الواحة والمطر

 

أحمد الرحبي (كاتب من سلطنة عمان)


كلنا في الواحة في انتظار المطر... نحلم به في كل حين يسلمنا الحلم به إلى  تحين الفرص لهطوله كلما ظهرت في الأفق بارقة أمل لذلك على شكل سحابات تتدلى على رؤوس الجبال ... نظل نرقبها أغلب الوقت وكأننا نرسل لها الرجاء تلو الرجاء بالهطول والانهمار، بنظراتنا المشرعة للبعيد في الأفق هناك حيث تظل لابثة أياما  أو أسبوعا  بكامله في بعض الأحيان هذه السحابات.

في الصيف وقبل الشتاء نعتاد وجودها في السماء ففي الظهيرات القائظة الشديدة الحرارة قد تعودنا ظهورها في أغلب شهور الصيف في الواحة من ناحية الجنوب في شكل لسان طويل عملاق كثيف البياض كثير التفاصيل المرسومة بسواد حاد من الغيوم المتكاثفة فوق بعضها البعض فتظهر في سماء الصيف المشعة بالضوء القوي وكأنها عمالقة أو مرد أسطورية من قطن ناصع البياض فكانت كلما توسطت الشمس كبد السماء تظل تزحف ببطء حتى تتخطى قمم الجبال التي تحيط بالواحة ويستمر اللسان يتقدم تقود هذا التقدم ثلة من الغيمات ناصعة الجبين المنتفخة الأوداج والتي تعكس بنيتها صحة وعافية دون غيرها من سحب جيش اللسان الجرار، حتى يغطي السماء من حول المكان ويحجب الشمس خلفه التي بدأت تدخل أوان الأصيل، حينها يبدأ هذا اللسان يرسل قعقعات الرعد بشكل استعراضي، مخيف محرضا  الهواء في أن ينطلق في زوابع شديدة تنال من بعض نخيل الواحة، السامقات وترسل الغبار هنا وهناك، وربما نث المطر أثناءها بقطرات بسيطة لا تكاد تبلل الثوب، و من بعد يبدأ بالتلاشي هذا اللسان العملاق من الغيم، متفرقا  بسحبه أيدي سبأ في امتداد السماء الواسعة، فيخلف الواحة لحسرتها على هذه الفرصة المواتية للمطر والتي تبددت دون أن تفيد الواحة منها شيئا  برغم الحالة المؤسية من القحط والإجداب التي تعيشها والتي قد تناهز في بعض الأحيان هذه الحالة الخمسة أعوام كاملة.

في الصباح مباشرة يبدأ سكان الواحة بتسقط أخبار نتائج الاستعراض الذي حدث بالأمس وما أسفر عنه في الواحات المجاورة البعيدة التي تقع ناحية الشرق وهو نفس الاتجاه الذي ينبثق منه عادة لسان السحاب من ناحية الجنوب الشرقي، كل الأخبار التي يعودون بها تضاعف الحسرة في قلوبهم فالنتائج التي خلفها اللسان بالأمس تكاد تكون مذهلة في ظل هذه الحرارة الشديدة للصيف، في كافة الواحات المحيطة بواحتنا فقد نالت كفايتها من الأمطار ومن السيول التي جاءت في وقتها كعامل مرطب لحلق الأرض التي أعطشها الجفاف، إلى حين يأتي الشتاء، وقد تنال أودها كاملا  بقدرة قادر، وفي الواحات الشرقية البعيدة فإن الأمطار والسيول فحدث ولا حرج حيث الصيف في ربوعها لم يعد صيفا  إلا بالاسم، فإن درجات الحرارة المنخفضة والهواء العليل الذي يكسر حدة هواء الصيف الجاف الساخن، من السمات الطقسية إذا جازت العبارة التي يخجل الصيف في المنطقة أن تنسب إليه.

كل هذه النتائج للسان الأمس جعلت أهل واحتنا يأخذون أمرها بجدية تامة فراحوا يطرحون السؤال الأخطر على أنفسهم و الذي لم يكن يفكرون فيه أو لم يخطر على بال واحد منهم من قبل وهو: لماذا واحتهم باتت منطقة محرمة على المطر والغيث وما ينتج عنها من مظاهر الخصب لقد انطلق السؤال الأخطر من عقاله لا ليسكت بإجابة عابرة ككل الأسئلة ولكن ليؤرقهم بفعله كناقوس يرن بالخطر في ليلهم ونهارهم يحاصر كل منهم بعلامة استفهامه كأنشوطة تحز بحبلها الخشن على رقابهم، فأصبح لا فكاك من مواجهته هذا السؤال والتوقف عنده و الإمعان فيه وأخذه بجدية تامة، فمن ربط إجابة السؤال بالسماء ومشيئتها في تقسيم الأرزاق على العباد، ومن ربط الإجابة بسلوك الناس من أهل الواحة وصفاتهم التي تجعلهم محرومين من الأرزاق، من حسد وبغضاء ونفاق بينهم ومن كره الخير لبعضهم البعض والمظالم والتعديات التي يمارسها نفر من أهل النفوذ والجاه من أهل الواحة على الضعفاء والمساكين في الواحة ومن عدم احترام حق الجيرة والمودة بينهم في الواحة.

أهل الخير كانت مسارعتهم لمعالجة الوضع تتمثل في إقامة صلاة الاستسقاء دعوا إليها كافة أهل الواحة للخروج إلى ظاهرها يتقدمهم طبعا، وجهاء وأعيان الواحة، أنتظموا صفوفا  تلو صفوف في صلاتهم والتي تحدث بالدعاء والابتهال فيها أحد رجالات الواحة المعروفين بالتقوى والورع والتدين في سلوكه، حيث يمحض من قبل أهلها نتيجة سيرته وسلوكه التقي والورع، بكل إمارات الاحترام والإجلال، وقد أبلى التقي الورع في الدعاء والابتهال بلاء حسن، عرض الشكاية وفصلها واعتذر باسم الكل عن الظلم والخطايا بلغة فخمة خصبة بمعجمها اللغوي، و بأداء خطابي متمكن له سحره الذي سرى أثره بين مجاميع المصلين والحاضرين المشاركين في ذلك الطقس، وقد بدا نتيجة ذلك لا شك ظلال أسف ومساءلة ضميرية على وجوه الجمع هناك فبدا للناظر المدقق في صفحة الوجوه، لهنيهة أن أكابر القوم نتيجة ذلك قد عضوا أناملهم من الندم وهم يصارعون في دخيلتهم تقريع الضمير وتبكيته لهم بعد أن استيقظ وفرك عينيه من أثر النوم الطويل، وما وجده تتردى فيه هذه النفوس من أحوال لا تسره ولا ترضيه فوخزهم في داخلهم وظل يوخزهم ويواصل الوخز بقوة أصبحوا لا يحتملونها إلا بالعودة إلى سلوك الخير والصلاح والمحبة، هذا ما قد يؤوله ناظر مدقق في صفحات الوجوه، في تلك اللحظة ووجوه أكابر الواحة محنية منكسة وكأنها تلامس حجورهم من شدة التأثر والاتعاض من الموعظة التي ختم بها التقي الورع الصلاة، وقد كان مسك ختام الصلاة مأدبة وافرة من الأرز ولحوم الضأن كان التمتع بها صعبا، إذ هاهي ريح مقبلة عليهم تسفي وجوههم بالغبار والأتربة وتطير بكل شيء في طريقها.

هذه الريح وهذا الغبار المنفلت قد استقبل من قبل نفر ليس بقليل من أهل الواحة على أنه الجواب المرسل على طقس الاستسقاء، إذ فقدان الأمل من حال الناس وسلوكهم يجعلهم لا يتوقعون إلا كل خيبة وخسران، مؤكدين أن صلاة تنقصها النوايا الصادقة والمخلصة والإيمان الذي يسند الأمر كله ويعضده في الأخير، لن تتجاوز في صعودها إلى السماء ارتفاع أصغر تلة حول الواحة ولا أصغر فسيلة نخل فيها، و كأن هذا النفر تنفس الصعداء بانطلاق الريح لينطلقوا معها بسخريتهم  وتعليقاتهم اللاذعة موجهين سهام نقدهم على الوضع في الواحة برمته.

إذا  ما زال الوضع على ما هو عليه قبل صلاة الاستسقاء واحة تشتهي المطر، تطارد كل غيمه عابرة في السماء بمغازلاتها وتوسلاتها لها بالإمطار والغيث.

حقا  أن شأنها غريب هذه الواحة، واحتنا فهي تقع على ضفة واحد من الأودية الغزيرة، لكن رغم كثرة جرياناته وغزارتها، لا يكاد يخلف لهذه الواحة التعيسة ما يكفي لمضمضة واحدة، من ماء، فمياه جرياناته الكثيرة الشديدة الغزارة تمر عليها مرور الكرام ليتلقفها البحر في الأخير، فتظل عين أهلها تبكي بدموع الحسرة والخيبة، وهم ينظرون طوفان الماء يتبدد أمام أعينهم دون أن يستفيدوا منه، فينعكس ذلك على سلوكهم وتصرفاتهم بين بعضهم بعض، في قسوة وبغضاء تسم تعاملهم فاحترام الجيرة والقربى بينهم مفتقد والود والتكافل مع بعضهم مفقود، والحسد والغيرة وكره الخير لأقرب المقربين هو ما يطغى على سمات التعامل والسلوك الاجتماعي بينهم، لقد جفت و أقحلت نفوسهم من نوايا الصلاح والخير والمحبة، مثلما هي حياضهم جافة ومقحلة، أنهم يذهبون إلى أبعد مدى في ممارسة حسدهم وغيرتهم وكره الخير للآخرين فأفعالهم وتصرفاتهم في حياتهم، ترجمة عملية وقحة لهذه الأركان الأربعة، ولو أن المكان لا يخلوا البتة من الأخيار والطيبين في تعاملهم وسلوكهم، هؤلاء المعذبون بذنوب قومهم طالما (أن النعمة تخص والنقمة تعم)، وسط هذه الواحة القاحلة المجدبة من كل شيء.

والأخيار في الواحة لأنهم لا يبحثون لمن يسندون اليه هذا الوضع المؤسي ويحملونه مسؤولية الذي وصلت إليه حال الواحة، ولا يرمونه على عاتق أحد، فهؤلاء الأخيار يجتهدون في تفسير الوضع المجدب والمقحل للواحة، برده إلى خطأ طوبغرافي اذا جازت العبارة ربما يتحمله المؤسس الأول لهذه الواحة، حيث المكان في موقعها على الطرف من منطقة ضفة الوادي وفي قلب مركز انحدار مجراه، ( والمؤسسون إما تستقبل مشاريع تأسيسهم بالتبجيل والاحترام لهم و إما بالامتعاض والتقليل من قدرهم والحط والسخرية من ذكراهم، فهذا قدر من بادر لبدء الريادة في التأسيس وأنبري لهذه المهمة، في كل زمان ومكان، فأما أن يتلو ذكر اسمهم بالتشكرات و الترحمات وكلمات الامتنان والعرفان وإما أن تصب على رؤوسهم كل اللعنات ) . ويمكن تفسير ظهور هذه الواحة على ذلك في هذا المكان بالذات حلول أحد الرعيان أو أحد الرحل هنا وأنسه إلى سمات المكان في واحد من مواسم الخصب الغزيرة بالمياه في بطن الوادي وقد نواصل في هذا التفسير الرصين لقيام الواحة ونقول أنه بعد أن استطاب العيش  ذلك الرائد الأول حظه إلحاح طلب الجيرة إلى إقناع غيره سواء من خاصته ومن قومه، أو من معارفه وأصدقائه و إغرائهم بالمجيء إلى هذه البقعة من الأرض التي في نظره الأرض التي تدر اللبن والعسل، فتعاونوا بعزم الجماعة وأخذ في استزراع وتعمير الخلاء الذي لم يكن قبل ذلك إلا مسرحا  للشمس والريح ومحطة مقيل أو مبيت للسابل والمرتحل، فبزعت على يديه وبتصميمه وهمته هذه الواحة التي أخذت تتسع وتتسع كلما أغرى المكان بعد أن اخضرت أرضه، آخرين وآخرين بالاستيطان فيه إلى أن بلغت الرقعة الخضراء المزروعة والمستصلحة فيها مسافة الكيلومترات، كل ذلك ولعل دورة موسم الخصب بطول فترتها كانت لصالحهم، محافظة على مستوى المياه في الجداول داخل مجرى الوادي وفي العيون والينابيع حواليه، غزيرة ومتدفقة طوال السنة.

هكذا يكون قد انقضى عمر جيل الرواد الأوائل في الواحة في سعادة وحبور بالتوفيق والنجاح الذي حققوه، فكان لهم ثمة لبن وعسل مثلما توقعوا في هذه الأرض، ثم في الأخير والأهم كان لهم موطن ومستقر ائتمنوا أرضه خلفهم وذريتهم، وائتمنوا صعيده الطيب الطاهر مرقد ومثوى أجداثهم بعد موتهم، فقروا عينا  في موتتهم أنه لن تقتلع غدا  أحجار الشواهد على قبورهم فتستعمل أثافي للطبخ والو قيد وتندثر آثار قبورهم وتضيع معالمها على منبسط الأرض بعد أن رحلوا.


تصميم الحاسب الشامل