عمر الخيام عند المستشرقين

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ترجمها عن الفارسية يوسف حسين بكار


ترجمها عن الفارسية يوسف حسين بكار استاذ النقد الأدبي بجامعة اليرموك / عميد البحث العلمي والدراسات العليا (سابقا)

إشارات

- تشيرالأرقام بين المعوقين [] في المتن الى رقم الصفحة في الكتاب المترجم عنه.

- ما بين الزلم ولتين <> في المتن من اضافات المترجم التوضيحة.

- يرمز الحرف "ر" في الحواشي الى "الرباعية"، أما الرقم الذي يليه، فرقم الرباعية في "الترجمه " المأخوذة منها.

- الحواتثي المسبوقة بأقواس تعلوها نجمة()  * هي حواشي مؤلف الكتاب. وقد يتلو بعضها تعليق أوإضافة من الترجم.

إضاءات
-
ا-
علي دشتي (1274) أو 1275 - ديماه 1360 شمسي (مؤلف الكتاب الذي ترجم منه هذا البحث كاتب أدبي وسياسي؛ وهو ابن الشيخ عبدالحسين الدشتستاني. ولد في قصبة دشتستان، وقضى سنوات في العراق حيث درس العلوم القديمة. عاد الى ايران وانخرط في السياسة، وأصدر في (11 إسفند عام 1300 شمسي) جريدة "شفق سرخ "(الشفق الأحمر)، وظل مديرا لها حتى(11 إسفند عام 1309 شمسي )إذ آلت إدارتها الى "مايل تويسر كاني " حتى توقفت عن الصدور في(28 أسفند عام 1313 شمسي). كانت المجلة تهتم كذلك بالموضوعات الأدبية وكان يكتب فيها نخبة من الأدباء الشبان ممن أضحوا أبرز أدباء أيران وكتابها، من مثل: سعيد نفيسي  ورشيد ياسمي، وعباس إقبال، وسيد محمد محيط طباطائي.

تقلد دشتي غير منصب، إذ ترك الصحافة الى عضوية بعض المجالس، والوزارة - لمدة قصيرة -، والعمل الدبلوماسي سفيرا لإيران في مصر ولبنان ؛ كما تولى إدارة الرقابة على المطبوعات.

كان يعرف العربية، وقد ترجم عنها الى الفارسية بعض الكتب التي ترجمها العرب عن الإنجليزية. خلف آثارا علمية كثيرة ترجم المرحوم محمد صادق نشأت أحدها: "قامرو سعدي" (آفاق أدب سعدي) الى العربية (1). 
-2-
كتاب علي أشتي "دمى باخيام "(لحظة مع الخيام) أو (بحثا عن الخيام والرباعيات) من أفضل المؤلفات العلمية التي عرضت للخيام ورباعياته، لأن صاحبه عني، بمنهج علمي دقيق، عناية قصوى بالبحث الجاد عن السمات الحقيقية لعمر الخيام ومحاولة الكشف عن رباعياته الأصلية وتحديدها، لكثرة ما قيل في الخيام وما أضيف اليه من ترهات وأساطير، ونسب اليه من رباعيات غطت على الرباعيات الأصلية، التي يظن أنها قليلة جدا، وحجبتها حتى أضحى «فرزها» واستخراجها من بين هذا الركام الهائل من الرباعيات المنسوبة مشكلة من المشكلات وأمرا عسيرا يحتاج الى كثير من الأدلة التاريخية والقرائن العلمية والموازنات الأدبية، والى سبر أغوار روح عصر الشاعر سبرا دقيقا.

والبحث الحاضر هو المبحث السادس من القسم الثاني: "في البحث عن الرباعيات" من الكتاب (مطبعة سبهر - طهران. ط 4: 1978) يتناول فيه صاحبه أظهر مسألة أو قضية في جهود خمسة من كبار المستشرقين الخياميين المعروفين في أهم أثر كل واحد منهم أو مجموعة آثاره عن الخيام والرباعيات بالنقد العلمي الدقيق الشامل الكاشف المستند الى معرفة عميقة ثرية بالخيام في آثاره وسماته ومصادر أخباره ورباعياته، الى دراية بالأدب الفارسي وأعلامه ومناخاته وعصوره ومشكلاته. وهولا، المستشرقون هم: فيتزجيرالد الإنجليزي صاحب أشهر منظومة خيامية تتعانق فيها الترجمة والإبداع: وكريستنسن الدانماركي الذي اجتهد، ولكل مجتهد نصيب، ما وسعه الجهد وأعانته إمكانات زمانه أن يتوصل الى أصيل الرباعيات من دخيلها: والدكتور ووزن الألماني الذي حاول أن يكون معياره. في البحث عن رباعيات الخيام الأصيلة، الرباعيات المذكور فيها اسمه ؟ والروسي زوكوفسكي أبو نظرية «الرباعيات العاثرة / الجائلة» بين دواوين شعراء ما بعد الخيام ؟ وبييرباسكال الفرنسي الذي ترجم مجموعة من (400) رباعية، اختارها هو، ترجمة أمينة دقيقة: بيد أنه، كفيتزجيرالد، لم ينشط للعثور على رباعيات الخيام الأصيلة بأي جهد تحقيقي ولم يعن بفرز أصيلها من الدخيل.
-3-
ينهج المؤلف في كتابه نهجا خاصا جدا، وكأنه يكتب للخاصة والمختصين فحسب، فهو ينقل النصوص والمعلومات عن مصادرها، ويكتفي بذكر العلم المشهور به المؤلف في أغلب الأحيان دون أن يذكر اسم الكتاب أو الجزء أو رقم الصفحة: وفي هذا ما فيه، كما يقول الفلاسفة. فالمترجم - أي مترجم - في حاجة الى كل هذا، وإلا كبر حمله وزادت مشتقاته، وهو ما وقع لي في ترجمة هذا المبحث. فلقد حرصت - والحرص مطلوب وواجب في الترجمة العلمية - على أن ألاحق مصادر المؤلف فيه، وفي الكتاب بعامة، وهي مصادر صعبة المنال. وأحمد امته أن وفقني الى أن أصل اليها فقد أعانتني أي عون، ولولاها كما تشهد الحواشي، لظهرت الترجمة في لبوس آخر.

الترجمة

فلقد نهد المستشرقون قبلنا، للبحث عن الخيام، وشغلوا بالرباعيات المنسوبة اليه أكثر منا، بيد أن تقص ما انجز وه فيه وإعداد ثبت دقيق بكتبهم وبحوثهم عنه، وبترجماتهم المختلفة للرباعيات يتطلب تنقيبا واسعا وسنوات طوالا ليس في مكنتي النهوض به ولا هو من شأن كتابي. يقول بيير باسكال «يستحيل تقريبا، إعداد ثبت واف بكل الترجمات والأعمال التي كتبت عن الخيام في المائة سنة الأخيرة».

ليس هدف هذا الفصل بآخرة، الوقوف عند أعمال كل الذين عرضوا للخيام أو ترجموا الرباعيات، خاصة أن أغلبهم لم يعنوا بالتثبت من صحيح الرباعيات، التي بين أيدينا، من منحولها وفرزه ؟ بل كان وكدهم ملاحقة نسخها الخطية وعد كل ما فيه الخيام دون «لأن» و «لماذا» حتى غدت رباعياتها أصولا لترجماتهم [235] باستثناء كريستنسن وآخرين غيره. ولا بأس، لهذا في أن نلقي نظرة إجمالية على آثار بعض هؤلاء الخياميين اللذين تناول كل منهم الخيام بنحو خاص.

منظومة فيتزجيرالد
ليس من شك في أن يتصدر فيتزجيرالد (2) الأوروبيين، عند الكلام على جهودهم في الخيام، وإن لم يكن أول من عني به ؛ بل كان أول من اكتشفه وأذاعه في الخافقين، لقد خلد هذا الفنان الأنجليزي بمنظومته الرائعة القيمة اسمه هو، وشهر الخيام عالميا. غير أن ما هو قمين بأن تلفت إليه الأنظار أن فيتزجيرالد لم يدرس الخيام، ولم يبذل أي جهد للتوصل الى رباعياته الأصيلة. وكل ما فعله أنه استلهم عددا من الرباعيات وأبدع منها رائعة مستقلة
.

ويفضل، إذا ما أردنا أن نتعرف على حقيقة صنيعه، أن نستفيد من تحليل مسعود فرزاد (3) القيم لمنظومة فيتزجيرالد وجهده الدقيق القمين بالثناء في مطابقة كل رباعية بالرباعية(أو الرباعيات) المستوحاة منها، بإيراد بعض ما قاله في هذا الصدد "لقد سطع شعاع إلهام الخيام، قبل قرن(4)، على صفحات ذهن فيتزجيرالد فاستطاع هذا الرجل الألمعي [336] أن يصوغ واحدة من الروائع الأدبية الخالدة في الأدب الإنجليزي، وهي "منظومة" في مائة رباعية ورباعية (5) (101)، تنظر كل واحدة منها. (شكليا) الى الرباعية الفارسية المشكلة من أربعة مصا ريع..."

المحور الأساسي في عمل فيتزجيرالد أنه هو نفسه الذي صنع خطته الانتقادية، ولم يكن قي صدد أن يترجم رباعية برباعية، بل أراد لمنظومته أن تكون بيانا لمسيرة يوم كامل في حياة الخيام يشتمل على تعريف جامع بأفكاره وأطواره: تطلع الشمس، فتفتح الحانة. الخيام يقظ يفكر، لكنه يروح يغرق رويدا رويدا، وهو يشرب، في بحر الفخر مأخوذا بفناء الحياة وعجز العقل البشري عن حل لغز الوجود وكثير من المشكلات والمنغصات الأخرى. يغضب حينا، ويعصى حينا، لكنه يبث في الحالين أفكاره وأحاسيسه. وحين يسكن عنه السكر، ويسدل الليل أستاره ويتلألأ القمر، يغوص في بحر الفكر من جديد. وينشغل، في نهاية المنظومة بالوصايا...

لقد عمد فيتزجيرالد، لكي تستقيم له هذه الخطة (أي حصيلة يوم افتراضي كامل في حياة الخيام، الذي يتضمن، دون ريب، ما يشبه ترجمة لرباعياته أيضا) الى اختيار رباعيات مستقلة متفرقة، مما يشك في نسبة أكثرها الى الخيام [337[، وفق معياره هو وما يتلاءم مع خطته، ومنحها، من هذا المنطلق الأدبي نفسه، ترتيبا خاصا، واتخذ كل واحدة منها أساسا فكريا لرباعيات منظومته. وأنى وجدت رباعية في المنظومة الإنجليزية مؤسسة على رباعية فارسية، فاعلم انها ترجمة حرة لها. ولقد أعلن فيتزجيرالد أنه مزج، في مواضع كثيرة، بضع رباعيات فارسية وصاغ منها جميعا رباعية من رباعيات منظومته(6)* وألف ادوارد هيرون ألن (7) Edward Heron Allen  عام 1899 كتابا علميا دقيقا (8) عن صلة رباعيات "منظومة "فيتزجيرالد برباعيات الخيام الفارسية، وخلص الى ما يلي:

1-  تسع وأربعون (49) رباعية ترجمت كل منها ترجمة حرة جميلة عن رباعية فارسية من نسخة "دبودليان" أو "كلكتة ".

2 - أربع وأربعون ( 44) رباعية ترجمت كل منها عن رباعيتين فارسيتين أو بضع رباعيات، ويصح أن تسمى "رباعيات مركبة".

3 - رباعيتان مترجمتان عن رباعيتين لا توجدان إلا في طبعة "نيقولا" (9).

4 - رباعيتان تمثلان روح أشعار الخيام كافة

5 - رباعيتان متأثرتان بأبيات من "منطق الطير" لفريد الدين العطار (10).

6 - رباعيتان تمثلان تأثير غزليات "حافظ الشيراري" (11).

7 - رباعيتان، في الطبعتين الأولى والثانية، من منظومة فيتزجيرالد لا يعرف عن أي أصل ترجمها.

إن فيتزجيرالد مدين في معرفته بالفارسية وآدابها لتشجيع ادوارد كول Edward Qowell ومساعدته. وكان جل اعتماده على نسختي "بودليان" و "كلكتة".

جعل فيتزجيرالد يتعرف تدريجيا بالاستعانة بكتاب نحو فارسي ومعجم عربي فارسي انجليزي وبسؤال كول مرارا، على بضعة كتب فارسية من مثل: رباعيات الخيام، و "غزليات " حافظ الشيرازي، و "كلستان " وسعدي الشيرازي (13)، و"هفت بيكر" نظامي الكنجوي (13)، و "منطق الطير" فريد الدين العطار، و"سلامان وابسال " عبد الرحمن الجامي (14).

وأعطى كول الخيام في تموز 1856 نسخة مكتوبة من نسخة مكتبة "بودليان"، ومنذ ذلك الوقت، وقد كان عمره سبعا واربعين سنة بدأت صلته بالخيام. وفي حزيران 1857 وصلت اليه، بطلب من كول، صورة من نسخة أخرى من رباعيات الخيام كانت في "كلكتة".

تحتوي نسخة "بودليان" على مائة وثمان وخمسين (158) رباعية، وتضم نسخة "كلكتة" خمسمائة وست عشرة (516) رباعية، ولقد قرأهما فيتزجيرالد بدقة وقابل بينهما، ثم انشأ منهما معا منظومته [339[.

لقد نافت مدة انشغال فيتزجيرالد بمنظومته شبه الخيامية على عشرين عاما، اصدر، في خلالها، أربع طبعات منها بشيء من التنقيح كل مرة. وصدرت بعد وفاته، ضمن آثاره الكاملة،طبعة خامسة، وهي جميعا كالتالي:

1859: 75  رباعية.

1868: 110  رباعيات.

1872: 101  رباعية.

1879: 101  رباعية.

1889: 101  رباعية.

وعلى الرغم من ان فيتزجيرالد يسمي عمله "ترجمة"، وهو يمثل بالطبع بؤرة ترجمة اساسية، فان فنه النقدي المنظم في العمل كله ليطغى على فن ترجمته. وقد أدرك هو نفسه هذا،فقال عن الخيام وشعراء إيرانيين لاسميا فريد الدين العطار وعبدالرحمن الجامي "إن هؤلاء الشعراء الايرانيين في حاجة الى قدر من الفن يهب آثارهم نسقا متساوقا.

وأحسب اننا اذا ما اعترفنا، بحق، بأن فيتزجيرالد هو الذي ابتكر مخطط منظومته النقدي، أدركنا بنحو أفضل معيار الأهمية النسبية لفيتزجيرالد المترجم، وأعفينا أنفسنا من مشاق الاهتداء الى تعريف لمصطلح "ترجمة" يتواءم مع هذا الأثر العظيم. بيد أنه ما من شك في أن ثمة من يعدون منظومة فيتزجيرالد [340] ضرجا من الترجمة.

ومهما يكن من أمر، فقد قيل في تقريظها أنها أشهر ترجمة لأثر شرقي، وأجمل ترجمة وأشهرها في الإنجليزية بعد الكتاب المقدس الذي يعد نموذجا للبلاغة في الإنجليزية.

أفبعد هذا التحليل الدقيق النير الوجيز داع لأن يقال أن منظومة فيتزجيرالد أنموذج رائع متميز تنبعث منه أنفاس الخيام ؟ إن ما يثار من نقود ومآخذ من هنا وهناك بان فيتزجيرالد لم يترجم الرباعيات كلمة بكلمة أو جملة بجملة، أو أن المائة رباعية ورباعية ليست خالصة كلها للخيام، بل انداحت فيها رباعيات شعراء آخرين، إن هذا كله لا يقبل بتمامه وعلى عواهنه. فالرجل لم يكن محققا يسعى الى تبين الرباعيات الأصيلة، ولم يكن مترجما ضليعا ليترجم الرباعيات حرفيا، بل هو شاعر بكل ما للكلمة من معان، وذو روح تأثرية أملت عليه أن يتقمص الخيام ويتمثل شاعريته، ثم يبدع رائعته هو.

علينا أن نقبل منظومة فيتزجيرالد بحالتها التي هي فيها ونقدرها، فهي ليست، بأية حال، ملاك، رباعيات الخيام الأصلية (15).

خيام كريستنسن
ليس ثمة شك في أن كريستنسن (16) هو أكثر المحققين الأجانب تعقبا للخيام، وصاحب دراسات دقيقة فيه [241[ فقد ألف ؛ بدءا، كتابا علميا (17) عام 1904 من ثلاثة فصول:

الأول، تاريخ ونقد؛ والثاني: خصائص الإيرانيين القومية وذوقهم الأدبي ؛ والأخير: بحث في رباعيات الخيام. ووزع فيه الرباعيات، من حيث المضمون، في أقسام، من مثل: القضايا الإنسانية، واهتبال الحياة، والتأمل في الحياة والمصير، وأهمية الأخلاق والتوبة.

واستشهد في كل فصل برباعيات من رباعيات الخيام ونظائرها عند شعراء آخرين من مثل: سعدي الشيرازي، وأمير معزي (18)، وناصر خسرو (19)، ونظامي الكنجوي، وأبي العلاء المعري ؛ وهو ما ينم على سعة إطلاعه في الأدب الفارسي.

غير أن الذي يؤسف له أن دراسته لا تستند الى أساس متين، لأن كثيرا من المصادر الموثوقة، نسبيا لم تكن معروفة آنذاك، بل جعلت تظهر تباعا. لقد كانت مخطوطة "بودليان وثلاث أو أربع نسخ خطية في مكتبات باريس وبرلين من أكثر مصادر المحقق الدانماركي وثوقا، أما سائر مصادره،فمجموعات "مخازن"، كتلك التي طبعت في "بمبي"، و "لكنهور واستانبول، وطهران، والتي يضم بعضها ما يزيد على سبعمائة (700)  رباعية عجيبة غريبة (20).

وحسبنا إذا ما أردنا أن نتبين أهميتها من عدمها، أن نقول إن مجموعة "نيقولا"، وهي أكثر هذه المجموعات المطبوعة اعتبارا، تضم أكثر من أربعمائة ( 400) رباعية لا تناسب بينها، جمعها من شعراء مختلفين، حتى أن كريستنسن نفسه يشك،بحسه النقدي الأصيل، في أصالتها ويستشهد، ليدعم شكه وتردده بقول المحقق الروسي زوكوفسكي "لا علينا بالخيام الفيلسوف العالم، لكن أيتسنى لامريء له مشاعره الخاصة أن تصدر عنه كل هاتيك التصورات المتناقضة والأنماط المتباينة:أخلاق ورذيلة ؛ مسلك شريف وأسر في عقال الشهوات ؛ فكر عظيم في أمور الحياة وسقوط في مباذل سوقية...؟".

لقد أجاب كريستنسن، بجلاء عن هذا السؤال المحير وأرجع أسبابه الى عدم أصالة هذه الرباعيات ؛ وساق، ليؤيد وجهة نظره، ملاحظة دقيقة وجيهة، هي أن أقدم نسخ رباعيات الخيام نسخة " بودليان " التي كتبت عام 865 هـ وتضم (158) رباعية إلا أن عدد الرباعيات وصل الى ثمانمائة ( 800) في المجموعات الأخرى في القرون الثلاثة التالية لهذا التاريخ. واذا ما وصل عدد الرباعيات الـ(158) هذه الى ( 800) رباعية في ثلاثة قرون، أفلا يجب أن يشك، أيضا، في رباعيات نسخة بودليان الـ(158) هذه، وقد كتبت بعد حوالي ثلاثة قرون ونصف القرن من وفاة الخيام ؟ا.

ويرى بعد هذه الملاحظة، رأيا جديرا بالتقدير، وهو أن على الرغم من الشك في هذه الرباعيات، فإن هذا لا يقدح في أهميتها التاريخية والشعرية ولا ينال منها. أي يجب أن تفصل عن الخيام وتعد وليدة روح ايرانية تعبر عن الثورات السياسية والدينية والخلافات الاعتقادية والصراعات التي كانت تحتدم بينهم دائما. قد يكون [243] الخيام هو الذي بدأ بهذا وأعلنه،ثم لقفه الآخرون فبسطوه وتوسعوا فيه. ونستطيع أن نستشف من الرباعيات "العائرة" (الجوالة) التي نسبت الى الخيام، وهي في دواوين شعراء آخرين، أن الرباعيات الصوفية والرباعيات التي تنطوي على الغزل والعشق هي من الرباعيات المنسوبة التي أضيفت.

بيد أن كريستنسن، على دقة نظره وأسلوبه النقدي الدقيق، وقع في أخطاء أهمها "الأصل" الذي اتخذه للعثور على رباعيات الخيام الأصيلة ؛ فهو يرى أن ليس ثمة معيار لمعرفة الأصيل من الدخيل، وأن موضوعات الرباعيات المنسوبة الى الخيام مختلفة ومتناقضة بحيث يصعب معرفة صحيحها من السقيم. لقد افترض أن الرباعيات المذكور فيه اسم الخيام له،وعددها، وفقا لصنيعه، اثنتا عشرة ( 12) رباعية، يضاف إليها رباعيتا "مرصاد العباد "( 31)، فتكون أربع عشرة ( 14) من(500) رباعية منسوبة الى الخيام هي التي يمكن أن تعد له الى حدما.

ولم تكن قد ظهرت بالطبع، عام 1904 الذي ألف فيه كتابه، نسخة الدكتور روزن ورباعيات "مؤنس الأحرار "(22) الثلاث عشرة، ورباعيات "نزهة المجالس " (23) ورباعيات الوثائق الأخرى، ولم تكن والحال هذه للباحث الدانماركي من حيلة لتكوين رأي أوضح نسبيا عن رباعيات الخيام.

أما "المعيار" الذي اتخذه لمعرفة رباعيات الخيام الأصيلة، فمطعون فيه، بل يمكن أن يقال رأسا أنه يبتعد عن الجهة التي يجب أن يتحرك فيها. ففي الاثنتي عشرة رباعية المذكور فيها

اسم الخيام قرائن تشي بأنها ليست له، بل يقال أن بعضها رد على الخيام، وبعضها معارضة له، وبعضها دفاع عنه، وبعضها تقليد له، وإنني لمتناولها واحدة واحدة.

وتوج كريستنسن قي عام 1927 دراساته وتحقيقاته بتأليف كتاب آخر ( 24)، لأن الوثائق تزايدت ؛ وأصبحت دائرة بحثه تشتمل على ثماني عشرة (18) نسخة خطية، هي نسخ المتحف البريطاني والمكتبة الوطنية بباريس، ومكتبة برلين الحكومية ومتحف ليننغراد الآسيوي، ونسخة الدكتور روزن الخطية ونسخ مكتبات اكسفورد وكلكتة. يضاف الى هذا

رباعيات "نزهة المجالس" الإحدى والثلاثون، ورباعيات "مؤنس الأحرار" الثلاث عشرة... وقد اختار، بآخرة، مائة وإحدى وعشرين ( 121) رباعية من رباعيات هذه النسخ جميعا وعددها (1213) رباعية. ويدل منهجه في اختيار هذه الرباعيات على نفاذ بصيرته وحسه النقدي. وعلى الرغم من أنه أوصل رباعيات زوكوفسكي السيارة وعددها (82) رباعية الى مائة رباعية ورباعية ( 101)، فإنه هو نفسه لا يرى في هذا الصنيع فائدة تذكر في كشف الواقع والاهتداء الى رباعيات الخيام الأصيلة.

إنه يشك في الرباعيات ذات النزعة الصوفية المنسوبة الى الخيام، لأن عددها، في نظره، يزداد ما تأخر تاريخ النسخة التي تضمها، ولأنه لا يطمئن الى المجموعات المرتبة هجائيا، فهذا النظام لم يتداول الا منذ القرن التاسع الهجري، ولأن الجماع رغبوا في أن تكون للخيام رباعيات على جميع حروف الهجاء فتساهلوا في قبول الرباعيات. أما المجموعات المرتبة وفق الموضوعات [245] من مثل: وصف الله تعالى، والتوحيد، والتوبة، والتضرع، فلا يطمئن إليها كثيرا. وعلى الرغم من أن تحريات المستشرقين لم تراوح، عادة، حدود النسخ الخطية ومداراتها، وأقدمها نسخة بودليان، فإن كريستنسن يشك في بعض رباعياتها لفظا ومعنى، ويرى أنها بعيدة عن كلام الخيام وفكره. غير أنه اختار، مع هذا، مائة واحدى وعشرين (121) رباعية وفقا لمعيار "التواتر" أي أن الفيصل في انتخاب الرباعية يرتد الى تكريرها في أكثر النسخ. لكن هذا المعيار هو مبعث العثور بين رباعياته الـ(121) 1لمختارة على رباعيات كثيرة قد يشك في أصالتها بسرعة حتى يصعب عد بعضها للخيام.

ولما لم يكن من هدفنا هنا أن نفرد المجال لبحث نقدي، ونطرح الرباعيات المشتبه بها على بساط البحث واحدة واحدة، فبحسبنا أن نشير الى بضع رباعيات في الاستغفار والتوبة في هذه المجموعة تتعارض مع أحد المعايير التي اعتمدها المحقق الدانماركي نفسه في معرفة رباعيات الخيام الأصيلة من مثل (25):

أنا عبدك العاصي، فأين رضاكا؟

ولقد دجا قلبي فأين سناكا؟

إن كنت تمنحنا الجنان بطاعة

يك ذالنا بيعا، فأين عطاكا؟

فمن الجلي جدا أن قائل رباعية كهذه ليس سوى متشرع قشري، وغريب عن كل ما يمت الى الفكر الفلسفي بصلة، وأولى بها أن تنسب  [246] الى الشيخ عبدالله الأنصاري (26) أو أحد اتباع مذهبه من أن تضاف الى من يقول (27):