أوضاع الثقافة العربية
الحياة قرب النبع الجاف

 

 

في يوم الأحد 15/8/2004م قرأت خبرا في الصفحة الأولى في (الزميلة) جريدة عمان.. يقول الخبر في عنوانه (مسؤول في الأمم المتحدة: "العرب يتراجعون اقتصاديا" ).

في الوهلة الأولى وربما الألف.. لا يبدو العنوان مثيرا فهم (أي العرب) يتراجعون طولا وعرضا (منذ سقوط الأندلس). وكما يقول المثل "كما ذهبوا.. رجعوا".. بمعنى أن كل هذا التاريخ وتحولاته وتقلباته وتدهوره وتغيره وتقلبه وتبدله لا يعني شيئا إلا أن تفتتح مبنى أو تقيم شارعا، لتقول: أنا الدولة.. والدولة أنا.. العرب يتراجعون اقتصاديا شيء ليس بالغريب ولا بالعجيب.. بغمضات من حروب مجانية "تمتسح" ملياراتهم (من الاستثمارات في أمريكا وأوروبا) وتصبح بلدانهم مراتع لتجارب الأسلحة.. وبغمضات من استشراء البيروقراطية والمحسوبية وتوابعها يصبح الاقتصاد ونموه بموازاة بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، والذي يتراوح بين واحد في المائة واثنين في المائة سنويا. بحيث لا يمكن المقارنة بين اقتصاد بلد واحد مثل أسبانيا وكل الدول العربية مجتمعة.

المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي "مارك براون" قال: (ان العرب وحدهم يتراجعون اقتصاديا داعيا قادتهم الى الانفتاح، خصوصا على المستوى السياسي).

في مقولة براون هذه.. توصيف قوي لحالة ملحة، قد يماطل البعض فيها أو يتركها لقدرية الحالة (كما هو قدر العرب) رهينة ضغوط الزمن.. هذا التوصيف هو للحالة الاقتصادية التي هي مرتبطة ارتباطا عضويا وأساسيا  بمفصل أساسي هو الجانب السياسي (المغيب) في شكله الديمقراطي، الذي كان الغرب فيه يجامل العرب أو يغفله أو يغفره لهم إن لم يقيموه أو يطبقوه حتى كقيمة إنسانية فما بالك بقيمة حقيقية (رغم ان معظم الدول العربية أو كلها تقريبا تتوفر على مواد وبنود موجودة في نصوص ودساتير استل ت من شرائع سماوية وأرضية دون أن ترى النور في أوجهها المشرقة او براءتها كمواد قابلة للحياة).

تجربة أمريكا الوسطى والجنوبية (في نسبيتها) القريبة من التجربة العربية لم يستفد منها العرب حتى وصل (الفأس في الرأس).. وهنا وقعت الواقعة، وأصبح العرب في وضع الرجل الكسيح الذي يتعكز العرجتين الكبيرتين، اقتصاديا وسياسيا. بحيث لن تقوم لهم قائمة في وضع كهذا الوضع.. ربما الى أن ينتقل الآخرون الى كواكب ومجرات أخرى ليتحسن الحال.

من هذه الرؤية لا يمكن تجزئة العمل السياسي (وهذا ما أكده براون) مهما كانت تنوعاته وتشظياته والتحوطات والتخوفات (وهي وهمية في حقيقتها) التي يبديها من لهم مصالح خاصة ومباشرة عن تفعيل العمل السياسي وربطه ربطا وثيقا بالمكون الاقتصادي. فالسياسة والاقتصاد مكونان أساسيان من مكونات الدولة الحرة والحقيقية التي تمشي مشية الواقف على قدمين سليمين (قدر الإمكان).

يرافقهما مكونات أساسية ولكن مساعدة، للدفع بمسير التغيير والتقدم مثل: الثقافة وشموليتها والتعليم ومنافعه.. وهنا أشير الى أن المكون الثقافي حسب قول وزير الثقافة البريطاني في فترة حكومة توني بلير- الأولى- بان العائدات المالية في الخزينة البريطانية من المردود الثقافي يساوي 40 مليار بوند استرليني متفوقة على كل عائدات بيع الأسلحة في بريطانيا سرا وعلنا.

وهنا أيضا سوف أشير الى أن ثلاث بلدان أوروبية هي بريطانيا- فرنسا- ألمانيا يصدر في كل واحد منها (وأقول.. سنويا) كتب، مطبوعات ومجلات تتراوح بين 650 ألف عنوان و700 ألف عنوان سنويا.

فخلال عام 1988 وحده صدر في بريطانيا 650 ألف عنوان متقدمة على فرنسا التي صدر فيها 630 ألف عنوان كتب ومطبوعات.

سؤال كبير.. لا يعلم اجابته إلا الله.. كم عنوان يصدر في الوطن العربي من مائه الى مائه.. اذا طرحنا هذا السؤال في موضعه الحقيقي، ربما تحسفنا كم عنوانا صادرنا، وكم من ك تب ألغينا.

***

عندما تبتدئ الروح بالانطفاءة رويدا، رويدا على جمرات مشاهد الحياة، تعيش الذات عزلتها الداخلية حد الانكسار، ليحل محله الصمت واللامبالاة، ليصبح الانسان والحالة هذه، مجرد قامة، الظل الذي لا فائدة منه، لا فائدة، كقبض الريح.

                                  ط.م


تصميم الحاسب الشامل