|
|||||
|
مثل أي يوم آخر، في عزلة الجسد المثقل بالوجع الفاجع، وأسى الروح الحزينة.. كنت في أمكنتي المهملة القصية.. وعبر دقائق فقط وأنا أتجاوز شارع الرتابة المسائية، انبثقت رائحة السواحل تنث، كرائحة دهان السفائن الراسية في الجرف.. وعبر مديات قصيرة ظليلة، بزغت الأمواج مصطرعة برذاذ غزير مشتبك، كرذاذ الجليد، ونتوءات الجرف الساحلي، مغمورة بنداوة صمغية كثيفة، ويقظة سكونية شاخصة تتربص، وراء أعين صيادي الأسماك المترقبة دون جدوى، حركة أسماك عابثة، وراء سناراتهم الغاطسة في الماء بشكل أنصاف قلوب ساكنة. وبضجر حاد، عبرت حوض الشارع المنبسط، حث الرصيف الآخر، وكان المساء قد استحال، بهدوء شديد الى غروب قاتم، في النداوة الساحلية، المتساقطة فوق الرصيفين القاحلين. ليس هنالك من شيء معي، غير حافظة كتبي، ترافقني كنبضي، في شارع تموز، اذ استقبلنا بحفاوة غزيرة، كعادته وكنت قد تجاوزت رصيف الساحل والصيادين الحالمين بصيد وفير، والأنجم الصغيرة، المشعة عبر تخوم الفضاء القصي، أحدثت دهشة في قلب الليل المكتئب، مبددة غمامة معتمة عنه. وعبر بؤرة الاضواء المشتبكة في المنعطف، انبثقت كتلة من سابلة الليل، نساء وفتيات وشبان، بأعمار وملابس مختلفة، وشاهدت قمصان الفتيات الملونة اللامعة، بارقة فوق صدورهن المرمرية، ضاغطة على مفاتن أخرى خبيئة، مستخرجة روعتها المدهشة، حيث الافق الطليق. كنت ضجرا بشكل غزير، فشاهدت الأشياء غائمة معتمة، لم يكن أي ايقاع وهاج استشعرته، عبر الساعات اللاحقة، اذ كانت تجري دون أي انتعاش، أحدثته في دورة الأشياء الساكنة والمتحركة المرئية. كتلة السابلة تتفرق بين المنعطفات، تتجاذبها واجهات مشعة مشتبكة، وفي الأفق القصي، بزغت الأنجم، لاصفة كدراهم فضية، فألقمت شعاعها الأبيض الشاحب الى مساحة عريضة من الشارع الهادئ. وشاهدتها!.. امرأة خرافية الجمال، كزهرة الليل، يطل وجهها الفاتن متوازنا فوق رقبة قادحة بنداوة الجمال السحري، بعينين لوزيتين، معها فتيات أخريات، حالمات، كعرافات البحار، أصواتهن مزغبة بابتهاج واضح، وكن يتناولن (آيس كريم) بشفاه وردية. الظلام يهبط فوق مساقط الشعاع، والمرأة الفاتنة، تنبثق، كنجمة الغبش، حيث أقف مدهوشا، بقامتها الراسخة الممتلئة، فوق اصابع الشعاع المنكمشة، كأصابع المومياء. وتكهنت عبر نظرة عينيها الواسعتين الزاخرتين بموج جمالها السحري الغزير;.. ان هنالك حسرة خبيئة، تبزغ بصمت في متاهة الأحداق السحيقة، فتصرع حد الانهيار المدمى، قلبين خافقين بحب هادر. وعبر الشعاع المكتظ، شاهدت بيدها المشتبكة، بأصابع رشيقة، كتبا مختلفة بدون حافظة، كالتي معي. وابتدأت كتلة الليل البشرية المتراصة، بالتفرق، وثمة رياح باردة، ابتدأت تعصف بشدة، عبر أروقة الليل، بأصوات غامضة، وبارتطاماتها الخرقاء المعربدة، انتزعت الكتب من رؤوس الأصابع المدببة الحمراء، المشتبكة بها، وافترشت أغلفة الكتب رصيف الشعاع الباهر: (زنابق الماء، مدام بوفاري، أزهار الشر)... كتاب آخر، لم أتمكن من قراءته، اذ كان مقلوبا على عنوانه، في سيولة الضوء المسكوب بغزارة. وخامرني تفسير غامض، وكنت أشاهدها والفتيات معها، وكن آنئذ يلتقطن الكتب من موج الشعاع الباهر;.. تنظر، حيث أقف متجمدا، من وراء كتاب (زنابق الماء). كانت نظرتها، متأملة عميقة وجارحة، بعينين وهاجتين مثبتتين على جمر العنوان الأزرق المتموج. تلقفت عاصفة الرياح والبرد والظلام، المرأة المزغبة بالفتنة، الموشومة بديمومة الحياة الخالدة، كما الأسطورة، وانطفأت، كذلك، حركة الأشياء والموجودات الأخرى، اذ استقرت ساكنة في منعطف الليل، كضفادع مذعورة بشكل فجاءة لم تتوقعها. وأسفل سماء رمادية متجمدة، كرخام عتيق، سلكت منعطف الليل الذي غيبها، باحثا عنها، بروح داخنة، ونبض راجف مضطرب، لم أجد لها أي أثر، غير حضورها بشكل وشائج طيف مزغب بالتوهج الباهر، تكتظ به أعراش سيولة الأضواء ومستقر الشارع الذي كان يحتويها. كانت عبر حضورها الطيفي الصارم، ماثلة أمامي بافراط، بفتنتها الأسطورية الفادحة بغزارة، نفذت عبر منحدر في دوامة الليل، أتابعها، دون جدوى، بجسدي الناحل، وروحي الزاخرة بحب حقيقي، اذ، انطفأت كنجمة وهمية في أمواج الليل الشائكة، لم أعرف أي مسلك نفذت الى متاهته. وأدركت اني أضعتها، وكنت أتخبط، كطائر ضال، بين دوامات الأضواء ومنعطفات الأمكنة العديدة، وثمة رغبة صارخة تملأني;.. أن أعانقها، عناقا أبديا خالدا، كالزمن. |
|||||
|
|||||