المطهر والاعترافات

 

حيدر حيدر (كاتب وروائي من سوريا)


1

اذا رأيت الفتى السماوي مسجى فوق سرير الغمام فلا توقظه.

اسأل الصاعقة التي شقت الصخرة الى نصفين لا يلتحمان.

2

إذا رأيت الفتى السماوي نائما في الصمت الأبدي فلا تعكر سكينته بالكلمات.

اسكب على جبينه الوضاء دمعة في لون اللؤلؤ، واكتم الصرخة المدوي ة كالرعد في كهوف الروح.

3

وأنت تقبل الجبين البارد للفتى السماوي الممد د فوق حديد المشرحة قل له همسا:

انهض يا حبيبي فالبحر في انتظارك.

4

الفتى السماوي الطالع كموشور من الضوء والأرج في عتمة العالم لماذا هوى كنيزك؟

5

تسألني من أنا يا حبيبي فأقول: حصاة على شط بحر. تقول بغرارة الندى والعشب: وأنا الموجة التي تغسلك لتبقى لامعا كالضوء.

6

يا حبيبي العابر سهوا كرشا         صادك الموت بسهم فانتشى

7

إذا رأيت المغني الجو ال حاملا قيثارته، افسح له مجالا في الدروب لينشد أغنية الوداع للزمن الآفل.

المغني الجوال في عجلة من أمره. لأن الوقت ضيق لا يتسع له.

تقول الأغنية بأن الرجال الأنقياء يولدون مصادفة في الزمان الخطأ، ويرحلون كومضة في الفجر، كنقطة دم، ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر.

المطهر والاعترافات

موسيقى هادئة ومأتمية الآن في هذا الفضاء الليلي، في هذا الوقت الخريفي الموشح بالوداع والفقدان. في هذا الفضاء المأتمي أكتب افتتاحية النص الوداعي لرحيلك بعد مائتين وعشرين يوما.

لقد رحلت إذن من عالمنا ولن تعود أبدا ! لن تعود وأنا لا أصد ق ذلك. وحين أتساءل كيف حدث الأمر على ذلك النحو الغادر والمفاجئ أسقط في هاوية التيه واللامعقول.

منذ رحيلك وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة. وضعها في سياقها الموازي للصدمة.

إنني مواجه بهذا الاستعصاء، بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية، أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق.

ماذا تعني كلمات أو مفردات: منكوب أو مفجوع او مدم ى أو منكسر. لا شيء. مفردات مستهلكة تقال في أي مناسبة. الآخرون يعبرون امامها بقليل أو كثير من المشاركة المأساوية، ثم يمضون الى حياتهم وأيامهم التعيسة والمنسية. في هذا الصمت الجنائزي وداخل فضاءات البحر لا شيء سوى الفراغ الذي كنت تملأه فيما مضى. يتسع بك ويضاء بالصخب والبهاء الجسدي والسخرية والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه.

الطفولة الواعية قبل أوانها، والصرخة الاحتجاجية أبدا في مواجهة الانحدار الرعوي ووحشية القبيلة الغريزية.

الآن بعد رحيلك أعيد النظر في مفاهيم كثيرة، ربما كانت فيما مضى شبه بديهيات او قناعات راسخة، الآن تبدو الحياة الانسانية كأنها مهزلة وجودية خالية من أي معنى سوى الصور والكلمات.

حين تمحى حياة إنسان من الوجود ما الذي يبقى؟ الذكرى. الحنين. الكلمات. الصور المعلقة على الجدران. الأحلام، المرارات الداخلية التي تفتك بغلاف الروح. الآهات، الاسترجاع الماضوي. حبوب أو حقنات للتهدئة في أوقات الشقاء النفسي والروحي، بعد تشظي الأعماق وتناثرها.

ما عاد هناك من سلام روحي ولا توازن.. هو الموت. المستبد. الفيروس الوجودي الساكن في الخلايا، واللامرئي، المتربص هناك في الزاوية المنسية والمظلمة من العالم.

الغدر والاغتيال لما هو جميل وعذب وطفولي، يأتيك في الغفلة ليقول لك: حياتك لا معنى لها. وبريق وجودك وآمالك ومستقبلك هراء وسراب.

وأنا أكتب هذا النص عنك أتوهم أنني أحييك بالكلمات، وفي الآن نفسه ربما كنت أتطهر لأزيح هذا الكمد الداخلي المشل لحياتي اليومية وقد تحو لت إلى كوابيس وعزوف اجتماعي عن البشر. الى عزلة شبه كهفية عاجزا عن التلاؤم مع المحيط الخارجي.

لا أعرف بدقة ووعي موضوعي ما هي الحقيقة في الأمر. وما أعرفه انني أسير حالة- صدمة، غير عقلانية ضربت أساسات كانت ارتكازية فيما مضى، توجه بوصلة حياتي، وتحد د لي الأفق الذي أسير نحوه في هذا العالم.

في هذا النص- المرثية لست راغبا في انتشار حزني خارج ذاتي. للآخرين أحزانهم بما يكفي ويفيض. لكنني راغب ومهتم بطرح الأسئلة حول الكثير من المفاهيم حول الحياة والموت، والوجود والعدم، والمعنى واللامعنى، والعبث وجدوى الاستمرار، في عالم يحكمه الموت في نهاية المطاف.

إذا استعدت أربعين عاما الى الوراء يخيل الي أنني أستطيع الجواب على كثير من هذه الأسئلة، لكنني الآن أبدو شبه جاهل، أو فاقدا لذاكرة قديمة تاهت في عالم من الضباب.

لقد شاهدت الموت الخارجي وأدركته، لكن الموت الداخلي- موتك، غير مدرك. إنه موت الخلية الحية- موتي.

هل في الأمر مبالغة؟

أجل. إنها صدمة الروح. وكي أعترف: شيء ما حي ويانع في شجرة حياتي، مات. ولأعترف أكثر في بوحي: أنا ما عدت سويا كما كنت في غابر الزمن. اختلال في العالم- عالمي صدمته صاعقة في لحظة غدر.

وأنا أتأمل صورتك على الجدار، بجبهتك الساطعة وعينيك الحزينتين، وأنت تحتضن طفلك، أتمنى لو أنك لم تولد.

لم تولد لتموت؟

الآن أفكر كم كنت مخطئا في قدومك الى الوجود، والآن أشعر بالذنب جراء هذه الخطيئة، هذه اللعنة التي ندفع ثمنها: الحياة. هذه الورطة الأسرية.

هل الحياة هي النعمة أم الجحيم؟

وهل نحن ضحايا منذورون لموت في النهاية؟

أنلد أطفالنا للحياة أم للموت؟

ولماذا يموت الأبرياء في العالم؟

لا أحد يستطيع الإجابة على الأسئلة المستعصية. لا الوهم ولا الفلسفة، ولا العمل ولا العقل ولا الميتافيزيقيا الماورائية.

يبدو العالم والحياة مجر ة من العبث واللامعقول، والإنسان في الحياة لا يختلف عن حشرة في هذا الكون. هذا ما أشعر به الآن.

إننا مرميون أو مقذوفون في عالم المصادفات والمفاجآت اللاعقلانية.

ثمة وحش لا مرئي ينتظرك في الزاوية المغفلة اسمه: الموت. مرتديا ثوب الغدر أو الاغتيال او الحرب يقول لك: ها قد أتيتك أخيرا على حين غرة!

 

***

في وقت كنت فيه غافلا، أو تائها في صحراء النسيان، أو سادرا في وهم الطمأنينة اخترقني هذا البرق الخاطف في صباح ربيعي. لا أدري من أي سماء توهج فأغشى العينين والقلب ليرميني خارج الزمن، محو لا المعالم الى مساحة من الاهتزازات والاضطراب والشظايا.

الآن علي أن اتأمل نفسي في مرآة الفداحة. أتفحص كوامني ومدى التماسك والرهان على السقوط.

أشعر كأنني في مواجهة جدار عاجز عن خدشه، من الصعب إن لم يكن من الاستحالة العودة الى الزمن الذي سبق الحدث. الفوضى ضربت الأشياء والعالم. وما كان في غابر الوقت ما عاد في هذا الوقت. الوقت الأسود والعدمي. هل العالم والأشياء هي هكذا في أصلها منذ بداية التكوين؟ أم أننا مخدوعون ونحن نعيد صياغتها الى ما نرغب أن تكون؟

وهل الحياة هش ة منذ الولادة ونحن لا ندرك ذلك عبر فرحنا بانبثاق البراعم والنطق بالوجود في المهد؟ أم أن الخديعة تكمن في محاولة صهر الصلابة الهشة لتكون الحياة ناهضة وقوية ومضادة للعطب؟

حين حملتك بين ذراعي وقذفتك في الفضاء وأنت في عامك الأول صرخت أمك: أيها المجنون! قلبه كالبرعم.

كنت تضحك منتشيا في ريح الفضاء.

وحين سقيتك النبيذ الأحمر وأنت في العالم الثاني وتلمظمت طعمه اللذيذ قلت في نفسي: أنت طفل الينابيع والكروم.

ويوم عمدتك بملح وموج البحر تآخيت مع الأعماق. تحو لت الى دلفين أو سمكة صار البحر قبلتك. وهكذا جرحتك في الفتوة، فيما بعد، السمكة السمية "الراي" أو ما نسميها "الترسية"، فتطهرت لمدة أسبوعين في حمى الألم.

سمكة الراي كانت في رأس حربة الصيد وأنت تضغط على الرسغ: آذتني، لكنني اصطدتها. قلت ذلك وأنت تعبر باتجاه مخيم البحر.

أحملك كما في الطفولة، بين ذراعي من المشرحة، عاليا كمن يحمل شهابا. أعبر المنحدرات نحو مساقط المياه في الجبال البعيدة. بعيدا نحو شلالات الينابيع. أو س داك على صخرة بيضاء والشلالات تطهر جسدك. أدلكك وأمسح وجهك وصدرك وقدميك. ضوء القمر يتلألأ فوق الوديان ومنحدرات المياه الصخابة فوق الحصى الأبيض والرمادي. أقطع أغصان الغار ذات الرائحة العطرة والمنعشة وأفرك جسدك العاري لتنتعش وتحيا. هذه روائح صباك أيام كنت مزدهرا، مندفعا كالعاصفة، مفعما بالنشوة وحب الفتيات ورائحة القرى.

كنت تصطخب بالرغبة والتوق والأمل ورعشة الحياة في الخلايا والدم. أيام كانت الأرض صلبة تحت قدميك وأنت تعبر البراري والوديان، ومعك بندقية الصيد والكلاب التي أحببت: لاسي، فيديل، رنتي.

الزمان الغض، المضاء بشموس الغبطة والفرح الداخلي. الزمان المفعم بوهم الخلود، ما قبل إدراك الخديعة وبغتة الصدمة.

ها هي رائحة الأعشاب والغار تمسح جسدك عبر سقسقة الينابيع المنحدرة من الجبال.

هل تسمع أغاني الطيور التي تحب وهي تنشد لك نشيد طقوس الوداع الأخير: الكروانات، الكنارات، طيور السمان، والحجل والشحارير، النوارس، والحساسين، والقبرات والخطاطيف، الصقور التي أطلقت سراحها في الفضاء من شرفة البيت تحو م فوق جثمانك المسجى على الصخرة البيضاء. جوقة موسيقية. احتفال تأبيني للمغني الجوال، للطفل السماوي الممدد عاريا فوق الحصى الأبيض تحت السحب المائية للمنحدرات.

الكون الحزين يود عك. فرحة هي الطيور بمغادرتك عالم البشر. العالم الذي لا يستحقك.. عالم الغبار والقتلة والحماقات، والتردي الى مسوخية ما قبل الحيوان. هل كانت أغاني الطيور تعب ر بلغتها عن رغبتها في اختطافك الى الفضاءات النقية لتكون واحدا من قبيلتها، بعيدا عن الأرض الموبوءة بالانسان الذي تحول الى وحش، قاتل للطيور والبشر، معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن؟

نائم هناك على التخوم الأبدية، وروحك تعلو في الضياء الأثيري، طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.

لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.

في الزمان الح لمي، كما في رؤيا سريالية، سأحملك على محفة من الغار والريحان، بعد تطهيرك بمياه الوديان، من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية باتجاه البحر.

سيسألني العابرون: إلى أين؟

في السماء نجمة أهتدي بها. أعرفها: الزهرة. أنت أشرت إليها عن سطح البيت ذات غسق وهي الآن فوق البحر، تضيئه بلمعانها المميز عن بقية الكواكب. كانت العرب تعبدها في قديم الأزمنة، وهي تشير الى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات. أحملك نحوها لتحميك وتغطيك بنورها الأسطوري لتدخل في ذراتها وخلودها الضوئي.

قبل هذا الاحتفال الأخير سأطوف بك حول كعبة الصيادين التي تحب، جزيرة النمل، حيث نقيم حفلة الوداع للصياد الراحل.

يسألني العابرون أو أسأل نفسي: هل محاولة استعادة نبض الحياة الماضية يخف ف من وطأة صدمة الموت؟ لا أعرف شيئا.

اتقاء للشمس ننصب خيمة قماشية فوق الصخور المسننة في فسحة ملحية. في البر اد البلاستيكي الأزرق، الذي جئت به من الرياض من أجل الرحلات، يوجد الطعام والمشروبات والفواكه والخضروات والثلج.

ستغطس في البحر بمنظارك المائي ومسدس صيد السمك الذي أتيتك به من نيقوسيا، تذكارا استثنائيا، قادرا على اصابة سمكة متوسطة الحجم من مسافة عشرين مترا بدقة لا تخطئ.

أقف على حافة الصخور الغربية للدوارات العميقة ومعي، كما في الأزمنة الماضية، قصبة الصيد.

متعة بحرية فائقة العذوبة، احتفالات الصيد.

طيوف تلوح على الشاشة في لحظة العبور من الموت إلى الحياة، لكأن الحياة والموت توأمان أحدهما اسمه الضوء والآخر العتم. هل هما: النهار والليل؟ أم هما قابيل وهابيل؟

يا للثنائية المقلقة والشيطانية التي تضرب جدار العقل!

مع بداية الغروب سيأتي الأصدقاء لنقيم احتفال المساء الوداعي الأخير. يأتون على الزوارق الخشبية والفل ينية والمطاطية، ومعهم الحطب والمشروبات واللحوم والخضار، وبطانيات النوم والحصر القشي ة، وأدوات الشاي والقهوة والمتي والسماور الروسي.

الأصدقاء الذين سيحملون نعشك بعد عامين، وهم يودعونك بالعبرات والحسرة، بينما أصوات التكبير تدوي: لا إله إلا الله. سبحان من قهر عباده بالموت. وأنا المهد م أسير وراء خيمة النعش صارخا في فضاء الموت الأصم: ما زال الوقت باكرا ياحبيبي. ما زال. ايها الموت لماذا تأخذ البريء وتترك الشر ير. لماذا تخليت عن الفتى السماوي وهو في شرخ الشباب؟

في ذلك المساء الرب اني الأخير سنلتئم تحت الخيمة وخارجها. نشغل النيران في فجوات الصخور اتقاء للريح، ونبدأ الاحتفال في لحظة بزوغ القمر فوق الهضاب الشرقية.

كنت منتشيا داخل هذا التطهر البحري، عيناك المحرورتان دائما كانتا تلمعان تحت وهج النار وأنت تصور المشهد بكاميرا الفيديو. حدث لم يحدث أبدا. بدا في المخيلة ح لما لا ينسى في تلك الليلة حين صرخ غسان من أعلى صخرة في الجزيرة: وافد. أعط الكاميرا لسليمان ودعه يلتقط لنا صورة مع القمر والضوء ونحن نرقص ونطير حتى حدود السماء.

كان ضوء القمر أنقى من لمعان الماس فوق سطح البحر المتلألئ.

كقبيلة من الغجر الرحل كنا في ذلك المساء. البعض منهمك ببشر السمك، خاصة أفعى البحر "الجرمباية" التي اصطدتها، وآخرون يشك ون اللحم، ومن تبقى يقطعون الحطب أو يصبون كؤوس العرق أو يقذفون بأجسادهم في البحر، بينما إبريق المتي يغلي على السماور الروسي. من الذي يتذكر الآن ما حدث في تلك الليلة الخيالية التي تواصلت حتى الفجر؟

النكات البذيئة التي رويتها. وقائع زمان الدراسة والفتيات المشتهيات، والشرود عن الدروس وأنت تتخيل عريهن في لحظة شبق جهنمية.

كم من الأسرار والفضائح بيحبها في تلك الليلة حين فتحت الخمرة الأبواب والسدود المغلقة.

الضحكات المجونية والصرخات.. كنا في فضاء الحرية اللاحدود له. في جزيرة معزولة، نحن كنا أيضا منسيين في غفلة الزمن. في غفلة الموت الذي سيخطفك منا، فيما بعد.

حين بدأ النعاس يتسلل الى العيون كان القمر ينتصف السماء وينير الجزيرة.

انتحينا زاوية في الغرب واستندنا الى جدار صخرة. كان معنا كأسان من العرق وعلبة تبغ. في محيط العزلة وأمامنا البحر رويت لي بعض الأحزان والمتاعب. انعدام في التلاؤم مع الحياة والإحساس باللاجدوى، وتفاهة الرحيل، وخصومتك مع مدير المستوصف الذي آذاك وهضم حقوقك واستعدى عليك السلطات. كنت محموما وراغبا في الثأر من ذلك الخنزير الذي علا صوته استفزازا: الكبرياء والكرامة فوق كل شيء. قلت لي الآخرون كانوا أحذية أمامه. أنا قلت له: اسمع أنا أعلى من سطوتك ومالك. أنت وهذه البلاد التي تؤويك كدخيل ومستثمر ومدعوم من السلطة لا شيء. غبار أو عقب سيكارة، ترمى في البحر.

كنت هكذا: صعقة جنون أو احتجاجا كونيا جاء في غير زمانه. هل ولدت خطأ في الزمن الخطأ؟ كنت وريثا لأبوين لم يأتلفا ولم يتواشجا أبدا. وريث خصومة أبدية، خاطئة، المصادفة العمياء التي يصطدم فيها شخصان في ظلمات العالم. في مراهقة الحياة حين يكون الوعي مرك زا في الشبق والمراهقة والنسيان ولعبة الجسد.

هكذا انقذفت الى موتك داخل هذه التيارات اللاواعية دون وداع.

مرة أخرى نفتح السجل العائلي الموش ى بأشواك التناقض والجنون. سجل لا يستحق شهادة شرف أو نبل، كما عبرت، والذي ظل كلطخة سوداء في الأعماق.

ستتناثر تلك الأسرة عبر الزمن وتدخل فضاءات شتاتها، كما شجرة اقتلعت من جذورها، وهامت أغصانها على سطح الأرض تحت هبوب الأعاصير. كم كنت حزينا في تلك الليلة الخيالية، لكنها الأكثر حقيقية في بعدها الرمزي والإحيائي.

كنت ممرورا، وفي ثنايا وجهك ملامح مقت للحياة التي ع ب رها البيت، البيت الذي ستسميه "بيت الأشباح" بيت الأسرة الذي سيتحول فيما بعد إلى ما يشبه خرابة مهجورة، أو كهفا على مطلات الوديان، لا تسكنه سوى الظلمات والظلال، وأنين الأم والجدة داخل عزلتهما الجائرة، تحت كتمان الصرخات المصمتة، وصور الأبناء المهاجرين، المعلقة على الجدران التي كشطها الإهمال وتقاويم الزمن المنسي.

- أنت السبب في ذلك الخراب الذي حدث. ما الذي جنيناه نحن الأبناء كي تفعلوا بنا هكذا. كي تورثونا المرارة والكراهية والنبذ. بين الحنق والغضب تقول لي.

حاولت أن أكون عادلا وأنا في قفص الاتهام الجنائي. اعترف بأخطائي في محاولة تواز عادل مع أخطاء الأم. قلت للمرة المليون بأننا اصطدمنا خطأ في زمن المراهقة عبر عاطفة جامحة ورعناء أسميناها حبا. كنا في العشرين من العمر، سن ما قبل الرشد والوعي العقلي بالعالم حولنا. سمها حالة عمى وأنانية مفرطة في الشهوية والرومانس.

فيما بعد بدا الأمر نوعا من الاغتيال، حين تحو لت أو انحرفت تلك العاطفة الشهوية نحو الكراهية والتنافر لتودي بنا إلى الهجر.

اعترف لك في هذه العزلة البحرية بأنني مسؤول عما جرى، كما هي أيضا، وكنتم ضحايا. ونحن نستحق المحاكمة العائلية جراء الشتات والتمزق النفسي والألم الروحي الذي حدث لكم.

- لقد تركتنا وحيدين في عالم لا يختلف عن عالم الغاب وهاجرت. تقول.

 

ثم تواصل اتهامك: نجوت بنفسك وتركت العبء على الأم والجد ة. غيابك تركنا يتامى وبلا جدار يحمينا. في ذلك الزمن الأسود والقاسي، والمقيت، زمن التنافر والكراهية والغيرة والأنانية، والاتهامات البغيضة المخيمة على البيت، بدا صعبا شرح وتحليل الحالة التي وصلنا إليها، أمك وأنا. كنتم صغارا في عمر الحملان والأرانب البيضاء آن تنامى في الجحيم بيننا. وكان علي اختيار طريق الهجرة اجتنابا لارتكاب حماقة أكثر إيذاء وجرحا.

كنت مشوشا ومضطربا، غير قادر على التحكم بتوازني الداخلي، وبلا مغالاة أتذكر الآن أنني قريب جدا من بوابات الجنون أو الصرع.

وفي ذلك الزمن المعبأ بالكراهية والمقت والاضطهاد السياسي الذي طالني إثر خروجي وطردي من الحزب، كان علي الخروج من العائلة والوطن والمرأة والسلام الروحي، كي أنجو، وحتى لا أنتحر.

- نجوت وبقينا نحن في المهالك. تقول بأسى مر. كنت تشير الى الأنانية، والاختيار الذاتي لرحيلي عن البيت في ذلك الخريف الجحيمي الى الجزائر. أنت تعرف أنهم، بعد ثمانية عشر عاما من المهالك والحرائق، واختبارات الموت التي تعرضت لها، فصلوني لا لسبب سوى لنزاهتي وجرأتي في قول الحقيقة وتشريح جثة الفساد الداخلي وتنام يروح الاستبداد واضطهاد الرأي، هذه القذارات التي يعومون فيها كالضفادع ذات الروائح الكريهة والتي ستتنامى في قادم الأزمنة لتصل إلى الأقصى: دمار الوطن والإنسان.

ستقول: في غيابك عشنا الرعب والفزع في بيت الأشباح في ماكوندو- حصين البحر، هذه القرية الملعونة، غريبة الأطوار، ذات المزاج المتبدل كالطقس، حيث لا تكاد تعرف من يحبك ومن يكرهك، مزاجها كمزاج البحر تحت مد القمر وجزره.

أكثر من مر ة داهم الأمن البيت في الليالي ليسألوا عنك. كانوا يرمون الرعب في قلوبنا نحن الصغار. كان المخبرون في القرية يشيرون نحونا في تقاريرهم، ونحن لا حول لنا، وأنت لست هنا. أولاد رجل مطارد ومعاد للسلطة. أمي كانت تتصدى لهم وتقول بجرأتها المعروفة: أيها الأوغاد أنتم طردتموه من بلاده وتركتم أولاده يتامى. ابحثوا عنه حيث تعرفون أين هو.

لا جدال بأنها أم تحب أبناءها، وتفديهم بدمها، وتدافع عن رجلها في الشدائد. أعترف بأنها طوقتكم وحمتكم تحت جناحيها هي وجدتكم الطيبة، في غيابي لكننا هي وأنا لم نكن زوجين سعيدين. لعلها و جدت في الحياة لتكون زوجة لرجل آخر، وأنا لا أصلح ربما للزواج لا منها ولا من أية امرأة أخرى في العالم.

رجل حر، طليق كالطير، معاد للأعراف وفي أعماقه عزلة الذئب، بينه وبين الجنون ألفة، يتآخى مع الوحش والطبيعة والبحر، والزمان اللامرئي والأحلام، هذا الرجل يولد بلا رغبة منه، ويتزوج مصادفة كأعمى، ثم ينجب وينفى ويتدحرج في تيه العالم، يحلم بلا أمل، ثم بغتة تقتله الحسرات عليك أيها الفتى السماوي.

في ذلك الزمن كنت مختصما مع نفسي ومع الأسرة ومع العالم المحيط بي. كنت معزولا ومنفردا بي، م رمى على طوف في محيط من المياه، ولا بوصلة.

لا أدري أي شيطان أو ملاك كان يوحي لي بأن الصدوع الداخلية في حياتي تتوازى أو تتماهى مع صدوع الوطن، والبلد التعيس الذي سقطت سهوا فيه ذات ليلة فلكية خاطئة.

ربما كنت مغاليا أو واهما في محاولة نسج خيوط التماثل أو التداخل او التشابك بين الذات والموضوع، حين تحدثنا عما جرى لك في الرياض وما جرى لي في عنابة ونيقوسيا وبيروت، من صدوع وصدمات تخلخل الشرط الإنساني، وتنحدر به إلى المرتبة الحيوانية جراء فقدان قيم العدالة والحرية والأخلاق والنزاهة البعيدة عن الأهواء الذاتية.

- وجودنا في العالم ورطة لعينة، لا خلاص لها سوى العدم. أحدنا قال جزءا من العبارة، والآخر أتمها، حين بدأت الشمس تلوح من المشرق.

لا أحد من ا كان صالحا للحياة في هذا العالم الفاسد والمنحط. إحساس مضمر، ربما، كان كامنا في الأعماق: أي هذيان سريالي، شهوي، قذف بي إلى هذه المتاهة الكلبية!

كلانا في الشرك. كن ا نتخبط ونحن ندمى مع كل حركة. ما كنت راغبا في تسويغ ما جرى في هذه المحكمة البحرية، ذلك لأنني أتحمل قسطا كبيرا من التناثر العائلي بعد الهجرة، ثم بعد المنفى الذي فصلنا قسرا حين كان اسمي على اللوائح السوداء، ممنوعا من الدخول الى وطني على مدى عشر سنوات.

ستقول وأنت على صواب، ولكن نحن أطفالك ما ذنبنا ونحن نعيش تحت المداهمات الأمنية بشكل دائم بلا أب؟ هي ضريبة السياسة- المحرقة إذن!

تداخلت السياسة في ذلك الزمن مع التنافر والاختلاف بين الأب والأم، وكنتم الضحايا. كن ا جميعا ضحايا شبه مجانين في عالم مضطرب ومخر ب ومنخور بالفساد وجنون المزاج والأهواء، واللامنطق.

- لكنك هجرتنا وتبعت أهواءك الذاتية والسياسية. تركتنا في مهب الغدر واللؤم. كنا وحيدين والريش ما زال زغبا فوق أجسادنا.

حين جاء زمن العودة واللقاء والتكفير، ومحاولة ترميم الخراب القديم، جاء معه موتك المباغت مكرسا اللاعدالة في الكون وعبثية الوجود، وسيزيفية الصخرة التي تتهاوى نحوي كلما حاولت رفعها نحو القمة.

إذ استيقظ من حلمي الكابوسي يتوارى العالم الجميل الصاخب، والمضيء بالشمس والبحر، ليدخل معك في الغياهب والظلمات.

- موتك كان موتنا جميعا . موتنا الروحي.

أخوك الوحيد، وأختاك المهاجرتان، وزوجتك وولداك، وأمك، وطفلا أخيك ورد ويمام. هذه الأطياف تطوف حول ذكراك وروحك الهائمة وصورك المعلقة على الجدران، حيث الآن مرتسم ومجس د حضورك في الحركة والصوت والصورة والأغاني، على شاشة الروح وفي مرايا الدمع.

ـــــــــــــــــــــ
* هذا النص جزء من كتاب (الأحزان) الذي أنجزه الكاتب الشهير حيدر حيدر، إثر حدث الغياب الفاجعي المبكر والمباغت لابنه وافد حيدر.


تصميم الحاسب الشامل