محاضرات في: التقاليد الشعرية اليابانية

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

ماكوتو - أوكا
ترجمة: محمد عضيمة (كاتب واستاذ بجامعة طوكيو - اليابان)


- ماكوتو - أوكا: شاعر وناقد ياباني معروف جدا..ولد عام ا 193 في مدينة صغيرة غرب طوكيو.. من بين أهم أعماله الشعرية: “الذاكرة والحاضر”، “الربيع..الى فتاة”، “في مدن الاعشاب”. له أعمال نقدية كثيرة تتناول بخاصة الشعر الياباني من القديم الى الحديث. ومن بين أهم هذه الأعمال يذكر عادة كتابه:”الحداثة في التعبير”. وقد جمعت مؤلفاته في “أعمال ماكوتو - أوكا الكاملة”. نال أهم جوائز اليابان الأدبية. يمتاز بقدرة هائلة على توضيح خصائص الشخصية اليابانية الغامضة عموما، ولاسيما في الشعر والفنون الأخرى. وهذا ما يستطيع القاريء العربي لمسه في هاتين المحاضرتين حول التقاليد الشعرية اليابانية اللتين ألقاهما ماكوتو - أوكا في “ الكوليج دو فرانس” بفرنسا في شهر أكتوبر سنة 1994، واللتين نقدمهما للقاريء العربي كما هما بطراوتهما.

سوثماوارا - نو- ميتشيزاني: شاعر و سياسي أو مثال الشرخ الذي يفصل الشعر الياباني عن الشعر الصيني

 - 1 -

في البداية أود التعبير عن عميق تقديري لإدارة “الكوليج دو فرانس” التي منحتني شرف تقديم محاضرتين في هذه المؤسسة العلمية العريقة. وهذا الشرف يتجاوزني ليصل الى الشعر الياباني في مجموعه، ويشهد على فضولية مليئة بحسن التفات الى مجال لا يزال مجهولا بالنسبة الى الجمهور الفرنسي والغربي عموما. لذلك يبدو لي أن الكلام على الشعر الياباني تحد مثير أرجو من خلاله النجاح في الإجابة على بعض فضوليتكم، كما أرجو إثارة اهتمامكم ما أمكن ذلك. “سوثماوارا -نو – ميتشيزاني” هو الشخص الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم أمامكم. لقد كان واحدا من رجال الدولة، وواحدا من رجال الأدب الأكثر أهمية في يابان الأزمنة القديمة: شاعر فحل، ومثقف لا نظير له، استطاع أن يصل الى أعلى مراتب السلطة السياسية، قبل أن يقال من مناصبه في ظروف مأساوية وبعد أن عاقبته العاصمة، مات ميتا فظيعة في منفاه.

 وقبل الكلام المباشر عليه، أود الإشارة الى المحيط الاجتماعي والثقافي الذي أفرز رجالا مثله. نقصد بعصر “هييان”، وعلى صعيد تاريخي بحت، القرون العدة التي بدأت خلالها اليابان تنعتق نسبيا من تأثير الحضارة الصينية الهائل، وأخذت بطريقة واعية تشكل ثقافتها الخاصة، يغطي عصر “هييان”، تقريبا، الأربعمائة سنة الممتدة من بداية القرن الثامن الى بداية القرن الثاني عشر. إن المائتي سنة الأولى من أغنى المراحل بالأحداث المهمة والغارقة، سواء على الصعيد الأدبي أو التاريخي. فخلال هذين القرنين تم إنتاج أبدع الأعمال الشعرية والنثرية: “سوثماوارا -نو ميتشيزاني” كينو-تسورايوكي” إيزومي. شيكيبو” في الشعر؛ “موراساكي-شيكيبو”، ساي-شوناثمون” في النثر. ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة بالذات، هو أنها تعتبر العصر الذهبي لأدب انتجته نساء أشهرهن: “إيزومي. شيكيبو”، “موراساكي – شيكيبو”، “ساي شوناثمون”. وجميعهن ظهرن في وقت واحد تماما: بين نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. كان بينهن في حياتهن الخاصة كما في نشاطهن الأدبي، وبصفتهن سيدات شرف أو وصيفات في البلاط الامبراطوري، روابط صداقة أو - حسب الحالات - روابط منافسة شديدة... وذلك قبل أن يمتن في العزلة دون أن يعرفن عظمة الأعمال الأدبية التي كن قد أنجزن.

الآن وقد مضى ما يقارب الألف سنة، فإن آثار هؤلاء السيدات الأدبية لا تزال محل تقدير وإعجاب. ومن الأصح أن يقال إن جمهور قرائها في تصاعد مستمر، إضافة الى أنها قد نقلت الى لغات عدة من بينها الفرنسية. لكن عددا قليلا جدا من اليابانيين يستطيع اليوم تناول هذه الآثار في نصها الأصلي. وبفضل الترجمات المتع”ة الى اللغة اليابانية المعاصرة، نستطيع مثلا أن نأنس بقراءة “سيرة كانجي” أو "يوميات وسادة” وبفضل الشروحات والتعليقات، أيضا المخصصة لذلك فقط، نتعلم كيف نتذوق ونقدر قيمة “قصائد” أو “يوميات” السيدة “إيزومي –شيكيبو”.

يكمن تفسير هذه الوضعية فيما عرفه اللسان الياباني المكتوب من تغيرات مفاجئة وطارئة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي خلال المرحلة التي يشار اليها عادة بعبارة “إصلاحات ميجي” والتي تتقاطع مع انفتاح اليابان على الأجانب وعلى التغريب والتحديث. هذا التغير اللساني المفاجيء جعل اليابانيين غير قادرين على قراءة النصوص الكلاسيكية مباشرة وبسهولة إلا إذا تدربوا عل هذه القراءة بشكل منهجي منظم.

لكن على الرغم من هذه الصعوبات، نجد أن عملا مثل “سيرة كانجي”، والذي ترجمته مرات عديدة، بحرية وتصرف، الى اللغة اليابانية الحديثة، كاتبات متعددات، لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، لحد أنه نقل الى إطار كتب الصور، والقصص المصورة، والرسوم المتحركة على شاشة التليفزيون. ولو بعثت “موراساكي – شيكيبو” من جديد في عصرنا لصعب عليها بالتأكيد التصرف على النص الذي كتبته هي نفسها، وذلك بسبب ما تعرض له من تحولات.

هناك عدة أسباب تكمن وراء الظهور المتزامن - بين نهاية القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر - لهؤلاء الكاتبات العبقريات حقا مثل “موراساكي – شيكيبو”.  أولا، ينحدرن جميعا وبلا استثناء من عائلات ارستقراطية متوسطة ومثقفة جدا، ومنذ الطفولة الأولى تلقين تعليما نوعيا مميزا أعده لهن الآباء. ثانيا باعتبارهن سيدات شرف في حاشية زوجات الأباطرة المساعدات (كان لكل امبراطور عدة زوجات، هذا دون حساب العلاقات العابرة)، كن يعشن في قلب مجتمع البلاط، وبالتالي كانت لهن - وهذا شي ء نادر بالنسبة الى نساء ذاك العصر- اتصالات مثرية مع رجال من الطبقة النبيلة التي كن يعرفنها بشكل عميق. أحيانا كان يمكن لعلاقة بسيطة مع أمير امبراطوري أن تجعلهن مشهورات جدا، وهذه حالة الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”.

أما كاتبتا النشر “موراساكي – شيكيبو” و “ساي – سوناثمون”، فلم تكن رواياتهما أو نصوصهما الأدبية تترك أثرا عميقا لدى سيدات الشرف الأخريات وحسب، بل كان الجميع ينتظر ما تكتبان، وكانت نساء الأباطرة يقرأن كتاباتهما بشغف وفضولية. كما كانت لهما لدى الرجال حظوة رفيعة. ومن هنا تلك المباريات الفطرية بين هؤلاء الكاتبات، ومن هنا أيضا نشوء وتطور منافسات أدبية عالية المستوى في البلاط الامبراطوري، وهذا ما أتاح للكاتبتين إعطاء عملين مثل “سيرة كانجي” و”يوميات وسادة”، دون أن تفكرا يوما بأن هذين العملين سوف يعتبران بعد عشرة قرون جزءا من كلاسيكيات الأدب العالمي.

إن الشاعرة “إيزومي – شيكيبو”. قد تركت في سجل قصائد الحب نصوصا نلمس فيها حقا علامات العبقرية. لقد كتبت في إطار شكل “القصيدة اليابانية الموجزة “ -أي شكل “الوكا” -أعمالا عديدة لم يقدر على مجاراتها شعراء العصر نفسه، من الرجال والنساء أعمالا تطغى عليها سوداوية عميقة ورؤى فلسفية حول الكائن البشري.

عندما نتأمل منجزات هؤلاء النساء في المجال الأدبي، يجب أن نحترس من نسيان قضية في غاية الأهمية: أي الدور الذي لعبه نظام الكتابة المستخدم من قبل مثقفي ذاك العصر. فالرجال الذين كانوا يعملون كموظفين في البلاط - وهم ممثلو الأوساط الثقافية آنذاك - كانوا يجدون طبيعيا أن يكتبوا أعمالهم الأدبية بالحروف الصينية، وبالأسلوب المعروف بـ “كاميون”: شكل هجين صيني -ياباني لا علاقة له باللغة اليابانية المحكية. كان اتقان أسلوب “الكامبون” معيارا حاسما للحكم على كفاءة ومهارة موظف البلاط. من جهة أخرى، كان يجب على من يكتب نثرا جميلا الضلوع، ليس فقط في مجالات الحقوق والاقتصاد والدبلوماسية والسياسة الداخلية والتاريخ بل وفي الآداب أيضا، وهذا ما قد يبدو مفاجئا. والذي سأتكلم عنه بعد قليل، أي “سوثماوارا - نو – ميتشيزاني”، هو واحد من هؤلاء البشر النادرين: يسبق النساء اللواتي ذكرتهن آنفا بمائة عام. إنه شخصة ذات أهمية استثنائية وشاعر رائع أيضا.

لكن قبل الحديث المباشر عنه، أريد الوقوف قليلا عند الموضوع السابق: أعني الكتابة التي كان يستخدمها المثقفون اليابانيون آنذاك أثناء صياغة أعمالهم الأدبية.

قلت آنفا أن الرجال - سواء في الشعر أو في النثر –كانوا يستخدمون الأحرف القادمة من الصين كما هي للكتابة بأسلوب صيني. ومن السهل أن نجد بفرنسا ما يقابل هذه الظاهرة: في العصر نفسه تقريبا، ولكي تتشكل اللغة الفرنسية. مرت بسيرورة استعارات من اللاتينية ومن الألسنة الرومانية. فأناشيد الفروسية المعتبرة أول الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الفرنسية، قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، أي بعد عقود عدة على ظهور كتاب السيدة “موراساكي – شيكيبو” “سيرة كانجي” الذي رأى النور في بداية القرن الحادي عشر.

قبل ذلك، كانت لغة المثقفين الرسمية، سيما على صعيد النص المكتوب، هي اللاتينية التي كانت تلعب دورا مماثلا لدور "الكامبون”، أي الصينية الكلاسيكية، في اليابان.

عرفت اللغة اليابانية في مجال الكتابة، سيرورة انعطاف مشابهة لما عرفته اللغة الفرنسية مقارنة باللاتينية. ففي العصر الذي أتحدث عنه،تولد عن الأحرف الصينية - وكانت حكرا على الرجال - ما نسميه بأحرف الـ”كا-نا” التي سرعان ما تبنتها النساء. والواقع إن هذه الأحرف الجديدة، ولكي تترجم الأصوات نفسها، تحتوي على أبجديتين مقطعيتين مختلفتين: هما “الهيراثمانا -والكاتاكانا”.

حروف “الهيراثمانا” عبارة عن نظام نقل وتدوين حصل عليه من خلل تبسيط شديد جدا لبعض الحروف الصينية التي - حتى بعد تبسيطها - تحافظ على نطقها الأساسي (أي نكتب الحرف الصيني ــ والأفضل أن يقال الرسم الصيني (ideogramme) ـ بحرف “هيراثمانا” واحد دون أن يتغير النطق والفرق هو أن للرسم الصيني معنى، لكن لا معنى لحرف الهيراثمانا” بذاته. م ). أما حروف “الكاتاكانا” فهي مثل الأولى، حصل عليها انطلاقا من الحروف - الرسوم الصينية، لكن بدلا من تبسيط كل الحرف - الرسم الصيني، اكتفينا هذه المرة باقتطاع جزء منه.

لكن حرف رسم صيني في الأساس، صوت ومعنى في آن. أحيانا، يمكن لحرف -رسم واحد أن تكون له تشكيلة كبيرة من المعاني، غير أن حروف “الهيراثمانا” و”الكاتاكانا” هي ببساطة مجرد مقاطع صوتية لا غير وليست لها في ذاتها أية دلالة. إذن، هي من حيث المبدأ شبيهة بأبجدية اللغات الأوروبية وكذلك الكتابة بها.

إن اكتشاف الكتابة هذه، أي كتابة الـ- “كانا” من الأهمية بحيث يمكن اعتبارها من بين كبرى الاكتشافات ليس في اليابان وحسب وإنما في العالم كله. ويبدو أن حروف “الهيراثمانا” و “الكاتاكانا” قد تبلورت تماما وبدأ استخدامها بشكل واسع في أوائل عصر هييان، أي حوالي بداية القرن الثامن.

مما لا شك فيه أن جمالية حروف “الهيراثمانا” الخاصة، حيث تسيطر على شكل الحرف الالتواءات، دفعت النساء الى استخدامها في الكتابة بشكل واسع ولهذا كانت تسمى في ذلك العصر بـ “أونا – دي” أي وحرفيا “يد امرأة”. يعني حسب الحالات “نص كتبته امرأة” أو “كتابة نسوية”. وهذه الحروف التي كان يمكن أن يظن بفقرها الشديد على صعيد الخط المكتوب، بدأت تلعب دورا جديدا تماما. فسرعان ما ثبت بالممارسة أنها، ومن أجل كتابة اليابانية المحكية، أقدر بكثير من الحروف -الرسوم الصينية المتخصصة باللغة المكتوبة.

لم تكن قصائد “الواكا” لتنفصل في جوهرها عن القراءة بصوت مرتفع، وتكشفت حروف “الهيراثمانا” عن مقدرة استثنائية لمن يريد تدوين تلك القصائد، لأنها تتيح كتابة نطقية أمينة لأشعار “الواكا” كما أنشدت. والحالة هذه، كان شكل “الواكا” أيضا، طريقة التعبير الوحيدة عن المشاعر، لحد أن علاقة حب ما لم تكن واردة دون الاعتماد على هذه الصيغة الشعرية. ولذلك وجب على الرجال الاسراع في إتقان هذه الحروف.

وهكذا لم يعد بإمكان اليابانيين الاستغناء عن حروف “الهيراثمانا” ولا عن حروف “الكاتاكانا” هذه الطريقة الأخرى للتدوين النطقي والتي سرعان من قدرها الرجال وتعلموها ـ هذه الظاهرة تحديدا، هي التي أتاحت للأدب في عصر “هييان” أن يكون فاتحة عصر ذهبي. هكذا يعتبر وضع كتاب “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة”، (كوكين واكارشو) في مجال الشعر من أهم أحداث بداية القرن العاشر. أما في النثر، فقد تتابعت خلال القرن الحادي عشر كتب مثل “قصص العظمة – البهاء” من المعروف أن كتابي: “سيرة كانجي” و”يوميات وسادة” هما لكاتبتين. أما عن كتاب: قصص العظمة –البهاء” ذي الأهمية الكبرى على صعيد ولادة “الرواية التاريخية”، فإن هوية مؤلفه غير مؤكدة لكن الأرجح هو أنه لـ “أكاسومي-امون” هي الأخرى سيدة شرف في البلاط وتمتاز بذكاء حاد.

بالمقابل، نجد في “ديوان قصائد الواكا القديمة والحديثة” - هذا الجامع الحقيقي لنفائس الشعر الياباني ذاك العصر والعصور -السالفة -أن الشعراء الأكثر فحولة هم من الرجال في الغالب. لكن هنا أيضا. نستطيع أن نلمس في كل صفحة الى أي حد كان تأثير الثقافة النسوية سائدا وقويا.

باختصار شديد، إن اكتشاف كتابة الـ “كانا” وتحليق الأدب النسوي هما الميزتان الكبيرتان لتلك المرحلة من عصر هييان.

-2-

ان وقت الحديث عن “سوثماوارا - نو- ميتشيزاني” الموضوع الرئيسي لهذه المحاضرة.

يعتبر “ميتشيزاني” أكبر شاعر في بداية عصر هييان، أي في زمن كان فيه البلاط الامبراطوري، والارستقراطية اليابانية، يعيشان تحت تأثير الثقافة الصينية الشديد. وهذا تماما قبل العصر الذهبي للأدب النسوي الذي تحدثت عنه منذ قليل، وقبل انتشار حروف الـ “كانا” التي ستعطي هذا الأدب دفعة قوية. لكنه - أي ميتشيزاني - كان أيضا مثقفا كبيرا، ضليعا في البوذية والكونفوشية دفعة واحدة، كما كان رجل سياسة استطاع بعد بدايات دبلوماسية موهوبة،أن يتوصل الى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة في الحكومة آنذاك.

عندما أقول. كان شاعرا، فأنا لا أتكلم على أشعار “الواكا” المكتوبة باللغة القديمة الخاصة باليابان، والمعروفة باسم “يامانو ـ كوتوبا”، بل أتكلم على القصائد المكتوبة بالحروف ـ الرسوم الصينية (كانشي) التي تلتزم التزاما شديدا بصيغ وقواعد شعر الصين القديمة، هذا لا يعني أن “ميتشيزاني” لم يكتب أيضا قصائد “واكا”، لكن ما وصلنا منها غير مؤكد بأنه له حقا. فبعد اقالته السياسية، وبعد نهايته البائسة ثم وبعد رد الاعتبار اليه بشكل استعراضي بعد موته، يحتمل جدا أن كثيرا من قصائد “الواكا”، قد كتبت باسمه ونسبت اليه، لكن المؤكد هو أن “ميتشيزاني”، يبقى أعظم شاعر ياباني كتب “الكاتشي” (الشعر باللغة الصينية. ولحسن الحظ أن مجاميعه الشعرية الصينية وصلتنا كاملة، دون نقص، ونستطيع اليوم تناولها بفضل إصدارات مليئة بالتفاسير الدقيقة جدا.

من هو “ميتشيزاني” هذا الرجل الذي توفي عن 59 سنة، بعيدا عن العاصمة في مدينة “دازايفو” الواقعة في أقصى غرب الأرخبيل الياباني، في جزيرة “كيوثسو”، حيث عوقب بالنفي الى هناك ؟ اليكم في البداية لمحة موجزة عن حياته.

ولد سنة 845 وتوفي سنة 903. كان مثل جده وأبيه، مثقفا ضليعا في الكونفوشية، ثم جاء حفيده “نو- ميتوكي” ليصبح هو الآخر شاعر “كانشي” معروفا جدا.

يحكى أن “ميتشيزاني” أثار دهشة أبيه بقصيدة كان قد كتبها وعمره لا يتجاوز 11 سنة. وبعد سنوات عدة أصبح الشاب دبلوماسيا، واستقبل في “كيوتو” بعثة دبلوماسية لبلد يدعى “بوهاي” الذي كانت لليابان معه علاقات وطيدة ومتطورة جدا. وقد أشاد السفير نفسه بمواهب “ميتشيزاني” الشعرية. “بوهاي” منطقة تقع في الشمال الشرقي من الصين، ازدهرت بين القرن الثامن والقرن العاشر، وكانت لها ثقافة غنية غنى ثقافة الامبراطورية “التانغية”، كما أن سفيرها كان شاعرا معروفا وبمقدوره اكتشاف موهبة “ميتشيزاني” الشعرية.

حاز “ميتشيزاني” على لقب دكتور في الآداب وعمره 32 سنة، وهذا أمر نادر في ذلك العصر. وكان، بصفته موظفا مثقفا وينتظره مستقبل باهر، يتمتع بملذات الحياة في البلاط. بالمقابل كان عرضه لجميع أنواع الغيرة، والحسد. هذا الموظف اللامع، الذي كان من المؤكد أنه سوف يتابع عمله بشكل منتظم في البلاط، عين وهو في سن الواحدة والأربعين، وبسبب تغير مفاجيء تماما، حاكما على منطقة “سانوكي” - أي منطقة “كاثماوا” حاليا - في جزيرة “شيكوكو” بعيدا عن العاصمة. هكذا كان مجبرا على البقاء أربعة أعوام مثبطة في بلد بعيد جانب البحر.

غير أن هذا الحدث أعطاه فرصة نضوج حقيقي على الصعيد الإنساني. فلأول مرة يجد نفسه على احتكاك مباشر مع الناس. ولذا استطاع أن يعرف واقع حياتهم اليومية البائسة جدا. الأمر الذي سوف ينعكس على إبداعه الشعري، ويدخل تطورا جديدا ومهما. هكذا بدأت تظهر في قصائده سلسلة موضوعات، ما كان له أن يتناولها لو بقي في البلاط، كما يمكن أن نلمس فيه وبدقة يقظة متدرجة على الفساد المنتشر في أوساط الموظفين آنذاك.

بعد هذه الاقامة في “سانوكي”، عاد الى العاصمة. وهناك نال ثقة الامبراطور “أودا”  شبه المطلقة، بعيد تدخله الفذ لحل مشكلة سياسية معقدة. بعبارة أخرى، كان للقائه مع الامبراطور تأثير حاسم على مصيره.

كانت تسيطر على الأوساط السياسية في ذلك العصر عائلة “فوجي وارا” سيطرة لا مثيل لها إطلاقا. وكانت للأباطرة، مع بعض نبلاء هذه العائلة روابط زواجية، وفي الغالب، لم يكونوا سوى دمى بأيدي هؤلاء.

ومع ذلك،كان الامبراطور “أودا” يطمح الى تحييد قوة آل “فوجي وارا” وإصلاح القضايا السياسية. ومن أجل هذه الغاية، رفع “ميتشيزاني” الى مراتب مهمة. هكذا أصبح تقدم هذا الأخير في الأوساط السياسية الرسمية سريعا جدا، الأمر الذي عزز احتراس الـ “فوجي وارا” منه. ثم إن غيرة الموظفين الآخرين منه، وتمنعهم عن التعاون معه، كانا قد بلغا الذروة. إضافة الى زواج الأمير الامبراطوري “توكيو –شينو” بإحدى بناته. في مثل هذه الظروف، حيث كان القلق ينغصه من ازدياد الخصوم المحيطين به، توصل “ميتشيزاني” الى مرتبة وزير اليمين، أعلى مرتبة سياسية آنذاك وكان عمره 54 سنة. وفي الوقت نفسه كان “توكيهارا -نو - فوجي وارا” الشخص الوحيد الذي عينه الامبراطور في مرتبة مماثلة لمرتبة “ميتشيزاني” أي وزير اليسار، وهو من أقوى فروع عائلة “فوجي وارا” ولم يكن عمره آنذاك أكثر من 28 سنة، أي أصغر من “ميتشيزاني” بـ 26 سنة. في هذا الحدث ما يوضح جيدا القوة السياسية الأسطورية لآل “فوجي وارا” آنذاك.

بعبارات أخرى، يشير هذا الى أي حد كان “ميتشيزاني” يعيش معزولا كان دعم وثقة الامبراطور “أودا” في البداية فقط، يمنحانه الثقل والسلطة للتعادل السياسي مع قوة آل “فوجي وارا”. لذلك لا نبالغ إذا قلنا إن مصيره كان معلقا بخيط فقط. وقبله بقرن ونصف، كان “كيبينو –ماكيبي” هو الشخص الوحيد الذي لم يكن من عائلة رجال الدولة، بل من وسط مثقفين غير غني والذي بلغ أعلى مراتب الطبقة السياسية.

لكن الامبراطور،وبكل لا مبالاة الاباطرة عادة، لم يبق حتى النهاية حامية “ميتشيزاني” فهاهو يعتزل واجهة المسرح السياسي، ويخلع نفسه لصالح ابنه البكر، مفضلا، بصفته امبراطورا معتزلا البقاء في الظل من أجل الإمساك جديا بخيوط السلطة، كان عمر خليفته “دايفو” 12 سنة فقط عندما تم تنصيبه امبراطورا. أما هو فكان لا يزال في ريعان الشباب 30 سنة. لقد استطاع “أودا” أن يتمتع -ولحد موته بعد 34 سنة من تخليه عن العرش - بملذات الحياة التي تتاح عادة للاباطرة السابقين. في هذا الوقت ازدهرت حضارة عصر هييان وعرفت أوج تفتحها. والواقع هو أن عصري الامبراطور “أودا” وابنه الامبراطور “دايغو” يمثلان فعليا ازدهار الثقافة اليابانية الكلاسيكية، ويمثلان المرحلة التي استطاع خلالها شاعرنا، ثم شعراء “ديوان قصائد الواكا القديمة الحديثة"، ان يوصلوا الى أعلى درجات الاتقان والكمال شكلي “الكانشي” و”الواكا” الشعريين.

كن الامبراطور الشاب 0”دايغو” في البداية وتنفيذا لأوامر الأب، كل الاحترام والتقدير “لميتشيزاني” أضف الى انه لم يخف مرة واحدة إعجابه اللامحدود بقصائده. وبعد سنتين من تنصيبه امبراطورا، عين “ميتشيزاني” وزيرا لليمين. آنذاك، كان الامبراطور المعتزل “أودا” لا يزال قادرا على إدارة ابنه بسهولة من على مسافة.الأمر الذي يفسر نجاح “ميتشيزاني” في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بسبب موقعه، رغم الصعوبات المتعددة التي كان يواجهها.

بيد أن هذه الوضعية ستجر “ميتشيزاني” بشكل خفي لكن محتم، الى الخسارة. فكلما كان نفوذه يزداد، كان يبدو أكثر خطورة في نظر آل “فوجي وارا". لقد تآمر عليه أقوياء هذه العائلة من “توكيهارا” الى المثقفين المليئين بالحقد عليه، الى الراغبين بخسارته، فأقنعوا جمعيا الامبراطور ”دايغو” بأن وزير يمينه يدبر له مكيدة هائلة، غايتها أن يتخل عن العرش وأن يحل محله الأمير “توكيو – شينو” المتزوج بابنة “ميتشيزاني” نفسه.

من السهل أن نتصور مدى الصدمة التي أصيب بها الامبراطور الشاب، الذي لم يكمل بعد عقده الثاني (6اسنة )، من جراء مشروع هذه المؤامرة المزعومة. هكذا، أقيل “ميتشيزاني” من منصب وزير اليمين، ليعين في وظيفة مثيرة للسخرية: “حاكم مبعوث في كيوشو”. عقوبة العاصمة جاءت في وقت قصير للغاية. إن هذه الوظيفة الجديدة، والتي تعادل في أيامنا “نائب الوالي”، لم تكن في غالب الأحيان، أكثر من تعيين أسمي لموظفي الحكومة المركزية الكبار المقالين من مناصبهم. وهذا ما حدث لشاعرنا “ميتشيزاني” تماما، دون أي خرق للقاعدة. لنشر الى أن مدينة “دازايفو”، الواقعة في غرب أقصى الأرخبيل الياباني، كانت بالنسبة الى حكومة “كيوتو” قاعدة عسكرية دفاعية ضد أية تهديدات محتملة من الصين أو من كوريا.

بعد سنتين من حياة الانزواء في هذه المدينة القوية، مات “ميتشيزاني” هناك والآلام الروحية والمعنوية تقض مضجعه. إن القصائد التي كتبها، خلال منفاه، انتحاب بدموع من دم. إنها تعبر بصدق حاد عن رجل مدان بجريمة لم يرتكبها وبفضل هذه الأعمال الأدبية صار “ميتشيزاني” الشاعر الكبير الذي نعرفه.

عندما أرسل الى المنفى بددت عائلته بفظاعة وشتت أفرادها في ستة أماكن مختلفة. زوجته وابنته استطاعتا البقاء في البيت بكيوتو. لكن أولاده، فقد أرسلوا الى محافظات بعيدة جدا عن العاصمة: الأول الى “توسا” الثاني الى “سوروثما”، الثالث الى “هبوا”، الرابع الى “هاريما”. أما “ميتشيز