مجنون زينب
الاكتمال في الآخر

 

سلمان كاصد (كاتب من العراق)


أجل أن يتماسك أي عمل نقدي، يفترض- منذ البدء - أن اشتغاله على الخطاب الأدبي متأسس على مبدأ تجاور أو تماسك ثلاث بنى أساسية ينطلق لتحديدها وهي النظم الاسلوبية والبنائية والدلالية، ولهذا السبب يحدد العمل النقدي حركته من داخل الخطاب حتى ان الأخير نفسه هو الذي يفرض علاماته على النظرية ومؤشراته بل اختيارها لتطابقه دون سواه. وعليه لا تأتي النظرية الا بحالة تجاور لا تضاد مع سياقها النقدي الذي توخى الخطاب منطلقا له.

ان تحديدات أي نوع أدبي منذ الوهلة الأولى يسهم في ضبط الأسس النقدية أي ان اقامة أي حوار مع نص أدبي يجعل الأخير في حالة تشريح وتفكيك مبتعدا كل الابتعاد عن اطلاق الاحكام السريعة والقيم المعيارية التي حاول النقد الحديث التخلص منها منذ زمن بعيد. ولكن هل ثمة مخاتلة بين الناقد والمنتج، وما مهمة الناقد- هنا-. أليست هي محاولة لفحص تلك القوانين في النوع الأدبي الذي جرى تحديده على وفق لعبة الكتابة..

ولا أريد - هنا- الا ان استشهد بمحاولات الناقد (عبدالفتاح كليطو) الذي يدعو من خلالها الى تقنينها فنيا . الا اننا قد نواجه بمعضلة حقيقية عندما نصطدم بخطاب مهجن (بحسب تعبير ميخائيل باختين عن مفهوم الهجانة) يحتوي على أنظمة مختلفة من أجناس متعددة مما يستدعي تهشيم تلك النظم القواعدية التي دعا الى تأسيسها (كليطو) في دراسته (قواعد اللعبة السردية).

ان ما يطمح اليه أي ناقد هو ان يستكشف مستويات الخطاب الذي يتناوله وتعددية مرجعيته في حال تصنيف ذلك الخطاب باتجاهات التهجين مع أهمية الدخول الى ما هو مضمر في النص ودلالاته وبناه العميقة.

وتسعى هذه الدراسة للوصول الى تخوم ما وصل اليه الخطاب في (مجنون زينب) بيد أن ذلك لا يعني أننا سنمسك بالنص من جوانبه جميعها، اذ يبقى النقص بالنص النقدي قائما، مادامت هناك افتراضات محتملة ووجهات نظر مختلفة.

في البدء، لنضع نصب أعيننا أن ثمة شخصا رفع اسمه ليعلن كتابة هذا الخطاب ألا وهو (جمعة اللامي)، فنتحرر إذن من اعتبار الخطاب بعيدا عن قائله أو خارجا عن سلطة المؤلف. إذ أن الخطاب العربي يجبر المنتج على الانتساب لما يقول.

باستطاعتنا الآن تقليب الصفحات جميعها لنصل حتى آخر الصفحة من الكتاب المطبوع حيث نجد هذه العبارة خارج المتن (صاحب الأثر في سطور). حينئذ يتقابل لدينا في المعادلة طرفان (جمعة اللامي) في الصفحة الأولى وعلى الغلاف و(صاحب الأثر) في الطرف الأخير أي الصفحة الأخيرة.

ولكن ما نحاول اقتباسه هنا هو كلمة (الأثر) التي تحيلنا - حتما - الى الغاء إجناسية النص كله. فالأثر بالتحديد لا يمسك جنس الكتاب باعتباره غيابا. غياب الأثر عن الأصابع يعطي الأصابع ثباتا والأثر إمحاء. تلك هي محنة الاقدمين الذين وجدوا في الأثر موتا لذا بكوه فأمطروه دمهم حتى سال بين شقوقه ثم غاب الاثنان معا، الأثر والدم، وقد جاء في إشارات (جمعة اللامي).

(وترد في هذا الأثر مقتبسات من القرآن الكريم)

(ويتضمن الأثر أسماء ملوك وشخصيات عرفانية..)

اذا عندما يصف الكاتب نصه بالأثر، كأنما يوحي لنا بأن ما في النص من آثار متعددة هي تعبير عن نصوص متعددة. وهنا تتحد الطريقة عندما نحصر الشكل، فالشكل لا ينتمي لجنس مرسوم سلفا، والطريقة زئبقية لم يألفها الخطاب العربي من قبل، إنها ر قم قديمة أخرجت من بين أطنان من الأتربة، فنفاجأ عندما نبصر فيها بالازمنة، أزمنة الكتب المقدسة والكتب المؤلفة، والأشعار المنسية على ألسنة رواة لم يعودوا أحياء.

ولأننا إزاء رجل مجنون بامرأة اسمها (زينب). فان هذياناته لها ما يبررها والشكل الذي سوف نقرأه هو شكل أدبي نصطلح عليه بالعمل المفتوح على أجناس متعددة ومختلفة، وأعتقد أن ضرورة الانفتاح هذه واجبة لأن ذلك الشخص قد أصيب بالهذيان الذي تلبسه. فهو إذن ينفي عن لغته وعيها، كما ينفي عن هذيانه جنونها. اذ يصف نفسه بالجنون المبرر. جنون الابداع، حيث تكاد العملية لديه أن تكون واعية، وهذا يتعارض جدليا مع انفلات النص أو العمل من أجناسيته.

يقول: قسم/ والحب/ والصبح وما رأى/ والليل وما روى/ ما ضرني/ ان كنت شاعرا/ أو مجنونك الأخير؟

فالراوي يتشظى - هنا - إلى كاهن يقسم، فيرفض شعريته ويرفض سرده القصصي يستبدلهما بالهذيانات التي اضطلع بها المجنون فبنى أثره (نصه) على وفق ذلك. اذا تتطابق الصفة بموصوفها. الموصوف/ الكتاب لا ينتمي لجنس بعينه والصفة/ الهذيانات/ الجنون لا تنتمي الى جنس سوي.

ومن دواعي الدخول الى الأثر أن نبحث عن المنهج النقدي الذي يحيلنا الى الأشياء في تفصيلاتها، ولأن الراوي يلغي من النص شعريته أو قصصيته، فنحن إذن مجبرون ان نحتكم الى مبدأ القراءة (التقبل). القراءة حسب تلقينا للنص، وما فيه من امتلاء وفجوات. حيث نتفق أن (أزمة القراءة بذلك تكون شاملة، قراءة الواقع ثم قراءة النص في الواقع، وقراءة النص في النص على ضوء النص وعندئذ يصبح النقد الأدبي يروم أساسا وبالقسر إعادة إنتاج الايديولوجيا في الكتابة وسجنها في هذا الدور).

وهنا قد يتساءل البعض متعجبا. هل أعتبر الكتابة النصية الجديدة ضربا من ضروب الهذيان؟ فأقول: إنني لم أقل هذا بل قاله (جمعة اللامي). على خلاف جنون (آراكون) في (مجنون الزا) و(عيون الزا) فهو لم يكن هذيانا لأنه استقر عند جنس الشعر كما استقر من قبله شعراء بني عذرة الذين ادعت الثقافة العربية النقدية اصابتهم بالجنون. وأعتقد ان تماسك الشعر على وفق نمطيته المنضبطة لا يجعل في أي حال من الأحوال خالقه منفلت الوعي لأنه ازاء مكونات صارمة في البناء وتشييد الصيغ الداخلية والخارجية فيه.

لذا فان (مجنون زينب) حالة متفردة من الكتابة الجديدة لا تستقر على أرض ولا يحيط بها فضاء. انه يؤرجح عمله بين أسوار الجسد والرغبات وملاعب الخيالات الرحبة.

ولأننا قد اخترنا عملية التلقي والقراءة منهجا لفحص مكونات نص (مجنون زينب) فلابد ان نتعرض أولا لمفهوم القراءة تلك.

إن القراءة هي محاولة لدمج وعينا بمجرى العرض الأدبي، حيث يصبح الأثر متحررا من مبدعه بوصفه ميدانا متميزا خارج الاطر المتعارف عليها. أي أن فعالية القراءة هي التي تملأ الفجوات التي حاول النص تغييبها، وكأن القراءة بذلك تنطلق من علامات النص لتقتفي اثرها باتجاه الوصول الى البنية العميقة التي حاولت تلك العلامات التعبير عنها، لا من باب الاخفاء وانما من ضروب التمويه. وكأن القراءة هنا تحاول ملء أو سد الفجوات التي تركها المنشئ فارغة. وكأننا ذلك نوازي الطاقة التخيلية للمبدع مع الطاقة التخييلية للمتقبل، حيث تقتفي الثانية الأولى، اذ نجد المتلقي في أي حال من الأحوال مرتهنا بالتخيل الابداعي فلا يحيد عنه الا لدواعي التوصيف.

إن مجمل العلاقات في النص/ الأثر وبخاصة في (مجنون زينب) تقودنا الى زمنين زمن ماض يحاول الراوي استنهاضه ليؤلف منه حكاية بتكوين جديد مغاير للمسرود العربي. وزمن مستقبلي يحاول الوصول اليه عبر توصيف الشخوص او نمذجتهم.

وفي ضوء ذلك أجد من الضروري أن اقسم قراءتي هذه الى مجموعة من المكونات هي:

1- بنية العلامات 2- بنية الارتكاز العددي 3- بنية اللغة الشعرية 4- بنية المقابسات.

1 - بنية العلامات

عند قراءة (مجنون زينب) نواجه بعلامة صورية تزيح النص من أن يكون رواية، فمنذ البدء يقتطع (جمعة اللامي) نصا من المقامة البصرية، وهي المقامة الخمسون من مقامات الحريري التي تبتدئ بـ(قال الحارث) ويقصد به (الحارث بن همام) راوي المقامات جميعها، أما لو تساءلنا لماذا (المقامة البصرية)، التي تشير صراحة الى (مسجد البصرة) حيث يجري حدثها.. (أراد جمعة اللامي) ان يوحي بالأصل الذي سوف ينتهي بفروعه عند (ميسان وذي قار) البصرة نهاية الحكاية في المقامات الحريرية وميسان منتهى الحكاية في الآثر اللامي.

أما ابوزيد السروجي وفي هذا النص بالذات قد وصل الى نهاية كل حكاياته عند الحريري (نستذكر انها الحكاية الخمسون) ليصل في مسجد البصرة الى التوبة:

(ولكن أشهدكم أني استغفر الله من ذنوبي فادعو الله أن يقبل توبتي ويغفر ذنوبي).(ص9)

حيث وصل الى منتهاه النفسي بعد كل الخدع والمكائد التي حاكها وبذلك وصلت كل المقامات الى نهاياتها قبل أن يتوجه (ابوزيد) الى مدينته (سروج) في بلاد فارس من هنا يبتدئ (جمعة اللامي)، من المكان حيث البصرة التي تمتد الى ميسان ومن الرؤيا حيث التوبة التي سوف يحاول (الراوي) في (مجنون زينب) ان يوصل مجنون الزمان اليها.

ولكن المشقة آتية لا ريب تلك المشقة التي اثقلت ابا زيد تعبا وغربة الى أن انتهى الى (الخلوة لمناجاة مولاه) عند مدينة (سروج).

أما مجئ المشقة فذلك ما يضطلع به نص (مجنون زينب) بعد أن يؤشر ويومئ. أما الطريق الذي سلكه فنحن لا نبصره الا عبر علامات مغروسة هنا وهناك.

تبتدئ كل الحكاية بالتعرف. الا ان المجنون لا يستحي عندما قال له الشيخ: أعرف انك حسين بن منصور وانت المجنون.. فيرد- اعرف انك تعرفني، فيعقب الشيخ - أهلا بك يا مجنون الزمان.

إنه مجنون ليس ككل المجانين فقد التصق جنونه بالزمان.. الابدية التي تمنحه تواصلا بين الحاضر والماضي.. والحاضر والمستقبل.. وكل ذلك يأتي في الوقت الذي يتوجه فيه الجميع الى الحج حيث وضع المجنون نصب عينيه أن يصل الى مبتغاه، أي الخلاص الذي وصل اليه ابوزيد السروجي في نهاية طوافه المتصل عبر خمسين مقامة. غير ان الراوي في (مجنون زينب) ابتدأ من حيث انتهى اليه (أبوزيد السروجي) على مستويين المستوى الشكلي والمستوى الموضوعاتي.

إن (يثرب) هي المبتغى وتلك هي بالضرورة البديل الموضوعي ((للمسجد)) الذي وصل اليه ابوزيد من قبل.

إن أقصى ما يريده المجنون - هنا- هو الوصول الى (مثوى الحبيب) نور الله/ الرسول ولكن هذا الوصول ليس وصولا تقليديا. انه يروم الخلاص من كل الادران التي علقت به. انه يبتغي التطهير.. بيد أن كل ما يحمله صرة من طعام وشيئا من قماش ابيض وكوز ماء ويكفيه الطريق.

اما القماش فقد اقتسمه (مجنون الزمان) و(زينب) الطرف الآخر في معادلة الحكاية تلك هي حكايتنا التي سوف يشظيها الزمان الى حكايات واشعار مبعثرة في ذاكرة مستفزة انها ذاكرة الذي ضيع تاريخه والذي يحاول استعادته ثانية ليواصل به المسير الى مستقبله.

وما دامت التوبة هي البحث عن البياض فان قيام الأثر (النص) على بنية البياض ضرورة لجأ إليها الراوي ليكشف عن رغبته في الوصول. فكل شيء أبيض يقابل الطهر والتوبة. (السماء بيضاء) و(الرأس أبيض) و(اللباس ابيض) و(النور ابيض) و(الحوش الذي دخله المجنون مع الشيخ كانت غرفه مبنية بطابوق ابيض) و(الغرفة منورة بنور أبيض) و(قلبه أبيض) و(حمام المساجد ابيض).

وعندما يصل الى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل أن (يدير بصره الى الشمال. رأى من اليمين ومن الشمال امرأة بيضاء كما النور تماما وهي تقبل نحوه/ هي ذي/ زينب/ نعم زينب)

وما دام لقاء (المجنون) بزينب قد تم، فان الاتحاد لابد أن يحصل، وعندما يحصل الاتحاد تنتهي رحلة التوبة.

(ذقت حلاوة الجنة، بينما كانت زينب تنادي علي : أكثر أكثر واتحدنا).ص18

هنا وفي القسم الاول من النص يتحد (المجنون) بزينب، ولكنه يأتي على طريقة الاجمال الذي تضطلع الأناشيد والمذكرات والتجليات وفي الحضرة والصحيفة الميسانية على تفصيله، وكأن المجمل سوف يستحيل اجزاء مبعثرة في اجناس الشعر، الحكاية السردية، المقامة المقتبسات.

أما العلامة الثالثة فهي تلك الارقام الدالة (10 محرم) (11محرم) (14 محرم) التي تحيل الى مأساة زينب الجدة، بينما تحيل (12آذار) (11 آيار) و(14 تموز) الى ابتهاج المجنون بايديولوجيته الانسانية الكافية لدفعه نحو التجلي. تلك هي الابتداء بالربيع والعيد والثورة، انه احتفال متواصل بالحقيقة.

2 - بنية الارتكاز العددي:

ترتكز الحكاية على موروثها الذي يجسده العدد ثلاثة، ففي باب النجاة نجد: 1 - في الطامة القلوب انخلع-ت 2-في الصاخة اصطكت الاسنان 3 - في القارعة الدمع فاض بحارا. اما في الدنيا فهي :1- الولادة 2- الفناء 3 - البعث.

3 - البحث:

ولا يأتي ذلك في خطاب الراوي بل يتعداه الى أدعيته في خطابه الغائب (اللهم ارزقني قلبا تقيا نقيا

       ومن الشرك بريئا لا كافرا ولا شقيا).

ثلاث صفات تقابل ثلاثة أحوال

(أحسست ان ثمة من يقف الى جانبي وأمامي وخلفي).

أماكن تتجسد فيها (زينب) التي

(كانت رائحة الكافور تفوح من ثيابها، وكانت باردة مثل ماء صيفي، وكان دافئة مثل امرأة نفسا).

( أما حجول زينب فكانت سوداء لا من ذهب ولا من فضة).

أشياء تقابل صفات

(لم يدهشني لون الحجول ولا كرم العنق انما الذي دوخني لون العنق والعينين والغر ة)

واحدة تنفي والثانية تؤكد النفي والثالثة تلغي الاثنين معا.

وهنا اقول إن بنية هذا النسق الثلاثي في (مجنون زينب) تدعونا لرصده بوصفه مكونا فنيا أسهم بشكل فاعل في البنية الكلية للنص، ولا أريد هنا أن افصل في أهمية هذا النسق وميثويولوجيته التي قد نستقيها من قصصنا الشعبي، كما تقول الدكتورة (نبيلة ابراهيم) في كتابها ((قصصنا الشعبي من الرومانسية الى الواقعية))، وكما يؤكده الموروث الحكائي والديني السومري والاسلامي،بل حتى البنية الزمنية للخطاب العربي (الماضي، الحاضر، المستقبل) بل وحتى البنية التشكيلية للضمائر في الخطاب العربي (المتكلم، المخاطب، الغائب). وقد نتفق مع الدكتور كمال أبوديب حينما عد الحركات الثلاثية نسقا متواترا في السرد العربي..

بيد أن البحث عن أهمية تكون هذا الخطاب يقتضي بالضرورة الاتفاق مع الدكتور صلاح فضل كما جاء في كتابه (شفرات النص) حينما عد هذا التكرار صفة اسلوبية في التنفيذ الوصفي للجملة القصصية. عندما حاول تحليل رواية (دعاء الكروان) لطه حسين، على وفق طريقة اسماها بالقوافي المعكوسة التي تقوم بوظيفة مماثلة الى حد ما في النوع ومخالفة في الدرجة للقوافي الشعرية من ربط الصيغ وتكرار النماذج الصرفية والنحوية وضبط الايقاع الداخلي للعبارة وهو لا يقل أهمية عن الايقاع الموسيقي البارز الذي تقوم به القوافي الشعرية.

أما الزينبات فهن ثلاث/ زينب الجدة فهي زينب التاريخ.. الماضي التي حاول المجنون أن يقرأ فعلها في الحاضر وزينب الفتية المعشوقة.. الحاضر التي حاول المجنون ان يقرأ صورتها في واقعه الآني. وزينب الطفلة.. هي المستقبل التي حاول المجنون أن يتمثلها في غيرها..

وكأن الزينبات الثلاث صور من أزمنة مختلفة (الماضي والحاضر والمستقبل) الذي يستدعي تغيرا في لغة الخطاب.

فالماضي.. خطاب الغائب.. والحاضر خطاب الذات (المتكلم).. والمستقبل خطاب الآخر الذي لابد أن يوجه من مخاطب..

وكأنى بـ(جمعة اللامي) يعيد التوظيف الاسلوبي الذي كتبه في (الثلاثيات) من قبل.. وهذا ليس عيبا مادامت مكونات الذهن العربي تقع تحت تلك السلطة الثلاثية للمحكي..

3 - بنية اللغة الشعرية

إن الشاعر كما يقول جان كوهن (خالق كلمات، ليس خالق أفكار وترجع عبقريته كلها الى الابداع اللغوي)...

تلك هي سمة الشعرية التي حاول (جمعة اللامي) استغلالها على وفق مفهومي التناقض والمقابلة..

أما التناقض فنجده في/(يا باب نجاة روحي/ حريتي في عبوديتك/ قيدت الجميع واطلقتني/ تدخل على الآخرين في النوم/ وحدي.. وحدي انت ايقظتني)

اذ تتناقض الأحوال... حريتي وعبوديتك... القيد والاطلاق.. الدخول والوحدة.. النوم واليقظة....

وكذلك في ( لا هذا الليل أنا/ ولا ذاك النهار أنت)

اذ يتناقض البعدان هذا وذاك.... والألوان الليل والنهار... والذوات أنا وأنت... هذا التناقض والتضاد هو الذي سوف يخلق الاتحاد بوصفه سمة كونية لا تعني بالضرورة مبدأ التناحر.. فاختلاف الذات هو اتحادها واختلاف الألوان هو استمرارها واختلاف الابعاد هو تواصلها، الا ان (جمعة اللامي) يعيده ثانية ولكن بصيغة مقلوبة على وفق صيغة قلب الحدث:

(هذا النهار انت/ وذاك الليل انا)

بحذف حرف النفي (لا) التي تعني الالغاء مقابل التحول أو الثبات في العبارة الأخيرة. ولأن الاتحاد بزينب ينطوي على مقارنة بين صفتين لابد أن يتم بينهما التناوب فان خطاب المجنون العاشق يجعل من زينب حلوليه في كل الحور.

(ما أكثر الحور العين في غيابك/ وما اقلهن في حضورك)

وهنا تغيب زينب فتحضر الحور العين، الا ان الغياب لا يعني ثانوية المسرود عنه بل اوليته ما دام متشكلا في الحضور وفي الغياب معا بدلالة (ما أكثر وما اقل).

4 - بنية المقابسات

يستمد (جمعة اللامي) نظام مقابساته (وهنا استخدم مفهوم المقابسة كما جاءت عند أبي حيان التوحيدي والتي أراد منها القاص محمد خضير بديلا موضوعيا لمفهوم التناص) يستمده من مشارب متعددة.

وكما طالعتنا المقامة البصرية في أول النص، تطالعنا اقتباسات من القرآن الكريم بل من قصصه، فالخطاب القرآني يؤثر في صوره على خطاب القاص الذي يحاول مجانبته، وكأننا نجد تطابقا بين موضوعة الرحلة والخطاب الحامل لها..

أما الموضوعة فيمكن ابصارها وتحديد سماتها من خلال الحدث والأدعية التي تبدأ غالبا ب-(يا إلهي) مع افتراض مساهمة الأمكنة (يثرب، المدينة المنورة، بدر، حنين، خيبر) في بناء الموضوعة باتجاه رموزها التي يقول (المجنون) فيها:

(أنا أكتب اسمك على أعمدة النور، وفوق جدران المدارس وعلى بوابة المسجد وعلى ماء النهر وعند ثديي الايسر وعلى بندقية شرطي الحراسة، وقرب قدر بائعة الباقلاء: لم أكن ارى أيا منهم... كنت أراك في كل واحد منهم)

فما لم يره                  وما رآه

_____                    _____

أعمدة النور                 الضياء

جدران المدارس             المعرفة

بوابة المسجد                الايمان

ماء النهر                   الطهر

ثديي الايسر                 الحب

شرطي الحراسة             الامان

قدر بائعة الباقلاء           الفقر

وتلك الصفات التي لم يرها هي ذات (زينب) التي يبحث عنها (مجنون الزمان)... اذ هو يرى الفعل ولا يرى الصورة، فللجميع شواهدهم، مثل القبور تماما، اذ انه لا يرى ما في قبر زينب الجدة، بل يرى معناه في الشاهدة (الصورة)، ولو تتبعنا قصتي موسى ويوسف لوجدنا آثارهما في خطاب (جمعة اللامي):

(ولم تكن معي الا عصاي) و(من بعيد، رأيت شررا يقدح) و(خيل الي انني سمعت صوتا ما).

فيخاطب (يا عظيم ترجى لكل عظيم اغفر لي ذنبي العظيم)

أما قصة (يوسف) فنجدها ماثلة في ثنايا النص عندما يتلاعب القاص بضمير الخطاب فيقول:

(رأى يوسف أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين).

بينما نجد قصة (ايوب) مقلوبة بصفة المرأة التي عشقت المجنون. وكأن (زينب) البديل الموضوعي للقيم العالية التي جاء بها الجميع:

(قالت: ألا تزعجك رائحتي

كانت تنبعث من ثيابها رائحة حامضة.. رائحة عجين اختمر، أيخيفك هذا الشكل وما أنا فيه من ويل؟)

ولأن (مجنون الزمان) كان عليه أن يتعمد (من التعميد) قبل أن يتحد بزينب فان القاص لجأ (في الصحيفة الميسانية) الى موروثه الحكائي الذي يزخر بالطقوس المندائية، الا انه لا يبارح البناء القرآني للغة في هذا الفصل بخاصة، فيقول: (أنا خشب يتيم في قطرة ماء، محبوس في جب، الجب في فلاة، الفلاة في بيداء، البيداء في صحراء.... الخ)

وتلك البنية النصية تشبه بنية اللغة القرآنية لا ريب في ذلك. ولنسأل عن دواعي استخدام التعميد بالماء (كما هو عند المندائيين)؟ فنجيب. ان جميع الأشياء (كما ينظر اليها المجنون) تتمركز حول زينب. اذ هي أصل الأصلاب الذي يعادل بالضرورة (الماء) أصل الأشياء والذي يعادل أيضا الكلمة الثنائية التكوين (كن).

فكأننا نجد أن زينب تعادل (كن) ذاتها... فاذا ما وصلنا الى الاتحاد بين (زينب والمجنون) فاننا نصل الى الروح العالي الذي أصدر أمرا باتحادهما، حينما كشف أمره كي يتقاربا حتى ينشر على جسديهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.

ولأن (جمعة اللامي) لم يسلك المسلك الحلولي، بل بدا ينحو منحى الاتحاد المندائي فاننا نراه قد استخدم اللغة المندائية.

(روشمي إلاوي لا هو بنودا ولا هو بمشا ولا هو دشيما).

بين مختلف المقاطع السردية في الفصل الأخير (الصحيفة الميسانية) الذي استطيع تسميته ب-(فصل التعميد المندائي)..

تلك طريقة ابتدعها (نجيب محفوظ) في روايته (الحرافيش) عندما استخدم اللغة الفارسية بعد نهاية اجزاء مختلفة من ملحمته تلك.. اذ تصاحبت هذه اللغة نهاية الادعية في (تكايا الذكر).

لقد استخدم (جمعة اللامي) الماء (غطسا ثلاث مرات) و(نثر على جسديهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة)

وذلك يعود بنا الى المرتكز العددي لاستخدام القاص بنية العدد الثلاثي في نصه.

أما فعل الهدهد الغائب (اقتباسا من القرآن) فان القاص لم يكمل صورة الحكاية التي أوحى لنا بها القرآن الكريم والذي أحاول هنا أن أقدم تحليلا لتلك الصورة الرائعة التي جاءت في القرآن الكريم.

فقد قال سليمان بعد أن تأخر الهدهد عن المجيء، في الوقت الذي حضرت كل الطيور الا هو:

(وتفقد الطير. فقال ما لي لا أرى الهدهد. أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين).

أما الهدهد: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين)

فلنقسم الصورتين القرآنيتين بحسب الوعيد والأمكنة:

أما العذاب في قوله تعالى (لأعذبنه عذابا شديدا) فذاك يقابل ابتعاد الهدهد قصيا عن مجلس سليمان في عرشه.

أما الذبح في قوله تعالى (أو لأذبحنه) فذاك يقابل اقتراب الهدهد في مجلسه من عرش سليمان.. لأن الذبح يستدعي اقترابا من اليد موطن الفعل.

اما السلامة في قوله تعالى (أو ليأتيني بسلطان مبين) فذاك يقابل جلوس الهدهد بين بين أي غير بعيد عن عرش سليمان.

هنا نلحظ الأمكنة.. ثلاثة أماكن تقابل ثلاثة وعود.. الا أن الاشارة لم تأت الا لمكان واحد وهو (غير بعيد) وكأننا نفهم ضمنا المكانين الغائبين عن الذكر من خلال الدلالة (العذاب والذبح).

أما (جمعة اللامي) فقد اكتفى من حكاية سليمان والهدهد أن جعل الهدهد مبشرا بالعيد بدلالة غصن رطيب من شجرة آس.

 

(حط الهدهد الغائب عنا منذ سنوات حاملا في منقاره غصنا رطيبا من شجرة آس : عيد.. يا ولدي)..


تصميم الحاسب الشامل