|
|||||
|
منذ
التجلي
الأول
لظاهرة
الموت،
والبشر ما
يزالون
أمامه على
ذهولهم
الأول عينه،
وعلى رعبهم
الأول ذاته،
وعلى حيرتهم
نفسها، لا
شيء، تغير،
وكأنما حكمة
القرون،
وفلسفة
الدهور،
وعلم
الأجيال
هباء يتبدد
أمام الموت
سيد الحقائق
جميعها. بمعنى
من المعاني
فإن هذا كلا
لا يمكن إلا
أن يكون
طبيعيا
ومنطقيا،
وعقليا،
فلوان كلا
منا حاول أن
يتذكر تلك
اللحظة
الأولى
المتشحة
برماد
النسيان،
التي صفعته
للمرة
الأولى في
حياته حقيقة
الموت كبرق
يملا السماء
ويكاد يودي
بالبصر،
وامتدت به
عين التأمل
الى اللحظة
التي يطالع
فيها هذه
السطور، ثم
حاول أن يسأل
نفسا عما
أفلحت يداه
في الإمساك
به من حقائق
لغز الموت،
لما وجد في
يده إلا ذرات
من تراب أقرب
الى الهباء،
بل وألفى
نفسه أمام
هوة تتسع
كلما غربت
شمس يوم آخر
من العمر.
وما من سبيل
الى
مواجهتها
إلا بالتشبث
في رعب بحبال
النسيان أو
التناسي
والتجاهل
والتعامي. ولكن
من ذا الذي
يملك رفاهية
التعامي عن
حقيقة هي
سيدة
الحقائق
بامتياز؟ من
ذا الذي يملك
القدرة على
التناسي وهو
يمني في نفق
مغلق يعلم
أنه لابد له
من أن يرتطم
في نهاية
المطاف
بالصخر
الصلد الذي
لا سبيل الى
خطوة للأمام
حياله ؟ من
ذا الذي يملك
اجتراع
التناسي وهو
يعرف أنه
يمني في غابة
موحشة يطلبه
في ظلالها
وتحت
أشجارها
تنين كلى
القدرة يملأ
السمع فحيحه
والآفاق
ناره ودخانه
؟ في
هذه اللحظة
التي أسطر
عبرها هذه
التساؤلات
تتداعى الى
ذهني تأملات
سنوات طويلة
في الموت،
وليست إلا
محطة من
محطاتها
المتعددة
إنجاز ترجمة
كتاب "الموت
في الفكر
الغربي"
لجاك شورون
الذي أصدرته
سلسلة "عالم
المعرفة"
الكويتية في
ابريل 1984. ولست
أريد أن أثقل
على القاريء
بفيض من هذه
التأملات،
ولكنني
أتمنى أن
يسمح لي بأن
أفكر معه
بصوت عال في
ست نقاط عن
الموت، تشكل
جوانب شتى من
أشكال أعترف
بأنها
تشغلني،
وتملأ على
تفكيري الآن
وهي: أولا:
هذا الموت
المطلق
والشامل
والكلي
الحضور، هو
أيضا، وفي
الوقت نفسه،
موتي أنا، لا
موت أحد غيري.
فرغم أنه
حقيقة مطلقة
تنطبق على كل
المخلوقات
إلا أنه
حينما يحين
موتي فإني
حتما سأموت، (كل
نفس ذائقة
الموت ) (الأنبياء
- 35 العنكبوت - 57).
وهذه الرحلة
التي لن أعود
منها أبدا
سأفضي فيها
وحيدا،
إذ
لا سبيل الى
تجاهل
القطار
الواقف على
محطة أنا
الراكب
الوحيد على
رصيفها (
فإذا جاء
أجلهم لا
يستأخرون
ساعة ولا
يستقدمون )(الأعراف
- 34). وهذه
الرحلة لا
سبيل أمامي
الى الإمساك
بالحد
الأدنى من
المقومات
التي تؤهلني
للانطلاق
فيها، فمن
يمضون الى
ضفة الموت لا
يعودون
ليلقوا
الضوء على ما
وجدره هناك،
ونحن حتى حين
نحيط بهم في
لحظة الرحيل،
فإن المعرفة
بمغاليق
أسرار
الرحلة تظل
قاصرة عليهم،
ولا يبقى في
أيدينا إلا
تلويحة وداع،
ودموع في
العيون،
وخوف يملأ
القلوب وحزن
يملأ الأفق،
لأننا كنا
شهودا على
جانب موحش من
جوانب الشرط
الإنساني
سينطبق
علينا
بدورنا. وهذه
الرحلة،
رحلتي، يشكل
جزءا من أصعب
مخاوفها
أنها ترتبط
بأن ما مر
لابد أن
يرصد، ولابد
للحظة
الختام أن
تكون لحظة
استرجاع ما
مضى، لحظة كل
الحسابات
العسيرة، (وكل
إنسان
الزمناه
طائره في
عنقه ونخرج
له يوم
القيامة
كتابا يلقاه
منشورا. اقرأ
كتابك، كفى
بنفسك اليوم
عليك حسيبا) (الاسراء:
13- 14). وهي
رحلة
تحيرني؟ لأن
المجهول
الذي
يكتنفها،
ربما أكون قد
عرفته على
نحو جزئي،
لكنها معرفة
لم تزدني إلا
جهلا، ولم
تملأ قلبي
إلا خوفا. (كيف
تكفرون
بالله وكنتم
أمواتا
فأحياكم ثم
يميتكم ثم
يحييكم ثم
اليه ترجعون
)(البقرة: 28). ومأساتي
المطلقة تصل
الى سقفها
حيال الموت
حين يحيرني
التساؤل عما
إذا كنت
سأترجل من
رحلة، أم
أنني الآن في
سبيلي الى
الانطلاق في
رحلة. أليس
الرسول (ص) هو
القائل: "الناس
نيام فإذا
ماتوا
انتبهوا". أجل
إن هذا الموت
المطلق، موت
الجميع، هو
أيضا موتي
أنا، إنه
موتي الفردي
والشخصي
والخاص،
وحدي أموت،
وبذاتي
سأرحل الى
ضفة الموت
وما من أحد
سيموت نيابة
عني، وما من
أحد عاد من
تلك الضفة
ليحدثني عما
ينتظرني
هناك، وأنا
نفي حين أرحل
لن أعود لأفض
المغاليق
حتى لأقرب
الناس الى
وآثرهم على
نفسي. ثانيا:
الموت،
الذي تحدد
على هذا
النحو
الواضح،
والصريح
والمتعين،
حقيقة حتمية،
لا سبيل الى
الهرب منها،
أو الى
تأجيلها، أو
الى تجزئتها:
(كل من عليها
فان ويبقى
وجه ربك ذو
الجلال
والإكرام) (الرحمن:
26). إنه
نهاية
النهايات،
أو كما يعبر
د. عبدالرحمن
بدوي الفعل
الذي ينهي كل
الأفعال..
ولا سبيل
أمامي الى
الهرب منه،
ذلك أنه: (أينما
تكونوا
يدرككم
الموت ولو
كنتم في بروج
مشيدة ) (النساء:
78). وأنا
لا أملك له
تأجيلا، ولا
تأخيرا، فهو
الطالب الذي
لا يرد،
واليد التي
لا تدفع،
والسيف
المسلط على
الأعناق
الذي يجتر
حين يهوي. (فإذا
جاء أجلهم لا
يستأخرون
ساعة ولا
يستقدمون) (الأعراف:
34). مع
ذلك فإن هذه
الحتمية في
الوقوع، إن
تأملتها عن
كثب، فلن
تجدها
عشوائية،
وإنما
وراءها
أسبابها
الموضوعية،التي
تجعلها
إمكانية
معلقة
بتكامل
شروطها
وضوابطها
الموضوعية،
ومأساتي
الحقيقية هر
أن عقلي، أنا
الإنسان
الفاني،
يقصر عن
استكناه
أسرار هذه
الشروط
والضوابط (ما
كان لنفس أن
تموت إلا
بإذن الله
كتابا مؤجلا..)
(آل عمران 145). ولكن
إذا كنا نسعي
الى تعميق
الحديث عن
أسباب
موضوعية،
وإذا كان قد
أمكن للطم
الحديث أن
يتحدث، بفضل
الإنجازات
الطبية عن
زيادة
معدلات
احتمالات
الحياة
وتحسين
الظروف
الصحية،
وإذا كانت
المجتمعات
المتقدمة
تتحدث اليوم
عن متوسط
للعمر يدور
حول مائة عام.
الا يعني ذلك
ردا كميا
للموت قد
يفتح المجال
في مستقبل
غير منظور
للحديث عن رد
كيفي
للظاهرة ؟ من
المؤكد أن
علامة
الاستفهام
هذه مضللة
الى أبعد
الحدود،
فأيا كانت
قدرة العلم
على تحسين
ظروف الحياة
الإنسانية،
ومن بينها
الظروف
الطبية
والصحية
بعامة،
فإننا نتحدث
هنا عن
الحياة، أما
الموت فما
زال هناك في
نهاية النفق...
ينتظرنا
جميعا، حتى
إن عمرنا مثل
عمر نوح. ومن
ناحية أخرى،
فإن الحديث
عن عمر بهذا
الامتداد،
وخاصة في
عالمنا
الثالث، قد
لا يكون
بالضرورة
حديثا مشرقا
أو بهيجا
تماما. ثالثا:
هذا
الموت
الحتمي،
الذي لا سبيل
أمامي إلا
الانطلاق
نحوه، أنا
ذاتي، يتخذ
بعدا رهيبا
حقا، في ضوء
أنني لا أملك
شيئا حياله،
حتى ولو مجرد
العلم بجانب
من مداخل
مغاليقه. إنني
لا أعرف كيف
سأمضي، ولا
إلى أين، وما
الذي
ينتظرني على
وجه الدقة
هنالك في ضفة
الموت. حقا
أن ديننا
الحنيف
يحدثنا عن
السكينة.حينما
يندلع الخوف
في نفوس
الآخرين،
ويعدنا
الرجعي،
التي هي عودة
القطرة الى
بحرها، حيث
العدالة
المطلقة،
وحيث الرحمة
الكلية: (قل
يترفاكم ملك
الموت الذي
وكل بكم ثم
الى ربكم
ترجعون) (السجدة
- 11). هنا
لابد لنا من
التساؤل: هل
من قبيل
الصدفة أن
المعنى
الحرفي
للموت في
لفتنا، لفة
القرآن
الكريم، هو
السكون ؟ هنا
لابد من
التساؤل
أيضا: هل من
قبيل الصدفة
أن كلمة
الموت ترد في
القرآن
الكريم في ا6ا
موضعا؟. والتساؤل
لا يمكن إلا
أن يرد على
الذهن: هل من
قبيل الصدفة
أن العرب
عرفت الموت
من خلال
منهاج
التحديد
بالسلب بأنه
خلاف الحياة
وذهاب القوة،
وأنه يحصل
بتوفي
الأنفس، أي
بقبض الروح ؟
هذا
ينقلنا الى
سؤال مؤرق:
ما الروح ؟ أفق
هذا السؤال
مترامية،
بلا انتهاء،
ولكن في
نهاية الأفق
ينهض قول
الحق سبحانه
وتعالى (يسألونك
عن الروح قل
الروح من أمر
ربي. وما
أوتيتم من
العلم إلا
قليلا) (الإسراء
- 85). والموت
في جوهره قيد
على وجود
الإنسان،
ولكن حيث
هناك حديث عن
القيد، فلا
يمكن إلا أن
تكون هناك
حرية، وإلا
كان الحديث
عن القيد
عبثا ومحض
شقشقة لسان. الآن
قل لي: أي
حرية هي تلك
المتاحة لي
في مواجهة
الموت ؟ رابعا:
هذا الموت،
موتي أنا،
الذي بقدر ما
هو حتمي لا
أملك شيئا
حياله، حتى
ولا مجرد
العلم بجانب
من أسراره،
أليس مروعا
أن كل ما في
سجلات البشر
عنه منذ حط
رجل الكهف
رسومه
الأولى لا
علاقة له بي؟ كيف
؟ دعنا
نتأمل الأمر
بقليل من
الروية،
إننا نحن
غمار الناس،
نحن ملح
الأرض، نحن
الرجال
الذين
يأكلون
خبزهم بعرق
جبينهم،
والنساء
اللاتي تلدن
بالألأم،
الذين لا
ينتمي نسبنا
الى السماء
ولا رفعتنا
اليها
ثروتنا،
الذين نمضي
تحت شموس
الدنيا،
عارقين في
كدنا، ليحيا
أبناؤنا
حياة خيرا
مما قدر لنا،
لا علاقة
بيننا، على
الاطلاق،
وبين كل ما
راكمته
البشرية في
سجلاتها
حيال الموت. ربما
ليس من قبيل
التعسف القس
ل بأن ما في
هذه السجلات،
حيال الموت،
ينتمي الى
طموحات
الملوك
والنبلاء أو
جمجمات
الكهنة، أو
انفعالات
الفنانين أو
تجارب
العلماء. ولكن
ماذا عنا؟
ماذا عن هذه
الجموع
الهائلة
التي تعمر
الأرض وأقصى
طموحها لقمة
عيش للصغار؟
ماذا عن
مخاوفنا؟
ماذا عن
أحلامنا؟ تأمل
معي قليلا.
لقد كانت
نصوص كتاب
الموتى
نصوصا
مأتمية
سطرتها
أقلام
الكهنة في
إطار طقوس هي
أقرب الى
الأسرار،
التي شكلت
جزءا من
امتيازات
الفراعنة
والنبلاء
منذ أقدم
العصور الأمر
عينه ينطبق
على النصوص
السنسكريتية
العتيقة،
على نصوص
حضارات
الدنيا من
بلاد
الأزتيك الى
الصين مرورا
بكل
الحضارات
النهرية
وغيرها. ربما
لهذا،
بالضبط، خرج
نجار فقير من
بيت لحم
ليقدم لنا،
نحن الفقراء
الضائعين في
عالم استحال
غابة
للباطشين،
بشارته
وعظته على
الجبل. ربما
لهذا،
بالضبط خرج
راع فقير ابن
إمرأة كانت
تأكل القديد
في مكة،
ليحدث عن
الموت
والحياة،
أناسا أنف
سادة قريش من
مجرد الجلوس
معهم، لكن
الله أراد أن
يجعلهم أئمة
ويجعلهم
الوارثين
فكانوا كذلك.
وكانوا هم
الذين نقلوا
لنا كلمات
المصطفى (ص)،
التي تأخذ
بمجامع
القلب وتمس
النفس، حيث
يقول: "إن
الميت يسمع
قرع نعال
المشيعين له،
إذا انصرفوا
عنه". فتأمل
! خامسا:
الموت الذي
تحدد على هذا
النحو حقيقة
رهيبة الى حد
أنها يمكن أن
تبطش
بالحياة
وتحيلها
عدما، ما لم
تكن هناك قوى
مضادة، في
صميم الحياة
الإنسانية
نفسها، وفي
قرارة الوعي
الإنساني
ذاته،
تجتذبنا الى
مشاعر
السكينة
وتتيح تجاور
الحياة
والموت على
هذا النحو
العجائبي. وأحسب
أن المرء لا
يتعين عليه،
أن يرحل
طويلا في
الأرض، ولا
أن يتأمل
طويلا في
تاريخ
البشر، لكي
يدرك هذه
الحقيقة
البسيطة. دعنا
نتوقف قليلا
في الطابق
الأرضي من
متحف قبرص،
على بعد مرمى
حجر مما يسمى
بالخط
الأخضر،
الفاصل في
قلب نيقوسيا
بين شطريها،
ولنتأمل
القبر الأول،
الذي يعد من
أقدم القبور
التي عثر
عليها في
المواقع
الأثرية في "جزيرة
أفروديت". نظرة
واحدة
ستضعنا وجها
لوجه أمام
الأمرين
معا، الطابع
الرهيب
للموت، وذاك
الاستدعاء
الإنساني
المدهش
للسكينة في
مواجهته. إن
القبر ليس
إلا جزءا لا
يتجزأ من قلب
إحدى الدور
السكينة، لم
يعثر عليه
الباحثون في
البرية، في
العراء ولا
في ساحة أمام
تجمع سكني،
ولا في فناء
دار أو باحته.
وإنما في قلب
الدار
ذاتها، وفي
الوقت نفسه
وجد الجثمان
المدفون فيه
وقد وضع حجر
كبير على صدر
الجثة
! ما
الذي يعنيه
هذا؟ إن
الموت هذا
المجهول
المطلق
والرهيب،
سيدفع أهل
الميت الذي
لفظ نفسه
الأخير ربما
قبل الميلاد
بخمسة آلاف
عام، الى وضع
حجر على صدره،
لدى دفنه
تحسبا
لإمكانية
انبعاثه
وتحوله الى
قوة مجهولة
مطلقة
السراح قد
تقترن بالشر
ولكن شعورا
مدهشا
بالسكينة
سيدفع أهل
الميت الى
دفنه في
أرضية
الدار، معهم،
تماما كما
كان يعيش
بينهم، قبل
هموده
الغامض
والغريب
والملتبس،
قبل موته. وعند
سفوح
الهيمالايا
قد يتاح لك
أن تصغي الى
تلك القصائد
القصيرة
المترعة
بروح الرثاء
وهي تلقى على
نحو مفعم مع
رحيل الميت
الى مثواه
الأخير،
وستصغى الى
طقس صب
الماء
مع ترديد
أصوات
الأجراس
الفضية
الصغيرة،
وكأن هذا كلا
يستهدف بعث
السكينة في
الروح
الراحلة وفي
أعماق من
بقوا ومضوا
يلوحون لها
تلويحة
الوداع. ولكن
هذا الطقس لن
يتم قبل أن
يتجمد الدم
في عروقك مع
دوي نفير
هائل، كأنه
إعلان بحضور
قوى الموت
الغامضة
والملتبسة
والباطشة
أيضا. فهل
البوق إعلان
برهبة الموت
والأجراس
وخرير الماء
اعلان
بالسكينة في
مواجهته ؟ لا
أحد سيقول لك
ربما لأن ما
من أحد يعرف
جلية الأمر،
على وجه
اليقين. أنت
الحائر _مثلي
_الذي ستمني
في الدنيا
باحثا عن
إجابات
لأسئلة
تعذبك لتجد
نفسك في
سنوات
الرماد
مثقلا بمزيد
من علامات
الاستفهام
ربما تقف معي
في متحف
اللوفر وسط
القاعات
العتيدة
التي تضم
الآثار
الفرعونية،
لتتجمد أمام
نص لا تزيد
ترجمته عن
هذه الكلمات
"ملعون أنت،
حرمت عيوننا
نظرة الصفاء". هذا
النص ليس إلا
لعنة يضمها
قبر يعود
تاريخه الى
حوالي سبعة
آلاف عام،
وهو موجه الى
لصوص
المقابر. ما
الذي نحن
حياله ؟ لقد
افترض كاتب
هذا النص أنه
سيحيا بعد
الموت، وأن
عينيه
ستعرفان في
تلك الحياة
الأخرى نظرة
الصفاء،
وأنه لن
يسلبه إياها
إلا لصوص
المقابر
الذين
يهتكون
أسراره
ويفضون
مغاليق
لقائه مع
الموت. إنها
السكينة في
رحاب تلك
الحياة
الأخرى،
ولكن الموت
الرهيب يملك
أسراره التي
قد ينقلب كل
شي ء في ظلها
الى النقيض،
إذا ما تلاعب
لصوص
المقابر
بتكامل
معادلة
السكينة -
الرهبة هذه. ويوسعنا
أن نمضي في
الأمثلة الى
ما لا نهاية
ولكن كلمة
الصدق هي
التي تتوج
حديثنا (خلق
الموت
والحياة
ليبلوكم
أيكم أحسن
عملا، وهو
العزيز
الغفور)(الملك:
2) فالحق
تعالى قدم
الموت على
الحياة
تنبيها الى
أنه يتوصل به
الى الحياة
الحقيقية
وعد الموت
نعمة أنعم
بها على
عباده: (كيف
تكفرون
بالله وكنتم
أصواتا
فأحياكم ثم
يميتكم ثم
يحييكم ثم
اليه ترجعون
) (البقرة:
28). إنها
الرهبة، إذن،
تشف عن
انسانيتنا،
لكنها تفسح
المجال لأفق
لا ينتهي من
السكينة في
رحاب النعمة
الأسمى
والأعظم. سادسا:
الموت، في
جوهره "حد"
أو "نهاية"،
ولكنه في
الوقت نفسه
حد يمض بنا
وراء كل
الحدود،
ونهاية
تقودنا الى
ما وراء كل
النهايات. والمأساة
الحقيقية
هنا هي أننا
بدلا من أن
نتأمل الموت
ونفهمه
بمعناه
الصحيح، أي
من حيث
ارتباطه
بالحياة،
فإن المكتبة
العربية
تعرف دفقا
مروعا من
الكتب التي
تدور حول
القبر،
وعذابه،
ومخاوفه،
وبالتالي
فإنه في غمار
هذا كله يغيب
البحث
والنظر
الجاد في
الحياة
والموت على
السواء. لقد
كان زمّل هو
الذي قال "إن
الحياة
تقتني
بطبيعتها
الموت
بحسبانه هذا
الشيء الآخر
الذي
بالنسبة
اليه تصير
شيئا والذي
بدونه لن
يكون لهذا
الشيء معناه
وصورته
". هذا
القول الذي
يندرج في
صميم المذهب
الحيوي، يصب
في أن الحياة
تقتني الموت،
وما هو حي هو
وحده الذي
يموت، وما
الموت إلا حد
للحياة، هو
الصورة التي
تلبسها
الحياة
وتحطمها من
بعد، وهي
صورة لا توجد
في اللحظة
الأخيرة
فحسب، وإنما
في كل لحظة
من لحظات
الحياة. وربما
كان هذا
الفهم، أو
بالأحرى
الحرص على
تملك ناصيته،
وإيضاحه، هو
الذي
يبرر وجود
هذه الصفحات
بين يدي
القاريء،
فالإدراك
الأفضل
والأكثر
عمقا للموت
هو نفسه،
يقينا، من
أهم المداخل
الى الحياة
أكثر
امتلاء،
وخصبا،
وعطاء. وقد
كان من
الطبيعي أن
ينعكس إدراك
الإنسان
لأبعاد
مشكلة الموت
منذ وقت
بعيد، في
تعبيره عن
مشاعره حيال
هذه المشكلة،
ويبدو ذلك
كأوضح ما
يكون في !لأساطير
والملاحم،
والتراجيديات
الإغريقية،
ومسرح النو
الياباني،
والجداريات
الكنسية
وشعر
الشعراء منذ
أقدم العصور
وصولا الى
قصائد
المنعطف
الرابع
للقرن
العشرين. لكنني
أزعم أن
التعبير عن
مشكلة الموت
في الفن لا
يحلق الى قمة
شموخه إلا في
الموسيقى
الكلاسيكية،
وإن من أهم
الأعمال في
هذا الإطار،
وأكثرها
جدارة
بالاهتمام
والتحليل
والتذوق
متتالية
موديست
بتروفيتش
موسورسكي "أغنيات
الموت
ورقصاته
". هنا
قد يبادر الى
الإعتراض
على الفور من
يقول
متسائلا: أ
- من الذي قال
إن الموسيقى
الكلاسيكية
هي التعبير
الفني
الأكثر سموا
وتألقا
وتحليقا عن
المشاعر
الإنسانية
في مواجهة
مشكلة الموت
؟ ب
- من الذي قال
إنه حتى في
إطار
الموسيقى
الكلاسيكية
تعتبر
متتالية
موسورسكي من
الأعمال
الجديرة
بالاهتمام
والتحليل
والتذوق على
نحو يفوق
غيرها من
أعمال
عمالقة
الموسيقى
الكلاسيكية؟ في
مواجهة
الاعتراض -
التساؤل
الأول -
سأبادر، على
الفور، الى
التسليم
بأنه لا حصر
للتعبيرات
الفنية
الإنسانية
البالغة
الرقي عن
المشاعر
الإنسانية
في مواجهة
الموت. ولست
أملك إلا
التوقف
طويلا أمام
الفكر
الأسطوري،
في تعامله مع
هذا اللقاء،
الصدام بين
الحياة
والموت،
وانني على
تمام اليقين
من أن
الملايين من
الناس جيلا،
وراء جيل قد
توقفوا أمام
الموت في
أسطورة
إيزيس
وأوزوريس،
وفي أساطير
العالم شرقا
وغربا. وشأن
الكثيرين
أيضا فإنني
لا أملك
الوقوف
طويلا عند
مشاعر
جلجامش، وهو
يرى صديقا،
انكيدو يسقط
في قبضة
الموت، فلا
يملك إلا أن
يقع بدوره في
هاوية الحزن،
وينطلق،
رعبا من
الموت، يبحث
عن الخلود،
ويوضح لنا
موقفه، إذ
يقول: لقد
أفزعني
الموت حتى
همت على وجهي
إذا مت أفلا
يكون مصيري
مثل انكيدو؟ والى
أتونا بشتيم
أخذت طريقي
وحثثت الخطي
لأسأله عن
لغز الحياة
والموت. والمرد
لا يمكن إلا
أن يتوقف
طويلا عند
هوميروس،
وهو يجعل ظل
أخيل يهتف،
ضارعا: "أناشدك،
يا أوديسيوس
الشهير، الا
تتحدث برفق
عن الموت،
فلان تعيش
على الارض
عبدا لآخر
خير من أن
تحكم كملك لا
ينازعه
السلطان أحد
في مملكة
الاشباح
اللاجسدية
". ولا
يمكن إلا أن
يجتذب
اهتمامنا،
بقدر نفسه،
موقف عمالقة
التراجيديا
الاغريقية
من الموت،
وقد كان
يوربيديس هو
الذي اختزل
هذا الموقف،
في إيجاز
واقتدار،
بقوله: "ليس
هناك ما هو
أكثر عذوبة
من رؤية نور
الشمس"
وكذلك قوله: "عندما
يدنو الموت
لا يعود أحد
يرغب في
الهلاك، ولا
تغدو
الشيخوخة
عبثا" ومن ذد
الذي يستطيع
نسيان كلمات
سوفوكليس
الخالدة: "من
بين العجائب
العظمي
جميعا ليس
هناك ما هو
أعظم من
الإنسان...
الموت وحده
هو الذي لا
يجد الإنسان
شفاء له"؟ والمرء يتوقف طويلا عند مسرحيات النو اليابانية الرائعة وخاصة تلك التي كتبها زيا مي، الدراماتورجي الياباني العظيم قبل قرون حيث نلتقي بتلك المقاطع التي يرثي البطل نفسه فيها، وقد اتخذ صورة هامشية، بعد أن أطاح به الموت من علياء البطولة والمجد، ليسقط في وهدة الظلال الشبحية المترعة بالآلام | |||||