|
|||||
|
تدهشني لعبة الأمواج .. الموجة ليست فقط تحولا للبحر انها رمز سحري للمسوخ البعيدة الخرافة اليونانية بتناقلها عبر الزمن ساهمت في تنشيط الإرادات الشعرية والعقلية في الأدب المعاصر
جيسيبي كونتي شاعر إيطالي من بورتو موريتزيو، كتب بحميمية الأصول عن العناصر، المعادن والنجوم، عن العصور الحجرية والجليدية والعصور التي فيها تمس خت الكائنات على الشكل الذي هي عليه اليوم، كتب عن فزع التحولات وعطب السكون، عن الخوف من الفراغ الذي يغزو ضفاف البحر، عن الضحية التي تشتعل في اللهيب فتتألم بحب، عن الشتات والوحدة، عن البحر المتوسط وأقاصي صحراء أمريكا، عن الساحل الذي ينام في جهة الخرافة وعن الرمل الذي يمجد في كل مراحل تكوناته مسوخه الجميل، كتب عن أوروبا العجوز التي ترتدي في زخم البهرجة والحفاوات ثوب عرسها كي تهدي عذريتها للعولمة والتكنولوجيا. خاض الشاعر بالمرارة نفسها تجربة البحار التي تعبر مصارف آبارنا، حفظ أناشيدها التي تغافل عنها الزمن منذ إيليس، كتب أيضا عن امرأة تمضي إلى موتها باشتهاء وشاب يدرك منعطف التحولات بألم خالص، عن المسوخات القديمة التي أصبحت تحن لملازمة الكائنات الحديثة، حيث تمد أصابعها لتخرب تناسق العناصر أو لتعيد للأشياء انسجامها الوديع؛ محسوسات تنتهي ببطء إلى كينونتها المسكونة بالأنهار والبراكين. شاعر عزف ميلوديا الحضارات متخلصا مما يلزمه ككائن حديث محشو بشعارات اللغة واللقب والدين والوطن...
هناك على الجبال، والسقوف نادتني جيسيبي يا ابن آنيتا وفرانكو تعال، لم يعد لك بيت، وعائلة اتبعني كان الجو خريفيا ومعتدلا، حين التقيناه هائما في مكتبة سان ميشال ببوردو يبحث في رفوف الكتب عن لا شيء، هناك حيث كانت المكتبة تحتفي بلقاء الشاعر محمد بنيس في إطار ملتقى الآداب، تبادلنا أطراف النقاش في موضوع الأدب الإيطالي والعربي معا، عن أسماء ساهمت في بناء الحداثة الشعرية وعن أخرى تعيد تسمية التراث. يحلو له كثيرا أن يناديه الشعراء العرب بلقب يوسف الذي أطلقه على نفسه، أخبرني بذلك وابتسم. كان لاسمه مثلما لكتاباته تقاطع في المرجعيات، فبعد قراءتي لـ(المحيط والصبي) أدركت أن يوسف ذلك الصبي الذي يرمى في البئر وسط الصحراء ليس سوى صورة مكررة للصبي الايرلندي الذي يرمي نفسه في أعماق البئر ليطارد صوت البحر، البحر الذي يسميه جيسيبي الصحراء البعيدة عن الصحراء أو البحر الممسوخ. كل من الصبيين انتهى أخيرا بنبوءة محمولة سواء كانت بنشيد الصحراء أو بأغاني البحر. هنا يصبح لقبه العربي ترجمة لما يعانيه جيسيبي من حب في المسوخ ومن وله بلعب دور الحرباء. الملف الذي أعددناه يمنح صورة وجيزة للشعر الحديث، إن جيسيبي كونتي يشكل حلقة مهمة في تكوين ملامح الأدب الإيطالي المعاصر. ** ولد جيسيبي كونتي عام 1945 ببورتو موريتزيو بليغير la ligurie عاشق ولهان بالرحلة والميثولوجيا. يعيش حاليا بإمبريا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط قرب الحدود الفرنسية. يعد من الوجوه الأكثر أصالة بين شعراء الجيل الإيطالي الحديث لا سيما مع صدور ديوانه المحيط والصبي (الذي قدم له إيتالو كالفينو) مطلع الثمانينيات. موازاة مع ذلك، يعتبر الشاعر روائيا وكاتبا ومترجما، فقد ساعد على ظهور أعمال ويليام بليك، شيلي، لورانس ووالت ويتمان بالإيطالية. من بين أعماله: أرض الخرافة- كتابه/ المحيط والصبي- شعر/ مخطوطة سان نازائير-قصص/ الفصول- شعر. المسوخ.. والتجربة الشعرية الحديثة حوار مع الشاعر الإيطالي جيسيبي كونتي تقديم: برنار بروتوينار ** لقد لمح إيتالو كالفينو إلى أهمية وصف المواضيع في شعرك. هل ينبغي أن تطوق لغة الكاتب الموضوع أو تجسده، أن تهرب مما هو كائن بالأحرى؟ - إن الموضوع ينتهي إذا اكتفى الكاتب فقط بإظهاره. إن وصفا حقيقيا ينبغي أن يظهر الجانب الخفي لكل موضوع، الجانب الغرائبي الذي تجهله كل من اللغة العادية واللغة العلمية. ينبغي أن تهتم اللغة الشعرية بهذا الموضوع. إن الدقة في النظم تحمل على اكتشاف الخفي (اللامرئي). ** يفضل غيرك من شعراء "ليغير" اختيار العبارة الوجيزة، الغامضة، الجافة. - اختار شعراء "ليغير" للجيل الماضي، سباربارو، مونتالي، كابروني لغة جد وجيزة، وجد أساسية. لقد بحث إيتالو كالفينو عن صلة بين شعري وبين شعر القدامى وذلك من أجل أن يكشف عن كوننا فكرنا جميعا في الطبيعة مانحين إياها القيمة الرمزية والذهنية. أنا لا أصدق ما كتبه سباربارو: "لقد فقدت عروس البحور صوتها" لأنني بالعكس أبحث عن هذا الصوت. إننا نستطيع أن نحققه عبر الإيجاز، إنني أستخدم لغة إستعارية تمتد نحو عصور الخرافة. ** لقد كتبت "ربما يكون الشاعر الإنسان الذي يطوي في نفسه شفقة الربيع المرعبة"، كيف يمكن فهم هذا التعريف الذي هو تركيب غريب من الكلمات؟ - الربيع، شيء يعود كل عام حاملا معه البعث. الشاعر هو الإنسان الذي يرغب في بعث معنى اللغة وطبيعة رؤية الأشياء. ولكن سعيا للتجديد لا بد مبدئيا أن نقوم بالتحطيم، أي أن تكون قاسيا مع نفسك ومع من يمنعنا من مناداة هذا الربيع. إن السؤال الذي تطرحه يجبرني على طرح أسئلة أخرى. لماذا الشفقة؟ إن الشفقة والقساوة مفردتان متناقضتان، إن الربيع يبتعد إلى ما وراء هذه المفارقة. ويبتعد الشاعر أيضا عن القسوة والخوف؛ يجب ألا ترتبط نظرته إلى الأشياء مع وعيها الخاص، ولكن من وجهة أخرى مع وعيها اللاشخصي (اللاخاص)؛ إنها نظرة خرافية مرتبطة بوعي العالم، ينبغي من أجل تحطيم الإيغو العجوز من داخله، أن تتوفر القساوة، أن تتوفر الشفقة (التي هي الحب) من أجل بناء الجديد. ** تحدثت عن اللاشخصي، إن شعرك في تركيبه وصوره، عالمي جدا، يمكن أن يستقر داخل الزمن، وبشكل نادر جدا داخل المكان، إنه يفلت دائما إلى الأنا، إلى أي مصير تجر قارئك؟ - إن مراجعي الجغرافية هي دائما خرافية، مستقرة بعيدا عن الفضاء وكائنة فيما الوراء، مثل ما في إيرلندا الس لتيين وأمريكا الهنود. إن سيطرة الطليعة قد اختصرت الشعر إلى لغة. يبدو لي أن الشعر ما دام تجريبا لهذا النظام فهو وجهة مميتة. هناك بعيدا يوجد شعر وجودي، شعر يبكي التجربة الشخصية بغية إيصال شيء ما عن معنى الحياة، روح العالم، الطبيعة والقدر. ** إن الطبيعة- الحيوانات، النباتات، المعادن والعناصر- حاضرة بشكل فعلي في عملك. هل يمكن أن نتحدث عن وعي إيكولوجي؟ - إن الإيكولوجيا مختلفة جدا، ليس بالإمكان القول إنه يجب إنقاذ الطبيعة إذا لم نحول بأنفسنا مفهوم الطبيعة. لقد خمنت مئات الأفكار عن الطبيعة. ولكن، لأعبر عنها، كان ينبغي أن أخمن مرة أخرى تفكيرا وخرافة يسمحان لي باستخدام لغة جديدة، لا يمكن أن نتحدث اليوم عن الطبيعة، ونحن نجهل بأنها مهددة، بعد أن كانت مقدسة. ** أنت تستدعي الآلهات دائما. أهي الطبيعة من تحملك إلى الخرافات؟ - أكيد، فهناك صلة جد عميقة. الطبيعة ليس لها لغة خاصة، لكنني اعتقد أنها تجد لغة من خلالنا، كذلك، لو نظرت إلى البحر، سأرى إله البحر، إنه ليس بإمكاننا أن نحدثه بدون إدراك الصلة التي بالكون، الموجة بالقمر، الصخرة بالنجمة. إن هذا هو ما فقدته حضارتنا. إن الخرافة هي ذاكرة الإنسانية المحجوبة. إن الحضارة تتحدث عبر الذاكرة برغم أنها قد حجبتها: وبالخصوص التاريخ والتكنولوجيا.إنه ينبغي للحديث عن الخرافة اليوم إيجاد طاقة الحياة، حتى ولو ضمن الظرف المتحسر للعالم الحديث!. ** أيحملك هذا نحو تفاؤل ما؟ - هذا يجعلني أعتقد أن الحياة تستمر في تحولاتها اليومية. ** خلال عواصف المرحلة الإعتدالية (الإكينوكس)، رأينا كل يوم تقريبا، خيالك الذارع بصراحة ضد الرياح والأمواج، عمق بحر القديس نازايير (سان نازائير: مدينة فرنسية على مصب لوار، تعتبر مرفأ لمدينة نانت. تطل على البحر الأطلنطي). كيف نستطيع من خلال الطبيعة المتوحشة، العصية والمفصولة عن الزمن أيضا، أن نطفئ الكتابة المعاصرة؟ لا شيء أكثر رومانسية من البحر، العاصفة، إذا لماذا لم نعد نكتب حاليا تماما مثل القرن التاسع عشر؟ - أولا، أنا غالبا ما أتفسح لرؤية ما يدهشني، لعبة الأمواج التي أجهلها لدى البحر الأبيض المتوسط حيث أعيش، الموجة ليست فقط تحولا للبحر، إنها أيضا رمز سحري للمسوخ البعيدة، إنها تحول فاتن ومستمر للمكان، إننا في مثل هذه الصباحات الخريفية، ونحن نتجول بعيدين عن البيت بألف كيلومتر، وقبالة بحر آخر، بمقدورنا أن نحس عزلة العالم برمتها-رؤية اليأس- في الوقت نفسه الذي ندرك مرأى الحرية. ثانيا، أنا أيضا جد قريب من الرومانتيكية، إننا نشتغل نحن مجموعة من أصدقاء هذا الجيل في إيطاليا على التأويل الجديد للرومانتيكيين الإنجليز والألمان. أساسا كتاباتي ليست حديثة، إنها خارج الزمن تماما مثل الرغبة والحلم مثل شيء يأتي فيغير الزمن، أن تكون بالنسبة للشاعر معاصرا، فإنه عليك بقبول الواقع الحالي كما هو. إنه مستحيل! إن الشاعر يحول الواقع. هناك ما يقارب قرنين من الزمن بيني وبين شيلي، ولكن ليس بمقدوري نسيان التجارب الثقافية التي تميزنا عن ماركس وفرويد، إننا لا نستطيع الكتابة بالطريقة نفسها، رغم أنه باستطاعتنا الكتابة عن موضوع واحد وبروح واحدة أيضا. ** هل تغريك حياة البرية؟ هل هي الحياة التي ترغب في الذهاب إليها؟ هل اليومي الحديث يثقلك بينما يسجننا؟ - شخصيا، أحب أن أعيش داخل إطار متحضر وبلدي، إن الحياة البرية رمز لما ضاع، إذا لم يكن باستطاعتنا إعادة اكتشاف طبيعة برية متوحشة، فإنه بمقدورنا أن نبحث عما سجنه الفكر المنطقي والتقني داخل الذات. لا يمنعني اليومي المعاصر من الانتهاء إلى الأسطورة، ما يسجنني هو الايديولوجيا، سلطة الرؤيا العلمية والنفعية، التفكير التحليلي. لا أستطيع أن يكون لي من السذاجة بما يجعلني اعتقد بأنني سأعود إلى شيلي أو مالارميه. ** لكونك ليغيري، إلى أي مدى تهتم بالأسطورة السلتية؟ - إن الحضارة السلتية في إيطاليا مجهولة تماما، لقد اكتشفتها في ايرلندا، ما أغراني هو الإحساس الموسيقي والسحري للطبيعة، إحساس على صلة بما هو طبيعي وما هو خارق. إن الأسطورة السلتية تسمح لنا برؤية الطبيعة في حالة مسخ دائم، تقريبا برؤيتها دون آلهات. ** حيث تصير الآلهات أناسا!؟ - بل لنقل إنهم أناس تحصلوا على الفتوة الأبدية. ** ليس بإمكان الإنسان أن يتمسخ، إنه بخلاف الآلهات التي تستهويك. لكن إذا منحت لك فرصة التقمص، فماذا الذي تريد أن تصبحه؟ - سأختار أولا أن أكون سمكة سلمون، ثم طيرا بحريا. سلمون لأنه يأتي من المحيط متجها نحو منبع النهر: إن هذه الفكرة تمتلك قوة رمزية ومؤاسية (منعشة ونشطة)، لأنها تستدعي إمكانية أن تجد نفسك داخل محيط من الغموض والعسر. ** وطير البحر؟ - لأنه سيلتهم سمكة السلمون! ينبغي معرفة عدو الذي كن اه في السابق.. ** هل تمنح نفسك كرامة الحلولية في كل مكان؟ أين تجد نفسك من كل هذا؟ - أحب أن أعيش حياة على بحر ليغير، وحياة في صحراء المكسيك الجديدة؛ إنهما المكانان اللذان لا أعرف الأكثر قوة والأكثر ضرورة منهما. إن الصحراء هي البحر البعيد عن البحر. ** مواصلة للعبك، ألا ترفض قدر الإله؟ ولكن أي إله!؟ - لا أحب أن أكون إله الديانات الموحدة، أرى نفسي من خلال الميثولوجيا اليونانية في زيوس، لأنه يتحول إلى وجوه مختلفة بغية إشباع قدرته الجنسية..هذا، أحبه كثيرا..(يضحك). احب من الميثولوجيا الأزتيكية أن أكون نانوتزان، لأنني اعشق فكرة أن الإله يستطيع أن يصبح صغيرا ومريضا...لأن نانوتزان يقدم نفسه أمام الشمس أضحية ملقاة في النار. ** في الطبيعة التي تحب، أية شجرة تريد أن تصبح؟ - شجرة كرز مزهرة، لأنها بيضاء، ولأننا لا نستطيع حينها أن نأكل ثمارها. ** وأي معدن؟ - صخرة في الطريق، الصخرة التي إذا دارت نحو السمت، تحولت إلى منهير، أحب أن أكون منهيرا(1). ** هل ستستطيع امتلاك أزمنة معينة بانتقاء؟ - أريد أن أجربها جميعا، مرتين على الأقل: قبل الطوفان، وخلال الإمبراطورية الرومانية؛ قبل الطوفان لمعرفة ما لم يعرفه أحد، أي فيما إذا كان هناك عمالقة، أنبياء، علماء فضاء فهناك خرافة تروي بأن الدرويديين (تابعوا الكاهن الغالي درويد) قد ورثوا المعرفة قبل حدوث الطوفان. أما مرحلة الإمبراطورية الرومانية فلأني لا أحب الرومان. ** أنت ليغيري جيد... - نعم، ولكن أحب ان أكون سلتيا لأتمرد ضد الإمبراطورية الرومانية، واسمح لي بعصر آخر: القرن السابع عشر، وذلك لأكون رحالة، وكي ألتقي بروبنسون كروز وغيلفر. ** هل أنت إنسان يحن كثيرا؟ - لا أبدا، لم أحس أني شخص يحن، أعتقد أن الأجمل لا بد أن يتكرر مرارا، في الواقع، أحب كثيرا ان أعيش داخل زمني، أن أرى مستقبلنا الذي نشترك فيه. وان أكتب (لأني لا أعرف شيئا أفعله سوى الكتابة) ليس لإنقاذ العالم، ولكن من أجل إضافة بعض الصور الجميلة في مكتبة العالم. ** ألا يفزعك المفهوم الفني لمحتوى الجمال؟ - إنه لا يرعبني. وللإجابة، سأستعير فكرة يوكيوميشيما التي تقول إننا نرفض الجمال حينما نفرز عالما من العنف وإحباطات معاصرة. ** هذا الحوار الذي أعده برنار بروتونيار bernard Bretonniére نشر في مجلة Face B، n9-10 ترجمة قصائد من ديوان "حوار بين الشاعر والرسول" لجيسيبي كونتي: مكتوب بكل الأسرار بحت لك، فما الذي تريدين معرفته اكثر، عن نفسي لم أتكلم كثيرا، ومع ذلك تحسين الآن عذابي أن الفراغ، أن الفقدان، أن العالم مثل فوهة، وأنني على مقربة منه مشلول أعمى دون نبوة، مجروح دون أن أخوض معركة تعلمين الآن كل شيء أو ربما كنت تعلمين ذلك سلفا؟ هل قدري كان مكتوبا إذا؟ مياه الينابيع ليس هناك سوى هذا العالم الفاني و لا شيء آخر سوى زمن عابر فقط، إذا كانت ستتدفق يوما يوما غير آفل مياه الينابيع الدافئة من الأبدية. حقيقية عنك، أيتها الروح لم أبحث و لم أسألك العودة لكنك نزلت قريبة مني كصبي يلهو قريبا من كرته، كماء الصباح الصافي قريبا من تاج النبتة حقيقية أنت أيتها الرسول مهما كان اسم الإله الذي أرسلك.. أسئلة لأول رسول إذا كنت حقا نزلت من السماء وكنت ملكا لهاته الممالك العالية مثلما هو ضباب الصيف وأوراق الخريف ملك لها... إذا من أجلي لبست جلد الموتى فقل لي ما الذي عن هاجسي تعرفه و عن الشمس والمطر. إذا من السماء جئت و كان لك بين هذه الممالك المنسية مكان صديقا لورود الحدائق الأبدية أبيض مثل عينيك البيضاوين أحمر مثل نار ملتهبة فلماذا عن الفرح كله تخليت آتيا إلى هنا حيث كل الأشياء تموت؟ هل من الممكن أيضا أن يصير الفرح الكلمة التي ترغب في الألم؟ البؤس الحقيقي على هذا النحو: فإن الألم الحقيقي يجهل دائما حقيقته لا تستطيع إرجاع ه إلى أي دافع لا إلى وعد لم تف به، ولا إلى غاية لم تصل إليها، ولا إلى حب يلح في دمي. إن البؤس الحقيقي يشدك من ذراعك يرافقك دون أن ينبس بكلمة فإن يحنو عليك أو يخنقك سواء فبالنسبة إليه لن يتغير أي شيء.. فعبثا أن تحلم بأنه سينام حين يلج المساء.. البؤس الحقيقي تحسه أبديا مثل الماء الذي يصفو، مثل الرمل الذي تأخذه الموجة ثم تتركه مستقرا بهاجس أقل مما فيه من فرح. هذا اللقب أدري أن لا هوية لي ولا حقيقة.. فأثناء بعض الصباحات حين أستيقظ لا أعرفني و أكثر من ذلك، يبدو لي أنه لم يعد لي جسد ، و لم أعد أعرف أين أسكن، أو في أي زمان أعيش في دهشتي، أعيد مرارا أنني ألقب بجيسيبي كونتي، هل هذا معقول؟ إلى متى ستستمر هاته الكوميديا؟ جيسيبي مثل أب والدي -الاثنان اختفيا من سجل الأحياء- أما كونتي، فهذا لقب فقير تملكه فقط حين تكتبه. في الأصول تجدينك أيضا، أنك في داخلي تشبهين الريح في الأصول، تجدينك بعد لحظة التخلي بعد لحظة الانتهاك والحقد دونما ندم او أي عفو أردت أن أبقى طيلة سنوات بمنأى عنك رجلا أراد أن يكون وحيدا أكثر وحدة من جدار منهار أكثر صمتا من صخرة لا يرطبها البحر لكنه يمج د بعدها زمن الرحلة. أين التقينا أيتها الروح؟ في أي مكان من مدائننا، في أي منتجع و على مقربة من أي سيل؟ أنت الآن هنا، دائما تشبهين الريح، الورود والبراكين و تشبهين الأصول. ترجمة قصائد من ديوان "المحيط والصبي" لجيسيبي كونتي: Parole estranee a sua moglie كلمات غريبة إلى زوجته كانت الساعة حوالي الثانية أو الثالثة ذلك الصباح حين ولجت إلى السرير و كلمتك ، كنت تنامين، أغمضت جفني قبالة جفنك المشتعل، كنت أريد أن أبوح لك بكلام غريب عنا، كلام عن الحب المتواصل، الحب الأبدي، كانت فضفضاتي حزينة، لعبة منسية قواعدها ليست الأعين من تحمي جفوننا إنما محاجرها لقد تحولت أصابعنا إلى صخور، وجوانحنا بالمياه صارت غريقة وبالبحيرات، ملتوية أقدامنا التي تتوغل كأعشاش بوم، منذ اللحظة، لن نتحدث مثلما تعودنا لن نتحدث إطلاقا.. من ركن نوافذنا من البحر، تهب مقبلة من بعيد رياح مستقبلية سنصبح إثرها رئات بحر شقائق النعمان، زهور الحرير الخفيفة النامية بين العشب الناذر للحديقة.. ها إن عيني المزينتين تريا طرقا من دم ودخان.. حناجر الصراخ، لذات متنامية تعبر في غير تناه، القافلات السائرة نحو رمال نائية أو حالات السكوت والمطر. "أبريل الأبيض الأخير" إلى لوسيانو أونسيتشي 1- أبريل الذي يعود نحو حدائق السنابل والشيح و في تحليقات الدوري الخفية يحترق 2- ويوميات أبريل الذي يتفسخ، حيث المصاب الدافئات تسيح غمامات جديدات، يرسم مرة أخرى على خرائطه القديمة طرقا لألف سفينة بمقدماتها الذهبية ثم يرتاح في طية للزائلة أوروبا المائلة 3- على السلالم البيضاء، النخيل والسبخات، قيل يخلط الذاكرة بالرغبات، ويوجع الرأس ينبغي أن نقول لكن اليوم، تركب الأساطيل البحر، هاته التي لم ترس على الميناء إطلاقا، غليونات(2) 4- محلقة ترفع الأشرعة، إنها تجهل أية راية تنشرها، مجهولة، تعبر الأماكن، العمارات، السيارات المصفوفة، 5- أبواب المقاهي المفتوحة بعد الظهيرات، وجوه رجال، قبب رمادية، كلاب تنبح خلف الشبابيك لقد دككنا الجبال، والجسور بنيناها، غدا 6- غدا ما الذي سوف يجري لنا؟ يعرف أبريل العودة، يحترق الآن، يشرب النهار مثلما يشرب الرمل الميت الماء، يحرض خمائل الأقحوان على اللوحان، على رفع 7- الأكاليل العملاقة، لقد شاهدتهم اليوم أنا الذي لم يستطع أن يكبر أكثر، أنظر، أنا اليوم، أنا الصخرة، وعلى الرغم من أن الوقت لم يحن بعد، ومع ذلك فقد صرت صخرة، صعب، فأنا مضطر لأقتل، أنا مضطر 8- من يضطر تعلم العودة آه. كم لا ينبغي معرفة الرؤيا: إنها تخرب، تكبر، إنه يتعاظم، يخرب إله الشمس الأعرج، تهدي تيجانه، أكاليله. أبريل الذي ليس من زماننا نفسه 9- الذي على الخرائط القديمة يعيد رسم الطرق، من أجل ألف سفينة بمقدماتها المتوردة، ؛ إنني لم أعد أقدر ياله من عطش للحياة، للابتسامات الراغبة في الانتشار، للفرحة 10- من يصفح الأمهات ويحولها إلى ملح يسرق منذ زمن إمارة البراكين يعيد الأبدية إلى المني يعرف أنه حممة، أنه شعلة يتحول إلى محيط من رئات البحر، أنا ميدوزا، المحيط 11- الذي ما قبل وضوح الصباح الأول، وقد كان دائما صباحا، أنا هو الصباح، قبل أن يكون الحب حبا، لم نحب كزوجين، أن تحب الإله، أنا هو الإله، يجفف الأشجار، يطفئ الأصوات الحادة، النايات التي كان ينبغي أن نعزف بها 12- ثم نخربها 13- "بلا رحمة، تفتش عنا رغباتنا في الأرصفة المزدحمة" أبريل في ميلانو، النيران الممتدة، أبريل الذي هو أبريل، الذي يقطع من الوجوه 14- الشفاه والأهداب، الذي بعد أن يبعثر صفوف العمارات، يعوضها بنشر مسرف للمروج و بالبحيرات، ربى من القذارات المكدسة، أبريل الذي هو القصيدة، الذي يخون 15- الذي يمنح زوارق وخيولا حقيقية بينما نحن نموت: الذي يقفز من النظرة إلى ركن النوافذ: تنفتح زهور شجر الكرز فجأة، 16- هنا حيث العشب ليس سوى خمائل مسحوقة، هنا حيث الجوامد العجوز 17- قد ذابت،يتوه الأخضر كثعبان الشفاه رطبة والأهداب ترتجف، تحلق النظرات ثم تهوي، ثم بين شقوق الجدران تعثر على قبرها: اللذة آفلة 18- "في الشوارع الآن، يمكن حين نأتي جميعا أن نتوادد بين مجهولين"، ضياع، عودة إلى هنا إلى حيث لا يمكن أن نعود: وضع الأكاليل، أن نرفض الأخذ والوجود: هذا نداء 19- الأصداف، المحار، وعرائس البحر لما قبل العالم: نداء البوم لقنبرة: هو-هو...إهيثا!...تسمع من أكثر الآفاق بعدا صراخ شقائق النعمان 20- المتوحشة التي تريد التفتح الدم: الأيادي
التي تتمدد انتظارا للمطر هي بالذات كانت أمطارا، الأقدام المرفوعة على الأصابع الموحلة: لا ينبغي أن تحب، لا ينبغي أن نعرف، لا ينبغي أن 21- نرى، لم يمض من الوقت على أبريل حتى وصل، أبريل مرة أخرى 22- أبيض 23- الغليونات الغريبة تنشر الشراع نحو الضفاف التي منها تفر النبوءات، لا تتكلموا: إنها الصخور التي تحرس في داخلها الروح؛ أصوات الصخور الذهبية، الجبال الذهبية؛ ما زالت 24- هناك أغنية بعيدة عن ضفاف الريح التي تهب نحو سياجات النخيل المضيء والمغبر: هنا أيضا حيث لا أحد يرتقب تفتحات أخرى، يزهر حلم ، مائلا، محاطا 25- بعواصف بالية، صنوبرة ساحلية ستنجب صباحات: الصباحات الرقصات: لا تتكلموا عن أبريل هذا: أبريل الذي هو القصيدة، الذي يخون، الذي يمنح 26- زوارق وخيولا حقيقية، بينما نحن نموت: إنه يكبر، يهد م،.يمنح شمسا، تيجانها، الأكاليل، من أجل أن أتعلم الموت، سأتعلم الضحك الآن، أن أهدم، أن أعرف 27- العودة. المحيط والصبي(3) يسير المحيط والصبي معا نحو حدود بين الأمواج و لغات الرمل، تحت ركب ريح من رماد وخلنج. الطفل صموت، والمحيط يخنق صراخه، نفسه يثير الجشة و العواصف القاسية تنقش جنطيانات(4) مظلمة تحت السحب أين يلتقي بالغربان والمرافئ يخنق صراخاته، فهناك زعيق من يلحق بغاية ما... ينصت إليها الطفل أكثر فأكثر أليست تصفيراته نداء للخيول المرغوبة، المسرجة، ألم تكشف عن الأعماق البهلوانية الكبيرة وسط المرجان؟ ألم تعرف صراخاته التيجان
و فؤوس ملوك الشمال المدفونة ألم تعرف الغزوة الدموية التي بكاها الغراء(5) والكركي ؟(6) على البحر يلقي الطفل الأرماث، ويرغب في هبة الصوت يغرق في معركة من تروتة(7) وسيوف من الضوء شعره طاووس وعيناه تغوصان عميقا، أشد عمقا أخطبوطات، عباد شمس من حرير ومن سكوت شفاف يعبرها المحيط لا يصمت،لم يعد على الصمت صابرا إلى المياه يهبط نحو ما هو أكثر عمقا من الحلكة.. يدرك الطفل الصوت الذي يأتي من الأزرق الأكثر قدرة فتستيقظ إثرها دوامات أصوات يعرف الهوة، طوفان القيثارات، الطبول، وغابات الأشجار-النايات، المزامير التي بانحناء الزوبعات، الأبواق العاصفة، البئر الذي فيه تلتقي تيارات كل البحار بئر الصيادين المجهول أين تنفلت الحبال والبل ورات في اللحظة التي يتجلى كل ما يراه الطفل تحرر المياه شمسا فينزل عميقا، أكثر عمقا إلى غاية أن يلقى الأحلام والكلمات- الكلمات الأولى للعالم. تحت ركب الريح التي من رماد وخلنج، المحيط والطفل - هذا الذي في الراهن نشيد، نشيد حديث الولادة. II Giovane Poema,II Giovane Dio الإله الشاب، القصيدة الشابة شبابي كما أراه جيدا بدأ يشرف على الزوال و أن أحلم بنفسي أمر صعب جدا الفتاة الشابة التي لا تزال تحمل غصونا من زهور ذهبية، وأغنية، هل ستأتين نحوي، مثلما نحو جران، ابن الملك رفيبال؟ هل ستزورين الشاطئ الذي تأتيه الغربان و الفئران؟ هل سترقصين مثل ضوء الد بق(8) على المذابح؟ افعلي كما لو أني أتبع خطوتك، فتوة خطوتك الأبدية آه، اجعليني آسر البحر. Metamorfosi damore Secondo la profezia قصيدة : مسخ العشق من مجموعة : من خلال النبوءات جيسيبي كان اسمي المعمد لم يعد لي منذ اللحظة اسم: فأنا نحلة وضب، صخرة وميموزا، لن يقدر البحر على تمييزي إطلاقا لن يستطيع أبدا أن يفضي إلي بالحب نستطيع أن نحلق معا نحو معمورة الشمس، مقتربين ومجهولين، ونسقط أنقاضا على الدروب المنحدرة، على الشواطئ الصخرية، صدفتين داخل سكون الأعماق.. التجايل الشعري في إيطاليا وتجربة "المسوخ" المعاصرة: ترجمة لمقال أكاديمي عرفت إيطاليا بداية من القرن التاسع عشر تحولات حقيقية أثناء توحد أقاليمها المختلفة في دولة واحدة، فإذا كان المجال الأدبي ينحو بعيدا نحو التغيير والتجديد فإن إيطاليا حافظت في فنونها على المعطى الجهوي الهام جدا. إن أحد أهم ما يميز أصالة الشعر الإيطالي المعاصر هو استخدام اللهجات المختلفة المتواجدة بإيطاليا، فهو عكس الشعر الفرنسي الذي يمانع بقسوة استدراج اللهجة- تستعرض لهجاته المختلفة في سياق ما يمكن أن يمنح نفسا جديدا للغته أو ما يمكن أن يمنح قيمة جديدة لألفاظه المستخدمة. نستطيع أن نذكر من زمرة شعراء اللهجات: جياكومو نوفونتا، ديليو تيسا، رافاييلو بالديني، تونينو فيرا، ب.ب.باسوليني، أ.زانزوتو، وأيضا شعراء اللهجة الإيطالية المتاخمة لحدود سويسرا مثل جيورجيو أورللي، فابيو باستيرلا. لقد أصبح الشعر بالنسبة للإيطاليين بمثابة المعيار الذي بفضله يختبر الشعراء تجاربهم اللغوية، الشعر مخبر اللغة، فمنذ دانتي وبيتترارك والشعر يأخذ رويدا رويدا أهميته أكثر من الرواية، إنه موضع الإبداع والبحوث حول اللغة. قدم أوراست ماكري تصنيفا للأجيال الشعرية في إيطاليا، منح تعاريف لجميع الاتجاهات المختلفة التي عايشتها هذه الأجيال وذكر أهم مبادئها ودوافعها الفلسفية، السياسية والثقافية. الأجيال الأولى ظهرت بعد المرحلة الرمزية والرثائية التي استمرت بين سنوات 1910-1920 بفضل بعض الشعراء مثل جيوفاني باسكوللي، دينو كامبانا مجموعة أخرى من الشعراء التي سميت بالمجموعة الشفقية التي ترفض شعر السمو والبلاط، لقد كانت بداية القرن العشرين في إيطاليا بمثابة باب مفتوح لأكبر ثورة شعرية(9) لهذا القرن وهي ثورة المستقبليين الإيطاليين مثل مارينوتي بالخصوص وآخرين مثل بوزي، سوفوتشي، فولغور، وبالازيتشي الذين حاولوا تحطيم الشكل الكلاسيكي للقصيدة بإعادة بناء التركيب وهندسة الشكل الكاليغرافي للقصيدة على البياض التي استخدمها أبولينار فيما بعد، مبتعدين عن الموضوع وملقين ثقل اهتماماتهم الأولى على موضوع "المادة" (لا سيما وأن تلك المرحلة كانت تكتظ بالاكتشافات والاختراعات) كان لنشاطاتهم التي تعددت نظرا لتعدد ميادين ومجالات كتاباتهم وليس فقط فيما يخص الفنون التأثير على مجموعة من الإبداعات في أوروبا، (حتى في روسيا، لا سيما من خلال أعمال ماياكوفسكي، وعلى أعمال أخرى في الولايات المتحدة كأعمال الشاعر إزرا باوند وأعمال الشاعر ت.س.إليوت. الجيل الثاني تمثل مرحلة الحرب العالمية الثانية لحظة تخضرم الجيل الأول بالجيل الثاني الذي لا نعرف عنه إلا تلك الوجوه الأكثر حضورا ولمعانا في الأدب الإيطالي الحديث، أمبرتو سابا (1883-1957)، جيسيبي إنغاريتي (1888-1970) وأوجينيو مونتال (1896-1981). لهؤلاء الشعراء علاقة ما بالمستقبلية، حيث استمروا في اشتغالهم على الغنائية القديمة غير رافضين " الأنا" الشعري، لكنهم عكس ذلك أسقطوا الشاعر النبي من منبره. لقد قدم كل واحد منهم نظرته الخاصة للشعر. - أمبرتو سابا (1883-1975): ارتبط بالأشياء اليومية للحياة الشعبية وكذلك بأحاسيسه الخاصة. رفض في يومياته الشعرية والنثرية معا - والتي في عمومها سيرة ذاتية- كل ما من شأنه أن يكثف الغموض والإبهام في النص الشعري. - جيسيبي إنغاريتي (1888-1970): حاول هذا الشاعر ذو المنشأ المصري اعتماد الغنائية في كتابة القصيدة الحديثة متخليا بذلك عن الرمزية المتوارثة في إيطاليا. أما أوجينيو مونتالي (1869-1981) فقد استوحى كتاباته من تجارب ملارميه، حيث تجذب الطبيعة بما في ذلك "ليغيريا" بالخصوص اهتماما كبيرا. (هذا سيؤثر على كونتي). يشكل شعر هؤلاء في معظمه تجربة الغموض في الكتابة، إن تماس القصيدة الإيطالية آنذاك بتخوم الإنسانية المحشوة بالتناقض والحيرة كان دافعا بارزا إلى محاربة المفارقات الإنسانية، وبذلك كان الغموض أحد الأشكال الشعرية، لكنه لم يكن على الإطلاق مذهبا أدبيا بقدر ما كان ظاهرة تجمع هؤلاء الشعراء. الجيل الثالث يمثل هذا الجيل الذي يسمى بالوسطي، حلقة وصل بين شعر بدايات القرن العشرين والشعر المعاصر. عب ر هذا الجيل المتراوح بين زمنين عن مرحلة الخروج من الحرب العالمية الثانية أين كان الغموض الشعري يشكل عقبة أمام الأدب الفاشي. وإذا كان الغموض قد ساعد الكتاب على تجنب الإيديولوجيا الفنية الفاشية، وإيجاد فسحة أخرى لتنفس آداب العالم الأخرى، فإنه ساهم بشكل نسبي وفعال في تخريب النظام، ولهذا نجد أن الواقعيين الجدد بداية من 1945 حاولوا الاقتراب أكثر في أعمالهم من ظاهرة الغموض. على العكس من ذلك فإن من الشعراء والكتاب من انزاح قليلا عن مسار هذه الظاهرة - التي كان يشتغل فيها - إلى تبني الاتجاه الواقعي، وبشكل أكبر هناك من مال نحو واقعية الحرب، كالشاعر ساندرو ببنا، أتيليو باروليتشي، أنطونيا بوتزي، جورجيو كابروني، وأيضا ليوناردو سينيسفالي، ألفنسو غاتو المعروف بشعره المقاوم، ماريو لوزي وفيتوريو سيريني الذي كان سجينا أيام الحرب. الجيل الحديث في كتابهما "الأدب الإيطالي" المنشور ضمن المطبوعات الجامعية الفرنسية يتحدث باك وليفي:" لا يمثل الشعر الشاهد على الحدث المولود في أعقاب الحرب والمقاومة مذهبا منظما ومؤسسا، ففيما بعد الحرب، نكتشف انه برغم التمثيل المتميز لسابا وبافاز لتجربة مهمة في الشعر الإيطالي إلا أنهما بعزلتهما لم يكونا أي تيار أدبي. لم يشكل شعر الواقعية الجديدة أي قفزة نوعية": C.BEC، F.LIVI La littérature italienne، PUF، 1994، Paris. في الوقت نفسه وبعيدا عن الواقعيين الجدد، تظهر مجموعة من الشعراء الجهويين (نسبة إلى اللهجة المستخدمة) مثل ألبيرو بييرو (لهجة لوسانية)، بياجو ماران (لهجة إيستريا)، جياكومو نوفونتا (لهجة فينيسيا) بيار باولو باسوليني (لهجة فريولان). هنا وبالضبط، تشكل الجيل الرابع، جيل الستينات. مجموعة شعراء "فريولان": تأسست من خلال أوفيسينا officina، بفضل باسوليني سنة 1955، يقول ف.ليفي: "لقد اقترحت أوفيسينا، المخبر الشعري للتجريبيين الجدد، والتي أفرزتها النظريات الغرامشية، تعريفا أيديولوجيا للشعر" لقد أعاق النضال السياسي تقدم شعرية هذه المجموعة، فرغم الظهور القوي لهؤلاء الشعراء المهمين أمثال ف.فورتينين ر.روفارسي، ف.ليونيتي، وكذلك باسوليني، فإن هذه التجربة قد لاقت فشلا ذريعا.و في أعقاب هذا، بدأت القطيعة ترسم حدودها مع هذا الجيل. فعلى هامش ما كانت تنشره أوفينيسا، انتقد إدواردو سونغينوتي الشاعر باسوليني.و بذلك شرعت بعض ملامح التجديد في التجلي، فقد ن شرت أنط-ولوجي-ا شعرية إي.نيفوسيم-ي I.Nivossimi poésie per gli anni 60 تحتوي على مجموعة من الشعراء مثل سانغينوتي، بافلياريني، جولياني، بلاستريني وبورتا. بناء على هذا كله، وتبعا لمجموعة من البحوث التي قام بنشرها أمبرتو إيكو في كتابه " الأثر المفتوح" luvre ouverte والنأثيرات المحمولة على المستقبلية، فقد تم تأسيس "جماعة 63"، يقول مونغارانو: "سيحتل هؤلاء الكتاب مباشرة بعد استخدامهم تقنيات المستقبليين الذين استعادوا سمعتهم حينها- منابر سامية وسيستعيدون الشرعية التي فقدتها نصوصهم الغامضة. لقد طالبوا بضرورة اعتماد الفن التكيفي (فن متعدد الأوجه ويمكن أن يرتبط بأي شيء)، وسيظهرون بوجه من يستطيع أن يلعب بالدوال".(10) لكنه على خلاف التأثيرات الإيجابية التي قدمتها "جماعة 63" والتي حملها الشعراء إلى الشعر الإيطالي، مثلما قدمه مانغانيللي حين أحال نحو نظرية أدبية جديدة ومهمة، فإن جماعة 63 سرعان ما أصبحت تخضع لتناقضات وصراعات داخلية لا سيما حول موضوع رسالة الكاتب ودوره تجاه المجتمع. في الواقع، فضلت الطليعة بشكل قطعي التحفظ إزاء ما يسمى بالثقافة المصنعة وذلك تأكيدا للرفض الذي حملته على الطباعة التجارية آنذاك، وهنا يتجلى بشكل واضح أن الاحتجاج القائم من أجل تحقيق حرية مطلقة قد كث ف سرعة الأيديولوجيا المسيطرة آنذاك؛ أي الماركسية.؛ ف.ليفي. لقد اكتشف العديد من الشعراء مكانتهم ضمن "جماعة63"، مثل أدريانو سباتولا، سواء أسسوا اتجاهات جديدة، أو ابتعدوا عن التجريبية دون أن يتخلوا طبيعيا عن الاشتغال اللغوي وخصوصا دون أن يتركوا ما حققوه في نوفيسيمي، ويعود الفضل إلى الغياب الذي مي ز جماعة باسوليني التي كانت تشكل أحد أكبر الحركات الشعرية في إيطاليا سنوات 06-07. يشرح ب.سيميون: "إن خط الصدع الذي يتوسط الطليعة الجديدة وباسوليني يمر بالتأكيد عبر مسألة التكيفية في الكتابة الشعرية: أن ننعارض المجتمع الاستهلاكي من خلال إعادة إننتاج ثقافة عبلر التغيير الحاصل للمعنى الخاص. عمل النوفيسيميون على اعتماد المواقف التكيفية، هنا حيث عارض باسموليني في قطيعة تامة خرافة أركاديا التي ضحت بها مجموعة من الثقافات المسيطرة" سيكشف شعراء إيطاليا في سنوات السبعينات عبر غياب باسوليني (1957) وغياب الطليعة مثل "جماعة63" جيلا ثالثا الذي صنف بسرعة ضمن الواقعية الجديدة: ليغونغياري، كابرونين لوزي، سيرني يعودون من جديد إلى الواجهة الأدبية حيث تبدأ ترجمة هؤلاء نحو اللغات الأخرى كالفرنسية. إن المراجع والخلفيات التي غذت الجيل الرابع (مرغيرتيا فيداتشي، لوسيانو آربا، فرنكو فورتيني، بارتولو كاتامي، باولو فولبوني..) لم تعد تلك التيارات والأيديولوجيات، ولكن أصبحت تتعلق بطبيعة شخصية الشاعر ومرجعياته الثقافية الخاصة. من بين هاته الأصوات المنفردة، زانزوتو الذي انقسمت تجربته بين اعتماد الأسلوب التقليدي (أسلوب دانتي وبيترارك) واعتماد الحداثة آنذاك أي الإشتغال على التراكيب والإختلاط الحاصل بين اللغات ولهجاتها). الجيل الشاب تعد سنوات 70-80 من بين السنوات الأكثر ثراء في الشعر الإيطالي، ولكن أيضا من بين الأكثر تعقيدا تجاه الثقافات الخارجة عن حدود إيطاليا، بحيث أنه لم يكن توجد أي مدرسة على الإطلاق توحي على التوجه الأساسي للشعر الإيطالي. كل شاعر يبحث عن صوته الخاص، ولهذا نجد خليطا من الشعراء المسنين المولودين سنوات 20-30 مثل ج.كيديتشي، أ.مريني، ج.رابوني، أ.روسيللي، م.ل سباسزياني والشعراء من جيل الشباب المولودين بين 45-50 مثل كونتي، بيلليزا، كوتشي، دي أونجيليس، ميسابي، باتزي، كوزي، كاريفي، بيفوني، أورنجو، بيارسانتي، كانيون، سيني وماغرللي. إذا كان العمل الذي جاء به هؤلاء الشعراء الشباب يتغذى من التأثيرات المختلفة دوما، وإذا بحث هؤلاء عن التآلف بين التقليد الغنائي الشفهي والإرث الحداثي، فإن هذا العمل بطبيعة الحال لن يخضع لأي تيار. ربما، الذين يطلق عليهم اسم "شعراء المسوخ" هم وحدهم من يمكن اعتبارهم مقياسا للشعر الإيطالي المعاصر مع احتفاظهم بطابع الجهوية الذي لا يزال أساسيا في إيطاليا. يتحدث أحد النقاد الفرنسيين "سيونال ديستريمو" عن الشعر الإيطالي قائلا: يعد الشعر الإيطالي من بين الأشعار الأكثر أهمية في الوجود. على العكس تماما من فرنسا، فإن التقليد الشعري الإيطالي يبدو أكثر حيوية من شعرنا، إنه يحظى بحفاوة لدى الصحافة، من خلال الجرائد الشعر التي تباع في المحلات بآلاف النسخ. فدرجة المقروئية الشعرية مرتفعة. في الواقع وبدون أن نعلن حالة تأهب، ينبغي أن نعترف بالثورة الحقيقية لسنوات الثمانينيات، إن إيطاليا أرض القصيدة والأسطورة، إن هذا يعود بالأساس إلى الغنى الحقيقي لعديد من الأجيال الشعرية. جيسيبي كونتي ونزعة الحلولية ترجمة لمقدمة إيتالو كالفينو لديوان المحيط والصبي ما الذي تمثله لنا الآلهات اليوم؟ بالنسبة لجيسيبي كونتي، تمثل حضور ما قبل التاريخ داخل الأمكنة، أو بالأحرى تاريخ ما قبل الإنسانية، بدايات نشأة النبات والحيوان. وقبل هذا كله تشكل بنية الأرض؛ إنهم الحالة الدائمة لفزع الأصول، شراهة النظرة الإنسانية الأولى التي ميزت باعتباط النباتات، الحيوانات، الكواكب والنجوم ثم بعد ذلك سم تها. قصائد جيسيبي كونتي، او كل ما كتبه طيلة السبع أو الثماني سنوات الأخيرة، جمع مؤخرا في ديوان مقتضب تحت عنوان المحيط والصبي. إن كونتني ليغيري لا تبعد هويته عن نهر الغرب، ولد وعاش في بورتو موريزيو حيث ظهرت ديان أرتيميس آلهة الخراب والبعث، فحضورها في عمله دليل على إرادته المستميتة في الذوبان في شكل الطبيعة الخاصة بمنطقته من خلال استنطاق معطيات التجربة الحساسة دلاليا. في "المرثية المكتوبة في حدائق مسكن هنبوري"، التي من دون شك القصيدة الأكثر أهمية وكثافة في الديوان، فإن أغنية "نبات الأكونت" تصف أغنية النبات صورة مجردة من الحيوية والبعث، أين النباتات تشبه محاربين يونانيين يتحركون عكس الواقع في خفة نباتية خالصة. "إنها تفيق باتزان، مسالمة وقوية دون أفق معتم تستيقظ مستقرة وبلا شفقة يجب أن تفيق فتكون حية، وتدنو.." من وجهة نظر جيسيبي كونتي، فإنه بداية من مرحلة الغزو الروماني بدأت جاذبية الآلهة المخلوعة، إنها ؛مثل ضفدعة شابة في قبضة يد قوية«. الشاعر وبعيدا عن جميع الإشارات المعاصرة التي فيما قبل كانت تتعارض مع هذه الأسطورة، يبحث في ذاكرته المحشوة بسباقات الطفولة عن إحساس التوحش البدائي، عن كفاح من أجل الحياة، عن اللحظة التي فيها ينسحب الجليد الأخير تاركا مكانه لنبات البحر الأبيض المتوسط الذي يبدأ دورته. إن تداعي الذاكرة لم يكن أبدا حدثا ساذجا، فعودة الآلهات من منفاها لن يكون سوى؛ حلما مدميا«، لأن هذا هو سيل الطبيعة، وهذا ما نجده أيضا ممثلا في الأناشيد الثلاث المقتطفة من طبيعة سيكلاد،حيث تجتمع في تماثل مجموعة من الموجات القوية لصور نباتية ومائية، مصنف أسماء أرتيميس(11) المطابقة للميثوغرافيا الثرية (عواصف أكثر سرعة من لحظة تجن خاطفة). هذا الفيض من الصور المعبأة بالمعاني العميقة والثقافة معا يستولي - كما لو أنه سارق- أيضا على الأشعار المخصصة لمدن أرغوليد(21)، هنا، أيضا، يقترن الرعب المدمي بالجمال في تمركز حاد لثنائية غير متوقعة، كما في هذا المقطع الأخير "إن لمسة القدر القاتلة، مجزرة ووردة منفتحة". إن الأبطال الخرافيين مثل أقنثة، يشاركون انطلاقا من طبيعة ممسوخة واحدة، والإنسان؟ الإنسان مرفوض من دورة المسوخات، ومن ههنا، فهو سجين القدر المحدود وهو من قام برفضه،و لكن نهاية هذه القصيدة تستعيد البعد اليومي لحياتنا ضمن العودة القاسية والواقعية اليوم. بدون شك، فإن التنبؤ بنهاية العالم موجود داخل الطبيعة المردومة لوادي الغرب. فهنا يرسخ السبب بقوة، لا سيما ما نراه من خلال الأشعار الأولى لجيسبي كونتي، مثل ما يوجد في الجزء التابع للنبوءة: إنه شيء أكيد ستذوب ليغير في البحر.. فيبدو الهدم والتخريب كدافع من دوافع الخوف مرة، ومرة أخرى كذات تعكس رغبة ما. نتابع من خلال هذا الديوان (المحيط والصبي) تجربة جيسيبي كونتي منذ الحب العبادة المتواترة للطبيعة-التي دفعته لتمني الخراب للحضارة العمرانية والتاريخ (أفريل الأبيض الأخير) مرورا بترميز مدن أرغوليد كفضاءات خرافية (لكن دائما بداية من الذاكرة الطفولية لمدينة كلها سلالم وألواح حجرية)، إلى غاية وصوله الحديث الذي يعترف باتساع القوة التناسلية المكتملة، المنتشرة والمتعددة الأشكال داخل نيويورك حيث تختلط الطبيعة بالخرافة والمدينة. تتجلى الخرافة اليونانية من خلال انتقالها من القديم الكلاسيكي إلى البربري إلى المتوحش. (هذا موقف يبدو لنا اليوم مهجورا، لكنه ساهم في العديد من المرات في تنشيط الإرادات الشعرية والعقلية للقرن الذي انتهى، بحيث أننا يمكن أن نعتبره مثل أحد محركي الأدب المعاصر)، خرق جيسيبي كونتي الحدود من أجل اكتشاف الأساطير التي لم يعتن بها الأدب المكتوب، والتي سمحت الأركيولوجيا والإثنوغرافيا بالتخمين إزاءها سواء تعلق الأمر بالخرافات السلتية أو بما هو أمريكي ما قبل كولومبي. يتواطأ هرقل وبروموثيوس حسب مرجعيات الغرب مع إله السلت منانان ماك لير، ومن أجل ذلك، ينتقل الشاعر إلى إيقاع أغنية هادئة ومقفاة، مواصلا البحث عن هوية كل شيء في كل شيء. إن نموذج الأغنية موجود أيضا في الشعر السردي الذي يمنح عنوانه للديوان، من خلال الخرافة الايرلندية، صبي يرمي نفسه في المحيط ليرصد غناء أعماق البحر، هذه القصة ترمز بشكل متكامل إلى المعنى الذي يتحرك فيه شعر جيسيبي كونتي. إنه يبحث أيضا عن الأسطورة الأزتيكية، المتكونة كلها من كل الأضحيات والمسوخات، نانويتزان، إله أبله ومريض يرضى أن يرمى وسط اللهيب ليتحول بعدها إلى شمس. | |||||