محنة الفلسفة  
وأزمة العلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية 
دراسة تطبيقية في فلسفة العلوم الإنسانية

 

سعيد توفيق (ناقد واكاديمي من مصر درس في اكثر من جامعة في الخليج)


إن السؤال الذي تطرحه وتتوارى خلفه شتى المواقف السابقة الرافضة للفلسفة، هو سؤال يمكن صياغته ببساطة على النحو التالي: وما الحاجة إلى الفلسفة في عصر العلم والتكنولوجيا ؟! ومن الواضح أن هذا السؤال ليس سؤالا  استفهاميا ، بل سؤالا  استنكاريا يعكس موقفا دوجماطيقيا ينطوي على جهالة بمعنى الفلسفة ودورها، ليس فقط بالنسبة للعلوم الإنسانية، وإنما أيضا بالنسبة لثقافة المجتمع والأمة ككل.

 

تمهيد

تهدف هذه الدراسة إلى توصيف الحالة الراهنة للعلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية من خلال الكشف عن أعراض الخلل فيها، وبيان أسبابه؛ كيما يمكن الوصول إلى تصور أو رؤية كلية استراتيجية تتيح لهذه العلوم تجاوز أزمتها وإمكان تطورها. ولا شك أن أزمة العلوم الإنسانية ليست مقصورة على جامعات الخليج، بل إنها تتمثل أيضا في غيرها من الجامعات العربية وجامعات البلدان النامية عموما. كما أنه لاشك أيضا أن أزمة العلوم الإنسانية في هذه الجامعات على اختلافها ليست مستقلة عن المشكلات المزمنة للتعليم العالي فيها. ومع ذلك، فإن أزمة العلوم الإنسانية في جامعات الخليج تبدو في صورة أكثر كثافة من غيرها، وتظل لها خصوصيتها التي تتجلى في أعراضها ومشكلاتها الذاتية : سواء من حيث رؤية الجامعة والمجتمع لهذه العلوم ولمكانتها في منظومة التعليم الجامعي، أو من حيث إجراءات ومناهج البحث المتبعة في هذه العلوم، وما يترتب على هذا من حيث أساليبها وطرائق تدريسها. وهذا مناط البحث في هذه الورقة.

وعلى هذا، فإن هذه الدراسة في منهجيتها أقرب إلى أن تكون دراسة رأسية تتناول بعضا من المشكلات الكلية للتعليم العالي في جامعات الخليج كما تتجسد بصورة مكثفة في مجال العلوم الإنسانية. والدراسة إذ تقرن - في عنوانها - محنة الفلسفة بأزمة العلوم الإنسانية، فليس مناط الاقتران هنا أننا نكون إزاء موضوعين يضاف أحدهما إلى الآخر، بل مناط الاقتران تقدم أحد الموضوعين على الآخر كتقدم أحد العلل على المعلول. ومن ثم، فإن هذه الدراسة سوف تتناول -على التوالي- النقاط التالية:

1- محنة الفلسفة في جامعات الخليج، باعتبارها إما غيابا أو تهميشا على الأقل لمكانة الفلسفة في ذاتها، ولدورها الأساسي في مجال العلوم الإنسانية.  

2- رؤية الجامعة والمجتمع لدور العلوم الإنسانية في رسالة الجامعة وخدمة المجتمع باعتباره دورا هامشيا إذا ما قورن بدور العلوم الطبيعية والرياضية والمعارف التقنية، وباعتبار أن قيمته مرهونة بمدى وفاء العلوم الإنسانية بمتطلبات سوق العمل.

3- نموذج المنهج التقليدي السائد في هذه العلوم في جامعات الخليج الذي يعتمد على الكم  ويهمل تماما المنهج الكيفي في تعامله مع موضوعات بحثه، وهو نموذج يكرس القطيعة المعرفية بين الفلسفة وهذه العلوم، بل بين هذه العلوم بعضها بعضا.

غير أن هذا البحث لا يكتفي بتشخيص العلل وأعراض الأزمة، بل يحاول في نفس الوقت اقتراح الحلول الملائمة لتجاوزها، حتى وإن كان بعض منها يظل حلولا  استراتيجية لا يمكن تحققها إلا على الأمد الطويل وتدريجيا ؛ لأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الجزئيات التي تندرج تحت أطر كلية، وإنما يبدأ من هذه الأطر نفسها، وما دون ذلك يظل ترقيعا أو تلفيقا لجزئيات لا ينتج تغييرا حقيقيا.

 

أولا - وما الحاجة إلى الفلسفة

في عصر العلم والتكنولوجيا ؟!

(غياب الفلسفة أو تهميشها)

تبدو الفلسفة أحيانا على المستوى الرسمي في عالمنا العربي أشبه بامرأة متحررة ي خشى منها على إفساد أخلاق الشباب وعقولهم، بإغوائهم وتحريضهم على الشك في معتقداتهم وقيمهم، وإعادة النظر في طرائق تفكيرهم. وتبدو الفلسفة في أحيان أخرى أشبه بجدل لا نفع فيه ولا طائل من ورائه؛ فهي تنتمي إلى مجال الكلام والأقوال لا إلى دنيا الأفعال والأعمال، ومن الخير لنا أن نتبع الحكمة  القائلة : "إن الله إذا فتح على قوم أغلق عليهم باب الجدل، وفتح عليهم باب العمل" ! وهكذا فإن ملكة التفكير النقدي الحر والمنزه عن الغرض - التي تغرسها الفلسفة في نفوس دارسيها - تصبح إفسادا للعقل والخلق، كما أن الشغف بالحكمة التي تسعى إلى استبانة أصل الحقيقة في كل ما يتبدى لنا - وهو ما يسمى بالتفلسف الذي يمارس في الغرب منذ ألفين وستمائة سنة - يصبح جدلا  عقيما. إن هذه الصورة المشوهة وأشباهها عن الفلسفة هي أحد الأسباب الجوهرية لعملية نبذ الفلسفة أو على الأقل تهميشها والحط من شأنها في عالمنا العربي.

غير أن عملية نبذ الفلسفة وتهميشها توجد في المجتمعات الخليجية على نحو أكثر كثافة وتظهر بشكل واضح؛ إذ تتجلى على سائر المستويات الرسمية والأكاديمية والشعبية: فعلى المستوى الرسمي- وهو وثيق الصلة بالمستوى الأكاديمي وله تأثير مباشر عليه - نجد أن الفلسفة يتم استبعادها بقرارات رسمية سيادية، ويسمح لها أحيانا بحضور هامشي شكلي:

ففي المملكة العربية السعودية لا يسمح للفلسفة بأي مستوى من الحضور في المجال الجامعي، حتى وإن كان حضورا إسميا، فيتم تدريس مادة علمية  أو أكثر تحت مسمى "الثقافة العامة"، وفي صورة محتوى معرفي هش لا علاقة له بالفلسفة. وحتى إذا ما سمح بتدريس تيار فلسفي في إطار هذا المحتوى المعرفي، فيتم تدريسه بصورة مبسترة  مشوهة بهدف نقده من وجهة نظر دينية (وكأن الفلسفة في صراع مع الدين !) ؛ ولهذا الغرض يتم استجلاب غير المتخصصين تخصصا حقيقيا في الفلسفة من كليات الأزهر وما شابهها.

وفي البحرين وقطر لا توجد الفلسفة إلا تواجدا شكليا؛ إذ لا توجد أقسام علمية معنية بالفلسفة، وإنما توجد مادة أو أكثر من المواد العامة في الفلسفة التي يتم تدريسها على قوة أقسام أخرى (وكأن الفلسفة لا وجود لها بذاتها، ولا يتم الاعتراف بحضورها إلا من الباطن، وبشكل خفي غير ملموس، وذرا للرماد في العيون).

وفي سلطنة عمان ظلت الفلسفة ممثلة تمثيلا  نسبيا جيدا من خلال قسم الفلسفة والاجتماع مع افتتاح جامعة السلطان قابوس في أواخر الثمانينيات، خاصة وأن هذا القسم كان يستقبل طلبة كليتي الآداب والتربية مع ا، ولكن عندما تم فصل الفلسفة كوحدة مستقلة داخل قسم الاجتماع ثم كقسم مستقل، سرعان ما تم تجميد قسم الفلسفة وإيقاف الالتحاق به، واقتصر دوره على تدريس بضع مواد فلسفية (في نوع من التكرار لنفس الظاهرة الخليجية : وهي أن الفلسفة لا يمكن أن يكون لها حضور بذاتها، ولا يمكن أن يكون لها وجود إلا من الباطن أو على قوة أقسام أخرى). وربما يكون أحد الأسباب التي أدت إلى هذا التجميد لوضع الفلسفة إلغاء تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية، وربط وجود الفلسفة في نفس الوقت بالحاجة إلى تخريج معلمين لتدريس الفلسفة في تلك المرحلة (وتلك مسألة سوف نناقشها في حينها).

ولقد حدث سيناريو شبيه بهذا في دولة الإمارات حينما تم إلغاء تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية؛ إذ واكب ذلك تجميد القسم بتوقف الطلبة عن الالتحاق به، وبذلك تم تهميشه. ومع أن القسم قد أعيد تفعيل دوره في أواخر التسعينيات بفتح أبوابه لاستقبال طلبة جدد (أو بالأحرى طالبات)، فإنه لم يستقبل إلا بضع طالبات يتقلص عددهن تدريجيا حتى هبط الآن إلى طالبة واحدة، ومن المنتظر ألا ي قبل عليه أحد في الأعوام القادمة، وهو ما سيهدد بتجميده مرة أخرى. ويمكن أن نضيف هنا ملاحظة عابرة ولكنها دالة، وهى أن الطالبات اللاتي التحقن بالقسم - على ضآلة عددهن - لم يلتحقن به عن رغبة في دراسة الفلسفة؛ وإنما لأنهن لم يجدن قسما آخر يرضى بقبولهن. وهكذا تصبح الفلسفة التي من المفترض أن يتم تدريسها للخواص من الطلبة، وأكثرهم ذكاء  ورغبة  في المعرفة وحبا فيها لذاتها؛ تصبح وكأنها تتسول ممن لا يرغبون فيها ويشيحون بوجوههم عنها، ولا يقدرون حتى على التعاطف معها.

وربما يكون وضع الفلسفة في الكويت استثناء  في هذا المشهد المأساوي ؛ لأن هناك قسما علميا مستقرا لم يمر بمثل هذه التقلبات الدرامية منذ إنشائه في فترة مبكرة نسبيا، بل تميز هذا القسم بأن استقطب بعضا من رواد الفلسفة في العالم العربي وفي مصر خاصة، فساهم هذا القسم في أن يجعل الفلسفة ملء السمع والبصر، لا في المجتمع الكويتي وحده، وإنما أيضا في خارجه. ومع ذلك، فإن حضور هذا القسم وتأثيره في الواقع الثقافي لم يعد مثلما كان فيما مضى، وهذا يمكن أن يؤدي مستقبلا  إلى ضعف جاذبية الدراسة الفلسفية، وقلة الاقبال عليها أوالاهتمام بها.

إن التوصيف السابق لوضع الفلسفة في الجامعات الخليجية يعكس عملية نبذ الفلسفة رسميا وأكاديميا. والواقع أن تهميش الفلسفة على المستوى الإكاديمي لا يتمثل فحسب في المستوى المتدني لحضورها وتمثيلها الجامعي، بل يتبدى أحيانا في موقف بعض الأكاديميين أنفسهم ممن ينظرون إلى الفلسفة نظرة المستخف بها، وهو موقف ناتج عن عكوفهم على تخصصهم الأكاديميالضيق وعدم انفتاحهم المعرفي، حتى إنهم لا يطرأ على أذهانهم مجرد التساؤل عن معنى كلمة "الفلسفة" الواردة في شهادات الدكتوراة التي يحملونها.

وإذا كان هذا هو حال الفلسفة على المستوى الرسمي والأكاديمي، فماذا ننتظر من حالها على المستوى الشعبي ؟! وأنا أعني بالمستوى الشعبي هنا المستوى الثقافي العام، والاتجاهات الثقافية السائدة في المجتمع. ولا شك ان الطلاب المقبلين على التعليم الجامعي يمثلون هذا المستوى خير تمثيل؛ لأنهم أتوا من شرائح اجتماعية مختلفة. وبوسعي الزعم - من واقع خبرتي بالتدريس الجامعي في بعض جامعات الخليج - أن هناك اتجاها سائدا إزاء الفلسفة على هذا المستوى الأخير لا يتخذ شكل الرفض والاستبعاد فحسب، بل يتخذ أحيانا شكلا  عدائيا: فالفلسفة على هذا المستوى لا تخرج عن كونها كفرا وإلحادا أو جدلا  لا طائل من ورائه في أحسن الأحوال. ولقد امتحنت هذا الفرض دوما بسؤال الطلبة الذين قمت بالتدريس لهم عن تصورهم للفلسفة حينما التحقوا بدراستها أول مرة، فكانت إجاباتهم لا تخرج عما ذكرت، بل كانوا يضيفون إلى ذلك أن هذا الموقف من الفلسفة هو موقف سائر الطلبة من غير دارسي الفلسفة، وسبب عدم إقبالهم على دراستها، وأن موقفهم أنفسهم قد تغير تماما بعد مرور عام على الأقل من دراستها، وإن كانوا يواجهون مشكلة تؤرقهم وهى استخفاف غيرهم بالفلسفة التي يدرسونها، وعدم القدرة على إقناعهم بأنها ليست كفرا أو جدلا  عقيما كما يتصورون.

ولا شك أن هذا المتغير أو العامل الثقافي ليس هو العامل الوحيد في عدم الإقبال على دراسة الفلسفة؛ إذ أن ندرة فرص العمل أمام دارسي الفلسفة تعد عاملا  آخر يدخل في الاعتبار هنا. ومع ذلك، فإننا نرى العامل الأول أكثر أهمية؛ لأن كثيرا من الطلبة يقبلون على دراسة تخصصات أخرى لا تتيح فرص عمل أكثر مما تتيحه الفلسفة، ولا يتخذون اتجاها عدائيا ضدها.

غير أننا نريد التأكيد في نفس الوقت على أن موقف الطلاب من الفلسفة لا يمثل بذاته أو يستوعب بمفرده مجمل الاتجاه السائد إزاء الفلسفة في التقافة العامة للمجتمع، وإنما هو فقط مجرد مؤشر جيد عليه ؛ لأن الموقف الثقافي هنا يتمثل أيضا في صورة الفلسفة خارج قاعات الدرس الأكاديمي، وهى صورة يمكن رسم ملامحها أو تعديلها من خلال حضور الفلسفة كفكر وتساؤل معرفي في أوعية الثقافة والإعلام. ولكن الواقع يشهد بأن مثل هذا الحضور يكون أيضا هامشيا إن كان له وجود أصلا.

إن السؤال الذي تطرحه وتتوارى خلفه شتى المواقف السابقة الرافضة للفلسفة، هو سؤال يمكن صياغته ببساطة على النحو التالي : وما الحاجة إلى الفلسفة في عصر العلم والتكنولوجيا ؟! ومن الواضح أن هذا السؤال ليس سؤالا  استفاهميا، بل سؤالا  استنكاريا يعكس موقفا دوجماطيقيا ينطوي على جهالة بمعنى الفلسفة ودورها، ليس فقط بالنسبة للعلوم الإنسانية، وإنما أيضا بالنسبة لثقافة المجتمع والأمة ككل. فإذا كانت ملامح هذا العصر تتحدد من خلال التطور الهائل المتسارع في العلم وتطبيقاته، فإن ملامح الأمم والشعوب في أي عصر من العصور - بما في ذلك عصرنا الحالي - تتحدد من خلال ثقافتها وروحها العامة التي تتشكل من خلال ما يسودها من فكر وفلسفة وفن ودين : فالعلم - على الأقل بمعناه البحت أو الدقيق - يسهم من خلال تطبيقاته في رفاهية الشعوب، وتحسين نوعية حياتها، ولكنه لا يخلق شخصيتها أو روحها العامة (حتى على فرض أن الشعوب هنا هى التي تصنع العلم وتطبيقاته). وحتى عندما يكون العلم متغلغلا  في حياة الناس، فإن هذا لا يكون راجعا إلى العلم في حد ذاته، وإنما إلى موقف حضاري فكري أو إيديولوجي إزاء العلم والتفكير العلمي كأسلوب من أساليب الحياة والوجود. ولذلك، فإن العلم - بمعناه البحت، وفي حد ذاته - ينطوي عل موقف محايد نسبيا إزاء العالم والحياة، بينما الفلسفة تشكل مع الفن والدين رؤية للعالم والحياة (وأنا أعني بالدين هنا الدين من حيث هو قوة روحية، وموقف أخلاقي، ومنظومة من القيم). ولهذا اعتبر هيجل ثالوث الدين والفن والفلسفة بمثابة تجليات للروح المطلق في التاريخ، ولهذا أيضا اعتبر ديكارت شيوع الفلسفة وحسن التفلسف مقياسا لتحضر الأمم والشعوب.

ولا شك أن ملاحظة ديكارت السالفة تظل صحيحة في عصرنا هذا... عصر سطوة العلم وسحر التكنولوجيا وفتنتها: فالبلدان التي لها شأن في إبداع العلم والتكنولوجيا تولي أيضا عناية كبيرة للفلسفة والفكر بوجه عام، وتسعى إلى الإبداع في هذا المجال الأخير، باعتبار أن الإبداع هنا يمثل أحد ركائز وجودها وهويتها أوشخصيتها المميزة. وربما لهذا السبب نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية - وهى من أكثر الدول تقدما في مجال العلم والتكنولوجيا - تسعى خلال القرن الماضى إلى تحقيق إنجاز في هذا المجال المتأخر لديها نسبيا عن إنجازها في مجال العلم والتكنولوجيا ؛ حيث إنها لم يكن لها رصيد من الإرث الفلسفي إذا ما قورنت بكثير من البلدان الأوروبية، وخاصة ألمانيا وفرنسا. ولهذا وجدنا الجامعات الأمريكية الكبرى تنشئ أقساما في الفلسفة ذات شأن، وراحت تستقطب كثيرا من الفلاسفة الأوروبيين بشكل دائم أو كأساتذة زائرين لمدد طويلة، بهدف تشكيل وإثراء حركة الإبداع الفلسفي فيها. ولهذا أيضا أصبحنا نجد أن هذه الجامعات تصدر الدوريات العلمية المتخصصة في الفلسفة، بل في شتى فروع الفلسفة، وتنتج أكبر حجم من الإصدارات الفلسفية في العالم.

والحقيقة أننا لو تساءلنا بصيغة الاستنكار عن الحاجة إلى الفلسفة في عصر العلم والتكنولوجيا، فإن سؤالنا سيكون معبرا عن موقف عبثي؛ لأننا يمكن أن نثير نفس السؤال بالنسبة للفن والدين، فنتساءل : وما الحاجة للفن أو الدين في عصر العلم والتكنولوجيا ؟ وهو تساؤل لن يكون مسطحا فحسب، وإنما سينطوي أيضا على جهالة مدمرة. ولهذا فإننا لا نريد أن نطيل في هذه المسألة المتعلقة بدور الفلسفة في حياة الأمم؛ لأنها مسألة تعد واضحة بذاتها، ونود الآن أن نتوقف عند بيان أهمية دور الفلسفة في مجال العلوم الإنسانية، وهو ما يتعلق مباشرة  بموضوع دراستنا :

نود بداية  أن نستبعد ذلك التصور الشائع عن الفلسفة باعتبارها أحد العلوم الإنسانية الأكثر تخلفا. ذلك أن الفلسفة ليست مجرد علم من العلوم الإنسانية، بل هي أساس تلك العلوم، بمعنى أنها تمد تلك العلوم بالأساس النظري اللازم لها، حتى إنه لا يمكن تصور إمكان قيام علم من هذه العلوم بمنأى عن الفلسفة، وبهذا المعنى فإن الفلسفة تعد بمثابة القاسم المشترك الأعظم في هذه العلوم جميعها: فلا يمكن تصور قيام علم النفس - على سبيل المثال - بمنأى عن النظريات الفلسفية في الإرادة، والخيال، والشعور، والإدراك الحسي، والإدراك الجمالي.. إلخ. بل إن بعض الجامعات الغربية قد خصصت أقساما ومراكز علمية تصدر عنها دوريات متخصصة في مجال علم النفس الإنساني Human Psychology الذي يحمل طابعا فلسفيا في أساسه ومضمونه.

كذلك لا يمكن تصور إمكان قيام علم الاجتماع بمنأى عن النظرية الاجتماعية التي تتأثر حتما بالنظريات والمفاهيم الفلسفية، وهذا ما ي عرف بالأصول الفلسفية للنظرية الاجتماعية : فالتحولات الكبرى التى تطرأ على علم الاجتماع، هى في أساسها تحولات في الرؤى والنظريات الفلسفية التي تؤثر بصورة مباشرة على المفاهيم والنظريات الاجتماعية التي تعود لتؤثر بدورها على التطبيقات. وبوسعنا أن نذكر قائمة طويلة بأسماء الفلاسفة الذين انطوت إنجازاتهم الفلسفية بصورة مباشرة على النظرية الاجتماعية، من أمثال : هربرت ماركوزه H. Marcuse وتيودور أدورنو Th. Adorno ويورجن هابرماس J.Habermas وألفريد شوتس«A. Schu، وغيرهم كثير. كما أننا يمكن أن نذكر قائمة طويلة بأسماء علماء الاجتماع ممن تأثروا مباشرة بالنظريات والاتجاهات الفلسفية، من أمثال ماكس فيبر M. Weber، ولكن يكفي هنا التنويه إلى أن أنطوني جيدنز (1)  - وهو واحد من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين - قد بين لنا أن العلوم الاجتماعية قد مرت منذ السبعينيات بفترة تحول في الاهتمام بحيث أصبحت تعالج مسائل من العسير أن نصفها بأنها فلسفية أو اجتماعية، من قبيل : الفاعلية والفهم والقصدية والبنية والمعنى.

وكما أن علم التاريخ لا يستغني عن فلسفة التاريخ والاتجاهات الفلسفية في تأويل النص التاريخي، كذلك فإن العلوم السياسية لا تستغني عن الفلسفة السياسية، بل إن السياسات العملية نفسها تكون غالبا مدفوعة بالنظرية السياسية. أما في مجال علوم اللغات وآدابها، فإن دور الاتجاهات الفلسفية في دراسة اللغة والنص الأدبي، فضلا  عن الاتجاهات الجمالية عموما اللازمة لدراسة النقد الأدبي - يكون دورا أساسيا لا غنى عنه. وفي مجال العلوم التربوية يصبح دور الفلسفة أكثر إلحاحا، خاصة في واقعنا التعليمي الذي تبدو فيه هذه العلوم مقطوعة الصلة بالفلسفة، رغم أنه لا يمكن تصور قيام أي تطور في هذه العلوم بمنأى عن الفلسفة، أو عن مناهج البحث والتعلم التي تنبع أساسا من رؤى فلسفية، وتلك مسألة سوف نعود إليها فيما بعد.

على أن دور الفلسفة لا يقتصر على إمداد العلوم الإنسانية بالأساس النظري الضروري، فإن الاكتفاء بهذا التصور في فهمنا لدور الفلسفة سوف يكون فهما ناقصا ومبتورا ؛ لأنه قد يكرس في الأذهان ذلك التصور الخاطئ الشائع عن الفلسفة الذي يمكن أن نجده عند بعض المثقفين من المتعاطفين مع الفلسفة، وهو أن الفلسفة علم نظري خالص لا شأن له بدنيا الحياة العملية. فالواقع أن الفلسفة لم تكن أبدا منفصلة عن الواقع المعيش، ولا عن مجال الحياة العملية، وهذا يصدق حتى على الميتافيزيقا التي يظنها البعض مجرد دراسة نظرية خالصة، وبحث مجرد فيما وراء الواقع. والواقع أن هناك توجها فلسفيا متناميا الآن نحو الاهتمام بالمشكلات والقضايا العملية التي يطرحها واقع الإنسان المعاصر، وهذا المجال الجديد من البحث هو ما يعرف باسم "الفلسفة التطبيقية" Applied Philosophy، وهو مجال يبرز فيه بوضوح طابع الدراسات البينية، ليس بين الفلسفة والعلوم الإنسانية فحسب، بل بين الفلسفة والعلوم الطبيعية أيضا : ففلسفة البيئة Philosophy of Environment - على سبيل المثال - هى مجال من البحث الفلسفي يشتمل على علمين أساسيين يتداخل البحث فيهما مع مجالات معرفية وعلوم عديدة، وهما علم أخلاق البيئة (Environmental Ethics الذي هو محصلة التفاعل بين علم الأخلاق الفلسفي وعلوم الإيكولوجيا)، وعلم الجمال البيئي (Environmental Aesthetics الذي هو محصلة التفاعل بين علم الجمال الفلسفي وعلم النفس، وفنون الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني). كما أن اهتمام الفلسفة بمجال الأخلاق التطبيقية قد اتسع ليشمل معالجة المشكلات الأخلاقية المعقدة التي أفرزتها الممارسات المهنية المعاصرة، والتي أصبحت بحاجة إلى ضوابط ومنظومات أخلاقية توجه مسارها. ومن هذا التوجه نشأ علم أخلاق المهنة Professional Ethics الذي أصبح يشتمل على علوم وتخصصات معرفية عديدة تندرج تحته، من قبيل : علم أخلاق الطب Medical Ethics، وأخلاقيات التكنولوجيا Ethics of Technology وأخلاقيات التجارة والمعاملات الاقتصادية.Business Ethics .. إلخ.

ومن هذا يتضح لنا أن دور الفلسفة يظل دورا فاعلا  ومركزيا في الدراسات البينية التي باتت الآن أمرا واقعا لا يمكن إنكاره على مستوى البحث العلمي ومستوى العملية التعليمية في مجال العلوم الإنسانية، فضلا  عن دورها الهام في مجال العلوم الطبيعية. وإذا كان هذا الدور لا يزال غائبا ومهمشا في الجامعات الخليجية، فمن الإنصاف القول إن هناك إمكانية ومجالا  مفتوحا لاضطلاع الفلسفة بهذا الدور في بعض هذه الجامعات. فهذه الإمكانية تظل مفتوحة - على سبيل المثال -  في إطار الاستراتيجية الجديدة التي تبنتها هذا العام كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات، وهي استراتيجية تستند إلى رؤية مواكبة للتطور المعرفي في مجال العلوم الإنسانية. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية وأشباهها تظل مجرد رؤية تحتاج إلى تعديلات جوهرية تقوم على إدراك شبكة العلاقات التي تعبر عن مجالات الصلة الحقيقية بين هذه العلوم، وعلى إدراك الدور المركزي للفلسفة في هذه الشبكة من العلاقات، وعلى إيجاد آلية تكفل استمرارية هذه المنظومة العلمية والتعليمية بمنأى عن التهديد الذي يمكن تواجهه الأقسام أو البرامج العلمية بناء  على متطلبات سوق العمل. وسوف نناقش تلك القضية، ونقدم اقتراحا يكفل هذه الآلية في ختام هذه الدراسة.

 

ثانيا - رؤية الجامعات الخليجية لدور العلوم الإنسانية

إن وضع الفلسفة في الجامعات الخليجية لا ينفصل عن رؤية هذه الجامعات لدور العلوم الإنسانية ومكانتها من حيث خدمة المجتمع. غير أن مفهوم خدمة المجتمع - كما سنرى - هو ما يجعل هذه الرؤية في حد ذاتها تمثل أزمة في وضع هذه العلوم وإمكان تطورها. ومن هنا سيتضح لنا تدريجيا أن أزمة العلوم الإنسانية هى امتداد لأزمة الفلسفة :

لو أردنا توصيف الوضع القائم للعلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية لقلنا إن السمة الغالبة على هذا الوضع هو تدني مكانة هذه العلوم بالقياس إلى العلوم الطبيعية والرياضية، فضلا  عن العلوم التي تكفل المعارف التقنية. ومن هنا كانت الكليات المختصة بهذه العلوم الأخيرة - مثل الطب والعلوم والهندسة وتقنية المعلومات - تحظى دائما بالمكانة المرموقة، وتولي لها الجامعة الاهتمام الأكبر، وتقيد شروط وضوابط الالتحاق بها. وربما يقال هنا أن ذلك الوضع لا يميز الجامعات الخليجية وحدها، بل نجده في غيرها من الجامعات العربية والغربية أيضا. وهذا التحفظ يعد صحيحا في مجمله إذا نظرنا للأمر في ظاهره دون التفات لأسبابه، ولكننا لو حللنا الأسباب لوجدنا اختلافا واضحا في الحالتين ؛ ففي الجامعات غير الخليجية نجد أن الأسباب غالبا ما تكون موضوعية أو واقعية: ففي الجامعات المصرية - على سبيل المثال - كانت كليات الطب والهندسة ت سمى بكليات "القمة"، أى الكليات ذات الرتبة الأعلى، وهي تسمية ابتدعها مكتب القبول والتنسيق الجامعي بسبب الإقبال الواسع على هذه الكليات لما توفره من فرص العمل لخريجيها، ولكن عندما تراجع هذا الواقع الموضوعي تراجعت معه تلك التسمية، وأصبحنا نرى طلابا يقبلون على كليات أخرى نظرا لتغير الظروف الموضوعية. أما في الجامعات الخليجية فإن "المكانة الأولى" التي تحظى بها هذه الكليات ترجع إلى نظرة الجامعة الذاتية لمفهوم العلم، ودوره في خدمة المجتمع : فالعلم الجدير باسم العلم هو العلم الذي ي نتفع به، مع فهم الانتفاع هنا بالمعنى المادي البحت، أي بالمعنى الذي يكون به العلم ملبيا لحاجات عملية مباشرة للمجتمع، ويكفل القدر من المعرفة الذي يكفي لتخريج موظفين (من أطباء ومهندسين وتقنيين) يطبقون ما تعلموه في مجالاتهم المهنية، وهذا هو ما ي طلق عليه اصطلاح Vocational Educatio.

وعلى هذا، فإن العلوم الإنسانية تأتي في مرتبة أدنى في س لم العلوم، وتتراتب درجاتها الدنيا في هذا السلم تبعا لمدى احتذائها للمعيار أو النموذج النفعي السالف في تصور العلم، أى بحسب قدرتها على تلبية حاجات المجتمع المادية والعملية المباشرة. وكان من الطبيعي أن تنعكس تلك النظرة على رؤية العلوم الإنسانية لنفسها، أو بالأحرى على رؤية كليات العلوم الإنسانية بأقسامها العلمية لدورها الذي ينبغي أن تضطلع به؛ فراح المشتغلون بهذه العلوم في الجامعات الخليجية يركزون على الجوانب التطبيقية على حساب الأسس النظرية، وفهموا التطبيقات على أنها دراسات ميدانية يتم إجراؤها في إطار المجتمع المحلي الذي توجد به الجامعة، أو في إطار المجتمع الخليجي على أحسن تقدير، وبذلك تحولت دروس هذه العلوم (على مستوى البحث والتعليم) إلى دروس محلية إن جاز التعبير : فما دامت هناك دراسات تطبيقية على المجتمع المحلي تعتمد على استبيانات وبيانات احصائية، فهناك إذن اقتراب من مفهوم العلم، وارتقاء في سلم المكانة العلمية. وكان هذا هو أحد الأسباب الجوهرية لانفصال العلوم الإنسانية عن الفلسفة، أو سعيها للاستغناء عنها وعدم الرغبة في الاعتراف بدورها الجوهري بالنسبة لها؛ ومن ثم المساهمة في تكريس تهميشها واغترابها.

ومما يؤكد أن هذه النظرة للعلوم الإنسانية تعد ظاهرة خليجية واضحة أنها ليست مقصورة على الجامعات وحدها، بل إنها تمتد إلى المراكز والمؤسسات الثقافية التي عادة ما ترصد جوائز مالية قيمة للبحوث التي يجريها الشباب في إطار موضوع يتعلق بمجتمعهم المحلي. والأعجب من هذا أن يتم توجيه الشباب للتقدم لجوائز عن الإبداع الفني في موضوع يتعلق بمجتمعهم المحلي، وهو ما يعد مصادرة على الإبداع منذ البداية، بل وأدا  له.

والحقيقة أن هذه النظرة للعلوم الإنسانية تنبع من قصور في مفهوم العلم ذاته، وفي رسالته وأهدافه : فحصر قيمة العلم في إنجازاته العملية والتطبيقية، وتقييم العلوم بالقياس إلى نموذج يضع العلم العملي التطبيقي في رتبة أعلى والعلم النظري في رتبة أدنى، هو نظرة خاطئة تماما للعلم : لأنه لا انفصال في العلم بين ما هو نظري مجرد وما هو عملي تطبيقي، سواء كنا نعني بالعلم هنا العلوم الطبيعية والرياضية، أو العلوم الإنسانية، بما في ذلك العلوم الفلسفية نفسها (كما سبق أن رأينا). بل إننا نريد أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لنؤكد على أن العمل والتطبيق في العلم لاحق على النظر والتجريد، وهذا يصدق حتى على العلوم الدقيقة ؛ ومن ثم فإن التطور في مجال التطبيقات العلمية والتكنولوجيا يكون مستحيلا  دون تطور يحدث أولا  في مجال الكشف العلمي الذي يتحقق  على مستوى النظرية العلمية. ولذلك فإن تمجيد التكنولوجيا - فيما يرى د. اسماعيل صبري عبد الله - يغفل تماما حقائق المعرفة البشرية؛ "فأول المعرفة علم دقيق ومجرد ونظري، ويلي ذلك العلم التطبيقي، أي ترتيب نتائج عملية على أساس النظرية العلمية، وفي المرتبة الثالثة تكون مساعي تحويل الحقيقة العلمية إلى اسلوب إنتاج وتقنية، وتلك هي التكنولوجيا بالمعنى الدقيق"(2).

وإذا كان هذا حال العلوم الدقيقة، فما بالنا بالعلوم الإنسانية ! وبأي حق يمكن تقييم مكانة هذه العلوم على أساس من توجهاتها التطبيقية في خدمة المجتمع ؟! إن النظر إلى رسالة العلم باعتبارها تهدف إلى خدمة المجتمع هي نظرة صحيحة ما في ذلك شك. ولكن السؤال الأهم هنا هو : ما معنى خدمة المجتمع؟ وعلى أي نحو تكون خدمة المجتمع؟ إن دور العلوم الطبيعية والرياضية في خدمة المجتمع دور معروف ؛ لأن اكتشافات هذه العلوم يمكن أن تتحول إلى قوة تكنولوجية تشبع وتخدم حاجات المجتمع المادية، وهي اكتشافات تحدث على المستوى النظري أولا  كما رأينا. أما في مجال العلوم الإنسانية، فلا يمكن تصور مفهوم خدمة المجتمع بهذا المعنى: فدور العلوم الإنسانية لا يكمن في إشباع حاجات مادية للمجتمع بتخريج موظفين ومهنيين يسدون نقصا في مجال سوق العمل والإدارة على سبيل المثال، بل يكمن دورها في المقام الأول في بناء الثقافة والفكر والمعرفة، أي في التنمية الثقافية للمجتمع التي لا تقل في أهميتها عن مسارات التنمية الأخرى (بصرف النظر عن الوظيفة التي يمكن أن يشغلها الدارس لهذه العلوم). والتجربة تشهد بأنه لا يوجد تطور في أي مجتمع لم يواكبه تطور في البناء الروحي للإنسان، أعني في أسلوب التفكير والفهم والوعي، بما في ذلك الوعي الفني والجمالي نفسه. بل إن نهضة العلم الحديث في أوروبا قد نتجت عن نهضة فكرية قامت على بعث العلوم والآداب الإنسانية التي غيبها العصر الوسيط، وعلى نزعة إنسانية وفلسفات عقلانية وتنويرية.

وعلى هذا، فإن النظرة السائدة في الجامعات الخليجية التي تربط بين دور العلوم الإنسانية وإشباع متطلبات سوق العمل، هي نظرة تؤدي إلى تراجع دور العلوم الإنسانية، وعدم وجود أية إمكانية لتطورها : فعلم الاجتماع - على سبيل المثال - يتحول في ظل هذه النظرة إلى نوع من الخدمة الاجتماعية والدراسة الميدانية لواقع محلي محدود، ويصبح موجها لتخريج اختصاصيين اجتماعيين، وعلم النفس سيتحول دوره إلى تخريج اختصاصيين نفسيين للعمل في المدارس وبعض مراكز التأهيل التربوي، ولن تعود هناك حاجة لدراسة الفلسفة والتاريخ والأدب والفن والنقد، لأنه ليست هناك وظائف شاغرة في المجتمع بمسميات فيلسوف، ومؤرخ، وأديب، وفنان... إلخ. ومن ثم، فمتى تشبع سوق العمل من خريجي هذه العلوم، لم يعد لها مبرر وجودها ووجب إغلاق الأقسام العلمية المعنية بدراستها !

 

ثالثا - أزمة المنهج في الدراسات

الإنسانية بجامعات الخليج

يمثل المنهج السائد في إجراء البحوث والدراسات الإنسانية بجامعات الخليج شكلا  من أشكال أزمة العلوم الإنسانية فيها. وسوف نلاحظ أن أسباب الأزمة هنا لا تنفصل عن أسبابها في الظاهرتين السالفتين، وبوجه خاص ظاهرة استبعاد أوتهميش البحث الفلسفي. 

والواقع أن الكلام عن أزمة المنهج في العلوم الإنسانية ليس شائعا في الكتابات العربية، ولكن له تاريخ طويل في الفكر الأوروبي خلال القرن الفائت. ولعل كتابات الفيلسوف العظيم إدموند هوسرل E. Husserl ، وخاصة دراسته عن ؛أزمة العلوم الأوروبية« المنشورة سنة 1931، تعد أهم الكتابات التي تابعتها كثير من الكتابات التي تأثرت به إلى يومنا هذا. فقد كانت كتابات هوسرل في هذا الصدد نوعا من النقد الذاتي لمفهوم ومنهج العلم السائد في الحضارة الغربية، وقد رأى أن أزمة العلوم الأوروبية هي أزمة الإنسان الأوروبي، وهذا يبدو بوضوح في حالة العلوم الإنسانية بوجه خاص : فإذا كانت العلوم الطبيعية قد استبعدت الإنسان من الطبيعة،  فإن العلوم الإنسانية - حينما أرادت أن تحتذي منهج العلوم الطبيعية - قد حولت الإنسان نفسه إلى طبيعة، أي إلى واقعة من الوقائع التي يمكن دراستها تجريبيا. وهذا يعني أن العلوم الإنسانية التي يسميها الألمان "علوم الروح" Geistswesseschaften قد استبعدت الروح أو الوعي والخبرة الإنسانية من دراستها للإنسان نفسه. ولذلك يقول هوسرل: "إذا كان هناك علم للطب يمكن أن يداوي بدن الإنسان، فليس هناك علم يداوي روحه" (3).

لقد كان من أهداف نقد هوسرل - ومن سار في إثره من الظاهراتيين والتأويليين وغيرهم - تقويض النزعة الوضعية التي سادت العلوم الإنسانية حتى منتصف القرن العشرين تقريبا؛ حيث إن هذه النزعة قد نشأت مدفوعة بالانبهار بالإنجازات التي حققها العلم في العصر الحديث، فرأت أن العلوم الإنسانية لا سبيل أمامها لكي ترتقي سوى أن تحتذي نموذج المنهج العلمي السائد في العلوم الطبيعية والرياضية، وهو المنهج الذي يتوخى الموضوعية ويستبعد الذات الإنسانية (ذات الباحث)، ويدعي إمكانية الوصول إلى نتائج حتمية دائم ا،  ويقوم على القياس والصياغة الكمية لنتائجه. ولا شك أن هذا النموذج للمنهج العلمي قد أصبح باليا حتى مجال العلوم الطبيعية والرياضية نفسها ؛ فلم تعد فكرة الموضوعية المطلقة - على سبيل المثال -  فكرة مهيمنة في هذه العلوم. فكثير من الظواهر الطبيعية لا يمكن دراستها والتعامل معها بشكل موضوعي خالص كما لو كانت وقائع أو موضوعات مادية محضة لا شأن للعامل الإنساني بها : ففي مجال الطب - على سبيل المثال - بدأ يتعاظم شأن الاتجاه المسمى ب؛أنسنة الطب« Humanization of Medicine، أي وضع العوامل الإنسانية في الاعتبار عند التعامل مع تشخيص وعلاج الأمراض وفي مفهوم الرعاية الصحية. وفي مجال هندسة العمران والتخطيط لم يعد من الممكن استبعاد البعد الإنساني المتعلق بجماليات وأخلاقيات البيئة. وكل هذا قد أوجد مجالا  للدراسات البينية المشتركة بين بعض العلوم الطبيعية والرياضية من جهة والعلوم الإنسانية من جهة أخرى.

أما في مجال العلوم الإنسانية ذاتها، فقد بات تشبث هذه العلوم بنموذج المنهج التقليدي للعلوم الطبيعية أشبه بموقف هزلي عبثي... موقف من يتشبث بنموذج لم يصنعه بعد أن تخلى عنه صانعه أو صاحبه الأصلي باعتباره غير ملائم أو ينطوي على عيوب فنية تجعله غير صالح للاستخدام في مجال العلوم الإنسانية ! لقد سقطت السلوكية وسقطت معها شتى المناهج الوضعية في العلوم الإنسانية الغربية. فالظواهر النفسية - بل والظواهر الإنسانية عموما - تتميز بالتفرد وبطابعها النوعي أو الكيفي، ومن ثم فإن قياسها كميا يفقدها خصوصيتها التي تضيع في البيانات والاحصاءات، وهي ظواهر يكون اطرادها أقل مما يحدث في العلوم الطبيعية، ولا يكون محتواها محايدا من جهة الوعي والإرادة والإطار الثقافي ؛ ولهذا طالب كثير من علماء النفس بتبني مناهج كيفية (كالمنهج الفلسفي الظاهراتي) في دراسة الظواهر النفسية بديلا  عن المناهج الكمية التي تقوم على البيانات والاحصاءات، ولكنها تنتهي إلى نتائج تافهة كثيرا ما تتناقض إذا ما أعيدت نفس التجربة(4).

وللأسف، فإن الجامعات الخليجية - ربما بصورة أكثر كثافة من غيرها من الجامعات العربية - لا زالت تتشبث بنموذج المنهج التقليدي في العلوم الإنسانية ؛ وقد كان من شأن هذا أن أوجد جيلا  من الباحثين والدارسين يعولون على القياس والإحصاء، ويفهمون البحث الميداني على أنه تصميم لاستمارات أو استبيانات، وتفريغ لنتائج هذه الاستبيانات من خلال برامج الحاسوب، في حين أن هذه النتائج يمكن أن تأتي متضاربة في كل مرة يعاد فيها البحث الميداني، فضلا  عن أن الاستمارات التي يصممونها غالبا ما تنطوي على فروض هشة ضعيفة ومتناقضة. ومرد ذلك الافتقار إلى فهم  معنى الموضوع أو الظاهرة التي يبحثونها، والفروض التي يبدأون منها دون تمحيص أو خبرة واعية. وقد ساهم في سيادة هذا المنحى في العلوم الإنسانية هيمنة كليات التربية في الجامعات الخليجية على وضع سياسات ومناهج البحث والتدريس، ومن النادر أن نجد في هذه الكليات في عالمنا العربي عموما من هم على دراية واسعة بطبيعة البحث في الظواهر الإنسانية.

أقول هذا وفي ذهني أن الدراسات التربوية الراهنة في العالم الغربي - ومنذ العقود الأخيرة - قد فطنت إلى أهمية المنهج الكيفي وضرورته في دراسة الظواهر الإنسانية. ومن هنا يرى بعض الباحثين التربويين أن نموذج المنهج التقليدي السائد في العلوم الاجتماعية في التعليم الجامعي الذي يقوم على  تصنيف المجتمعات أو الظواهر الاجتماعية، ووضع مقياس لترتيبها ومقارنتها - هذا المنهج الذي يعتمد على التصنيف والقياس وفقا لنماذج مسبقة قد يؤدي إلى تبسيط النتائج المعقدة ووضوحها، ولكنه يخفق حتى في مجال التطبيق على واقع ما، فمن النادر أن يقدم لنا صورة تعكس واقع مكان محدد، وأناس بعينهم"(5). إن هذا الإخفاق يرجع إلى تهميش وغياب الرؤية الفلسفة في البحث كما يلاحظ إرفنج سيدمان Erving Seidman في كتابه عن ؛المقابلات وفلسفة البحث الكيفي: دليل للباحثين في التربية والعلوم الاجتماعية«، وهو يعني بالبحث الفلسفي الكيفي ذلك البحث المؤسس على المنهج الظاهراتي Phenomenological Research الذي يعتمد على خبرة الباحث المعيشة، وفهم معنى الظاهر المعطاة له وتأويلها  ؛ ولذلك يذهب بعض الباحثين في معرض عرضه لهذا الكتاب إلى أن المعنى ليس هو مجرد الوقائع  التي يدرسها الباحث، وإنما فهم ما قد قيل، وفهم الصلة بين ما قد قيل والطريقة التي قيل بها، وما كان المستمع يحاول أن يسأله أو يسمعه، وما كان المتحدث يحاول أن يوصله أو يقوله(6).

ونفس هذه الرؤية تصبح أكثر أهمية وإلحاحا في البحوث التي ت جرى على مستوى الدراسات العليا. وهذا هو ما تؤكد عليه إحدى الدراسات الهامة على المستوى النظري والتطبيقي : إذ تبين لنا أن المشكلات المنهجية  للعلوم الاجتماعية نشأت خلال القرن التاسع عشر مع تبني فروض العلوم الطبيعية الفيزيائية، وتهميش التساؤل الفلسفي التقليدي عن طبيعة الوجود والطبيعة البشرية (مبحث الوجود) Ontology، وكيف نعرف، وما الذي يؤسس المعرفة (نظرية المعرفة) Epistemology ، وما هى أفضل السبل للحصول على المعرفة (مناهج البحث). Methodology ومع ذلك، فإن التوجه الفلسفي في العلوم الاجتماعية قد انبثق من جديد من خلال الفلسفة الظاهراتية Phenomenology  وفلسفة التأويل Hermeneutics والنظرية النقدية (وخاصة لدى أدورنو وهابرماس من مدرسة فرانكفورت) -وهو التوجه الذي بدأ يتعاظم دوره الفاعل في العلوم الاجتماعية منذ السبعينيات(7).

والمشكلة المنهجية الأساسية التي تواجه الدارسين نتيجة غياب الفلسفة وعدم معرفتهم بها، هو أنهم يبدأون من فروض ومسلمات متضاربة دون أن يتفحصوا معناها وأبعادها المتداخلة فلسفيا ؛ ولذلك يظل الموضوع غير واضح في أذهانهم (رغم النتائج المنمقة التي يصيغونها في صورة كمية). والدراسة السابقة تؤكد على هذه الحقيقة من خلال العديد من الأمثلة العملية التي تبين فيها الباحثة  ضحالة الفروض النظرية التي يبدأ بها الطلاب بحوثهم في مجالات العلوم النفسية والاجتماعية السياسية، والتي عادة ما تكون فروضا متناقضة وضيقة الأفق ومشكوك فيها ؛ ومن ثم فهى تبين لطلابها كيفية إجراء البحوث في العلوم الاجتماعية وفقا للمنهج الكيفي الفلسفي الذي يؤسس فهما أوليا متعمقا وضروريا لموضوع البحث. ويمكن أن نجمل هنا المثال التالي الذي تذكره لنا الباحثة (وهي أستاذ مشارك بجامعة جنوب كاليفورنيا) لعله يكون مفيدا للدارسين:

تذكر الباحثة/ الأستاذة أن طالبة قد أخبرتها أنها تريد أن تدرس تجربة طلاب الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية الذين أتوا من بلدان أخرى، فهي تريد أن تدرس تجربتهم في مكان غريب عنهم، وهنا سألت الأستاذة الطالبة عما إذا كانت لديها أي خبرة سابقة بهذا الموضوع (كأن تكون قد درست خارج البلاد، أو عملت في مركز دولي مما يكثر فيه الوافدون.. إلخ)، ثم شرعت الأستاذة في فحص الافتراضات المسبقة والمعتقدات التي اتخذتها الطالبة إزاء موضوع بحثها. وهنا ارتبكت الطالبة واختلط عليها الأمر، وتساءلت مندهشة عن علاقة هذا بتصميم استبيان بحثها ؟ وعندئذ بينت الأستاذة للطالبة أنه من المفيد لبحثها أن تقرأ الأدبيات الفلسفية حول العلاقة بين مفهومي الأنا والآخر، وخاصة لدى هيجل Hegel وجادامر Gadamer وهابرماس، ثم اقترحت قراءة بعض الكتابات الهامة التي تواجه قضية الأنا والآخر، لدى مفكرين من أمثال لفيناس Levinas الذي يرى أن تأكيد  "الوجود"  أو "الهوية" هو إنكار للآخر. كما اقترحت على الطالبة قراءة دريدا Derrida الذي يبين لنا كيف يكون لكل مفهوم (كمفهوم الطالب الأجنبي على سبيل المثال) لفظ مضاد له (وهو مفهوم الطالب غير الأجنبي)، وهذا ما ي عرف عنده بالاختلاف أو الإخلاف. Difference فما الذي يعنيه قولنا أن الطالب الذي لا يكون من بلدان أخرى يعد غير أجنبي؟ ما الذي يعنيه استخدامنا لكلمة ؛أجنبي« هنا؟ وهل ترتاح الطالبة لاستخدام هذه الكلمة بكل تضمناتها في دراستها ؟ ثم بينت الأستاذة للطالبة أن عليها أن تفحص هذه المسائل سواء بالنسبة لطلاب الدراسات العليا موضوع دراستها، أو من حيث علاقة الطالبة نفسها بهؤلاء الطلاب الذين تدرسهم. وهنا فقط بدأت الطالبة تدرك أن هناك بعض المفاهيم والتساؤلات الأساسية التي ينبغي أن تدرسها قبل أن تشرع في بحثها(8).

هكذا يكون المنحى الكيفي في مجال البحث في العلوم الإنسانية. وعلى الرغم من أن هذا المنحى قد بدأ يتعاظم شأنه في الغرب منذ سبعينيات القرن الماضي، فإنه يتقدم على استحياء في الجامعات العربية عموما، ولكن صوته يبدو غير مسموع على الإطلاق في الجامعات الخليجية وسط ضجيج وهيمنة اتجاهات تقليدية في البحث ي ظن أنها مثل أعلى ونموذج ي حتذى.

 

خاتمة

قد يكون من المفيد أن نقدم بعض المقترحات التي يمكن أن تسهم في تجاوز أزمة العلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية بوجه خاص. ولا شك أن هذه المقترحات يمكن استخلاصها من كل ما تقدم باعتبارها متضمنة فيه، ومع ذلك فإننا يمكن هنا أن نصوغ أهمها بشكل موجز يتخذ طابعا إجرائيا أو عمليا :

1- لا بد أن يبدأ تفعيل دور الفلسفة في العلوم الإنسانية بالتهيئة له في المرحلة قبل الجامعية، وذلك باعتماد الفلسفة مقررا دراسيا أساسيا في التعليم الثانوي السابق على المرحلة الجامعية ؛ إذ لا ي عقل أن تغيب الفلسفة عن هذه المرحلة الدراسية في بعض البلدان الخليجية على غير المعمول به والمتعارف عليه في شتى بلدان العالم إيمانا بأهمية تهيئة أذهان الطلاب لتقبل الفلسفة كنظام معرفي أساسي يخلق فيهم روح التفكير النقدي والقدرة على التساؤل والحوار، وهي ملكات أولية وضرورية بالنسبة لسائر المعارف الأخرى.

2- لا بد من تفعيل دور الفلسفة في العلوم الإنسانية في المرحلة الجامعية وما بعدها بمنحها دورا أساسيا في العملية التعليمية لهذه العلوم. ولا يعني هذا بطبيعة الحال إغفال ما هنالك من تداخل وتفاعل بين مجمل العلوم الإنسانية، بل يعني أن دور الفلسفة يظل رئيسيا في إطار الدراسات البينية. ولا ينبغي أن ي فهم هذا الكلام على أنه مدفوع بروح الحماس والتحيز  التي تكون لدى كل شخص إزاء تخصصه، بل هو كلام يبرره الوضعية الفعلية التي تميز دور الفلسفة بالنسبة للعلوم الإنسانية كما بينا فيما سبق : لأن السؤال الفلسفي بطبيعته سابق على كل الأسئلة التي تطرحها العلوم الأخرى.

3- لا بد لتفعيل مكانة العلوم الإنسانية جميعها (بما في ذلك الفلسفة) من الفصل بين مكانة هذه العلوم ووجه الحاجة إليها من جهة، وبين مدى وفاء هذه العلوم بمتطلبات سوق العمل على نحو مباشر من جهة أخرى. وربما يكون الأخذ بنظام التخصص الرئيسي والتخصص الفرعي هو النظام الأمثل لتحقيق هذا الهدف؛ لأنه من ناحية لن يحرم الطالب الذي يريد دراسة تخصص ما لأسباب عملية من دراسة تخصص آخر لا يفي بهذه الدوافع والأسباب العملية (كالفلسفة على سبيل المثال). كما أن هذا - من ناحية أخرى - سيعمل على تدعيم طابع الدراسات البينية، وسيجعل - من ناحية ثالثة - بقاء أي تخصص من التخصصات العلمية غير متوقف على التحاق الطلاب بالقسم الذي يطرح هذا التخصص. فدراسة الفلسفة كتخصص فرعي ملحق ببرناج دراسي تخصصي آخر أو برنامجين آخرين، هو أمر سيكفل بقاء الدراسة الفلسفية حتى وإن لم ي قبل عليها الطلاب كتخصص أساسي. ومثل هذا يمكن أن يحدث بالنسبة لسائر التخصصات الأخرى، إلى أن يأتي يوم يدرك فيه الناس، وخاصة الطلاب المقبلون على دراسة العلوم الإنسانية أن دراسة أي علم من هذه العلوم ت طلب لذاتها أولا  بصرف النظر عن المجال الوظيفي الذي يمكن أن يشغله الدارس مستقبلا.

4- إن بقاء الفلسفة وتفعيل دورها في العلوم الإنسانية هو ما يمكن أن يسهم تدريجيا في تفعيل دور المنحى الكيفي في العلوم الإنسانية. ولا يعني هذا إلغاء الطرائق المنهجية المعمول بها والتي أصبحت تقليدية في عصرنا الراهن، وإنما يعني الحد من سلطتها وهيمنتها على العلوم الإنسانية، وإمدادها بأساس متين تكون تابعة له وموجهة من خلاله.

الهوامش

1- Anthony Giddens، Social Theory and Modern Sociology (Cambridge : Policy Press، 1987)، pp.70-72.

2-  د. إسماعيل صبري عبد الله، توصيف الأوضاع العالمية المعاصرة (منتدى العالم الثالث، مكتب الشرق الأوسط بالقاهرة، سنة 2000)، ص. 19.

3-  Philosophy and the Crisis of European Man)) See: Edmund Husserl Crisis of Philosophy، trans. Quentin Lauer  in Phenomenology and the.( New York، Harper and Raw Publishers، 1965)، p. 149 f

4- انظر تفصيل ذلك في كتابنا : جدل حول علمية علم الجمال : دراسات على حدود مناهج البحث العلمي (القاهرة : دار الثقافة للنشر والتوزيع، سنة 1994)، 164- 214.

5-      Estela Mara Bensimon et.al، (( Doing Research that Makes a Difference ))  in The Journal of Higher Education ( The Ohio State University  Vol. 75  No. 1 February 2004 )  Pp. 106-107.

6-Patrick Dilley  (( Interviews and the Philosophy of Quantitative.in Ibid.  Pp.1270128 ؛Research


تصميم الحاسب الشامل