|
|||||
|
يقترح كتاب "الشاعر والتجربة" لحسن نجمي سيرة قرائية، منبثقة عن الوعي والاحساس، والخبرة بالنصوص والعلامات والأشكال؛ بعيدا عن أنساق النقد ونظريات الأدب. حيث القراءة تغدو حركة وإغراء بالمعنى، وبالتالي أداة لعبية تنتصر لقوة الكتابة، المجاوزة لثنائية اللغة الواصفة والموصوفة، العابرة لفضاء يترجح بين النقد والإبداع، وللذات الكاتبة، هنا حضورها العلامي، إذ عبر مجازها يحصل فهم الآخرين، ومن ثم انفتاحها على المجتمع والتاريخ والمتخيل، وتشكلها وفق صورة راغبة في صور الكتاب والشعراء والفنانين، وكذا صور الأمكنة والفضاءات. هكذا يخلص الشاعر نجمي الى قراءة دينامية تستبدل القانون بالمنظور، بحيث تتحول النصوص واللوحات والوجوه الى مواضيع للإدراك الجمالي، تنتعش بحياة التخييل المقرون بالمعرفة، بالشكل الذي يجعل المعنى محايثا للعلامات، والدلالة ماثلة في الوعي، وفي العمل الفني ذاته، فبهذا المعنى إذن، تنبثق تجربة القراءة عن تجربة الذات، متخذة شكل نقد تأملي critique essayiste يماهي الشعور بالفهم، ويحفز على التراسل بين الذات والموضوع. لذا تنمو منظومات القراءة، إشاراتها، وخطوطها ضمن مدار نقدي مغاير، يشتغل على الفراغات والبصمات والآثار، والشذرات والهوامش والتفاصيل، والدقائق والفروقات. إذ في اللحظة الأولى للكتاب، يقترب الشاعر نجمي من وجوه شعراء عرب وعالميين: أدونيس، غليللفيك، أونغاريتي، جاكوتي، خواروث، ستيفتر، نولنس، جويس منصور، نيرودا، برودسكي، ازراباوندو، ماياكوفسكي. يقترب من هؤلاء الشعراء وغيرهم عبر لقطات وجوانب وزوايا، ومشاهد ورؤى مائلة obliques، قد تبدو نافلة بالنسبة للتحليل النصي (الموضوعي)، هكذا نكون امام خصوصيات الشاعر وبعض تفاصيل سيرته وشذرات تفكيره ووعيه. وجميعها تغزل ثوبية الصورة الشخصية Portrait للنص ومبدعه، فنقرأ حياة الشعراء كحكايات وسير تذكي الود والتعاطف. ومن ثم استعادة الصوت المغيب للشاعر بوصفه ذاتا حية، تعبر الكتابة وتبصمها برمزيتها ومعرفتها وأثرها. إن الوجوه الشعرية المرسومة في الكتاب بتعاطف ومحبة، تشترك في كونها عاشت الابداع كتجربة حدود أو تخوم، حيث استعادة الوعي لسكنه في الكينونة، وتلاقي المعرفة بالحرية، فضلا عن اشتراكها مع قارئها في تجربة الابداع الشعري، أي اشتراكها معه من جهة الممارسة وشكل الرغبة، كما لو أن لسان حال الشاعر حسن نجمي يقول: "شعراء العالم وأنا". وهو ما يعني تحويل شكل معين للقراءة الى مستوى الحياة الخاصة لمؤلف الكتاب، وذلك وفق تصور يعترف بعبور النص من فضاء الكتابة الى فضاء الحياة الشخصية للقارئ، بحيث تشع عينات سير ذاتية biographemes تجعل النص المقروء جزءا من المعيش الوجداني لمتلقيه. وضمن هذا الأفق، تتأمل اللحظة الثانية، في الكتاب، السيرة الذاتية للكتابة الشعرية، متطارحة فروض وأسئلة تعلم الشعر؛ إضافة الى تشخيص التميز الجمالي والثقافي لوجوه نقدية وصحفية ومسرحية وفنية تحظى بوضع اعتباري مؤثر ضمن المغرب الثقافي: حسن المفتي، محمد بنيس وضياء العزاوي، ثريا جبران، احمد اليابوري، محمد باهي، محمد القاسمي، احمد جاريد، موليم العروسي، عبدالله الحريري، يوسف سعدون،... فهاهنا يعيد حسن نجمي بناء الأسئلة والإشكالات المشتركة بين مختلف أنماط الكتابة والفن والتعبير. إذ بين الشاعر والتشكيلي، تمثيلا، حوار متكافؤ وتبادل دلالي ومجاورة فضائية. ما دامت المعرفة تستوعب المرئي والمكتوب والمقول، فالنص تركيب بين النظر والقول، شريطة أن تستنطق العين صمت الأشياء، وأن تتحرر من قفص الكلمات والجمل. وبهذا نكون أمام أفق لتحرير الحساسية الجمالية، التي تنسل بشفافية وهدوء الى لحظة الكتاب الأخيرة، الغامرة بكشوفات الأمكنة والفضاءات، حيث يقترب الشاعر- الكاتب من شعريتها المضمرة، متأملا تفاصيل اليومي وجمالية العابر. ومن ثم قراءة مدن وفضاءات مغربية عديدة: المسقاة البرتغالية بالجديدة، مقهى الشيبة، قرية ابن احمد، الدار والجريدة، أزمور. فها هنا يرغب الشاعر في الأمكنة، كما يرغب في الاشخاص، يحذر الانساب الرمزية لتجربته في الكتابة، ويبني شجنه الغنائي العميق، كلما أحس رغبة في نبش أدراج ذاكرته الواقعية والمحاربة، ليصير بعدها المكان خصيصة وسؤالا، جرحا وجمالا، حفرا وتعنيفا، شعورا وذكرى. هكذا يكتب الشاعر نقدا تأمليا خارج المصطلح، يعبر باللغة الواصفة المفترضة من موقع اللغة الثانية الى فسحة اللغة الأولى، صانعا بذلك كتابة أدبية تنتمي لثقافة الحلم والرغبة. كتابة تحول "النصوص" الى ظاهرة وتجليات للوجود، وبالتالي الى مواضيع جمالية تستجيب للشعور، وهو غير الانفعال الذي يخص الذات وحدها، ويبدأ في مجال الفعل، لأن الشعور معرفة من نوع خاص أو تأمل عاطفي، وقدرة على قراءة خصيصة وجدانية تنتسب للموضوع الجمالي. وفي ضوء هذا الفهم، يمكن الحديث عن "شعرية حسن نجمي"، أي عن قواعد جمالية توجهه في مختلف نصوصه، هي التي تميز "كتابته" بالمعنى البارتي، وتمنحها قراءة ممكنة انطلاقا من مجموع متنه النصي: "لك الامارة أيتها الخزامي" (الدار البيضاء- 1982)، "سقط سهوا" (الدار البيضاء- 1990)، "الرياح البنية بالاشتراك مع الفنان محمد القاسمي" (الرباط-1993) "حياة صغيرة" (الدار البيضاء- 1995)، فضلا عن كتاب "الشاعر والتجربة" (الدار البيضاء- 1999)، موضوع هذه المقاربة، والذي وسمنا كتابته بالنقد التأملي، وكذا "شعرية الفضاء": (الدار البيضاء/ بيروت- 2000) الدراسة النقدية المشتغلة على المتخيل والهوية في الرواية العربية، انطلاقا من المتن الروائي لسحر خليفة، وهي دراسة تفيد من النظريات والمفاهيم، لكنها تولد كتابة تحتمي بالتخييل، من جهة ارهاف اللغة الواصفة، وإضمار النماذج والخطاطات التحليلية ومن ثم ترجحها بين جنسين أدبيين، واجتراحها "لكتابة ثالثة" مفترضة تمتح من اللغة الواصفة والموصوفة. وبهذا تتكون الشعرية المقترحة، بما هي اختيارات مميزة، يقوم بها الكاتب بقصد أو بغير قصد في نظام التركيب والتأليف والأجناس والأسلوب والموضوعات. ـــــــــــــــ * حسن نجمي، الشاعر والتجربة، نصوص، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1999. |
|||||
|
|||||