|
|||||
|
كل ما أذكره أنه فجأة نبت أمامي كأنما خلسة خرج من الأرض، كأنما نيزك هابط حمله إلي ليعترض سبيلي ذاك اليوم الدمشقي وأنا أتوغل في شوارع تلك المدينة الغادرة التي أعشق. لوهلة شعرت بالصدمة وأدركت هلعة أنني خل فت جثة القتيل على بعد أمتار مني. خذلتني لحظتئذ الشجاعة، لم أتوق ف، لم أهرع لإسعافه، لم أسمح لعيني أن تشهد الأحمر مسفوحا على الطريق، وربما لم يكن ومع ذلك هو احتمال واقع، فقط مضيت، مضيت بصمتي المطبق، مضيت بكل ذهول. دقائق قليلة وطريق أكثر من طويل قادني إلى أول دمعة أغرورقت بها عيناي.ضاق بي الوزر وضج إلى ما لا أطيق. يا الله منذ لحظات أزهقت روحا.. وأنا التي أغلق عيني على مشهد الموت حتى في التلفاز. تزاحمت الخواطر انتابتني جميعا بكل شراسة، لم يرني أحد، أجل أستطيع أن اتابع طريقي بسلام، ليس اول الضحايا هو وعبثا أجزم أنه الأخير آلاف القتلى تتساقط يوميا وكأنها منذورة للموت وما من شهقة واحدة تطلق عنان العويل. القتلى في كل مكان، قتلى المجاعات، قتلى الحروب، قتلى الكوارث، قتلى الأطماع، قتلى الأوطان، قتلى الأحلام، قتلى المصير، وجثتي واحدة من هؤلاء القتلى جميعا أموت معهم على دفعات تأجل فيها موعد دفني قليلا..ا فأين الغضاضة في موت جديد بئس القدر أنني الفاعلة، تنصلت كغيري من القتلة من طائلة المسؤولية واندفعت أكثر إمعانا في الهروب، لملمت أوصالي وترج لت من السيارة أبحث عن رقعة صغيرة أدفن فيها الحقيقة إلى جانب أسلافها العديدات، لم أجد متسعا قط، آه من الشعر عل مني أن أواجه أخطائي دون هوادة وجعل مني ضميرا كبيرا محشورا في جسد ضئيل. علي إذن تول ي الأمر طالما غفلت كل العيون أو غابت، علي أن أقتص من القاتلة التي بي، علي أن أكون أنا وليغرق طوفان الخديعة الناس أجمعين.. لهم رباطتهم، ولي جأشي، لهم قذارتهم ولي ضميري... تقد مت ولو كان ذلك من باب التقهقر. أمام أول مخفر للدرك توق فت، واصلت بخطى مبعثرة وأنا أهتز كوتر مقطوع، دخلت الردهة الواسعة بدمعة كبيرة وكلمة شديدة الإختصار...."أنا قاتلة" بادرت بها أول شرطي صادفني وسرعان ما وجدت نفسي محاطة بكافة خدام الشعب فرحت بهم رغم تعاستي، حاصروني بالدهشة ورشقوني بوابل من الأسئلة، فتحت الدفاتر، شرعت الأقلام، وبدق ة متناهية دو نت كامل تفاصيلي، إسمي.. عمري.. مهنتي.. عنواني.. رقم سيارتي.. وأخيرا رشقا حي ا بالأسئلة المحنطة، من ضحيتك؟ زوجك؟ عشيقته؟ مستثمر أموالك؟ محاميك؟ دائنيك؟.... لم يكن ثم ة جواب مفصل، فالجريمة خارج احتمالات القصدية ومع ذلك لم يسعني أن أنتحل لذاتي صفة البراءة وكان الاعترف سيد الأدلة. عابر سبيل.. أجبت. صرخ المحقق عابر سبيل إذا. لماذا؟. دهس كبرياءك؟. سرق حلمك؟.اغتصب عنفوانك؟. أرضك؟. كرامتك؟. طموحك؟. أزرك؟. حتى وإن فعل هذا كله هل يكون جزاؤه الموت؟. لو كان الأمر على هذه الشاكلة لما ترددت بقتله لحظة واحدة.. أجبت. برأيك لو جردوني مما ذكرت كله ماذا سيتبق ى مني غير المنتقمة؟ سألته. صرخ مجددا.. الأم ة برمتها عانت ما عانته ولم تنتقم. فمن أنت حتى تعلني احتمال قيام رد الفعل؟. معنفا سألني. أنا واحدة من أم ة لو أنجبت منها الكثير لما عانت ما عانته ياسيدي.. أردفت قائلة. هي ا تجنبي الاستطراد، وحدثينا عن جريمتك، تابع استجوابي بقليل من الازدراء وكثير من السخط. لا أنكر أنني كنت أقود مسرعة بعض الشيء. هكذا بدأت استرسالي، لكن العابر كان أسرع حين داهمني. السرعة هي السبب إذن، إنت امرأة لا مسؤولة.. قال. لكنها طريقة كل مسؤول يا سيدي.. أجبت. دائما ن صادف سياراتهم وسيارات أولادهم الصغار والكبار والبين بين، يعبرون الشوارع غير آبهين بأحد على الطريق، أو على أبوابهم، أو حتى لو اتصبوا أمامهم على شرفات الموت أم على الخوازيق.. رحت أتابع: ماذنبي أنه اعترضني أنا بالذات كان ي مكن لأي منهم أن يكون الفاعل وعلى نحو أشنع... ألا يكفي أنني جئت إليكم لأعترف، لا أملك إلا إرادتي الممعنة، وسلطة الضمير، وخواء ذات اليد ورصيد ساشع من الحماقة واليقين. كأن ما أحس المحقق بخزي .. بندمي، فسألني أن أحدد هوية القتيل. وما إن نطقت حتى انفجروا جميعا ضاحكين، واستبدلوا المحضر بصياغة جديدة تنص على "إزعاج" للسلطات. النف سالتي دهستها سيارتي لم يكن لها أحد في مسقط رأسها، لهذا لم يستغرب غيابها أحد. جمعيات الحقوق المشاعة هنا وهناك بشعارات فلكلورية مرفوعة فوق دكاكينها المرخصة بعلم وخبر وقرار ومدى وصلاحية وقواعد واستثناءات، لاتشمل هذا الكائن الذي يشبهنا كثيرا، نحن الذين لا نزال نحمل في قلوبنا حرارة الحق، وحميمية الاعتراف، وسذاجة الصدق، وطلاقة المواجهة، وعفوية الاندفاع بلا رتوش، وبلا حسابات ومحسوبيات، واعتبارات ومعايير. أذكر أن ي اعترفت، نعم اعترفت، وأتابع اعترافي هنا، بغباء رب ما، المهم أن ي اعترفت أنني قاتلة، ليستقر ضميري، ويستعر ضميرهم، وبدل ذلك ضحكوا.. نعم ضحكوا. ولم يدينونني لأن القتيل كان مجرد كلب...... ليست المسألة أنها مسألة تأخير عن ركب المنطق الحضاري، وليست القضية هي قضي ة استباق للدافع الإنساني ووجوبه، "الرفق بالحيوان" مرحلة تفوق طموح الفرد حالي، فلا يزال أمامنا متسع من المراحل الاجتماعية، وهوات من القرارات الإنسانية، وهوامش من التدقيق والتمحيص والبحث والمداولة حتى نرتقي مبدأ "الرفق بالآدميين" لمستقبل آجل قد يصير حقيقة في يوم من الأيام. وبعدها يصل الحيوان إلى ما قد نصل نحن إليه. ما زلت أذكر الحادث جيدا، وأهتز كوتر مقطوع، أبتلع بغصة دمعة كبيرة، وأرثي لحال القتيل الذي يذكرني بالكثير الكثير، عندما يكون الكائن بلا مأمن في وطنه، وبلا قانون يحمي حقوقه وكرامته. |
|||||
|
|||||