فوتوكراف مدينة

 

نائل علي (كاتب من العراق)


وتساءل عن طابور المكبلين عند حافة النهر، اخبره أحدهم انهم وجبة من سيعدم هذا اليوم، كان عاكف يعدم كل يوم عددا محددا وبقدر جنوده الذين ماتوا في معركته مع الحلة. تمتم الشيخ ذو اللحية البيضاء بعض كلمات غاضبة فسمعه من لا ي حسن أن يسمعه، فصدرت الأوامر سريعا وانضم الشيخ الى الطابور نفسه.

بعد ذلك بشهر كان الحليون والنجفيون يحاولون اختراق سور الحلة بعد ان قاتلوا عاكف خارجه والذي اصدر بيانه في 15/12 /1916 "بعد ان أجرينا التأديبات للعصاة الذين هم قابلوا إجراءات الحكومة، تعرض بعض السرسرية للعسكر". ارتبط خضر بالجسر وارتبط الجسر به، في صباه كان يفخر بين أقرانه بمسيره على الجسر لوحده ودون ان يقوده أحد ما ودون ان يتمسك بسياجه. كان الجسر يومها مجموعة من الدروب رصفت عليها ألواح الخشب ووضعت أعمدة خشبية بارتفاع متر تربطها سلسلة حديدية طويلة على امتداد كل من جانبيه. كان الجسر يهتز ويتمايل مع حركة الريح والموج وحركة المارة والعربات عليه، لا يستطيع التوازن عليه إلا من ألف ذلك، كانت الأرض التي تتمايل تحت القدمين تبعث الفرح في نفسه والخوف في نفوس أقرانه. ولما شب قليلا، ذهبت به أمه إلى خاله ليجد له صنعة يعتاش بها، فاحتار الخال مع هذا الصبي الذي يسكن الشط فسعى له ان يعمل عند بلام ينقل الناس بمساعدة حبل مد ه بين ضفتي النهر عند كريطعة والجامعين. ولكن الصبي وبعد أشهر قليلة صار له قاربه وشبكة الصيد خاصته. كان ينحدر بقاربه راميا شبكته قريبا من الجسر ويتهادى معها وئيدا ليسحبها عند بساتين النخل جنوبا وليعود لصق الجرف مستعينا بالمردي الى الجسر ثانية ليربط قاربه به ويصعد بسمكة رافعا إياها بذراعه فيما الباقي من صيده يسبح مربوطا الى مقدمة قاربه.

بمرور الأيام صار خضر البلام يقضي جل وقته في النهر، في منتصف العشرينيات وفي أمسية صيفية، ربط قاربه الى الجسر وابتدأ يغني ابو ذياته ومواويله. كانت سطح دار الشيخ سلمان البراك مضاءة بعشرات المصابيح، بعد قليل خفتت الأصوات عليها، فانطلق خضر بمواويله الموجعة من أعماق نفسه، خم ن ان هناك من يتسمع له، ولكن بعد ان أطفأت الأنوار ولم يعد هناك سوى الشحيح من الضوء، سكت المغني وأحس بما يشبه الخيبة ولكنه بعد لأي عاد بصوت الحنين العالي، رأى خضر شبحان يقتربان من جدار السطح ويتطلعان الى ظلام النهر، شاب يافع ورجل بوجه طويل ولحية مشذبة،، كان الرجل قد اقتاد ابنه، بعد ان نصبت الكل ة له، الكل ة التي سيحتفظ بها أحفاد سلمان البراك لقرن آخر، لم يعرفهما يوم ذاك خضر، وهما بدورهما لم يتمكنا من رؤية المغني، لكن الملك فيصل، قال لغازي، بعد ان تطلع في عينيه، لا تنسى أبدا هذا الطور.

في سنوات لاحقة داهمه الروماتيزم ويبست أوصاله، لم يعد قادرا على تحمل برودة الشتاء ورطوبة الهواء، فسعى معارفه الى تعيينه في البلدية مراقبا للجسر، فرح خضر البلام بمهنته الجديدة طالما ستبقيه قريبا من الجسر والنهر، كانت مهمته تنحصر بإعطاء أمر المرور أو التوقف للعربات التي تنوي عبور النهر، يحمل في يده اليمنى علما اخضر، وفي الأخرى أحمر، يرفع يده اليمنى، فيرفع الآخر في الضفة الأخرى علما أحمر، فينساب السير من ناحيته الى الضفة الأخرى. كان هذا الاجراء هو الوحيد الممكن يومها طالما ان جسر الحلة لا يتسع لمرور اكثر من عربة. مر الجميع على جسره فتح لهم المرور بعلمه الأخضر، جميع متصرفي الحلة حي وه. مر  من جسره ملوك وقادة، حياه بعضهم، سوكارنو حياه في العام الواحد والستين في مروره على الجسر وعند زيارته لخرائب بابل، ولكن التحية الأحلى والأغلى لديه كانت بانتظاره في صباح ربيعي، سار الشيخ بفرسه الجميل على الجسر، أوسع الناس له مهابة له، حاملا البرنو على كتفه وصف الرصاص يطوق خصره، صف الرصاص الذي لم يكن ليفارقه حتى في نومه، كان لحوافر الفرس على الجسر وقع جميل، توقف الشيخ اشخير عند رأس الجسر وقال له، كيف حالك أبا ياس.

في زمن آخر، كثرت الجسور على الشط، نصبوا جسرا جديدا قريبا الى جسره العتيق، جاء عمال وقتيون يقودهم ابله آخر وبأمر من البلدية حفروا طبقة الإسفلت الرقيقة وثقبوا السطح الخشبي ووضعوا ثلاثة أعمدة حديدية في فم الجسر، ثبتوها بأسمنت أعدوه على عجل "خضر، الجسر للمشاة فقط، لن تعبره عربة بعد اليوم". سحب نفسا عميقا سكن في صدره، جاهد كي يزفره، دار برأس الى الجسر والنهر والوردية والجسر العسكري ورفع رأسه قليلا، تطلع الى ساعة البلدية. بعدها تغير كل شيء. اختفى باعة الحبال والفخار ودكاكين التبغ عن فم الجسر وحل محلهم باعة أحذية النايلون المعاد، اختفى شحاذو الجسر واستقر به باعة جدد أراحوا عجيزاتهم على صفائح السمن الفارغة وراحوا يتوسلون بيع بضاعتهم من خميرة جبن، شخاط نقصت عيدانه أو معجون مغشوش. ضاع مهرجان الألوان غروب كل يوم اذ يرمى الى النهر المتبقي من الفاكهة والخضر مما لم ي بع ذلك اليوم. ضاعت رائحة الكرفس حين اختفت آخر بائعة للخضراوات، كنس الشفل محلات البقالة، وانسحب بائعي الدهين واللبلبي والشلغم والحلاوة، لم يحتفظ الهواء لا برائحة الكرفس ولا بأصوات رواد مقهى ابي سراج، لم يتبق شيء سوى ساعة البلدية، تشير الى الزمن الذي قيل فيه " الجسر للمشاة فقط ". الزمن الذي لم ير الناس بعده، لا خضر البلام ولا علميه الأخضر والأحمر.

***

بضعة من الوقت : قريبا من السادسة   شمالا

عينان تحدقان في العتمة وثمان نمن، عينان يهرسهما الخوف. لم تعرف الأمهات الخوف في حروب سابقة، عشن الحزن، القلق على المصائر، الشجن، اللوعة، انتظار من يعود ولا يعود وأشياء أخر، لكنهن لم يعرفن الخوف، الخوف الذي صار يطحنهن طالما خيم طير السواد.

عينان لامعتان في السكون المظلم، السكون الذي زاد رتابته الدوي المنتظم لطير السواد. الأطفال الأربعة ناموا، اندسوا في فراشهم وغطتهم بداية بأغطيتهم وبفرش الضيوف، كان البرد عنيدا ولئيما، لا نفط ولا كهرباء، الأشجار القريبة، تناوب الجميع على احتطابها حتى لم يعد هناك جذاذة لتحرق، لا مشكلة مع الماء اذ ان الشط قريب، والخبز، تدبره الناس بحبات الذرة والشعير ومطاحن الجدات التي خرجت من الزوايا والدهاليز. غطت الأطفال بما بقي لديها من أسمال، وظلت أفعى البرد تتسلل من فتحات لا مرئية.

في لحظة من الزمن، زمن بين زمنين، زمن عصي على المقاييس، تجشأ طير السواد، انطفأت العينان الساهرتان، انطفأت الأعين الغافية، تهاوت الجدران وانطفأ الجيران. لم يكن هنالك من جهاز اتصال أو محطة كهرباء، ولا حتى عسكري واحد، عيون نائمة وأخرى صاحية يقرضها الخوف لاناس أضناهم الجوع والبرد. بالصدفة، الصدفة المحضة وحدها، تهاوت قاعة المسرح الوحيدة في المدينة، الساعة الشمالية أخذت حصتها هي الأخرى في أيام قابلة، لم يبق منها سوى مؤشر للساعات، طار نصفه والتوى النصف الباقي منه، لكنه ظل يشير، ثابتا في مكانه، الى زمن الفاجعة.

***

48 : 12  غربا

انقل خطاك خلال المدينة، المدينة التي لم تنسب صنعة البيوت فيها الى بنائيها، بل الى نجاريها،

سر وئيدا في طرقها والمجازات، تطلع الى جدرانها من الآجر البابلي، الى خشب شناشيلها المتزاحمة، الشناشيل التي حجبت الشمس عن الدروب، الدروب التي تدور على نفسها، والدروب التي لن ت فلت ساكنيها، مدينة بعشر محلات، ثلاث في ضفة، وسبع في الاخرى، دع الكراد والتعيس، وسر في عكد اليهود، انحرف يسارا الى الجباويين، سيتلقاك ابو الفضائل، احمد بن طاووس، المتوفى في 673، كانت المحلة تسمى به قبل ان يسكنها القادمون من جبة، وعلى أمتار قليلة منه، حسن الدمستاني البحراني، الشاعر الجليل والمتوفى في 1299، تمهل قليلا في الأمتار العشرة بينهما، قد يصل سمعك، همسات الطلاب في المكتبة التي كانت هنا أو "رضينا بالسلام وقبل كنا بما فوق الأماني طامعينا"، فهنا كان صالح الكواز الشاعر يتردد على أصدقائه ومريديه، أما حمادي الكواز الاقل تعليما من أخيه، "لا تعجبوا من صبوتي  ومن الملام تعجبا"، حمادي الذي كان يقول "راجعوا قواعدكم فالقول قولي"، أمتار أخرى وتصل المحقق، هذا الذي سمي الشارع بين الجباويين والمهدية باسمه، أبو القاسم، عالم ومجتهد، صاحب شرائع الاسلام، "هجرت قوافي الشعر من زمن هيهات يرضى وقد أغضبته زمنا"، اذا سرت في شارع ابو القاسم فسيتلقاك ابن النما، اما اذا عبرته الى المهدية من عند المحقق فسيتلقاك الشفهيني الشاعر، "وانا الغريب الدار في وطني وعلى اغترابي ينقضي العمر"، لن تجد مدينة تشبهها، مدينة احتضنت رجالاتها في خاصرتها، لم تدفعهم الى المنافي ولم تدفنهم في مقابر غريبة، ضمت عليهم الحنايا وحمتهم بأضلاعها، مدينة زينت بمراقد أبنائها من علماء وشعراء وقادة، سقف واحد في شارع المنتجب ضم اربعة من الرجال، شاعر ومجتهد وعالم والآخر هو دبيس بن صدقة مؤسس المدينة، الدروب تدور على نفسها والاعلام لا ينتهون، جمال الدين الخليعي "فوا ضلالي تبكي لوحشتهم عيني وهم في القلب قد سكنوا".

فيما كانت الستينيات تلفظ انفاسها، تم تهديم مركز الشرطة وسجن المدينة، أسقطت المسرفات الجدران السميكة وسو ت الأرض وفي الأرض الخلاء برز اخضرار صغير، كتمت ساعة البلدية شهقتها، عجبا، مدينة لا ينتهي رجالاتها، بقيت واقفة على الوقت الذي رأت فيه لاول مرة قفصا أخضرا صغيرا ضم رجلا آخر.


تصميم الحاسب الشامل