حالة أناس يوجدون منفصلين عنه, وأن هؤلاء لايمكن اختزالهم داخل حقيقة وحيدة (أي حقيقته). فالناس مختلفون, وهذا يعني أنهم متعددون, وأن تعدد الأشخاص هو الحقيقة التي تؤكد كينونة الإنسان, وهذا هو السبب العميق الذي دفع باختين بأن يهتم بدستويفسكي, وإذا حاولنا الآن أن نفهم من خلال رؤية شاملة - مساره الفكري يمكننا أن ندرك أن وحدة تتحقق من خلال هذه الفكرة, التي نجدها عنده منذ مرحلة ما قبل صدور كتابه حول دستويفسكي, إلى الشذرات الأخيرة, حيث نخلص في الأخير إلى أن التفاعل الإنساني يعتبر عنصرا مكونا لما هو إنساني, وهذا هو المنظور الشامل لفكر لايمكن أن نختزله أبدا في الايديولوجية الفردية...والتي من خلالها لم يتوقف باختين عن البحث عما يمكن أن نعتبره اليوم لغات مختلفة بغية التعبير عن نفس الرؤية الواحدة. وهكذا يمكننا أن نميز أربع مراحل كبرى من تطوره الفكري (أو أربع لغات) تبعا لطبيعة المجال الذي يلتقط من خلاله فعل Laction هذا الوعي, وهي كالتالي : الوعي الفينومينولوجي, ثم السوسيولوجي والوعي اللساني, والتاريخي-الأدبي, وفي المرحلة الخامسة التي رظهرت في السنوات الأخيرة- نجد باختين يعمل على التركيب بين هذه المراحل جميعها. نجد المرحلة الفينومنولوجية Phénomenologique في كتاب باختين الأول الذي خصصه للعلاقة بين المؤلف والبطل, والتي يعتبرها حالة خاصة بتلك العلاقة التي تجمع بين شخصين, لكنه بعد دراستها يكتشف أن مثل هذه العلاقة لايمكن حدوثها (بالإمكان عدم وجودها) لكنها ضرورية, حتى يستطيع الكاتب الإنساني أن يحقق وجوده كهوية متكاملة, لأن كماله لايمكنه أن يأتي إلا من الخارج, أي من خلال نظرة الآخر (وهذا الموضوع معروف لذا قراء سارتر). يرتبط الاستدلال الذي يقدمه باختين بجانبين في الشخصية الإنسانية. الأول يتعلق بالمجال المرتبط بالجسد لأن جسدي لايصير وحدة إلا عندما ينظر إليه من الخارج أو أمام مرآة (بسهولة أنظر إلى جسد الآخرين كشيء واحد ومكتمل). أما بالنسبة للعنصر الثاني فيرتبط بما هو زمني ويتعلق الأمر <<بالروح>> لأن ولادتي وهويتي تحددان وجودي ككل, كما أن وعيي لايمكنه أن يدرك من الداخل. ويمكننا أن نعتبر الآخر مكونا للذات, وفي صلب العلاقة غير المتكافئة معه, و تعدد الأفراد يأخذ معناه من خلال التعدد <<الكمي>> للأنا حيث يعتبر كل واحد منهما عنصرا مكملا وضروريا. تبلغ المرحلة السوسيولوجية أو الماركسية ذروتها من خلال ثلاثة كتب نشرها أصدقاء باختين ومساعدوه. والتي حارب فيها الاتجاه الذاتي Subjective في الدراسة السيكولوجية واللسانية معتبرا أن الإنسان هو الكائن الوحيد في العالم, وهذا الاتجاه الذاتي يعمل على مناهضة النظريات الامبريقية التي تكتفي بدراسة الموضوعات من خلال الملاحظة, والتفاعل الإنساني, ولقد أكد باختين ومساعدوه على الطابع المميز للبعد الاجتماعي للغة والفكر باعتبارهما عنصرين مكونين للإنسان داخل علاقة متفاعلة بين الذوات. في هذه السنوات بالضبط سيعمل باختين جاهدا من أجل تأسيس قواعد ألسنية جديدة, أو كما سيسميها فيما بعد <<عبر اللسانيات (Translinguistique) والتي تقترب اليوم من مصطلح <<التداولية>> التي تدرس الملفوظ وعملية التلفظ أو التداخل اللفظي Linteraction Linguistique, فبعد قيامه بنقد اللسانيات البنيوية والبويتيقا الشكلانية التي كانت تختزل اللغة في السنن, متناسية أن الخطاب هو قبل كل شيء نقطة اللقاء بين شخصين يعرفان من خلال وضعهما الاجتماعي, ولهذا سيعمل باختين على صياغة مسلمات جديدة تدرس موضوع التداخل اللفظي, وفي الفصل الأخير من كتابه حول دستويفسكي سيخصص دراسة طويلة حول موضوع <<الخطاب في الرواية>> محللا فيها الطريقة التي تجعل الأصوات تتعالق مع صوت الذات المضمرة داخل عملية التلفظ. أما المرحلة التاريخية الأدبية والتي تبدأ أواسط سنوات الثلاثينيات حيث ظهر فيها كتابان عظيمان أحدهما حول جوته Goethe والآخر حول رابليه Rablais, رغم أنه لم يصلنا منهما سوى كتابه الثاني, أما الأول فلم يبق منه سوى شذرات متفرقة ودراسة عامة عن مصطلح <<الكرنوتوب>> Chronotope حيث يرى فيه باختين أن الأدب قد وظف دائما تعددا للأصوات التي تحضر في وعي المتكلمين وذلك عبر طريقتين مختلفتين : إما أن يكون خطاب العمل الأدبي متجانسا لكنه يتعارض كليا مع المعايير اللسانية العامة, أو أن تكون تعددية الخطابات hétérologie داخل نفس النص. وهذا الاتجاه الثاني هو الذي اهتم بدراسته باختين سواء داخل الأدب أو خارجه, كما في دراسته حول الحفلات الشعبية, والكرنفال وتاريخ الضحك. كل واحد من هذه الموضوعات التي درسها باختين يمكن الحكم عليها داخل المجال الخاص بها, لكن من الواضح كذلك بأنها تنتمي جميعها إلى مشروع مشترك لايمكنه أن يتوافق مع الايديولوجية الفردية, التي كانت سببا في كثير من الانتقادات التي وجهها باختين إلى دستويفسكي الذي يمثل النقيض (لثقافة العزلة المبدئية والتي لامخرج لها (الاستيتيقا ص 312) أمام فكرة الكائن الذي يكتفي بذاته auto-suffisant من أجل تمييزه عن اتجاهين, ولهذا كان يعارض أحيانا بين مصطلح (الشخصانية) مع النزعة الذاتية subjecivisme, حيث يطابق مفهوم الشخصانية بمفهوم <<الأنا>> بينما الذاتية كانت تعتمد على العلاقة الموجودة بين <<الأنا>> و <<الآخر>> (مصدر سابق ص370) والمقارنة التي كانت تقربه من مفهوم العالم عند دستويفسكي لاتلتقي مع باقي أطروحاته, وإنما تفترض مفهوما للذات يتفاعل مع باقي الذوات . transindividuelle إذا كان من الضروري أن نبحث له عن صورة تشد الجميع إليها, أي تلك الصورة التي تسكن العالم الثقافي عند دستويفسكي, فإننا سنجدها في الكنيسة حيث تلتقي الأرواح المذنبة, موحدة بين المخطئين والمؤمنين (دستويفسكي ص36). لكن الكنيسة ليست مجرد مواجهة بين الأصوات مع الحقوق العادلة, بل إنها المكان النوعي والمتميز الذي يوحد بين الأفراد الذين يوجدون فيها, ولايمكن أن يوجدوا إلا من أجل عقيدة جماعية. إن <<الإنسان الكامل>> surhomme موجود, لكن ليس بالمعنى النيتشوي أي ككائن أعلى, فأنا مثل الإنسان الكامل في علاقتي بالآخر. كما أنه هو كائن أعلى بالنسبة إلي, أي أن موقعي الخارجي أو موقعي المغاير extopie ) يمنحني الحق في أن أنظر إليه ككل. كما أنني لايمكنني أن أقوم بعمل ما دون الأخذ بعين الاعتبار وجود الآخرين, فعندما أعرف أن الآخر يمكنه أن يراني فإنه يحدد بذلك شرط وجودي. يأخذ البعد الاجتماعي للإنسان معناه الأخلاقي ليس من خلال الإحسان أو من خلال سمو الكوني, بل من خلال الاعتراف بالطابع المؤسس <<للتفاعل الإنساني linterhumain)). و ما هو إنساني لايعود فقط إلى المفهوم, بل حتى ما هو اجتماعي لايقتصر فقط على الأفراد مهما كان عددهم, وبإمكاننا أن نتصور أن مثل هذا التجاوز الذي لايطابق النمو الخالص أو البسيط لايؤدي بنا إلى تحويل الآخر إلى موضوع, أي ذلك السمو الذي يجعلنا نحيا داخل أفعال الحب والاعتراف والغفران والإنصات الفعال (الاستيتيقا ص 325). يمكننا أن نكتشف في هذه اللغة نوعا من الاسترجاع المسيحي ونحن نعرف أن باختين كان في حياته الشخصية مؤمنا (مسيحي أرتودكسي). كما أن بعض الإحالات الصريحة والنادرة إلى الدين في كتاباته المنشورة, تسمح لنا بأن نتعرف على آرائه, فالمسيحية هي دين ينفصل جذريا عن العقائد القديمة, خصوصا اليهودية التي لاتنظر إلى الله باعتباره تجسيدا للصوت الذي يعبر عن وعيي, وإنما باعتباره كائنا يوجد خارج ذاتي, يمنعني أن أنتهك ذاتي التي <<أنا>> في حاجة إليها, فأنا علي أن أحب الآخر وليس من الضروري أن يحبني في ذاتي, لكن بإمكانه ومن الواجب عليه أن يحبني, إن المسيح هو الآخر الأسمى الخالص والكوني, (و ما يجب علي أن أكونه بالنسبة للآخر, هو ما يمثله الله بالنسبة إلي, (استيتيقا ص 529) وبالتالي فإن صورة المسيح هي في نفس الوقت نموذج للعلاقة الإنسانية) (وعدم التكافؤ بين أنا وأنت, وضرورة التكامل مع أنت). كما أنها تجسد الحد الأقصى نظرا لأنه ليس سوى آخر. وهذا التأويل للمسيحية يرتبط بالمبحث المسيحي Christologie الذي عرفه التراث الديني عند الروس, القريب من عقيدة دستويفسكي وهو ما عبر عنه باختين (بأن ما يمثله المسيح بالنسبة للبشر هو ما يمثله دستويفسكي بالنسبة لشخوصه لكن ذلك لايعني أنه بذلك يتساوى معهم). (وهكذا يمكن القول إن عمل الإله إزاء الإنسان يسمح له بأن يكشف عن ذاته حتى النهاية في تطور ملازم, وأن يحكم على نفسه ويفند مزاعمه) (ص3109). بإمكاننا أن نقدر قيمة هذا التأويل للآخر المطلق الذي دعا إليه باختين (وربما حتى دستويفسكي) عندما نقارنهما مع قولة شهيرة لروسو الذي تحدث عن نفسه في مقدمة كتابه <<الاعترافات>>. معتبرا نفسه كآخر خالص, وهو بذلك يبحث عن معرفة ذاته في مواجهة مع باقي البشر, حتى يجعل من حياته الخاصة التي يعرضها أمامهم عنصرا مساعدا عند المقارنة. (من أجل أن نتعلم كيف نحب, يجب أن يكون عندنا على الأقل طرف واحد حتى تتحقق المقارنة لكي تعرف الشخص ذاته والآخر, ذلك الآخر الذي هو أنا). ليس الفرق الأساسي في الطبيعة الإنسانية الأبدية لذلك الوسيط الكوني, إن مسيح باختين هو صورة إنسانية بما فيه الكفاية. أما روسو فإنه لايسعى إلى القيام بهذا الدور. بينما نجد باختين يضع أمام نفسه شخصا آخر لا يحضر كما جاء في قولة روسو إلا كموضوع للمقارنة مع ذات قد حددت من قبل, أما بالنسبة لباختين, فإنه يشارك في تأسيس ذاته, بينما نجد روسو لايرى ضرورة لذلك إلا داخل مسار يهدف إلى معرفة الموضوع الموجود. وهكذا يفقد مسيح باختين دوره من خلال التفاعل الإنساني, أما عالم روسو فإنه يقوم على ذرات تكتفي بذاتها, حيث تتحدد العلاقة فيها بين البشر من خلال المقارنة. يعرف عالم باختين ودستويفسكي من خلال التعالي الجانبي, حيث نجد أن التعامل الإنساني ليس مجرد ذلك الفراغ الذي يفصل بين شخصين, إن أحد هذه المفاهيم ليس فيه سخاء عندما نقارنه بالمفاهيم الأخرى, بل هو كذلك أكثرها سدادا, وهذا ما يؤكده سارتر في كتابه حول جان جونيه . Jean jone لقد اعتقدنا زمنا طويلا, أن النزعة الذرية الاجتماعية التي ورثناها عن القرن التاسع عشر, كانت تعتبر أن الإنسان منذ نشأته يمثل هوية مستقلة, ثم بعد ذلك يتصل مباشرة مع أمثاله من البشر [...] إننا نعرف اليوم معنى هذه الأكاذيب, إن الحقيقة هي أن الواقع الإنساني <<يوجد في المجتمع>> كما أنه يوجد كذلك <<داخل العالم>> ص 541). يحدد المطلق Labsolu عند باختين موقعه داخل النسق الفكري. بالرغم من أنه ليس مستعدا للاعتراف بوجوده, حتى عندما يتعلق الأمر بنوع من التعالي الأصلي الذي ليس <<عموديا>> بل <<أفقيا>>, والذي له موقع وليس له جوهر, لأن الناس لايندمجون إلا داخل قيم ومعاني نسبية وغير مكتملة, لكنهم يؤمنون بها ضمن أفق المعنى المكتمل, ومن منظور القيمة المطلقة, وهم بذلك يطمحون إلى التوحد مع>> مجموع القيم العليا (استيتيقا ص 369). يمكننا العودة إلى نقطة البداية, لكي نعيد قراءة موقف باختين لتاريخ الاستيتيقا, ليس كما قدمها في أماكن متفرقة, بل كما نستخلصها من خلال مواقفه الفلسفية الأصيلة. ولهذا علينا أن نتساءل عن رأيه في الأدب وواقع النقد ? فيما يتعلق بالسؤال الأول يجب أن نشير منذ البداية أن باختين في أبحاثه النقدية لم يقم بنقد التعريف الشكلاني للأدب (من أجل أن يستبدله بتعريف آخر) بل اكتفى فقط بالإحجام عن البحث عن الخصوصية الأدبية, لأن هذا المعنى لايوجد إلا في علاقته مع تاريخ خاص (للأدب والنقد) وبالتالي لايستحق مثل هذا الاهتمام الكبير الذي عرفه. لقد كان الهدف الأساسي عند باختين, هو البحث عن العلاقات التي تربط بين الأدب والثقافة, باعتبار هذه العلاقة (ميزة خلافية) داخل خطاب مرحلة (استيتيقا ص329-330) ومن ثم برز اهتمامه <<بالأنواع الأدبية الأولى>> (كما عند بريخت Brecht) أي أشكال المحادثة والخطابات العامة, والتبادل الذي يخضع إلى حد ما إلى قوانين, بدلا من وجود <<بناء معماري>> لأن العمل الأدبي هو مجموع غير منتظم متعدد الملفوظات, هو عودة واستباق لخطابات الماضي والخطابات المقبلة, أي أنه ملتقى ونقطة التقاطع, وبذلك يفقد موقعه المفضل من خلال عدم خضوعه لبرنامجه الأولي. ولهذا لم يدرس باختين أعمالا أدبية كاملة. كما أنه لم يقتصر في أبحاثه على عمل أدبي واحد. ولم يهتم بالتركيب الهرمي للعمل الأدبي, لقد كان موضوع الدراسة الأدبية عنده شيئا مختلفا, هو وضع الخطاب في علاقته مع فواعل الكلام الحاضرين أو الغائبين (المونولوج, الحوارية, الشاهد, الباروديا, الأسلبة المحادثة) ومن جهة أخرى نجد عند باختين اهتماما بنظام العالم الممثل عبر بنية الزمن والقضاء (أو الكرنوتوب) إن هذه الخصائص النصية ترتبط ارتباطا مباشرا مع رؤية خاصة للعالم المعاصر, لكن هذه الخصائص لاتقتصر على ذلك, لأن الأشخاص في المراحل السابقة يعملون على المزج والكشف عن معاني جديدة. إن موضوع باختين الحقيقي هو (عبر النصية) Trantextualité التي لاتعني دراسة (الطرائق procédés) الشكلانية, بل دراسة الطرائق كانتماء إلى تاريخ الثقافة. أما فيما يتعلق بالنقد فإن باختين يعلن (قبل أن يطبقه) عن شكل جديد, يستحق أن نطلق عليه اسم (النقد الحواري) وعلينا أن نتذكر القطيعة التي قام بها سبينوزا Spinoza في كتابه (مقدمة دينية - سياسية politique Traité théologico) ونتائجها في تحويل النص المدروس إلى موضوع. بالنسبة لباختين يمثل هذا التعريف للأشكال تشويها خطيرا لطبيعة الخطاب الإنساني, كما أن تحويل الآخر (يتعلق الأمر هنا بالكاتب المدروس) إلى موضوع, يعني إنكار خاصية أساسية, وهي أن الموضوع هنا يرتبط بالذات أي بشخص يتكلم, مثل ما أفعل أنا الآن, عندما أتحدث عنه, لكن كيف بإمكاني أن أعيد إليه الكلمة ? إن ذلك لن يتم إلا بالاعتراف بالقرابة التي تجمع بين الخطابات, والتعامل مع تراكم هذه الخطابات ليس بمثل الطريقة التي ينظر بها إلى اللغة الواصفة واللغة الموضوع, وإنما من خلال شكل من أشكال الخطاب, معروف جدا هو الحوار. ذلك لأنني عندما أقبل أن خطابين يوجدان في علاقة حوارية, فإن ذلك يعني أن أعيد طرح سؤال الحقيقة, الذي لايتعلق هنا بنوع من العودة إلى مرحلة ماقبل سبينوزا, عندما كان الرهبان في الكنيسة هم أصحاب الحقيقة, لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يمتلكونها, بل بالبحث عن الحقيقة, بدلا من أن نعتبرها موجودة سلفا, أن تبقى أفقا بعيدا وفكرة منتظمة كما يقول باختين : <<يجب القول, إن النزعة النسبية relativisme تلتقي مع النظرية الدوغماتية لأنها ترفض كل نقاش وكل حوار حقيقي تعتبره بدون جدوى (كما يفعل أصحاب النسبية) أو مستحيلا كما يقول الدوغماتيون>> (ص 91). أما بالنسبة للنقد الحواري, فإن الحقيقة موجودة, لكننا لانمتلكها, إننا نجد عند باختين تعالقا بين النقد وموضوعه (الأدب) لكن ليس بنفس المعنى الذي نجده عند النقاد - الكتاب الفرنسيين, بالنسبة لبلانشو Blanchot وبارت Barthes فإن النقد والأدب يتشابهان من خلال عدم وجود علاقة تربطهما مع موضوع الحقيقة, أما بالنسبة لباختين فإن النقد والأدب يقومان بالبحث عن الحقيقة, دون أن يعني ذلك تراتبية أحدهما على الآخر. ولقد كان لمثل هذا الموقف النقدي انعكاسات كبيرة, عــلى منهـجية جمـيع العـلوم الإنسـانية. لأن خصـوصية العالم الإنساني Le monde humain كما أشار إلى ذلك مونتيسكيو Montesquio هو أن الناس يخضعون إلى قوانين وفي نفس الوقت يمارسون حياتهم بحرية. لأن الخضوع للقانون ينظر إليه بنفس الطريقة التحليلية التي تفسر بها الظواهر الطبيعية, ومن ثم يمكن أن نفهم المحاولة التي تسعى إلى تطبيق مناهج العلوم الطبيعية على المعرفة الإنسانية, لكن أن نكتفي بهذه المقاربة, فإن ذلك سيؤدي بنا إلى نسيان الطابع المزدوج للسلوك الإنساني فبجانب التفسير Lexplication اعتمادا على قوانين (حتى نستعمل مصطلحات الفلسفة الألمانية التي ظهرت مع بداية القرن العشرين, والتي اعتمد علــيها باختين) يجب علينا أن نطبق مبدأ الفهم La compréhension على الحرية الإنسانية, لأن مثل هذا التعارض لايشبه التعارض الحاصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وذلك لأن العلوم الإنسانية تستعمل كذلك مبدأ الفهم, لكن الفرق بينهما يرجع إلى التطبيق المكثف لهذين المبدأين بدرجات متفاوتة بين العلوم الطبيعية والإنسانية). يتكون العمل النقدي من ثلاثة محاور, في المستوى الأول يتعلق الأمر فقط بحصر الوقائع من أجل كما يقول باختين تحقيق الدقة العلمية وجمع المعطيات المادية وإعادة بناء السياق التاريخي. وفي المستوى الثاني نجد الشرح الذي يعتمد على قوانين سوسيولوجية, وسيكلوجية, وأحيانا حتى بيولوجية (انظر الاستيتيقا ص 343) والمنهجان معا يعتبران مشروعين وضروريين, لكن بينهما توجد فروق, وأهمية الموقع الذي يحتله نشاط الناقد والباحث في العلوم الإنسانية الذي يعتمد على التأويل كحوار يمكنه وحده أن يحقق الحرية الإنسانية. إن المعنى هو إذا (عنصر الحرية الذي يشف عن الضرورة) (نفس المرجع السابق ص 410) إنني مجبر ككائن (موضوع) وطليق كمعنى (ذات). فعندما نجعل العلوم الإنسانية مثل العلوم الطبيعية فإننا بذلك نحول دور الأشخاص إلى مجرد موضوعات لاتعرف معنى الحرية. أما عندما يتعلق الأمر بالكائن فإن الحرية الإنسانية هي دائما نسبية وخادعة, لكن عندما يكون الموضوع هو المعنى, فإنه دائما مطلق, لأن المعنى ينشأ من خلال اللقاء بين ذاتين, وهذا اللقاء سيتجدد دائما (ص 342), وهكذا نجد أن فكر باختين يلتقي مرة أخرى مع آراء سارتر, (المعنى هو الحرية والتأويل هو تطبيقها), وهذه هي الوصية الأخيرة التي تركها باختين. --------------------------------- * - فصل من كتاب <<نقد النقد>> ط. سوي (1984) ص83. |
|||||
|
|||||