الفلسفة ومستقبل قريتنا الأرضية

عبدالغفار مكاوي
كاتب ومترجم من مصر، أستاذ تاريخ الفلسفة بجامعة القاهرة


هذه أفكار دامعة أو دموع فكرية أذرفها استجابة لطوفان الدموع التي تفيض أمامنا كل يوم. في نشرات الأخبار وفي الصحف اليومية - من عيون الألوف المؤلفة من ضحايا العدوان الوحشي والقتل الجماعي وذبح النساء والعجائز والأطفال، ومن عيون الرضع والشيوخ والشباب، ومن فواجع اللاجئين والمشردين نتيجة الاضطراب الشامل على أعتاب ما يسمى بالنظام العا لمي الجديد... وهي تنبع من حيرة المتفلسف أو المشتغل بالفلسفة.

ولا أقول الفيلسوف، لأنه لم يزل غائبا عن ساحة الاضطراب العالمي والمحلي كما تعبر عن يأسه وغضبه من عجزه وعجز معرفته وفكره عن مواجهة البركان المتفجر في كل مكان بأدواته وامكاناته التقليدية، وعن خيبة "الحكمة الخالدة" إزاء الجنون الذي يوشك أن يغرق جنس "الحيوان العاقل" ويدمر وجوده، ويزري بكل ما يعتز به من تقدم وتطور واستنارة وحضارة وعلم وفن... الخ، كادت كلها -أمام أهوال الفظائع الفاجعة -أن تستحق الالقاء بها في أقرب صندوق للقمامة.. وهي تنطلق من فكرة توقفت عندها طويلا لفيلسوف الحياة والاجتماع جورج زيميل (1858 - 1918 ) عبر فيها عن دهشته من أن الفلسفة في تاريخها الطويل لم تكترث بعذاب الإنسان وتعذيبه عبر العصور (1) وقد التقط هذه الفكرة فيلسوف آخر معاصر - هو "أدورنو" (1903 - 1969 ) أحد أعضاء الجيل الأول البارزين للمدرسة النقدية الجدلية المعروفة باسم مدرسة فرانكفورت، فأقام عليها فلسفة متشائمة عن التاريخ الذي لم يكن في رأيه سوى تاريخ القمع والقهر والتسلط على الإنسان والطبيعة، كما اعتمد عليها في مراجعته النقدية لفكرة التنوير بوجه خاص بعد نكسته المروعة مع زحف جحافل النازية والفاشية، وبشاعة الكوارث التي تسببت فيها أسطورتها اللاعقلانية المدمرة..

من الصعب اذن أن أكون "عقلانيا" وأنا أرى العقل يتردى في ظلمات "اللاعقل" الارهابي الذي يجوس خلاك العالم كالكابوس، ويتربص بنا جميعا في حياتنا اليومية وفي كل الزوايا والأركان - على الرغم من اقتناعي الكامل بأن تحكيم العقل والاهابة به هو المطلب الأسمى في وجه الكوارث العاصفة.

ومن الصعب أن أكون نقديا وتحليليا لأضع عناصر الموقف الإنساني الراهن في ميزان النقد الموضوعي، بينما تختل كل الموازين وتهتز، على الرغم من اقتناعي أيضا بأن "النقد الفلسفي" مدعو في هذه اللحظة أكثر من أي لحظة أخرى الى القيام بدوره في تحليل الواقع بكل أبعاده، وتجاوز أوضاعه القائمة، ومراجعة قيمه ومعاييره السائدة بغية تغييره من جذوره - كما أنه مدعو كذلك أو ربما قبل ذلك الى ممارسة النقد على الفلسفة ذاتها: على مفهومها وطبيعتها ومناهجها والغاية منها، على نحو ما حدث على الدوام في أوقاف الأزمات والتحولات الكبرى، ومع ولادة كل فيلسوف عظيم وكل فلسفة أصيلة منذ القدم وحتى اليوم..

ومع اعترافي بعجزي تجاه المحن والمآسي المتلاحقة عن أن أكون عقلانيا ونقديا كما ينبغي لكل منتم الى الفكر الفلسفي، فسوف أجدني مضطرا - بحكم الطبع أو بحكم الضرورة التاريخية القاسية - الى اتخاذ موقف أقرب ما يكون الى مواقف فلاسفة الحياة الذين يلجأون الى الشعور والتعاطف والحب أكثر مما يلجأون للعقل الذي يحددون مجاله، ويقصرون استخدامه على ميادين العلم والعمل، كما يتبنون منهج الحدس الأقدر في رأيهم على سهم النفاذ الى صميم الحقيقة الحية والتغلغل في نهر الصيرورة والفعل المتدفق، هذا الفعل الذي بلغ - كما أشرت من قبل - حد التفجر والتدهور والجنون الوحشي المستعر.

لذلك لن أعد القارئ بأكثر من أفكار مؤقتة تحتاج الى جهد أكبر وقراءات وتأملات أعمق ربما تتيحها الأيام في وقت وتساعدها على النضوج. وسيكون حالي أشبه بمن يحاول رسم لوحة أو وضع لحن موسيقي في الوقت الذي تشتعل فيه نيران الحرب من حوله أو تنهال سياط الجلادين في معتقلات العقاب والتعذيب على جسده، أو يسقط سقف البيت فوق رأسه.

- 2 -

أمامنا المسرح العالمي المخيف تدور على خشبته الأحداث المخيفة : تطرف وتعصب وعنف وإرهاب،عصابات "مافيها" وشركا ت احتكار عابرة للقارات ومصاصة للدماء، شعوب كاملة مهددة بالإبادة والتشريد والأوبئة والمجاعات، حوالي بليون من البشر يعيشون تحت المستوى الأدنى للحياة الإنسانية، حكام بالاسم وحده وهم في حقيقتهم سفاحون بالجملة، كأنما انشقت عنها قبور الآشوريين أو الرومان أو المغول والتتار، تخريب للبيئة والأرض - مهد البشر ولحدهم - تحت ضغط الضرورات الاقتصادية أو التجارب النووية أو التقانة (التكنولوجيا)

الصناعية التي أفلتت من كل الحدود وأوشكت أن تغتال الخضرة في كل مكان، سخط وبطالة وجريمة وضجيج وفقدان للمعنى - لاسيما بين الشباب الثائر بلا ثورة في أرجاء العالم كله..  على الجملة : غياب الحكمة واغترابها عن الواقع اليومي للبشر العاديين الذين تزداد تعاستهم وشقاؤهم، واغتراب البشر العاديين والمتخصصين المحترفين على السواء عن الحكمة ومقاصدها العالمية والانسانية التي لم تغب عن ألباب الحكماء الحقيقيين في الشرق والغرب منذ آلاف السنين.

ونسأل السؤال الخالد الأليم : ماذا نفعل ؟ ماذا يفعل المتفلسف لانقاذ الفلسفة أو الحكمة من اغترابها عن الواقع وينقذ الواقع من اغترابه عنها؟ ماذا يفعل لإنقاذ الانسان من أهوال القوى الوحشية التي تشوه انسانيته وتمسخ حقيقته وتزيف معناه ورسالته على الأرض ؟ هل يبقى في مقاعد المتفرجين، مع العلم بأن النار التي تلتهم المسرح يمكن أن تمتد ألسنتها الى القاعة ؟ أم يمكن أن يشارك بجهده وشخصه وكتاباته مع زملائه في الاقتراب من الغايات الكبرى المنوطة بالعقل والفلسفة منذ أن وجد الإنسان وبدأ الوعي التأملي في حقائق الوجود والفعل والقيم والمصير؟

قبل محاولة الاجابة عن هذه الأسئلة لابد من تأكيد الاحترام والتقدير للمعرفة الفلسفية بأنظمتها وفروعها المختلفة. فهذه الأنظمة المتخصصة تتقدم وتمضي في طريقها المعرفي الدقيق، ولابد أن تتابع السير فيه، وأن يساهم كل قادر بجهده في هذه المسيرة. هذا شيء لا غنى عن تأكيده منذ البداية بكل ما نملك من قوة ومن احترام للمعرفة العلمية الدقيقة التي لا يشك أحد في كونها شعاع الأمل المضيء - وربما الوحيد – وسط الظلمات المدلهمة التي تزحف اليوم على وجود "الحيوان العاقل" وتحاصر حقه في الحياة والسعادة والأمن والسلام. والأسئلة التي طرحناها الآن قد لا تدخل بصورة مباشرة في الكثير من التخصصات الفلسفية الدقيقة التي أمعنت في التخصص استجابة لروح العصر العلمي والتقني، لأنها إما أن تقع وراءها أو فوقها - دون أن تكون لهذا السبب هامشية أومن قبيل التزيد والفضول. أضف الى هذا أن الاجابات الممكنة عنها والغايات المأمولة منها قد تنعكس عليها فتخرجها قليلا من أبراج تخصصها، أو تؤثر على اتجاهها، أو تقرب بينها وتساعد في النهاية على تحقيق الوحدة الكلية المنشودة، وهي وحدة المعرفة والانسانية، التي طالما تطلع اليها وفكر فيها الفلاسفة بأشكال مختلفة ومن بعض حكماء الشرق القديم الى بعض صغار السفسطائيين، الى افلاطون والرواقيين، وحتى ديكارت وليبنتز وهيجل وهسرل وياسبرز وراسل وتو ينبي وعدد من الماركسيين الجدد والوضعيين المناطقة..) ويزيد من ضرورة التفكير والعمل في سبيل هذه الوحدة الشاملة ما يتردد اليوم على كل لسان من أن الأرض قد أصبحت قرية عالمية صغيرة، وأنها مهددة بالفناء على يد أعظم وأتعس المخلوقات التي تدب عليها وأخطرهم على مصيرها وهو الإنسان.

-3-
إننا نلاحظ اليوم أن الحكمة قد خلعت عن عرشها، وأن الفلسفة قد اغتربت عن مجتمعاتها، كما اغتربت هذه المجتمعات عنها في الغرب والشرق على السواء. وطبيعي أن تختلف الأسباب هنا وهناك، وأن يبلغ الأمر حد تحريمها أو تشويه سمعتها والافتراء عليها عندنا أكثر مما هو الحال عند غيرنا واذا صبرت عليها "السلطة" هنا أو هناك فلأنها جزء من الترف الأكاديمي الذي يستكمل به "الديكور" الثقافي، أو لأنها ثرثرة محصورة بين الجدران الجامعية ولا خطر منها ولا أثر لها. ولعل السبب الأعمق هو فقدان الثقة في الفلسفة نفسها والاعتقاد بعجزها عن التأثير في مجرى الأحداث العامة والرأي العام، أو الحياة الخاصة للموا طنين المشغولين عنها بهمومهم الخاصة والعامة. وحتى اذا قلنا أن لكل انسان بالضرورة فلسفته، فلن تكون هذه في النهاية سوى فلسفة شعبية غامضة، تتكون في الغالب من أخلاط متناقضة يحملها الانسان العادي من التقاليد والآراء الشائعة والأفكار والعواطف المتدفقة ليل نهار من أجهزة الاعلام ووسائطه وأبواقه وأقماره الصناعية (التي حجبت ظلماتها المنهمرة وجه قمرنا القديم الحنون !...).

ان الأسباب الحقيقية لاغتراب الحكمة وعجزها يمكن أن تنحصر في نوعين : أسباب داخلية تتعلق بالمشهد الفلسفي المعاصر نفسه عند "الآخرين" وعندنا وأسباب خارجية عن الفلسفة نفسها أو خارجة عن ارادتها.. وسوف أناقش هذه الأسباب على ضوء الغايات والأهداف والمثل الإنسانية العامة التي يمكن أن تسعي الفلسفة لتحقيقها "هنا والآن"، أو بالأحرى التي ينبغي عليها أن تسعي لتحقيقها على نحو أكثر تصميما وعلى نطاق أوسع مما حدث حتى الآن.

أما فيما يتعلق بالأسباب الداخلية فأقصد بها فجوة الاختلافات والفروق الفنية والموضوعية الدقيقة التي تفصل بين الاتجاهات والتيارات الفلسفية المختلفة سواء بين القارة الأوروبية والأمريكية من ناحية، أو بينها وبين الاتجاهات والتيارات المتأثرة بها أو المنقولة عنها أو التي تحاول - مع افتراض حسن الظن الشديد - أن تتميز وتستقل عنها في عالمنا الثالث من ناحية أخرى.

والسبيل الى التقريب بين هذه الاتجاهات والتيارات وتحقيق نوع من التقارب في الأهداف والغايات والمثل المشتركة ليس مستحيلا، كما يبدو لأول وهلة - لاسيما اذا تذكرنا أن هذا التقارب والتفاعل قد تم على سبيل المثال في الفلسفة الأمريكية التي تأثرت في العقود الأخيرة، وقيما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، بفلسفة الظاهرات (الفينومينولوجيا) وفلسفة التفسير (الهيرمينويطيقا) خصوصا في الدراسات المتصلة بفلسفة الفن والجمال وبالنقد الأدبي، كما أن التقارب والتفاعل قد تحقق أيضا في الفلسفة الأوروبية المعاصرة التي أدمج بعض اعلامها عناصر هامة من العقلانية العلمية والفلسفة التحليلية وفلسفة اللفة التي ازدهرت جمعيها في العالم الأنجلو -أمريكي، وذلك مثل الألماني "هابرماس" الماركي الجديد في فلسفته النقدية. وسبل التقارب والتفاعل الذي تم وينبغي التوسع فيه هي من الوضوح بحيث يمكن الاستغناء، عن ذكرها: تعميق الحوار بين الأطراف المختلفة في المؤتمرات واللقاءات المحلية والعالمية، والتقريب بين الاتجاهات والمدارس المتعددة بتمثيلها وافساح المجال لسماع أصواتها في أقسام الفلسفة ومعاهدها في الجانبين. ولاشك أن التوسع في الحوار ليشمل الأقسام التي تدرس الفلسفة الغربية خارج نطاق العالم الغربي كله سيساعد على تنمية بذور الاتجاهات المستقلة داخل العالم الثالث نفسه، بشرط أن يعتمد في كل الأحوال على المعايير والأسس التي تضمن تحقيق الحوار الحر القائم على الاحترام والتفاهم المتبادل والمعرفة الكافية من الأطراف كافة بالخصوصيات الثقافية المتميزة والعموميات والقيم المشتركة في وقت واحد. واذا كان المفكرون والعلماء وأساتذة الفلسفة من أبناء حضارة "اللوجوس" الغربية لا يكفون عن اللقاء والتعاون في مشروعات مشتركة، فما أحرانا نحن أبناء العالم الثالث بالسعي الى التواصل فيما بيننا من ناحية، وقيما بيننا وبين أبناء الغرب من ناحية أخرى، بغية التعرف على العوامل المشتركة ومحاولة تجاوز الحدود المصطنعة بين شرق وغرب، كما سيأتي بعد قليل. ستبقى الفروق النوعية في أساليب البحث والتفكير قائمة بغير شك ولكن ربما يتم قدر كبير من التقارب والتلاقي اذا تواصل الحوار حول موضوعات واشكالات تهم البشرية العاقلة بأسرها.وقد يتم هذا التقارب اذا تصورنا أن موضوع الحوار هو على سبيل المثال : غياب الحكمة والعقل في السنوات الأخيرة من القرن العشرين الذي استشرت فيه مختلف ظواهر الجنون الجماعي، بحيث لم يعد يكفي أن نسميه عصر القلق،ومشكلة السلام العالمي التي تركت حتى الآن للساسة والقادة العسكريين، وقضية الحكومة العالمية التي تجسد الضمير العالمي وتردع الحكومات الفردية المعتدية (كما تصورها،كانط، مثلا في مشروعه المشهور عن السلام الدائم ) وتغير النظم التربوية على أساس الاحترام المتبادل بين شتى الثقافات وتنمية هذا الاحترام عند أبناء الغد، والعمل على زيادة التواصل «والتثاقف» بينها للتخلص تدريجيا من أشكال التعصب العرقي والقومي والتطرف الديني والمذهبي، والتفكير المشترك - بصوت مسموع يصل الى آذان الساسة والعامة - في مستقبل البشرية والعوائق التي تسد الطريق الى وحدة الحيوانات التي نسيت أو كادت أنها حيوانات عاقلة، وآن أوان إعادة الذاكرة اليها، وباختصار : تشكيل محكمة ضمير عالمي دائمة تمارس الادانة والضغط المعنوي على كل معتد على الضمير العام، وكل آثم في حق الإنسان وحريته وكرامته وحرمة حياته وجسده وشخصيته وحقوقه الأولية... والمهم أن نتذكر على الدوام أن «السعي الى الحكمة» لم تكن الحاجة اليه أشد إلحاحا منه في هذه السنوات الأخيرة من القرن العشرين، قرن العنف والتدمير والضوضاء، وسعار الانتحار الجماعي المجنون..

غير أن أخطر الأسباب الداخلية يأتي من الفلسفة نفسها، فعليها أن تراجع طبيعتها ومفهومها وتعريفاتها التقليدية ومناهجها وأساليب رؤيتها اذا شاءت أن تصبح «حكمة عالمية» كما سماها كانط، أو «حكمة خالدة» كما وصفها ليبنتز وياسبرز وهكسلي وغيرهم.

ولا يقتصر الأمر على تغيير الوصف والتسمية، وانما يتعداه الى المهام الجديدة التي تلزمها اليوم أكثر من أي يوم مضى بأن تكون عالمية وانسانية، وأن تتحول - على الأقل في المجالات المختصة بالقيم والغايات الأخلاقية والمثل والأحلام والأهداف المستقبلية التي يمكن الاجماع عليها - الى حكمة مناضلة، تتسلح بأسلحة النقد والمقارنة لكل ما يعطل العقل ويغيب الوعي ويشوه الإنسانية ويطمس البديهيات الأولية التي انكفأت اليوم على وجهها في بحور الدم المراق وطوفان الكذب والتزييف المنهمر من أجهزة البث المرئي والمسموع، ووسائل غسل المخ وأبواقه ليل نهار.. وعليها أخيرا أن تحافظ على حريتها لكي تستطيع الدفاع عن الحرية والا سقطت في الهاوية التي سقطت فيها فلسفات سيئة الحظ تبنتها سلطات ارهابية (كما حدث أخيراللماركسية وللصحوة الإسلامية في ظل النظم الأيديولوجية المتحجرة والنظم الطاغية المتخلفة)..

- 4 -

قلت إن غياب الحكمة من أبرز سمات العقود الأخيرة للقرن العشرين، سواء أخذناها بالمعنى المألوف أو بمعناها في التراث السقراطي والأفلاطوني والأرسطي.

والحكمة بأوسع معانيها تدل على الحكم الصائب الرزين على الأمور المتعلقة بالحياة والسلوك، وتقترن باتساع المعرفة وحدة الذكاء وعمق التأمل. لكن هذه ليست شروطا ضرورية لوجودها، إذ يمكن أن تستغنى عنها بالفطنة والبصيرة.

انها(كما يقول الفيلسوف المثالي بلا نشار (2)) - لا تعني بتأكيد حقائق أو تكوين نظريات، بقدر ما تعني بوسائل الحياة العملية وغاياتها. وربما أضفنا الى هذا أنها تتضمن نوعا من السعي الى تحقيق الحياة الطيبة المتجانسة، كما تكشف عن بصيرة بالنفس في علاقتها بالعالم والمجتمع المحيط بها.

أما في التراث السقراطي فيقصد بالحكمة معرفة «الأمور القصوى» أو الحقائق النهائية وطبيعي أننا لا نطالب الإنسان العادي أن يسعى «للحقيقة النهائية» سواء كانت هي معرفة الله أو المثل الافلاطونية أو أي حقيقة أخرى. فحكمة الحكيم تتجل في معرفته بنفسه وبغيره، وفي نفاذ بصيرته الى الطبيعة الإنسانية والحياة بوجه عام، بحيث يكون قادرا على الرؤية الكلية لهذه الحياة في وحدتها وشمولها، كما يكون أقدر من كثيرين غيره على أن يهتدي بالعقل في أفعاله، ويدرك الأهداف الصحيحة إدراكا واضحاء ويحسن اختيار الوسائل المؤدية الى بلوغها. ولا حاجة للقول بأن من مقومات حكمته أن يرى الأشياء رؤية نزيهة ومن مسافة بعد كافية، وأن يتحكم في عواطفه وانفعالاته ليحتفظ بهدوئه واتزانه العقلي في الأوقات العصيبة، والظروف التي تفرض عليه اتخاذ القرارات والمواقف من الأشخاص والأشياء قبل الاقدام على الفعل. وكلها ألوان من الحكمة التي يمكن أن نجدها عند فلاح بسيط ولا نجدها عند أغلب من نسميهم «أساتذة» الفلسفة.. ويكفي «محب الحكمة» بهذا المعنى القريب المألوف أن يسعى لفهم «الموقف» او «الشرط» أو الوضع الإنساني ورؤيته رؤية كلية من خلال مظاهره وتجلياته وتعبيراته المختلفة في خضم التاريخ البشري. ولاشك أن هذه الرؤية ستنطوي على التأمل في فناء الإنسان أو تناهيه، وفي دلالة هذا الفناء والتناهي على مقومات وجوده التي أفاض في شرحها الوجوديون - وسينعكس هذا أيضا على موقفه من الزمان، اذ لن يكون حكيما من لا يتأمل ماضي الإنسان وحاضره لكي يكون أقدر على التبصر بمستقبله والاعداد له والاستجابة لمطالبه، واستشراف آفاقه وممكناته والتأهب لمواجهته بالمعرفة والإرادة.

ان الإنسان في هذا القرن يفتقر الى الحكمة لأسباب يصعب حصرها وتحديد أنواعها. ربما يكفي القول بأنه في لهفته على معرفة الطبيعة والسيطرة عليها بعلمه ووسائله التقنية قد أهمل السعي الذي لا يقل عنه أهمية لمعرفة نفسه ورعاية باطنه وضميره وقيمه.

وكانت النتيجة - كما يقول أينشتين في عبارة معروفة - أن اكتملت وسائله واضطربت غاياته. وظهر عجزه عن مواجهة حقيقة نفسه وعالمه الذي صنعه ثم أخذ يدمره بأشكال مختلفة : في خداعه لنفسه أو استسلامه لمختلف الأساطير والأوهام والخرافات التي خدعته بها قوى نسجت شباكها حوله (كالقوى والمصالح الموجهة للسوق الاستهلاكية والاتجاهات العنصرية والطائفية والمذهبية المتعصبة التي تصورت أنها استأثرت بالحقيقة المطلقة، مما جعله في النهاية أداة لأعمالها الإرهابية أو ضحية لها). ولا شك أن من أخطر مظاهر الافتقار الى الحكمة هذا الانفلات الصاخب من كل الحدود والمعايير على كل المستويات باسم التجديد والتجريب تارة، وباسم الحياة أو الثورة على كل الأنظمة المتسلطة أو الحب تارة أخرى.

وليس من قبيل المصادفة أن تكثر الطقوس العجيبة وممارسات الجماعات الشاذة والجرائم البشعة كثرة هائلة في أقوى الدول وأعظمها سيطرة على العلم والتقنية..

كان من نتائج هذا أيضا أن اتسم عصرنا - كما قلت - بالانفلات من كل الحدود. وما نسميه عادة بإيقاع العصر المتسارع ليس الا تعبيرا عن التطرف والشطط والاندفاع الجنوني الذي انجرف اليه الأفراد والشعوب بدرجات وصور مختلفة. ولقد ظهر هذا التطرف وما يزال يظهر في أشكال وأفعال متباينة في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والعسكرية والثقافية، تاركا وراءه الموت والخراب والاضطراب والفوضى، وشاهدا على تدمير العقل والمعقول والضمير والحكمه ..(3)

- 5 -

نعود الى السؤال : ما العمل لإنقاذ الإنسان من نفسه ؟

ما العمل لايقاف اندفاعه الى اللا عقل والجنون المدمر؟

وبماذا يمكن أن يساعد «الفلاسفة» في هذا الإنقاذ؟

ان هذه الأسئلة تقع بالضرورة في التبسيط والتعميم والمشكلات التي يدعى الفيلسوف لمواجهتها شديدة التشابك والتعقيد، والدور الذي يمكن أن يقوم به مشكوك فيه منذ البداية بسبب الشك أصلا في قدرة الفكر على التأثير والتغيير.

ومع ذلك فان المتفلسف لا يمكنه -  كما سبق القول - أن يقف موقف العاجز المتفرج، في الوقت الذي يدمر فيه العقل وتهدد فيه «القرية الأرضية» بأسوأ مصير. وأول ما يخطر على البال هو دعوته للقيام مرة أخرى بدوره السقراطي، (3) حتى ولو بدا أن هذا الدور قد أصبح مستحيلا أو باعثا على السخرية ! صحيح أن دور «لغز» الفلسفة ونموذجها الحي كان محدودا بحدود «دولة - المدينة» كما كان في صميمه دورا عقليا وجدليا يتوسل بالاستقرار والتوليد للو صول الى الحد والماهية (اللهم الا اذا صدقنا كيركجارد وجعلناه - أي سقراط أول الوجوديين والذاتيين في تاريخ الغرب، أو حملناه من ناحية أخرى مسؤولية تحلل الغرب وانهياره - كما زعم نيتشه في هجومه الغاضب عليه - عندما بدأت معه مسيرة العقلانية والجدلية المسرفة على حساب إرادة الحياة وقواها الأصيلة..) ولكننا لو تذكرنا وصف سقراط لنفسه - منذ أن بدأ تساؤله وحواره مع الناس العاديين في شوارع أثينا ومجالسها حتى خطبته الطويلة في محاكمته الأخيرة - لو تذكرنا وصفه لنفسه بأنه «الذبابة» التي تلسع ظهر الحصان الأثيني كلما أخلد للنعاس وغاب عن الوعي بحقيقة نفسه ومجتمعه وعالمه، لاستطعنا القول بأن دور المتفلسف المعاصر سيكون أشمل ومهمته أصعب وأخطر. فهو مطالب بإيقاظ الحصان العالمي المندفع اندفاع المجنون الأعمى على أرض «القرية» العالمية الصغيرة.. ومعنى هذا.بعيدا عن لغة المجاز - أن يكون حارس هذه القرية الضئيلة البائسة، كما كان سقراط وكل «الموقظين» العظام في الشرق والغرب حراس مدن العقل والقيم والاستنارة والحرية والوعي، هذه الكلمة الأخيرة تنبهنا على الفور لدور المتفلسف في الدعوة الى الوعي العالمي والانساني الذي كان وما يزال غائبا عن كثير جدا من كبار المفكرين في الغرب بوجه خاص (من أرسطو الى هيجل وحتى يا سبرز وفلاسفة مدرسة فرانكفورت ) دع عنك غيابه عن كثير جدا من أساتذة الفلسفة في نفس البلاد والمناطق التي تتم فيها، في هذه الأيام واللحظات - أبشع مذابح الابادة والتطهير العرقي والتعصب الديني والاضطهاد العنصري وسجن شعوب بأكملها ومحاصرتها من قبل بعض الدول الارهابية، بجانب الألوف المؤلفة من الجرائم التي تنفذ في غياهب السجون والمعتقلات وزنازين التعذيب، فضلا عن المقابر الجماعية التي لا يسمع الناس عنها