|
|||||
|
يثير ديوان "حنين العناصر" الصادر عن دار "كنعان" في دمشق(1) طائفة من المسائل المتصلة بجماليات الإبداع الشعري، وفلسفته،وتلقيه ولا سيما وأن الشاعرة تستحضر عوالم متعددة تضيف الى أسئلة الوجود في ذهن المتلقي ما من شأنه أن يجعله يعيش تجربة جمالية فريدة وهو يرحل مع الكلمات والوقع والصور. ولعل المسألة الجوهرية ماثلة في أفق الحنين المفتوح بإطلاق على اللانهاية من حيث هي فضاء لوجود الكائن، وتطلع الى الفعل الدائب، والتحول المستمر. فكيف يمكن أن ي شرح هذا الأمر، وما خلفياته ومسوغاته؟ علينا أولا الاشارة إلى أن ثمة - من بين صنوف الأسلوب- نوعين من التعبير الشعري في استحضار الأشياء: تعبير واضح يعبر الادراك، ويضيف الشيء كما هو، وتعبير قوي يعبر العاطفة، ويصف الشيء كما يحس(2). واقتران هذين النوعين يطبع لغة "حنين العناصر" المجبولة من طين تعبيري جمالي قوامه تفكير، وفعل، وألم.إذ إن الرؤية الإبداعية للشاعرة تشحن الكلمات بأصداء فريدة تجاوز الرنين الموسيقي المألوف وتخترق لب الدلالات المحفوظة في ذاكرة المتلقي.كما ان صوت الشاعرة ينداح مع كل صدى معيدا أو ساعيا الى إعادة تكوين الموجودات تكوينا جماليا خاصا به، مميزا له. وهذا ما يوجب إدراج التحليل في ثلاث نقاط سنتناولها بايجاز، وهي: 1 - خصائص التعبير، وجمالية التفكير المبدع: يتجسد صوت الشاعرة في تشكيلات تعبيرية ذات ايقاعات تطول وتقصر بحسب الدفق الشعوري ومداه في القصيدة الواحدة. ومن ثم يسهم بناء التراكيب اللغوية- إلى حد بعيد- في تنوع التعبير والايقاع على السواء، حيث تتناوب الجمل الفعلية، والجمل الاسمية، وأشباه الجمل، وأسلوب الاستفهام تناوبا رباعيا شبه مطرد وخصوصا في "هلام المتاهة« و"عبور الحواس" (3). وليس التناوب في ذاته هو ما يولد التدرج الايقاعي، بل يولده التفكير المبدع الذي يخلق كونا جماليا تارة من مادة التساؤل المتحولة للعناصر الملفوفة بالحنين، وتارة من الصور الوامضة المتناوبة هي الأخرى مع الصور المتهادية الوئيدة.(4) أ - تتكون مادة التساؤل من عناصر الذات وعناصر محيطها الخاص والعام. إنما تظل الذت محور المحيطين معا مثلما يتبين في المقاطع الآتية حيث يتوزع التساؤل بين ضمير المتكلم وضمائر المخاطب والغائب. - كيف لي أن اتحد بسر التماهي؟ كيف لي أن أنتشر في أوار اللامرئي؟(5) - متى سنكون واحدا؟ متى ستختلط علينا صورنا؟ لنلتقي حقا؟(6) - ماذا ستفعلين لإخفاء تجاعيد الأفق؟ (7) ونحسب أن الديوان كله مرتكز على الاستفهام الذي يؤسس فلسفة الغياب وصيرورة التحول قبل أن يفقد وظيفته ويتبدد مع تبدد الكائن الراسف في قيود وجود مترد هو أصلا موضوع التساؤل والدافع إليه لذا يأتي كثيفا في القصائد الأولى لكي يعلن بداية مغامرة الخلق، وانطلاق الكائنات في الفضاء غير المنظور: الأسئلة تصدأ على مهل على مهل نصدأ نتقعر نحدودب وعلى مهل نغيب.(8) بدءا من المقطع الأول من قصيدة "عبور الحواس" يصير الاستفهام استنكارا لحضور عناصر الوجود القائم، ولا يعود موضوع الاجابة عليه مجديا ما دام الغياب قاعدة الكون المتخيل الذي شرع التفكير المبدع في خلقه. وهكذا يغدو مركز الدائرة في اللامكان، والجفنان مفتوحان على اللاشيء، وتنكفئ الذات المبدعة نحو اللاشكل وهي تمضي الى كمونها مرجئة معرفة قدرتها على الإمساك بزمام الكون الغائب- الذي تقيمه على أنقاض ما كان قائما- الى لحظة اللاكون حيث يخلو الاستفهام من أي معنى: هل أنجزت حقا...؟ غموضي الفضفاض؟ هل روضت أشباحي...؟ ربما سأعرف الجواب حين "لا أكون« وحين لا يكون لتساؤلي معنى.(9) ب - أما تناوب الصور الوامضة والصور الوئيدة فيترجم سمتين تعبيريتين بارزتين: فعلى حين تتلازم الصور الوامضة غالبا مع الخلق والتكوين، تأتي الصور الوئيدة لرصد حال الظاهرة وحركتها البطيئة. وبينما ت كسب الصور الأولى التشكيل اللفظي قدرة الفعل على ايجاد الموجود من العدم مع ما يتطلبه الومض من تسارع الايقاعات الخاطفة، ترسم الصور الثانية سياقات ما قبل الومض وما بعده، وبهذه الطريقة تعلو نغمة التعبير وتنخفض، وتقصر وتمتد إلى حد أن تعاقبها يتماشى في كثير من الأحيان مع ظهور العناصر وغيابها. من أمثلة هذا التعاقب- المطرد في أغلب قصائد الديوان- المقطعان الآتيان: - كن نورا موجة شغفا كن أنت.(10) - الضباب يرتفع ببطء ثم يتلاشى.(11) فاللغة في المقطع الأول خاطفة تعكس الايجاد من خلال مفعولات تتلاحق، بعد فعل الأمر، كالبرق، لكنها - في المقطع الثاني- بطيئة الايقاع مع الفعل المضارع المندرج في الجملة الاسمية، ومع حرف العطف "ثم" الذي يدل في معظم سياقاته، على التراخي. ويفعل هذا التناوب فعله في المتلقي إذ ينقله من التماعات لقطات تصويرية لا توفر له زمنا كافيا لالتقاط أنفاسه، الى صورة ترتسم أمام عينيه وهي تستغرق وقتها متيحة له أن يتأملها. ونتيجة المقارنة بين الحركتين المتفاوتتين للتصوير ينشط الذهن، وتتيقظ الحساسية الجمالية في سياق عملية التذوق بما تتضمنه من متعة وشعور بالاكتفاء. 2 - الرؤية الجمالية والفعل الابداعي: تسمح الرؤية الجمالية التي توجه الفعل الابداعي بمعرفة ملامح الكون الذي تتخيله الشاعرة بديلا للكون القائم، وتتيح كذلك إدراك أبعاد الفعل الابداعي في تشييد الكون، وبناء علاقاته التي هي بطبيعتها علاقات جمالية متخيلة، ولو تفحصنا بنية هذا الكون الجمالي لوجدنا أنه مؤسس على نفي الوثوق واليقين المقترن بانتشاء الذات المبدعة ب-"اللا" السابقة لماهية كل شيء: - كل خطوة أخطوها تتطلب التخلي عن اليقين(12) - للتملص من وصب الشعر ومكيدة المعاني... أريد أن أنتهك لب الكلمة... أن أنتشي باللامعنى الأخاذ(13) إن الشاعرة ترفض نفيا لتتوسل نفيا آخر. ومن الرفض والتوسل ينبثق التساؤل عن مكان الفعل الابداعي في مجال النفي المتوالد الذي يفضي الى العدم ومخاضاته في القصيدة السادسة المتكونة من أربعة عشر مقطعا. إلا أن مخاضات العدم تعد على الدوام بتخلق ما هو كامن في رحم الفعل الابداعي، وتنفتح في الوقت نفسه على المدى اللانهائي لانتفاء التجسد، والأبعاد الفيزيائية للأشياء. وما التخلق إلا الحال البدائية للوجود الجمالي الخاضع لاحتمالات التشكل التي لا تنبئ إلا بالماهيات المعرفة بما ينفيها وهي تسبح في فيض اللاشيء، واللامرئي. فوجودها مرهون بعدم معرفة "ما هي« على وجه الدقة والتحديد. حتى إن هذا الوجود يتماهى مع الذات المبدعة بما تنطوي عليه من مجهول أو من معلوم لا ي حد ولا يسمى. وعليه فإن الذات تصير موضوعا للفعل الإبداعي: موضوع كشف يقود إلى الفضاء الكوني حيث تشهد الذات النفي في طوره الأول، أي الطور الحسي الذي يعطي انطباعا بولادة وشيكة تعقب التوغل، والنفاذ، والانتزاع، واللمس، ومسح سطوح المرايا، فما مآل ذلك كله؟ تقول الشاعرة: أتوغل في ذاتي للنفاذ إلى الكون أنتزع قشرة الأشياء للمس فراغها الحي. أمسح سطوح المرايا اللاشيء يحضن العالم.(14) استنادا إلى قولها المصوغ بصيغة المضارع العاكسة حاضر الـ"أنا" الشاعرة، ندرك أن الفعل المبدع يتأمل ذاته وهي تتبصر الأشياء التي تدب فيها الحياة من دون أن تكون قادرة على تجسيم طاقتها في توهج الشكل. ومن أجل هذا تدأب الذات على تحديد "سمت الكلي" الذي يخرج الأشياء من "برزخ الظل" إلى ما بعد "العدم الحي". والكلي الذي ينبثق من هذا العدم انبثاق الألوان من الأسود الحالك، إنما هو القصيدة بوصفها ثمرة التجربة الشعرية وما تند عنه من قلق ومغامرة وتوتر وتمرد أيضا . إنها التجربة التي يتكثف زمنها في اللحظة الحاضرة، لحظة النبض الوجودي، والتباس اللغة، والتماع الحلم بتخطي الذات المبدعة لحدودها وبالمضي في رحاب الحدس والجمال: - الآن... أتلمس نبض الوجود في منطقة الحدس والتباس اللغة(15) - أجل حلمت مرة ثم تخللت مشيمة حلمي حيث لا إياب.(16) 3 - الكتابة وجماليات الألم: تحدث النقاد كثيرا عن أن الكتابة وليدة المعاناة ومكابدة فظائع الحياة ومآسيها، وأفادوا بأن النصيب الأوفر من جمالها يعزى الى قدرتها على جعل المتلقي يشارك في عيش تجربة الألم التي عاشها الكاتب. أو لم يقل: ليس ثمة ما يولد أدبا عظيما مثل ألم عظيم؟ وعلى الرغم من ذلك، قد تكون الكتابة غناء الألم (17)، وقد يكون الشعر فكرة ترقص على أنغام الألفاظ، والمتلقي بدوره يستشعر جمال هذه اللغة المموسقة، فيهتز لها، ويتفاعل معها.(18) وربما لهذا السبب يرى بعض النقاد في لغة الشعر "حلوى اللغة". والحق أن لغة "حنين العناصر" تستوقف القارئ بجرس ألفاظها، وايقاعات تراكيبها، وايحاءاتها. ويستوقفه كذلك تجاور كلمات خارجة من النسيان، تبعث رنينا خاصا يوقظ الإحساس بالقدم والجدة في آن معا: حياء الرعود، رضاب الرحى، ألس نور الآن، هميس الوجود... وكأنما تأتي قصيدة "الهيات" شاهدا على أن الشاعرة تختتم ديوانها بملاعبة اللغة واختبار براعات الألفاظ في الاستجابة لرغبتها في الاستراحة مع ألهياتها. وعلى الرغم من ذلك، لا يحول النسيج اللغوي الكثيف، على امتداد الديوان، ولا حلوى اللغة، دون أطياف الألم المترائية من ثناياه، ومن وراء لحمته وسداه. فتشكيله الدلالي يستند الى مقولة "اللامتوقع في الأسلوب" التي تتجلى على مستويين اثنين: أ - المستوى المجازي حيث تنشأ بين الألفاظ تفرعات من المعاني التي ترسم صورا تنطق بالمعاناة الحبيسة للذات الشاعرة. وليست المعاناة النابعة من الصور غير المتوقعة إلا تعبيرا عما يمكن أن ندعوه ب-"القلق الإبداعي" الناتج عن التجربة الجمالية لإعادة خلق العالم. ومن أعراض هذا القلق التناقض بين الباطن القابع في الطوية، ومظهره المرئي أو المحسوس كما نلمح في المقطعين الآتيين من قصيدة "شفوف يومي" المتكونة من تسعة عشر مقطعا . - ابتسم بمهارة من يحاول إخفاء إحباطه بينما شبحي يشرب قهوته بهدوء.(18) - فقط أتناول الأنياب وأبدأ بقضم النهار وازدراد اللاذات.(20) فالابتسامة - في المقطع الأول- علامة على مغالبة الذات المبدعة لتوتر داخلي مترافق مع تعثر التجربة، بينما ظاهر التوتر سلوك معتاد هادئ أشبه بقناع يتخفى وراءه مجرد شبح. والغريب أن وراء التناقض المشار إليه حنينا يفصح عن أنه لا يوسع جنبات القلق وحسب، بل يعمق المعاناة أيضا . وفي المقطع الثاني يتلامح اقتران المحسوس والمجرد، من خلال صورة غريبة البناء تبرز الصراع المحتدم بين الذات والزمن الأجوف الذي يبتلع طاقات الحياة ويحيلها الى رتابة تتطلب إزاحتها مغامرة صياغة الكون من جديد. ومصدر "اللامتوقع" في أسلوب التصوير المجازي هو المفارقة بين "الأنياب" و"القضم" من جانب، و"الازدراد" و"اللاذات" من جانب آخر. فمن المعلوم أن الأنياب خاصة كنائية عن اللواحم والضواري ووظيفتها التمزيق والنهش لا القضم، وأن الناهش أو القاضم يزدرد ما نهش أو قضم. إذا فالغاية من هذا الأسلوب هي ترسيخ الإحباط من وطأة الزمن وضرورة الانتفاض في وجهه. ب - المستوى الإيحائي: يتأتى الايحاء بالألم من اللفظة والتراكيب والصور المجازية مثلما يتأتى من بين السطور، وهو - قياسا إلى قصائد الديوان- أشبه ما يكون بالبخار المتصاعد من بحيرة مياه ساخنة. وتعود جماليته الى كونه شديد الالتصاق بالهم الابداعي وبتجربة الشاعرة في مكابدة الواقع بقوة الشعر وسحره. إنه ألم الوعي الحدسي الذي تترجمه ألفاظ، وعبارات لافتة: اليباب (عنوان القصيدة الثانية المتكونة من ثمانية مقاطع، ويبدأ المقطع الأول بـ: عبودية الخبز، انقضاض الخلايا، خضاب الحروب)، يتوازى المهد والنعش، يتساوى القماط والكفن (مما يذكرنا بنظرة المعري الى مغزى الحياة والوجود)، تنضيد الزمن شوكة شوكة.. ثم حداد الضحكة في القلب(21)... الخ. وفي عنوان الديوان همس بأن الحنين- كالدلالة- لا يمكن أن يبلغ غايته خارج القصيدة ما دام غير مرتبط ب-"كل" تنجذب إليه العناصر التائقة الى التوحد والانصهار، وما دامت نقطة تلاقيها المفترضة تبعثرها كل مرة في مدارات متقاطعة تدور في فلك الرؤية الإبداعية التي لاتني تعيد الكون إلى حال"العماء" السابقة للتكوين بغية بعثه في عناصر مسكونة بحنين يتلاشى في الأفق المفتوح على اللانهاية، أو ليس في هذا التوق الحلاوة، والمرارة، والألم الواخز؟ الهوامش 1 - حنين العناصر، عائشة أرناؤوط، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية، دمشق 2003. 2 - انظر: Burke (E)، recherché philosophique sur l`origine de nos idees du subime et du beau، Paris editions St Vrin 1973، P291. 3 - انظر: حنين العناصر، ص7- 31. 4 - للمزيد من الايضاح انظر: مورو (فرانسوا)، الصورة الأدبية، ترجمة علي نجيب ابراهيم، منشورات دار الينابيع، دمشق 1994. 5 - حنين العناصر، نفسه، ص9. 6 - حنين العناصر، نفسه، ص10. 7 - حنين العناصر، نفسه، ص14. 8 - حنين العناصر، نفسه، ص10. 9 - حنين العناصر، نفسه، ص52. 10 - حنين العناصر، نفسه، ص55. 11 - حنين العناصر، نفسه، ص64. 12 - حنين العناصر، نفسه، ص68. 13 - حنين العناصر، نفسه، ص103. 14 - حنين العناصر، نفسه، ص86. 15 - حنين العناصر، نفسه، ص69. 16 - حنين العناصر، نفسه، ص101. 17 - انظر: Sarte (J.P)، qu،est-ce que la Litterature/ Paris، Gallimard 1948، P15. 18 - انظر: Kraftt (J)، essai sur l`esthetique de la prose، Paris، editions Vrin، P13. 19 - حنين العناصر، نفسه، ص122. 20 - حنين العناصر، نفسه، ص123. 21 - حنين العناصر، الصفحات على التوالي: 12، 37، 129. |
|||||
|
|||||