|
|||||
|
ليس تماما أنني ولدت في مثل هذا اليوم.. ما زلت مصرة على ذلك.. بيد أن أمي ما تنفك تذكرني قبل اسبوع من حفلة "عيد ميلادي".. ماذا تعد، وأي الأسماء تضعها في قائمة الدعوة.. أي فستان سألبس، وأية اصناف من الطعام ستوضع على المائدة.. أما كيكة عيد الميلاد فتأخذ من وقتها الكثير، ذلك انها لا تثق بما تصنعه المحال المتخصصة لهكذا مناسبة.. إن لها ابتكاراتها الغريبة، فهي تحب دائما أن تفاجئ الجميع بتصميم جديد، ترسمه على الورق ومن ثم تعهد به الى أحد المحال. في حفلة السنة الماضية استنسخت صوري منذ الطفولة بالتتابع.. السنة الاولى، والثانية، والثالثة و.. حتى العشرين، وصم مت نموذجا يستوعب عشرين صورة داخل مربعات الشكولاتا التي تحيط بقاعدة الكيكة المؤلفة من سبع طبقات، وفي كل سنة تفرش المائدة بلون من الساتان تعلوه قطعة من الدانتيل الأبيض. كلما اقترب موعد الحفلة يزداد قلق أمي.. تروح وتجيء في الصالة وفي الزوايا.. تغير لوحات الجدران، وتشتري نباتات ظلية جديدة تزين بها البيت.. تخرج الزينة من أكياسها وتثبتها بين قضبان النافذة وعمود الثريا التي تتوسط سقف الصالة. أنظر اليها.. امرأة تفيض حيوية، أعجب لقدرتها على العمل طيلة ساعات النهار.. لا تأخذ قسطا من الراحة بين عملها في دائرة الفنون وما يتطلبه البيت.. لم تطلب مساعدتي في شيء، إلا انها لا تمانع ان قمت بذلك.. الشيء الوحيد الذي لا تحبذه هو المساعدة في حفلة عيد ميلادي.. انها تفعل ذلك بشغف ومحبة كما لو أنني أولد من جديد. إن مشاعري عادية تجاه هذا اليوم.. تقول لي: في مثل هذا اليوم، بعد ساعتين من الآن ستأتين للحياة.. أضحك مما تقول وأرد: كلا ليس في مثل هذا اليوم.. لأن هذا اليوم لا يشبه ذاك اليوم قبل عشرين عاما ، ربما امطرت السماء في مكان، واندلعت الحرائق في مكان آخر، وكنت أنت أصغر بعشرين سنة من الآن.. وكان أبي على قيد الحياة.. ربما كان متوعكا او مكتئبا ، أو يمارس احدى هواياته.. وكنت تلبسين غير هذا الثوب، دخلت المستشفى وخرجت بعد عدة ساعات، وكدت تموتين من ألم الطلق.. إذن ، فذلك اليوم لا يعود يا أمي.. كل يوم حين يمضي لا يعود. تشعر أمي بالقلق حيال أفكاري، وربما بالإحباط.. تنهض ممتعضة وتقول: لا تتفلسفي.. قومي واستعدي للفرح.. هي العبارة ذاتها، تكررها كل سنة عندما تسمع الكلام نفسه مني.. أعرف أن أمي مولعة بابتكار السعادات، وبأنها امرأة تقدر قيمة الحياة، وللذكريات طعم لذيذ حين تسردها كما لو انها حدثت للتو.. وهي على يقين تام أن أبي يشاركنا فرحة عيد الميلاد، ولهذا فهي تتزين وتتبرج بالقرب من صورته الكبيرة.. وحين تكمل زينتها تنظر (إليه) كأنها تطمئن الى هندامها من خلال نظرته الجامدة وراء الزجاج.. أود لو قلت لها ان القبر الذي تزوره كل خميس لا يحتوي على أبي.. انه مجرد حجارة تضم عظاما لا قدرة لها على الاحساس بالأشياء، لكنني لا اجرؤ.. لأنني لو فعلت ذلك سينفطر قلبها وقد تسقط في حمى البكاء والغضب. خرجت أمي توا من الحمام.. وجهها وردي مضيء وشعرها الطويل ينساب رطبا على كتفيها العاريتين: - بعد ساعة من الآن سنذهب الى صالون التجميل، إنها ليلة العمر. وتمضي مسرعة الى غرفة النوم خشية ان تسمع مني تعليقا يعكر مزاجها.. أقوم متثاقلة، وفي الحمام.. أمام المرآة الطويلة أتعرى.. لكنني لا أنظر الى جسدي.. أقف تحت (الدوش) وأترك رذاذ الماء يداعبني.. حين أخرج تكون أمي قد استعد ت. تقول.. بعد الثانية عشرة وسط زحمة المحتفلين: - ها قد كبرت سنة أخرى. لا اعلق.. أهمس الى نفسي: أية سنة؟ انها مجرد لحظات فاصلة وأنا كبرت منذ أيام طويلة، أو على وجه الدقة أكبر كل يوم وكل ساعة، وها هي الثواني تمضي ولا أقبض على الزمن.. أعرف أن تساؤلاتي ليس لها أجوبة إلا ما يلمس روحي من صدى بعيد أعجز عن فهمه. أمي تهمس لاحدى صديقاتها بشيء يخصني، نظراتهما تفضحهما، وأدرك ما ترتبانه لي.. ابن تلك الصديقة يحوم حولي، كان قد م لي قبل قليل ساعة مطعمة بالماس الصناعي، عقرباها ملتصقان كأنهما عقرب واحد... ياه.. لماذا يسمونهما العقربان؟ ألانهما تلسعان الزمن المحصور في الدائرة الصغيرة؟ أم تراهما تلسعاني؟ قلت: أشكرك برغم أنني لا أحب الساعات. قال شيئا ضاع في الصوت الصاخب الذي خرج من المسجل (كل عام وأنت حبيبتي).. ورقص الجميع.. أمي لم تتعب في تلك الليلة، لا من الرقص ولا من الفرح.. لكنها فيما بعد تعبت من تمثيل دورها في الحياة.. ورحلت قبل ثلاثة أشهر من عيد ميلادي الثاني والعشرين.. ربما أرادت أن تمثل دورا آخر خارج عقارب الساعة، في مكان لم يتسع لاثنين.. مع أنها لم تحدثني عن نيتها في لعب ذلك الدور مطلقا. إلا انني بعد غيابها الأبدي رحت أستعد قبل اسبوع لحفلة عيد ميلادي وأفعل الشيء ذاته بشغف ومحبة لابنتي التي دخلت عامها الرابع. |
|||||
|
|||||