|
|||||
|
" بطبعتيهما البيروتيتين. ذاتي الشكل الترف والسمة الانيقة في ترتيب مطارح الكلام. من هنا كان المدخل الشعري الى بلند مهيئا طقسه. نار لهابة زرقاء ترنو الى روح الشتاء. وشاي ثخين يعزز عزلتي ويؤكدها في كتاب صدر في بيروت لشاعر عراقي ابتكر غربته باكرا . تاركا لي غربة من نوع وطني اكتشفتها هناك في غرفة احتوتها اريكة ومدفأة وسط شتاء مكرس. هناك تبدى الشاعر وتكشف عن نسيجه الخاص طالعا من ظلمة الحرير. حائكا خيوطه المتينة. ومولدا فكرته عبر رؤية وجودية كانت تطرح سؤال الانسان الابدي. قلقه ولوعته. ولادته ورحيله. جدواه وعدمه، ثقله وخفته، يقينه وشكه، وجوده وعبثه، حياته وحتفه، اسئلة فلسفية كانت تتوالد في شبكته هي اسئلة عصره، اسئلة عصر الانوار، اسئلة الانسان المعاصر منذ ديديرا وفولتير الفرنسيين وجان جاك روسو الانجليزي ومرورا بكانط وهايدغر وجان بول سارتر. اسئلة نادت بانسان جديد وألغت الصورة التقليدية لانسان القرون الوسطى، او انسان عرق محدد كلاني. له السلطات النافذة والطاعة اللانهائية لقيادة الجموع بهوى فرداني. تحت هذا الشعور ودفق هاته الرؤية التنويرية المهجوسة بمشكلات الوجود وانسانه المعاصر كان يتحرك بلند الحيدري مهجوسا بمصير الجماعة. لذلك لا غرابة ان يتشكل الحس التراجيدي لدى بلند باكرا، حسا ينحدر من المأساة متخذا مناحي درامية، ينمو فيها المونولوج والجدل وبزوغ الاسئلة اللائبة دون انتظار جواب على سؤال الاعماق، لم يكن بلند الحيدري في مسعاه الطويل واهما . بل كان واعيا لصنيعه، يعي ما يفعل بخبرة الماهر والصناع المكين الذي اهتدت اليه الموهبة وهو في بواكير حياته، أي حينما كان فتى في العشرين غض الرؤى، طازج الوعي في بدء ونشوء وتكوين ينحو تجاه البداهة الاولى، تجاه المطلق لاحتواء مشارفه الميتافيزيقية. يستنطقه بقبضته الفتية التي كانت تدق على غطاء الكون مستفسرة، متسائلة عن كنه الذات الانسانية في أشعار لافتة برؤيتها الدلالية المومئة عبر خفقتها الطينية الغريبة، اشعار مليئة بالحدوس والظنون والتشاؤم النازح عبر رؤى الفلاسفة والمناطقة والحكماء. والسؤال الذي يشغلني الآن وانا اقرأ أشعارا بكرا . أولى، ليست صوفية ولا حكمية، ولا تناشد تطلعات وعظية، كيف واتت هذا الشاعر الفتى، رعشة التساؤل عن الابد والكون والوجود، وهو لما يزل فتى منطويا على عقدين من السنوات؟ من اين جاء هذا الخزين الفكري المصوغ بأداة شعرية، فيها ما فيها من الوجازة والاختزال والكثافة في التعبير وطرائقه اللغوية؟ هل نقول انها البراءات الاولى المجبولة على الفطرة المدعومة بموهبة حالمة؟ اذا انها جبل ة خاصة لا تجبل الا للقلة من أمثال بلند الحيدري، ذي الوميض المندفع على شكل سؤال ملغز: سأرجع للفناء كأنني/ ما جئت الا كي أكون فناء/ ولاشتري كفنا، أضم بجوفه/ أدوار عمر قد مضين هباء/ماذا جنيت لاحمل النير الثقيل/تيمنا ورجاء (خفقة الطين- 1946). بهجس رومانتيكي يميل الى التشفيف المعبر، وينأى عن البلاغة اللغوية والتوشيات والحواشي اللفظية، قدم بلند خفقته الشعرية الاولى، وهكذا تبدى، ليكون مختلفا ومغايرا منذ البدء لمجايليه، له خاصية الفرادة، متماهيا مع نصه واسراره الداخلية، موترا نغمه، ومصعدا شجاه، ومقتربا من الصفاء الشفيف الذي طبع اشعار الياس ابي شبكة في "افاعي الفردوس" وعمر ابي ريشة وامين نخلة، ولعل السبب الرئيسي المولد لهذه الشفافية كان مصدره المدينة. "القصر في منتصف المدينة/ تغل جنبيه رؤى حزينة/ تكاد ان تصرخ في السكينة/ وحشته القاتمة، اللعينة/تكاد أن تصرخ: ما أقساه/ هذا السنا الغارق في نجواه". (اغاني المدينة الميتة 1950) انها المدينة التي كانت تحفل بها المنازع البغدادية، الاشكال والصور والتعابير، النهر والعمران الحديث والمقاهي المنحازة في طرازها الى الطرز الاوروبية، اللباس والقبولات والتحولات الاجتماعية التي رافقت عاصمة الرشيد في منتصف العقد العشرين، كل هذه الاشياء مضافا اليها وعيه الانيق في معرفة التراث الشعري لغرس نخله وتصفيته ومن ثم صهره لصالح التأثيرات ستولد عبر تأثيراته اللبنانية في ديوانه الثاني "اغاني المدينة الميتة". اذ سرعان ما اعطت هذه التأثيرات القراءية للشعر اللبناني بؤرا سحرية لبلند لا تخلو من الجواذب والمحفزات والنداءات الممغنطة بالهجرة اليها. لمعايشتها بالحواس جميعها، حيث التوغل في بطونها وشعابها واستمراء لذة البقاء فيها، ولذلك سارع الى الانتقال من الحياة النهرية ذات البعد السياسي الدامي الى الحياة البحرية ذات الاناسة الحضرية المصحوبة بفضاءات متوسطية، تمتح من منابع حرة متفرنجة على صعيد الثقافة والسلوك ونمط العيش الجانح الى نوع من الهناء والسلام الاجتماعي. هنا قطع بلند الحيدري شوطا في تثقيف نفسه وحماية ذاته لتزويدها وتغذيتها بالجديد والمعاصر في دنيا الكتابة. ولئن كان بلند الحيدري المؤسس لجماعة الوقت الضائع التي تضم قائمة الفنانين في بغداد، احتك بها واستطاع من خلالها ومن خلال شهيته المفتوحة لتعلم احدث المدارس والتيارات التي شغلت الفن العراقي المعاصر. آنذاك فانه في بيروت قد عمق هذا الاتجاه وطوره، فنشأت لديه حاسة نقدية تشكيلية اولت اهماما خاصا لمدرسة الفن الحديث العراقي من خلال مساهماته ومتابعاته وملاحظاته النقدية. لقد منحت بيروت في زمنها الذهبي زمن الستينيات ومطالع السبعينيات فرصا نادرة للكتاب، هي عبارة عن ش عل لا تطفأ في مسار كل من آوى اليها واتخذها ملاذا ووطنا بديلا . وبلند بدماثته وطيبته وحسن معشره وسلوكه وثقافته النوعية، اعطته ولوعا ومشاركة والقا لا تعطيه الا لمن يمتلكون النفيس الذي يشبه جمالها وفتنتها. ومن هنا انخرط بلند الحيدري في نسيج حياتها. داخلا صالوناتها وصحافتها، وانماط عيشها، مشاركا ومساهما كواحد من ابنائها، غير انه من جهة كان ينمي جذر غربته ويؤكده في رويه وسقايته ليضحى مزدهرا، ناميا يستظل به هناك "بجنب المدفأة" لكأني به كان يعيش حياتين، واحدة اجتماعية، عملية، فاعلة، وأخرى انعزالية، اغترابية متوجة بالوحدة والوحشة والبرد والصقيع. وحشة من خطا "خطوات في الغربة" حتى باتت علامة دالة عليه، ستظل ترافقه حتى سنواته الاخيرة في العاصمة البريطانية لندن. في لندن تعرفت على بلند الحيدري هذا الشاعر المتسامي بتواضعه وألفته، الحنان، كثير التساؤل عن معارفه واصدقائه ومحبيه، بلند الذي كان نموذجا لا يضاهى لآصرة التعاون. كان متفانيا الى حد بعيد في حبه للمساعدة وفي ولعه السياسي الذي ازداد لديه ليكرسه كليا لمناهضة الطاغوت الجاثم في بغداد لقد اتسعت غربته في لندن وهو يشهد محطات الخراب التي يمر بها العراق، لافظة آلاف العراقيين لتقذفهم في بئر الغربة والموت وعلى أرصفة العالم. لم ينل بلند الحيدري في حياته خطوة المبدع الكبير، ان كان على صعيد الاحتفاء به او التكريم لمنجزه الثقافي، لم يمنح جائزة قيمة، سوى جائزة يتيمة ورمزية تلقاها في بواكير حياته من اتحاد الكتاب اللبنانيين، ولم يلق من اقرانه سوى الاجحاف بحقه، رغم كونه أحد أربعة من السباقين الى حقل التجديد في الشعر العربي، لكن بلند الحيدري رغم رحيله المادي عبر "أبواب البيت الضيق" ليقيم تحت الثرى الاجنبي، سيقرأ من جديد وتعاد قراءته ليكون حيا بيننا مثل قرينه بدر شاكر السياب. وهذه الصفة لعمري هي من صفات الشعراء الكبار المؤثرين في سياق الحياة وسيرورتها التأريخية. |
|||||
|
|||||