|
|||||
|
أولا
: مطاهر
معكرة
للقراءة
الأدبية في
التراث
العربي: لقد
كنا قضينا،
في كتابات
سابقة لنا،
بحميمية
العلاقة بين
هذه
القراءة، في
أي صورة من
صورها، أو في
بعض صورها
على الأقل،
وبين
الكتابة
التي لا تعدو
كونها في
حقيقتها،
قراءة لشيء
ما في
النفس،أو
لأثر ما في
القريحة، أو
لهاجس ما في
المخيلة.
فالكتابة
إنما هي كشف
عما في طوايا
النفس،
وإبداء
لشيء، مصور
في صورة
أدبية
أنيقة،
وصادقة،
ومعبرة،
ومتفردة ما
أمكن،
وجديدة ما
أمكن، لم يك
معروفا لدى
المتلقي.
فكأن
الكتابة من
هذه الوجهة
تستحيل الى
ضرب من قراءة
الذات
والكشف عما
فيها. ولا
يستطيع أي من
الناس أن
ينهض بهذا
القراءة غير
صاحبها الذي
يحولها الى
كتابة
مسطورة على
القرطاس. ومن
الواضح أن
النقاد
العرب
الأقدمين
عرفوا
القراءة تحت
أشكال
مختلفة
ابتداء من
التعليق
العابر،
والملاحظة
الانطباعية
الى التحليل
المنهجي
الصارم لكن
ذلك كان في
حدود ما بلغه
العلم على
عهدهم. وقد
ألفينا
قراءة العرب
تستوي في
ثلاثة
مستويات :
المستوى
اللغوي،
والمستوى
النحوي،
والمستوى
الأسلوبي:
بحيث كان
القاريء، أو
المحلل، (وكانوا
يطلقون عليه
الشارح) يعمد
الى شرح
الألفاظ
الغريبة.وفك
المعاني
التي كان
يردها
مستغلقة في
النص
المطروح
للتحليل (والنص
هنا ينصرف
غالبا الى
البيت
الشعري) حتى
اذا تم له
ذلك جاء ,الى النص
المطروح
للقراءة
فخرجه
تخريجا
نحويا: مقدرا
ومعربا. وكان
مثل هذا
التخريج
يكمل شرح
الألفاظ،
ويكشف عن
البنية
الأسلوبية
للكتابة
المقروءة،
وببعض ذلك
يقع التمهيد
للتولج في
المستوى
الثالث الذي
كان يعمد الى
نثر البيت
وتلخيصا في
صورة
أسلوبية
غالبا ما
كانت تكون
متقاربة مع
المستوى
الأسلوبي
للنص
المحلل،
ابتغاء
منافسة النص
نفسه
إبداعيا،
وحرصا على
الازدلاف من
مستوى نسجه. وكانت
النصوص
المطروحة
للتحليل في
القرون
الأول
للهجرة لا
تكاد تجاوز
جنس الشعر
الذي كان هو
وحده الأدب
بامتياز. كما
أننا لاحظنا
أن معظم
الذين
تناولوا
النصوص
الشعرية
القديمة
بالتحليل،
كانوا علماء
لغة، وفقهاء
وأصوليين
وبلاغيين.
وقل أن
ألفينا رعيل
هؤلاء
المحللين
وعما ليقهم
من الأدباء
الخلص، أو
النقاد
الخلص. ولعل
العلة في بعض
ذلك أن أولئك
اللغويين
كانت لهم
مقدرة،وذلك
بحكم
اختصاصهم،
على استكناه
معاني
العربية،
وتقصي
أساليب
التعبير
فيها، فنقاد
أمثال ابن
سلام في "طبقات
فحول
الشعراء"
وأبي عثمان
الجاحظ في
كتاب "البيان
والتبيين"،
والآمدي في "الموازنة
بين أبي تمام
والبحتري"
وابن قتيبة
في "الشعر
والشعراء"
وقداسة بن
جعفر في "نقد
الشعر"،
وابن رشيق في
"العمدة في
محاسن الشعر
وآدابه
ونقده"
والقرطاجني
في "منهاج
البلغاء"
وسراج
الأدباء..
وغيرهم كثير
- لم
يتناولوا
النصوص
الشعرية
تناولا
شموليا
بالقراءة
والتحليل :
وإنما كانوا
يعرضون
لظواهر
معينة،
وموضوعات
وقضايا، هي
في جملتها
مشكلات
لكليات. اذا
كان كثير من
هؤلاء
أقاموا
مناهجهم
ونظرياتهم
وأحكامهم
على نصوص
شعرية حقا؛
فإن ذلك لم
يجاوز قط
الوقفة
المتعجلة،
والرؤية
المقتضبة -
وعبدالقاهر
الجرجاني
مشمول فيهم -
الى نص
القصيدة
بجذاميره،
لا الى ديوان
من الدواوين
بحذافيره،
وكأن أولئك
النقاد
كانوا يرون
قراءة نص من
النصوص
بجذموره
أمرا من امور
اللغويين
وحدهم
لتمكنهم من
الغريب،
والمامهم
بلغى
الأعاريب،
وبراعتهم في
تخريج مسائل
الأعراب. وإننا
لنندهش،
حقا، أمام
المقدرة
الخارقة
لأولئك
اللغويين
والنحاة على
براعة
التوغل في
أعماق معاني
اللغة
والذهاب في
قراءتها لا
المذهب
الواحد،
ولكن
المذهبين
الاثنين،
وربما
المذاهب
الثلاثة دون
أن يعجزهم أي
معجز عن أن
يأتوا ذلك في
بداعة
وبراعة،
وتذوق وتحسس
وتلطف وتمكن
(1). ومن
الآيات على
سلامة ما
ذهبنا إليه
أن شراح نصوص
"ديوان
الحماسة"
الذي جمعه
أبوتمام،
مثلا،
ينتمون، في
معظمهم الى
اختصاص
اللغة
والنحو، لا
الى اختصاص
الأدب
والنقد
بمفهوميهما
الصارمين إذ
نلفي عشرين
قارئا (شارحا)
من بين زهاء
ثلاثين هم
لغويون أو
نحويون
أساسا أمثال
أبي الحسن
على بن سيده،
وأبي الفتح
عثمان بن
جني، وأبي
بكر محمد بن
يحيى
الصولي،
وأبي علي
المرزوقي،
وأبي البقاء
عبدالله بن
الحسبين
العكبري،
وأبي
عبدالله
الخطيب
الإسكافي. والحق
أن مسألة
الاختصاص
الأدبي،
وفصلها عن
الإختصاص
اللغوي،
حديثة
النشأة
كرستها
الجامعة في
القرن
العشرين،
وإلا فإن
عامة
المثقفين
الكبار
العرب
كانوالغويين
وأدباء في
الوقت ذاته ؛
أي أنهم
كانوا
يعرفون، في
معظمهم،
دقائق
العربية
وأسرارها
وكانوا، في
الوقت ذاته،
يكتبون بها
إبداعا أو
نقدا أمثال
الجاحظ،
والمعري،
والخوارزمي
دون أن ننفي
أن منهم من
استهواه
مجال دون آخر
فوقف نشاطه
عليه،وأبدى
تفوقه فيه. ويمكن
أن نضرب مثلا
بالقافي أبي
عبدالله
الحسين بن
أحمد
الزوزني في "شرح
المعلقات
السبع "،
وأبي علي
أحمد بن محمد
بن الحسن
المرزوقي في
"شرح ديوان
الحماسة"
الذي جمعه
أبوتمام..
وأبي زكريا
يحيى بن علي
بن محمد
التبريزي(421-502
هـ) في شرح "سقط
الزند" لأبي
العلاء
المعري الذى
تضافر على
شرحه أيضا،
بعد أبي
العلاء نفسه
( 449هـ
): أبو
محمد
عبدالله بن
محمد
البطليوسي (444-521
هـ) وأبو
الفضل قاسم
بن حسين بن
محمد
الخوارزمي (555-617
هـ). فمعظم
هذه
القراءات
إنما تنهض
على المنهج
الثلاثي
المستويات
الذي كنا
أومأنا إليه. وعلى
أن هناك
قراءات
نحوية خالصة
مثل قراءة
ابن جني
الانتقائية
التي شملت
الأبيات
المشكلة
الإعراب
وحوشيات
اللغة
وغرائبها في
ديوان
الحماسة،
ومثل قراءة
أبي البقاء
عبدالله بن
الحسين
العكبري
الذي عني،
بصفة
منهجية،
بمسائل
الإعراب
وحدها في
العمل الذي
كتبه حول
ديوان
الحماسة
أيضا.
على
حين أننا
نلفي
القراءة
الأدبية
الخالصة
ميزت بعض
الأعمال مثل
سعي أبي سعيد
علي بن محمد
الكاتب
المتوفى سنة
(414 هـ) الذي عمد
فيه صاحبه
الى نثر
أبيات
الحماسة (2):
حماسة أبي
تمام أطلق
عليه : منثور
البهائي
وذلك على
أساس أنه
كتبه لبهاء
الدولة بن
بويه. بيد
أن هذه
الاستثناءات
كلها لا تزيد
القاعدة إلا
سلامة حيث إن
الشروح
المنهجية
والتي
تناولت كل
النصوص التي
رواها أبو
تمام في
ديوان
الحماسة هي
شروح تجري في
إطار المنهج
الثلاثي
المستويات
الذي وقفنا
لديه. وفي
الحق، إن هذا
الديدن نفسه
يمكن أن
يلاحظ في
كثير من
الأعمال
التي شرح
فيها
أصاحيبها
ديوان
المتنبي وهم
ينيفون على
الخمسين في
رأي (3)، وعلى
الأربعين في
رأي آخر (4)؛
ويبلغون
بالتعداد
اثنين
وثلاثين
شارحا في
إحصائية
الشيخ آل
ياسين (5). ثانيا : تقاليد قراءة القراءةابتدأت
قراءة
القراءة في
سيرة الأدب
العربي
بسلوك منعزل
كرد لتحليل
بما يناقضه،
أو كالذهاب
في التعليق
عليه بغير
المذهب
الأول فيه.
ولو جئنا
نحمي مثل هذا
لما استطعنا
إليه
سبيلا
لكثرته
وشيوعه.
ويمكن توسمه
في اسقاط
الكلام عبر
الأمهات
الأدبية هنا
وهناك. وقد
ألفينا،
مثلا ابن
سيده
الأندلسي
كثيرا ما
يتصدى في
قراءته لـ "مشكل
أبيات
المتنبي "
لقراءة من
سبقوه
فيدفعها
دفعا لطيفا
طورا، ودفعا
عنيفا طورا
آخر. وقد
كان تعدد
القراءة، أو
قل: تعدد
قراءة
القراءة
ناشئا عن
اختلاف في
تخريج إعراب:
لبيت الواحد
تارة، وعن
اختلاف في
رواية حرف من
اللغة فيه
تارة أخرى.
وقد يتمثل
ذلك فيما
يعلق به ابن
سيده على
قراءة من خطأ
أبا الطيب في
قوله
: ابعد!
بعدت بياضا
لا بياض له
لأنت أسود في
عيني من
الظلم فيقول
: (...) فأما قوله.
أسود في عيني
من الظلم
فخطأه فيه
قوم قالوا:
إن فعل هذا
على أكثر من
ثلاثة أحرف
وهو "أسود"
فلا تقع
المفاضلة
فيه إلا بـ "أشد"
و "أبين "
وغيرهما من
الأفعال
الثلاثية
التي تصاغ
ليوصل بها
الى التعجب
من الأفعال
التي على
اكثر من
ثلاثة. وهذا
منهم غلط !
ليست "أفعل"
هنا
للمفاضلة،
ولا لـ "من"
تعلق بـ "أسود"
على حد تعلق
من بـ "أفضل"
في قولك. زيد
أفضل من
عمرو، وإنما
هو كقولك :
لأنت أسود
معدود من
الظلم في
عيني. فـ "من "
غير متعلق بـ
"أسود" (...)
وإنما هي في
موضع رفع
حالة محل "الظرف"
(6). والحق
إن الشيخ
يوميء، فيما
يبدو الى
الواحدي،
ومن معه من
الشراح
الذين قرأوا
"أسود" على
أساس أنه اسم
تفضيلى على
لغة كوفية
استمدوها من
رجز لرؤبة بن
العجاج،
ومنه قوله.
جارية في
درعها
الفضفاض
أبيض من أخت
بني أباض وقد
ذهب المبرد
الى أن "ليس
البيت الشاذ
بحجة على
المجمع عليه
"(7). والحق
إن قراءة ابن
سيده،
بمقدار ما
تتسم به من
براعة
التخريج
النحوي تنأى
عن طبيعة
الذوق العام
؛ وإنا لا
نحسب أبا
الطيب إلا
كان يريد
إظهار
المامه
بدقائق
اللغة
وتفاريق
مذاهبها
فاصطنع "أفعل"
الدال على
اللون كلما
لو كان آتيا
من ثلاثي على
لغة فصحاء
الأعراب،
ومنهم رؤبة
الذي كان
رجزه يملأ
نوادي أهل
الأدب
واللغة
جميعا. ونحن
نعجب لرأي
المبرد الذي
يدفع بيت
رؤبة ويراه
شاذا لا يقاس
عليه مع أن
كثيرا من
قواعد النحو
العربي قامت
على
الاستشهادات
من شعره وشعر
أبيه. وإذن،
فهل يعقل أن
نقبل ببعض
اللغة لدى،
الفصحاء
البادين،
ونرفض بعضها
الآخرة وهل
يعني رفض
المبرد لشعر
رؤبة أنه كان
يراه يلحن ؟! وإنا
أيضا لا ندري
كيف تستقيم
قراءة ابن
سيده الذي
ذهب فيها الى
إنكار
التباين
الذي قام
عليه بيت أبي
الطيب، وهي
سيرة تندرج
في حميمية
نسج شعره.
فالشاعر بعد
أن دعا على
شيبه الأبيض
الذي لا بياض
له، أي لا
خير فيه ولا
محمدة من
المحام؛ عاد
فذمه بما هو
له أهل فزعم
أن بياض
الشيب لديه
لا يعني، بأي
وجه، البياض
الذي يتفاءل
الناس به،
ويجعلونه
علما على
النظافة
والوضاءة
والحلم،
وانما يعني
السواد الذي
يرمز لكل
مظاهر الشر
والهم
والخوف
والقلق :
فسواد هذا
البياض ليس
كمثله سواد؛
وبياض هذا
السواد ليس
كمثله سواد.
فالصورة
الشعرية هنا
قائمة على
الانزياح،
لا على
التخريج
النحوي، فقد
زيح الناص
هنا في دلالة
اللون فيغير
من دلالتها
الابتذالية
فجعل البياض
سوادا على
أنه هنا يرمز
للشر والمرض
ودنو الأجل
وذهاب الأمل
أفكل لون
أبيض إذن من
هذا الضرب
فهو أسود
حالك
السواد، وهو
أسود من كل
الظلمات. وقد
ألفيت
المرزوقي
يرد كثيرا من
القراءات
صراحة ويرفض
مضمونها على
الرغم من أنه
لم يكن يكاد
يذكر من
يعترض عليهم
بأسمائهم
كقوله حول
شرح أول بيت
من الحماسة. (...)
وإذا كان
الأمر على
هذا فمن
الظاهر
بطلان قول من
يذهب الى أن
هذا الشاعر
هجا قومه
ومدح بني
مازن (8). وربما
كانت قراءة
أبي عثمان
الجاحظ
للبيتين
الاثنين
اللذين كان
أبو عمرو
الشيباني
أعجب بهما
إعجابا
شديدا تندرج
ضمن هذا
التوجه ة وقد
رأى الجاحظ
الشيباني
لما استجاد
قول القائل:
"كلف
رجلا حتى
أحضره دواة
وقرطاسا حتى
كتبهما" (9). ومن
الواضح أن
الجاحظ لم
يشاطر
الشيباني
رأيه ولا
ذوقه في
قراءة هذين
البيتين،
ولا تذوقهما
تذوقه ؛ بل
جهر
برداءتهما،
وقضى
بسخفهما ؛
فذهب في شيء
من السخرية
البادية الى
أن صاحب هذين
البيتين لا
يقول شعرا
أبدا ( 10). وقد
علق عبد
السلام
هارون على
تعليق
الجاحظ
الرافض
لقراءة
الشيباني
وإعجابه
الشديد
بهذين
البيتين
الرديئين
فقال
:"ومن
العجيب أن
ينعى الجاحظ
عن أبي عمرو
استحسانه
هنا، ثم
يقع هو فيما
عابه على
غيره فيجعل
البيتين في
مختارات
لملا البيان
والتبيين " (11). ومهما
يكن من أمر،
فان الذي
لاحظناه في
القراءات
الأدبية
العربية
الأولى أنها
كانت تتعدد
فبناقض
أولها
آخرها، دون
أن تجاوز
مستويات
معينة في
توجهها
العام. 1
- كانت
القراءة
غالبا ما
تنهض على شيء
من أساس
التخريج
النحوي. ولما
كانت أساليب
الاستعمال
في نسج
الكلام
الربي واسعة
سعة تكاد
تكون خارقة
فقد نشأ عن
ذلك :
التقديم
والتأخير
والالتفات
واللعب
بالألفاظ،
والمراوحة
بين حروف
الجر لجعلها
تنوب عن
بعضها البعض
مما كان يجعل
بعض من ليس
له باع طويل
في التخريج
النحوي،
والافتراض
الإعرابي،
أو ممن كان
يقرأ البيت
الشعري على
عجلة من أمره
ة قد يبادر
الى تخطئة
القراءة
التي سبق
إليها من
الوجهتين
النحوية
أواللغوية،
أو من
الوجهتين
جميعا: فيحكم
إما بتخطئة
الشاعر،
وإما بقراءة
البيت على
غير ما أريد
له أصلا فكان
الأبرع
والاذكى،
والأمرس
والألوى،
يأتي من بعد
ذلك ليزعم
أنه يصحح
القراءة
الأولى
بقراءة أخرى
(12). ونحن
نعتقد أن ابن
جني، وأبا
علي
الفارسي،
وابن سيده قد
يكونون أقسر
النحاة
العرب على
قراءة
الأبيات
المشكلة
الإعراب،
والتوغل في
تخريجاتها
الإعرابية
الى حدود
المبالغة
والتعسف.
وقد
رأينا ذلك في
قراءة ابن
سيده لبيت
المتنبي،
الذي ذكرناه
آنفا، إذ
التماسه
للشطط،
ولهاثه وراء
التعسف،
دفعاه الى أن
يضئل من
جمالية
البيت من
الواجهة
الدلالية
فيرفض
أفعلية
تفضيله
ليجعله مجرد
تقرير لصفة
في نفسها،
بدون
مقارنتها
بالصورة
الخارجية
التي إنما
كان المناص
يقيم نسجه
عليها:
فالشيء الذي
يكون أشد
سوادا من كل
المظلمات هو
أعمق معنى،
وأكثف
دلالة، من
الشيء الذي
يكون مجرد
سواد من
السواد:
فالأول
يحتمل
معنيين
اثنين،
ويحتوي
صورتين
اثنتين :
صورة حاضرة،
وصورة غائبة
؟ فهو صورة
شديدة
التركيب ؟
على حين أن
الآخر مجرد
صورة
تقريرية
بسيطة رتيبة. ولكن
الذي حمل ابن
سيده على
الذهاب الى
ما كان ذهب
اليه هو
إيلاعه بحكم
طبيعة
الاختصاص،
بالذهاب في
التخريجات
النحوية
مذاهب، في
بعض
الأطوار،
تبلغ حد
الشطط؛ فاذا
دفاعه عن
المتنبي
أمام النحاة
البصريين
الذين لحنوه
باصطناعه
أفعل
التفضيل مما
له لون، من
جنس لفظه، لم
يكن، في
نهاية الأمر
إلا إساءة
لجمالية
النسج لدى
شيخ الشعراء
العرب ؟
فأفسد معنى
البيت بذلك
التخريج
الإعرابي
المتعسف
الغريب
! 2
-
والشكل
الثاني
للقراءة
الأدبية في
التراث
العربي
الإسلامي
كان ينهض على
تأويل معاني
الألفاظ
والاجتهاد
في حصر
دلالتها
المعجمية
لدى نحو معين:
والى الحدود
الدلالية
والاستعمالية
التي انتهت
اليها لدى
فصحاء
الأعراب (وإن
كنا نلاحظ أن
النحاة
كانوا
يقعدون
قواعدهم
بناء على تلك
النصوص
الفصيحة
التي كانوا
يعترفون
بنقاوتها
اللغوية،
وسليقتها
اللسانية ؟
لكنهم كانوا
ينزعجون أشد
الانزعاج
حين يعثرون
على نص موثوق
مما ينتمي،
زمنيا الى
العهد
المعترف به
للاستشهاد
النحوي،
فيزعمون أنه
شاذ؟ وهنا
وقع
الانقسام
بين
البصريين
والكوفيين :
حيث كان
البصريون
يحتكمون الى
المنطق
النحوي
الصارم
فيخنقون
العربية
ويضيقون
عليها
النطاق في
حيز لا
تعدوه، من
حيث كان
الكوفيون
أقرب الى
الذوق
العربي الذي
يؤثر التنوع
وحرية
الابتداع...)
لدى نحو معين
من معانيها
دون سواه.
ونحن نعلم أن
اللفظ
الواحد في
العربية،
وفي غير
العربية
أيضا، قد
ينصرف الى
جملة معان
كلفظ "سام"
في العربية
الذي يرد
بمعاني رعى،
وطلب وباع،
وعذب، ومر،
ومضى، معا
(13). وبما
كان التفاوت
في تخريجات
القراءة
الأدبية-
بأدوات
نحوية
ولغوية
أساسا -
يقوم، غالبا
على تفاوت في
المقدرة على
إدراك سياق
النص أو
مناسبته أو
ملابسته أي
محاولة ربط
النص
بمجتمعه
وظروفه
مكانيا
وزمانيا. لكن
إغفال
القراء
اللغويين
لمسألة
التذوق جنت
على تلك
القراءات
المبكرة ؛
ومن فضل الله
على الأدب
العربي أن
قيض له رجالا
ذواقين
للجمال
الفني أمثال
أبي علي
المرزوقي
الذي كان
يحاول أن
تكون قراءته
للشعر
العربي
إبداعا
أدبيا آخر
ولعله أول من
استقام له
ذلك في تاريخ
الأدب
العربي. 3
-
والشكل
الآخر
للقراءة
الأدبية،
القائمة على
قراءة
سابقة، كان
ينهض على
الذوق
الخالص،
وعلى
المقدرة
الذاتية على
اختراع
طاقات اللغة
الكامنة،
وعلى التحكم
في نسجها،
وعلى الذهاب
في التماس
عطائها كل
مذهب. ولعل
هذا الدافع
النابع من
لطف التذوق
هو الذي كان
يغري
المتأخر
بإعادة
النظر في
قراءة
المتقدم. فلولا
الاختلاف في
الذوق
والتنوع في
الثقافة،
والتفاوت في
العلم، لما
فكر أحد في
أن يقرأ ما
كان قرأ
الآخر من أجل
التفوق عليه
انطلاقا من
التناص معه. ثالثا
: الغائب من
قراءة
القراءة في
الأدب
العربي كثيرا
ما يقرأ
المتأخر
المتقدم
فيكتب من
حوله
وتأسيسا على
جهده الذي
سبقه به اليه
: ولكن هذا
المتأخر لم
يكن يعترف
منهجيا، إلا
نادرا، بأنه
أفاد من
الأول وتناص
معه وأسس
عليه، وحام
حوله، بل كان
عالة على
كتابته. وكان
الأمر يبلغ
في بعض
الأطوار،
بهذه السيرة
الناشزة،
درجة
التداخل
والتعاصر؛
ولكن
التصريح
بإفادة
المتأخر من
المتقدم كان
في الغالب
غائبا. خذ
لذلك مثلا
شروح سقط
الزند لأبي
العلاء
المعري حيث
إن شيخ
المعرة نفسه
كان قد شرح
بعض شعره ذلك
لبعض
تلامذته
ومريديه (14)؛
بيد ان ذلك
ما كان ليحظر
القراء -
الشراح
المحترفين
من أن يعمدوا
الى ذلك
الشعر
الحكمي
فيقرأوه،
على توجههم
هم. وقد
نبهنا الى أن
ثلاثة
متعاصرين
تضافروا على
قراءة سقط
الزند
: -
التبريري
(421-502 هـ). -
البطليوسي
(444- 521 هـ). -
أبا
الفضل قاسم
الخوارزمي (555 -
617هـ) دون
أن يصرح أحد
منهم، فيما
نعلم وبناء
على
المقدمات
التي كتبوها
لأعمالهم
بأنه أفاد من
جهد قراءة
الأول ؛ مع
أننا نلاحظ
تشابها
عجيبا،
وتقاربا
يبلغ في بعض
أطواره درجة
الاتحاد،
بين قراءات
هؤلاء
الثلاثة.
أفيعقل الا
يكون
البطليوسي
قد أفاد من
جهود
التبريزي،
وهو الذي كان
له معاصرا،
ولكنه
كان
أسن منه
بثلاث
وعشرين سنة ؟
أم أن
التبريزي
ابتلي بهذا
البلاء بعد
أن كان هو
أيضا شن
الغارات
الشعواء على
أبي علي
المرزوقي،
لدى قراءته
أشعار حماسة
أبي تمام،
فلم يومي،
بكلمة واحدة
صريحة الى
جهد أبي علي،
وأنه أفاد
منه منهجيا
ولغويا
ومعرفيا؟! فكأن
ميزة قراءة
القراءة، في
العهود
القديمة،
ولاسيما
أشكال منها،
أنها كانت
تقوم على
غياب
التصريح
بالإفادة
منها، ما عدا
البطليوسي
الذي أومأ
الى اطلاعه
على شرح أبي
العلاء
المعري دون
أن يومي، الى
شرح
التبريزي
الجميل (15)
الذي كان هو
أيضا، ألم
على شرح أبي
العلاء الذي
أنحى
باللوائم
على تقصير
المستملي
الذي استملي
(معانى) بعض
أبيات منه،
وأهمل اكثر
المشكلات
(16). ونعود
الى
التبريزي
لنؤكد، مع
عبدالسلام
هارون وأحمد
أمين، بأنه
حين كتب شرح
الحماسة
أفاد، من
جميع الأوجه
من جهود
المرزوقي:
ذلك بأن
الموازن بين
الشرحين
يدهشه
التقارب
الشديد بين
عبارات
التفسير
واتجاهاته ؛
ثم لا يرتاب
في أن
التبريزي
كان في جمهور
شرحه عالة
على
المرزوقي (17). وقد
لاحظنا أن
النحاة
واللغويين
كانوا أكثر
منهجية من
النقاد
والبلاغيين
والكتاب
بعامة ؛
فالأوائل
كانوا يعزون
الأقاويل
الى
أصاحيبها ؟
والذي يعود
الى معجم مثل
السان العرب"
يندهش أمام
أمانة علماء
اللغة
وحفظهم
ودقتهم في
نسبة كل حرف
الى العالم
اللغوي الذي
كان قد رواه
أو سمعه من
الأعراب
البادين في
القرنين
الأول
والثاني
للهجرة
خصوصا.. على
حين أن
الكتاب
كأنما سبقوا
الزمن بقرون
طويلة،
فكانوا
ينظرون الى
هذا السلوك
المتمثل في
عدم التصريح
بالإفادات
من الكتابات
السابقة
بأنه ضرب من
القناص لا
يرقى الى أن
يصرح به في
كل حال. ونحن
ننقم من
هؤلاء
الكتاب -
القراء - عدم
تصريحهم
بهذه
الإفادات في
مقدمات
كتبهم ؟ ولو
جاءوا بعض
ذلك لسقطت
عنهم
الملامة. رابعا
: قراءة
القراءة
الشاملة كنا لاحظنا في مبتدأ هذه الفقرة أن الأصل في القراءة لدى الأقدمين، كان يتمخض للبيت الواحد السائر، والكلمة الطائرة بين الناس. ولكن بتطور الكتابة الاحترافية ابتداء من نهاية القرن الثاني للهجرة وازدهارها طوال القرون اللاحقة : بدأت القراءة تتسم بالشمولية بامتدادها على امتداد النص، بل على امتداد مدونة كاملة في كثير من الأطوار. ولعل المرزوقي، ولنكرر ذلك تارة أخرى، أن يكون من أشهر أوائل القراء الأدبيين الذين احترفوا مدارسة النص الأدبي وتذوقه، والذهاب في تأويله المذاهب العجيبة ؟ فيكون معظم الذين جاء وابعده لقراءة نصوص الحماسة، وسواء علينا أعانوا أدبيين أم لغويين نحويين، وقد عاجوا عليه، وأفادوا منه، وعكفوا على قر | |||||