|
|||||
|
نحاول
في هذه
الدراسة أن
نبين موقع
تلقي العمل
الشعري في
الفكر
النقدي
لنازك
الملائكة.
فالدراسة
بهذا المعنى
تنضوي تحت
باب (نقد
النقد) إذ
ستستمد
مستنداتها،
وتصل الى
النتائج
بمراجعة
التلفظات
النقدية،
والفاعليات
التطبيقية،
والحجاج
النظري
لنازك
الملائكة،
في مستويي
التوصيل
والتلقي. في
المصطلح :
التوصيل
والتلقي 1
- 1 نقصد
بالتوصيل
هنا الجانب
الفني من
العملية
الشعرية. فهو
يشمل عناصر
تخص النظم
الشعري ذاته
وتتعلق
بآليات
الكتابة
الشعرية
كالتقفية
والصور
البلاغية
واختيار
المفردات
والإيقاع
وما يتصل
بالنص
الشعري من
حيث الأداء
وتشكيل
بنيته. أما
التلقي فهو
الجانب
الجمالي
الذي يلي
التوصيل.
ويكون
القاريء هو
المعول عليه
في إبراز
عناصره،
وتجسيده من
خلال عملية
التلقي
والاستجابة
التي يكون
النص الشعري
مناسبة
ظهورها
واشتغالها
ولكن
القاريء
يعيد بها
بناء النص،
احتكاما الى
ما تسمح به
علاقاته
المتعددة
إيقاعا
وتركيبا
ودلالة،
واستدعاء
لما تغيبه
ملفوظاته
وتخفيه. 1
- 2 لقد
جرى التركيز
في النقد
العربي
التقليدي
كثيرا على
موقف
التوصيل،
ولم ينظر الى
القاريء
وقراءته،
وما يلقيه
ذاتيا على
المقروء،
إلا بكونه
جزءا من
استهلاك الي
رتيب (1)،ينعدم
فيه نشاط
القراءة
الخلاق
ويتضاءل
تفاعل
القاريء مع
النص. فالتوصيل
هو عماد
الأطروحات
النقدية
السابقة على
مرحلة
التنور
والتفاعل مع
المنهجيات
النقدية
الحديثة
وتياراتها
المعرفية
والتحليلية.
وفي الغالب
يرد ذكر
القاريء
جزءا من
الجمهور
الذي تتضح
معالمه في
مستويين : الأول
: ايديولوجي :
يراعي وجود
هذا (الجمهور)
غير المتعين
ذاتيا في أي
عمل أدبي،
كهدف تتجه
اليه
الأعمال
لتبليغه
رسالتها
الفنية بعد
أن تختلط بها
فئات
اجتماعية
وإصلاحية
وتربوية.. والثاني
: يجعل هذا (الجمهور)
حكما على
الأعمال
الأدبية
يقرر جدواها
وفنيتها
طبقا
لاقترابها
منه (أو
ابتعادها)
عنه ؛ودرجة
الفهم
والاستيعاب
التي تتيحها
هذه الأعمال. الحمهور
والقاويء لقد
نظرت
الشاعرة
الناقدة
نازك
الملائكة
الى النقد
بكونه نشاطا
مستقلا،
وحاولت أن
تجد له
معايير
لغوية وفنية
واجتماعية
لكنها نظرت
الى الجمهور
نظرا
اتصاليا في
جل كتاباتها،
فها هي تبحث
في كتابها
النقدي
الرائد (قضايا
الشعر
المعاصر) في (الشعر
الحر
والجمهور) (2)
وتشخص
مقاومه
الجمهور
العربي
لحركة الشعر
(الحر) مما
نتج عنه رفض
الجمهور "لأنه
لا يتقبل
الشعر
الجديد" و"لا
يحاول فهمه"،
وراحت
الشاعرة
الناقدة
تستقصي
أسباب هذا
الموقف
الرافض
فوجدت أن
جزءا منه
سببه (التأخر)
في ثقافة
الجمهور
ووعيه
الشعري
والأدبي
وذوقه قياسا
الى شعراء
الشباب. أما
الجزء الاخر
فإنه وجيه
ومحق لسبب ما
(3). وفي
الحالين لا
ترى نازك
مبررا في
التهجم على
الجمهور لأن
تأخره
يستوجب منا
أن نعلمه،
أما مقاومته
للشعر الحر
فهي ترجعه
الى ثلاثة
عوامل: 1-
ما يتصل
بطبيعة
الشعر الحر
واختلافها
عن طبيعة
أسلوب
الشطرين. 2-
ما ينشأ من
ظروف الشعر
العربي في
الفترة التي
ولد فيها
الشعر الحر. 3
- ما يعود الى
اهمال
الشعراء
وعدم
عنايتهم
بتهذيب
لغتهم وضعف
أسماعهم
الموسيقية
وقلة
معرفتهم
بالشعر
العربي. والملاحظ
في هذا
التعليل
طغيان
الجانب
التوصيلي (الفني)
من جهة،
واختلاط
المتلقي
بالمفهوم
العام
للجمهور
الذي لا
نتبين له
سمات محددة.
لقد أفلحت
نازك في
النوع الأول
من العوامل
في أن تمس ما
يعرف اليوم
بأفق
الانتظار أو
أفق توقعات
القاريء (4).
فهو ينتظر
عند قراءة نص
شعري أن
يتطابق ما
يقرأ مع ما
يعرفه على
مستوى النوع
الشعري الذي
قرأه وتكونت
خبرته
وذائقته على
أساسه. ولما
كان شعر
الشطرين قد
أرسى مزايد
جمالية لدى
المتلقي
تتلخص في
استقرار
وحدة البيت،
وتساوي
شطريه
إيقاعيا
وقيامه على
القافية
كوحدة
موسيقية
تنتظم
القصيدة،
فإن ما يرده
من تبدلات
محسوسة في
كتابة (الشعر
الحر) لا
تجعله
متلائما مع
هذا الشعر
الجديد.. تضاف
الى ذلك
العوامل
التي
أرجعتها
نازك الى
الشعراء
أنفسهم وما
شخصته فيهم
من (إهمال ) و(عدم
عناية ) و(قلة
معرفة )
باللغة
والايقاع
والموروث
الشعري. وهو
جانب توصيلي
أيضا، وجدت
نازك أن سبب
الوقوع فيه
انما يكمن في
الترجمات
الشعرية عن
الأجنبية
وشيوع قصيدة
النثر وفي
الحالين
ينخذل توقع
القاريء لأن
ما يراه
ويقرأه على
أنه شعر،
يخالف في
ترتيبه
وبنائه
وتركيبه، ما
ألفه واعتاد
عليه، وصار
جزءا من
ذخيرته التي
يقرأ بها
الشعر. 2-2 ولكن
نازك بدل أن
تتفحص قراءة
(أفراد) هذا
الجمهور،
تعامله على
أنه كتلة
واحدة،
تختزن ذخيرة
القراءة
وتبدلات
الحساسية
الشعرية معا.
وذلك يجعلها
ترجع فهمه
السيء لنظام
الشعر الحر
الى ما يكتبه
الأدباء
المناهضون
لهذا الشعر
الذين زعموا
أنه نثر،
جهلا بنظام
التفعيلة
الذي يقوم
عليه. فهي
تجد لهذا
الجمهور
عذرا ولا
تنتظر أن
يتطور
مفهومه
الشعري على
المستوى
التقبلي
جراء زحزحة
أسلوبية
كبيرة
يقترحها
الشعر الحر
ذاته. بمعنى
أن الجمهور
محق في تبين
الخلل الذي
أحدثه الشعر
الحر في نظام
شعر الشطرين.
لكنه مخفق في
تشخيصها من
حيث دوافعها
ونياتها. 2-3 كما
نلاحظ أن
نازك لا
تستخدم
مفردة
القاريء إلا
بشكل مرادف
للجمهور
بمحموله
الايديولوجي
والاجتماعي.
فهذا (الجمهور)
لا يفهم
الشعر الحر
ولا يتقبل
نظامه
الجديد، كما
أن الشعراء
أنفسهم لا
يضعون له
حسابا وهم
يكتبون. وذلك
واضح في
مناقشتها
لموضوع
الغموض
وتأدية
المعنى كما
سنرى لاحقا. عند
هذا الحد
نكون قد
تعرفنا على
صورة عامة
للجمهور
الشعري كما
ترده نازك
وهي في موقف
التوصيل
تتخذ جانب
هذا الجمهور
الذي وجدت في
رفضه للشعر
الحر دليلا
على "التماسك
والأصالة في
شخصية الأمة
التي ترفض أن
تنهار بإزاء
كل فكرة
جديدة" (5) كما
أنه على
المستوى
البايولوجي
تحفظ يؤدي
الى تعزيز
الدفاع عن
النفس. إن
نظام الشعر
الحر كما
تفهمه نازك
وبحدود
الحرية
المتاحة في
ظنها: أسلوب
مكمل لشعر
الشطرين فيه
استرسال
وانطلاق، (6)،
وهو لا يفارق
نظام شعر
الشطرين إلا
في توزيع عدد
التفعيلات
توزيعا مرنا
مقبولا؟
وتنويع
القافية دون
التخلي عنها
أو
مباعدتها؛
لذا لا ترى
في رفض
الجمهور
للشعر الحر
إلا سوء فهم،
يمكن أن
يبدده الوعي
بنظام الشعر
الحر
ومعرفته،
وقبل ذلك كله
التزام
الشعراء
بدورهم في
الحفاظ على
اللغة
والإيقاع
والتفعيلة. 2
- 4 ولهذا
وجدت نازك أن
سوء الفهم
يكمن في
طرائق
الشعراء
وأساليبهم
وذكرت من هذه
الطرائق
جملة أمور من
بينها. 1-
قصيدة النثر.
2- الشعر
المترجم. 3-
سوء استخدام
التفعيلة. 4-
إهمال
القافية 5-
التدوير. 6-
عدم العناية
باللغة. 7-
الغموض. وبهذا
كان التوصيل
سببا في رفض
الجمهور
للشعر الحر.
لأن الأعذار
التي وجدتها
للجمهور
تكمن كلها في
طبيعة
الكتابة
الشعرية كما
مارسها
الشعراء
المجددون،
وإيغالهم في
مفارقة
النموذج
الذي ترده
للشعر الحر. وهنا
ينشأ اعتراض
على إجراءات
الناقدة،
لأنها توظف
الجمهور
مفهوما
للثبات في
أفق التلقي،
متناسية أن
هذا (الجمهور)
تكون بفعل
تراكم أفراد
النوع
الشعري
واستحكام
قوانين
النظم
والخبرة
المتوارثة.
وهي أمور
يمكن
تعديلها
بالمزيد من
النصوص
الجديدة
التي تحاول
أن تخلق
قواعدها
وتقاليدها
فيتلقفها (الجمهور)
من بعد. فالشعر
المترجم
الذي ترى أن
نماذجه نقلت
الى العربية
مكتوبة
بأسلوب
الشطر
الشعري،
ساهم في
إرشاد
القاريء الى
(وجود) الشعر
خارج النظام
التقليدي
الذي يعرفه.
وعلى العكس
فقد كان ذلك
تمهيدا
لتقبل الشعر
العربي نفسه،
مكتوبا خلاف
الشكل
المعهود. والاعتراض
الآخر الذي
عدته نازك
مبررا لرفض
الجمهور
للشعر الحر
هو كتابة (قصيدة
النثر) فكان
ذلك في رأيها
سببا في
الخلط بينها
وبين الشعر
الحر. وذلك
ما دعاها الى
إيراد ثلاثة
نماذج : من
الشعر
المترجم،
وقصيدة
النثر،
والشعر الحر
لتؤكد عبر
تشابه
نظامها
الكتائبي (توزيع
الأشطر) بأن
القاريء محق
في ذلك الخلط
وسوء الفهم. 2
- 5 عند
هذه النقطة
يمكننا
استجلاء
صورة (القاريء)
لدى نازك،
إنه ليس ذاتا
مشاركة
فاعلة
تستخلص
النظام
الخاص للنص
بل مجرد فرد
في جماعة (هي
الجمهور)
يبحث عن
الشكل
المألوف،
ويقرأ
النصوص
لكونها
تعزيزا
للنظام
النوعي الذي
يرسخ في
ذائقته
وتكونت
حساسيته على
أساسه، وإذا
ما جاء ذكر
هذا
القاريء،
فإنما ليعبر
عن فعل
القراءة
الآلي لا
الفعال
بمعنى أنه
المسح
البصري (أو
السمعي) للنص،
تأكيدا
لقناعات
الناقدة حول
أسباب سوء
الفهم إزاء
الشعر الحر
والمتكونة
أساسا في
رأيها بسبب
طبيعة الشعر
الحر التي
تخالف مألوف
الشعراء في
شعر الشطرين. 3
- موقف
المشافهة
والتلقي
السمي ينقلنا
النظر الى
القاريء
والجمهور في
فكر نازك
النقدي الى
وضوح موقف
المشافهة
والسمع
إرسالأ
واستقبالا. فالأزمة
بين الشعر
الحر
وجمهوره
كامنة في
الصدمة التي
تلقتها
الأذن
العربية
المدربة على
شعر الشطرين.
وما ساقته
نازك من
طرائق
وأساليب رأت
أنها كرست
سوء الفهم
واجملناها
آنفا (2- 4) لا
تعدو موقف
المشافهة
والسمع.
فالاعتراض
الملائكي
ينصب على
تطويل
التفعيلات
المؤدي الى
طول الأبيات
أو تدويرها
وعلى نسيان
القافية أو
مباعدتها،
وعلى كتابة
النثر بشكل
شطري
كالشعر، أو
كتابة الشعر
الموزون
منثورا حسب
مهناه لا
موسيقاه. 3
- 1 والملاحظ
على
الاعتراضات
الآنفة،
انطلاقها من
الاعتقاد
بأن الشعر
يكتب ليلقى
شفاها،
ويتلقاه
المتلقون
سماعا. ولذلك
كررت نازك
الاشتراطات
التي وضعها
العرب للبيت
الشعري، حين
كان مقام
التوصيل
شفاهيا،
ينبني عليه
اتصال أو تلق
سمعي، مما
يتطلب
تقنيات خاصة
لها مهمات
تثبيتية،
كالقافية
الموحدة،
وعدد
التفعيلات
الثابت،
وتساوي
الشطرين،
وكذلك
استقلال
البيت داخل
حدوده معنى
ومبنى ليسهل
تلقيه، مع
شروط بلاغية
أخرى تتعلق
بالألفاظ
وفق نطقها
كالقرابة
والوعورة
وتنافر
الحروف مما
يخل بفصاحة
المفردات (أو
فصاحة
الكلام ) عند
بثه شفاهيا. 3
- 2 لكن
تبدلات
قنوات
التوصيل،
والانتقال
الى الكتابة
ثم الى
الطباعة
استلزم
تبدلات
مماثلة. فلم
يعد للاحرف
مثلا ذلك
الوصف
البلاغي
المحتكم الى
أصواتها بل
الى أشكالها
في الطباعة.
إن للطباعة
تأثيرات
مباشرة. "على
النظام
العقلي.. فقد
أزاحت
الطباعة في
النهاية
الفن القديم
للبلاغة
القائمة على
الشفافية..
وفنون
الذاكرة
التي يحتاج
اليها
التناول
الشفاهي
للمعرفة" (7)
فالمستمع
الذي كان
يتخيله
الشاعر
حقيقيا،
أصبح في النص
الشعري بعد
الكتابه
قارئا يفترض
المؤلفون
وجوده
افتراضا(8)
مما حرر النص
من أن يظل
مناسبة
للالقاء
الشفاهي،
وأثر كذلك في
الفن الشعري
ذاتا حيث
تباين طول
الأبيات،
وتعددت
أنظمة
تقنيتها،
ومازجها
النثر،
وتفنن
الشعراء في
استثمار
الطباعة
لتعميق
الدلالات
والأشكال. 3
- 3 لكن
نازك ظلت على
اعتقاد راسخ
بالتوصيل
الشفاهي
للشعر،
وطالبت
الشعراء
بمطالب فنية،
ما هي إلا
بقايا للذا
كرة
الشفافية.
وهذا واضح في
رفضها
للتدوير في
الشعر.
فالقصيدة
المدورة قي
رأيها تتعب
السمع (9)
وتجعل
التنفس صعبا
لان الوقفات
معدومه (10) كما
ان تواتر
التفعيلات
الكثيرة
مستحيل لأنه
يتعارض مع
التنفس عند
الإلقاء (ا ا).
وحتى الشعر
الحر يعانى
عندها من آفة
التدفق الذي
ترى أنه يجعل
المرء يحس
عند القراءة
وكأنه يجري
في معترك
لاهث لا راحه
فيه (12). بهذا
الشكل تعترض
نازك على
الطبيعة
التدفقية
للشعر الحر،
وعلى
القصيدة
المدورة،
واعتراضاتها
كما رأينا
تستجيب
لوظيفة
شفاهية
يؤديها النص
؛ وإلا فمن
أوجب على
الشاعر أن
يراعي
التنفس أو
السمع عند
كتابة
قصيدته وهو
لم يكتبها
لتلقى بل
لتقرأ
مكتوبة أو
مطبوعة. ويقابل
الإرسال
الشفاهي عند
نازك،
التلقي
السمعي. وهنا
تدخل
الناقدة الى
منطقة
التقبل
والاستجابة
ولكن بنقل
المزايا
الشفافية
ذاتها. فهي
تفترض
المتلقي
مستمعا، وأن
وسيلة
اتصاله
بالنص هي
أذنه أو حاسة
سمعه التي
وضعت لها
نازك تاريخا
تقبليا
قائما على
القبول أو
الرفض
للظواهر
الإيقاعية. فالأذن
عندها هي
واسطة
التقبل. حتى
والناقدة
تشن ثورة
مبكرة على
نظام الخليل
العروضي فهي
لا تحتكم إلا
الى الأذن،
فتقول في
مقدمة (شظايا
ورماد). "ثم
إن هنالك
سببا آخر
هاما يستدعي
هذا
الاستبعاد
للالفاظ
التي كثر
استعمالها،
هو أن الأذن
البشرية تمل
الصور
المألوفة
والأصوات
التي تتكرر
وتستطيع أن
تجردها من
كثير من
معانيها
وحياتها" (13). إن
الأذن هنا،
ذات دور
تقبلي تحتكم
اليها
الشاعرة وهي
تدعو الى
ثورة على
مستوى
القاموس
الشعري،
والصور في
القصيدة أما
حين تنتقل
الى
الاعتراض
على الشعر
الحر،
فسنراها
تشدد على دور
الأذن وحاسة
السمع.
فالقصيدة
المدورة
مرفوضة لأن
السمع
يأباها فضلا
عن الاعتراض
على صعوبة
إلقائها. إن
الترادف
السريع في
القصيدة
المدورة
يبعث على
الملل
والرتابة
ويتعب السمع
الذي لا
يستسيغه
ويضايق الحس
الجمالي
للقاريء (14)
وتلك
المبررات لا
تعكس إلا وعي
نازك بنمط من
الشعر يكتبه
الشعراء
للالقاء أو
يلبي حاجات
الاستماع
اليه
والتلذذ
بجرس كلماته. إن
نازك كما
حدثتنا عن (جمهور)
عام متخيل هو
ظل اجتماعي
لدور الشعر
كما ترده،
سوف تحدثنا
عن الأذن
العربية
وقوانينها
بشكل عام
أيضا..
فالآذن
العربية كما
تقول، تنفر
بطبعها من أن
ترد
تشكيلتان في
القصيدة
الواحدة.
وتجزم بأن
الشعر الحر
ليس خروجا
على قوانين
الأذن
العربية،
والنغم الذي
تقبله كما
تحدثنا عن (سمع
شعري) يكتسبه
المرء ليدرك
التنافر بين
التشكيلات
المختلطه (15). نخلص
من هذا الى
أن نازك
استكملت
موقف
المشافهة
والتوصيل
الشفاهي وما
يتطلب من
قوانين
وحالات، بأن
وضعت
بمقابله
موقف التلقي
السمعي الذي
تكون فيه
الأذن وسيلة
استقبال
تفرض
جمالياتها
على صلة
المتلقي
بالنص،
وبذلك تهمل
المزايد
البصرية
التي وهبتها
الكتابة
والطباعة. وتتسم
نظرة
الناقدة الى
القافية
برؤية
شفافية.
فالقافية
عندها تؤدي
دورا
تنبيهيا لذا
تصف رنينها
بأنه "رنين
يلفت السمع
اليه"(16) كما
انها "جرس
يدق" لنعلم
مقطعا او
عبارة قد
انتهت وهي
وسيلة أمان
واستقرار
لمن يقرأ
القصيدة،
وقد تهزه
شعوريا هزا
عنيفا بما
فيها من سحر
وأصداء ذات
وقع
كالمغناطيس
أو التيار
الكهربائي،
بل هي ذات
أثر
سايكولوجى
يرتبط بما
تسميه
الناقدة "سايكولوجيه
القصيدة" (17).
وإذا ما
استثنينا
الجانب
السايكولوجي
غير الواضح
في أطروحة
نازك
الإيقاعية،
واقتصاره
على
الدلالات
والمعاني
كالقوة
والوضوح
والصلابة،
فإننا نجد
حديث نازك عن
القافية
يتركز في
جانبها
الشفاهي
فنيا،
والسمعي
تلقيا
جماليا. وذلك
يؤكد ما يرده
المنظرون
بصدد دور
القافية في
الشعر
الشفاهي
وكونها أداة
إيقاعية
تثبيتية أو
تذكرية تحدد
بشكل واضح
نهاية البيت
المنفصل عن
سواه (18). لقد
عارضت نازك
إطلاق
القوافي دون
نسق خاص.
ورفضت الشعر
المرسل
لأنها ترى
التقفية
ضرورية
للشعر ذي
الشطرين. أما
الشعر الحر
فلا تريد له
قوافي سائبة
- كما تصطلح
على القصائد
التي تهمل
التقفية. فهي
ترى ان
للقافية
سحرا قد يوقع
غيابه
القصيدة في
الهزيمة
واليأس
والسقوط
والانهيار
بل ربما رمت
نازك شعراء
القصيدة
المدورة
بالتعبير عن
إحساسهم
بالذل
السياسي
أمام
اسرائيل
وامريكا وعن
شعورهم
بالقهر
والكبت
والإنكسار
والافتقار
الى العزيمة
والصمود (19).
ذلك ان موت
القاقيه
عندها ليس
إلا خفوتا
وانطفاء
لموسيقى
القصيدة.
التي تراها
معبرة عن
عزيمة
الشاعر "صلابته»
إننا نعود
بذلك الى
المقاييس
البلاغية
التي أراد
البلاغيون
العرب
تطبيقها على
الشعر
المنظوم
شفافيا رغم
أنه في موقف
المشابهة
يعتمد شأن
الشعر
الشفاهي على
القوالب
الصياغية في
طريقته
الفنية وليس
الى قوانين
بلاغية
متعلمة أو
مستمدة من
قواعد
البلاغيين
اليونانيين
(20). 6
- 5 لقد
كانت
القافية
أمانا
واستقرارا
يسبب غيابها
أو انتظارها
الطويل
دوارا أو
كابوسا، كما
حصل لنازك
وهي تقرأ
الشعر
المدور،
وذلك في ظني
من بقايا
الامتثال
شفاهيا أو
الاتصال
سمعيا
بالقصيدة.
فالعين
تستثير عادة
هيئات صورية
للكلمات
وتستدعي
دلالات
وارتباطات
معنوية لا
يمكن للأذن
أن تستدعيها. وفي
مجال الوزن
الشعري وهو
عماد
الموسيقى
التقليدية
في الشعر نجد
نازك تحافظ
على رؤيتها
الشفاهية.
فهي كما نعرف
لا تعد الشعر
الحر إهمالا
للوزن بشكل
مطلق، بل
تعده تعديلا
لعدد
التفعيلات
وهي تنتقي
البحور
الصافية
التفعيلة فقط
لكتابة
الشعر الحر.
أما البحور
الممزوجة
المؤلفة من
تكرار
تفعيلتين
فيتعذر على
رأي نازك
إقامة شعر حر
منها. "لأن
ذلك يبدو
لاهثا متعبا
بحيث تعسر
قراءته
ويخلو من
ليونة
الموسيقي" (21)
كما تقول -
فضلا عن عدم
استساغة
الأذن
العربية
لايراد
تشكيلتين
مختلفتين في
بيت واحد.
وفي هذين
الحكمين
تستجيب
الناقدة
لرؤيتها
الشفافية
لأنها تتخيل
جمهورا
مستمعا
وشاعرا
منشدا ثم
تشتق هذه
الأحكام
الذوقية. لقد
جرب شعراء
كثيرون
كتابة قصائد
حرة الوزن
على بحور
مختلطة
التفعيلة
وكان
استثمارهم
لايقاعها
موفقا في
توصيل
الحاله
الشعريه (22).
فلماذا
القطع بتعذر
النظم الحر
على هذه
البحور؟ إن
نازك تتخيل -
لشدة
رهافتها
وحسها
الشاعري - أن
التفعيلات
قد تقع موقعا
ثقيلا في
السمع أو
شنيعا،
وربما تصفه
بأنه قبيح
الوقع أو
عسير على
السمع (23). وما
ذلك إلا
لأنها تبحث
في الوزن عن
إيقاعات
موسيقية
عالية، تصل
الى الاسماع
دون محتوى
شعري، ما
دامت قد
تحققت فيها
المزايد
العروضية
التي
تتخيلها
نازك
للقصيدة
النموذج.
ولهذا ترفض
نازك أي بحث
عن الشعر
خارج الوزن،
وترى أن
كتابة قصيدة
النثر بشكل
شطري يسيء
الى الشعر
الحر ويختلط
به. كما أن
الشعر
المترجم،
لخلوه من
الوزن، لا
يستحق برأي
نازك أن يكتب
شطريا. ولكن
تشددها هذا
يخف حين
تناقش
الجانب
العروضي في
المسرح
الشعري،
فتقول بصدد (مصرع
كليو باترا)
لأحمد شوقي"
إن الشاعر لم
يلتزم فيها
وزنا واحدا
لأن
موسيقيته
العالية
تجعله رتيبا
في مسرحية،
يستغرق
تمثيلها
ثلاث ساعات
على الأقل..
ولشعور
المشاهد
والقاريء
بالملل، لأن
قوة النغم في
هذه الأوزان
تسيطر على
المعاني
وتحبسها" (24)
وهذه
المرونة في
تغيير
الأوزان
داخل
المسرحية
الشعرية،
يقابلها
تشدد في
تطوير عدد
تفعيلات
البيت
الواحد في
الشعر الحر،
أو استخدام
تفعيلتين
لبحر ممزوج،
أو
الاستعاضة
عن موسيقى
التفعيلة
بإيقاع
داخلي يهبه
النظم
الشعري
الخاص كما في
قصيدة النثر
وما ذلك في
ظني إلا
ترجمة
لهيمنة
الرؤية
الشفافية
ووجهة النظر
المتمثلة
بفهم الشعر
بكونه
موسيقى
وأداء. وهو
ما تعاني منه
نظرة
الشاعرة
الناقدة الى
الفن الشعري
حتى لتربط
الأوزان
أحيانا
بالشعور أو
الحالة
النفسية،
دون أن يقوم
دليل ثابت
على إطراد
التفسير
النفسي الذي
يربط الحالة
الشعورية
بالبحر
واختيار
تفعيلة
محددة لحالة
خاصة أو غرض
أو موضوع
محددين. 4
- الغموض
وتأدية
المعنى
بدأت
نازك ثورتها
التجديدية
بالمقدمة
النظرية
المهمة التي
تصدرت
ديوانها (شظايا
ورماد).
واعتقد أن
العودة الى
هذه المقدمة،
رغم تراجع
الشاعرة عن
أطروحاتها
كلها، ذات
نفع دائما،
لأنها
تمنحنا ما
كانت النيات
التجديدية
تريده وترغب
فيه، قبل أن
تتعدل أو
تتراجع
وتخفت.. فكأن
الأمر متعلق
بذاتيتين
مختلفتين
هما ذات
الشاعرة
الطموح،
وذات
الواقعية. 4
- 1 وفي
هذا الصدد
نقرأ رأيها
في الغموض إذ
تدافع عما
تسميه "القوة
الإيمائية"
للألفاظ كما
اعتمدتها
المدارس
الرمزية
والسريالية
التى اكتنزت
أثقالا من
الرموز
والأحلام
الباطنية
والخلجات
الغامضه
واتجاهات
اللاشعور (25)
لقد ربطت
نازك بين
النفس
البشرية "المغلفة
بألف ستر"
وغير
الواضحة كما
تقول، وبين
الشعر
المعبر عن
هذه النفس،
فكان الشعر
تعبيرا
رمزيا في
رأيها
بأساليب
ملتوية عن
النفس
وتحدثنا هنا
عن عوالم
بعيدة
يستغورها
الشعر،تحدثنا
عن ذكريات
منطمسة
راكدة في
أعماق العقل
الباطن منذ
زمن، وصور
عابرة منسية
يتلقفها
العقل
الباطن
ويكنزها..
ويغلق عليها
الباب.. حتى
إذا آنس غفلة
هن العقل
الواعى،
أطلقها صورا
غامضة، لا
لون لها ولا
شكل (26). ولأجل
رمزية الشعر
وتعبيريته
معا، تشبهه
نازك
بالأحلام
وما يجري
خلالها من
استذكارات
واستدعاءات
لا تخلو من (إبهام)
هو جزء من
الحياة
البشرية. 4
- 2 وإذا كان هذا هو رأيها في ظاهرة الغموض والرمزية الشعرية التعبيرية في مستهل حياتها الشعرية (1949)، وإذا كانت تبرر حتى الهذيان الداخلي والشرود فإنها ستظل ترهنه بموقف التوصيل، مشيرة دون تصريح الى وجوب تقبله من القاريء وفق تلك المحركات والدوافع اللاشعورية. لكنها بعد حين ستبدأ بالتحفظ على (كمية) الغموض ودرجته ومنطلقاته، فهي تحذر الشاعر العربي الناشيء من "تكلف الغموض" (27). والإغراب، واحتياج الشعر الى شرح كي يفهمه | |||||