|
|||||
|
على شخصية عناد الشاهد فهي الشخصية المركزية التي يطرح من خلالها النص رؤيته للعالم، فعناد الشاهد هو الصوت الفعلي الذي يقبع وراء كل كلمة، وراء الوصف والحوار والألعاب اللغوية والطباقات والجناسات والاسقاطات. ودون هذا الفهم لطبيعة بناء الرواية يتحول هذا العمل الروائي الاشكالي إلى نص هلامي لا ملامح محددة له. إن عملية التقطيع السردي في النص تستند على هلوسات عناد الشاهد ونظرته المشوشة إلى الأشياء والعالم. ويكشف هذا التشوش والخلط الذهنيان عن وعي العالم المشقق الذي يريد الروائي أن يعرضه. ولهذا السبب يمزج الكاتب بين السيرة الذاتية والسرد الخطي وأسلوب الواقعية التسجيلية والتضمين والتقطيع السينمائي والتعليق على العمل من داخله. ويؤكد مثقال على هذا الأسلوب التركيبي في الكتابة الروائية في تقديمه أوراق عناد الشاهد: "في هذا العمل تختلط الرواية بالسيرة، بالواقعية، بالهذيان، بنقل كلمات الآخرين، بانفجار عاصف لكل ممكن يتأبى التحول الى فعل".(ص7) ويقول في الموضع نفسه عن الرواية: "أرى (...) انها تصور حركة الحياة، لا الحياة نفسها، وتتوج الزمان ملكا عليها دون شخصياتها. هي في أسوأ الأحوال عمل أدبي قد يراه المرء رواية مفتوحة، وقد يراه آخر ضد- رواية، ويراه ثالث هلوسة وتجديدا، ويراه رابع مجرد أوراق".(ص6) ليست "أحياء في البحر الميت" إذا مجرد محاولة لانتهاك بنية الشكل الروائي، بتحطيم وحدته العضوية وتطعيمه بلغة المقامات والحكايات الشعبية والأدب الانتقادي وأسلوب البحث والنقد الأدبي، بل هي محاولة لاضاءة تجربة واقعية ملتبسة. ومن خلال الاشارة الى تجربة الكتابة نفسها ينتهك الرزاز البنية القارة للشكل الروائي حيث يقوم الروائي بدور المعلق على عمله الروائي، ويعرض للتجربة الملتبسة الغائمة منبها إلى واقعية التجربة غير المعقولة. إذا انتقلنا إلى رواية "اعترافات كاتم صوت"(2) سنجد أن مؤنس الرزاز يستخدم تقنية مألوفة في الرواية المعاصرة، أي تلك التقنية التي يوزع فيها المؤلف الكلام على المتكلمين بطريقة غير منظمة دون أن يعمد على إدارة الحوار بينهم. فعندما يتكلم الأب في الرواية يكتفي بالحوار مع نفسه، وكذلك تفعل الأم والابنة الصغيرة في الاقامة الجبرية حيث تعيد الشخصيات انتاج إحساسها بالعزلة والصمت. ومن هنا يأخذ عنوان القسم الأول من الرواية "مدارات الصدى" دلالته المحورية، إذ أن الصدى يحل محل الصوت في غياب أي تبادل حواري بين الشخصيات. من جهة أخرى يمكن القول إن هذا القسم من الرواية مبني استنادا إلى أسلوب زوايا النظر، ولكنها هنا زوايا نظر تخص أحداثا متعددة لا حدثا أو موقفا روائيا بعينه. وهو أسلوب يفيد في تقليب معنى الفعل أو الحدث على وجوه متعددة بتمريرها في منشور تكون وجوهه شخصيات عديدة. وهكذا يتحلل الفعل إلى زوايا نظر تمثل الأب والأم والابنة الصغيرة والملازم والراوي. تقوم الابنة بتدشين النص إذ تصف مشهد العزلة. إن الأبطال التراجيديين الثلاثة (الأب والأم والابنة) يغرقون في العزلة والصمت رغم وجودهم معا في بيت الاقامة الجبرية. ولا تتواصل العائلة المسجونة مع العالم الخارجي إلا عندما يتصل الابن من الخارج في يوم محدد من أيام الأسبوع. ويشكل التواصل المتقطع مع العالم الخارجي تمهيدا لانتقال الرواية من الحديث عن شخصيات الاقامة الجبرية إلى الحديث عن اعترافات يوسف/ كاتم الصوت. وما كان ممكنا لولا حركة الانتقال الذكية (من بيت العزلة إلى العالم الخارجي) تشريح أعماق القاتل/ كاتم الصوت الذي يحتل بؤرة العمل الروائي. تبدأ "اعترافات كاتم صوت" بمونولوج الابن، ويلخص هذا المونولوج ظروف الاقامة الجبرية، ثم يقوم الأب والأم بجلاء شروط هذه الاقامة ويوضحان قسمات المكان المستباح بأعين الحرس. كما نتبين من سياق الحوارات الداخلية للشخصيات أن الأب كان مسؤولا كبيرا في السلطة التي اعتقلته. وتتوضح في هذه الحوارات بعض خيوط حياة هذه الشخصيات حيث يتعرف القارئ على تاريخ الأب المناضل الذي وصل حزبه إلى السلطة ثم اختلف معه فزج به في الاقامة الجبرية، وعلى تاريخ الأم التي أحبت الأب وتزوجته إعجابا به وبأفكاره السياسية. القسم الخاص بـ"اعترافات كاتم الصوت" يشكل المادة الأساسية في العمل، وليست الأقسام الأخرى سوى وسائل لايضاح الظروف المحيطة والانتقال إلى لحظة الاعتراف. ومن هنا يستخدم الكاتب في هذا القسم ضمير المتكلم موحيا بالبعد الحميم من أبعاد الاعتراف والبوح الداخلي. إن الصفحات (51-70) هي جملة اعتراف متصلة يقوم يوسف من خلالها بتحليل وظيفته ككاتم للأصوات شارحا لنا الأسباب التي جعلته يمتهن هذه الوظيفة. ويبدو المؤلف وكأنه يفرد الفضاء السردي لاعتراف كاتم الصوت عبر مونولوج طويل يتحدث فيه يوسف لسيلفيا التي استأجرها ليسرد لها اعترافاته. لكن سيلفيا لا تسمع بل تقرأ حركات الشفاه، وبما أن شارب يوسف عريض يغطي شفتيه فإنها لا تعرف عم يتحدث! نقبض في لحظة الاعتراف إذا على المفارقة الساخرة التي تغلف فضاء النص. ونحن في البداية نظن أن كاتم الصوت وحده هو الذي يجهر بصوته، وعندما نتقدم في النص نكتشف أن الطرف الذي يفترض أن يسمع الاعتراف يعاني من الصمم. لكن المفارقة الكبرى تتمثل في كون كاتم الصوت نفسه لا يدرك أن سيلفيا لا تسمعه. بهذا المعنى تطابق اللعبة السردية، التي يتوسلها الكاتب، بين صوت يوسف ومسدسه الكاتم للصوت. وهكذا فان الإيهام السردي، من خلال الإيحاء بالحميمية وتحقق لحظة الاعتراف وتحويل ما نسميه بالسامع الضمني إلى صورته المادية الملموسة في النص الروائي، هو وسيلة لتقليص الفعالية التي يحققها بروز ضمير المتكلم في النص لأن يوسف/ كاتم الصوت، مثله مثل العائلة المقيمة في الإقامة الجبرية، محكوم بالعزلة والصمت. ولعل اصطناع شخصية كاتم الصوت ووضعية الاعتراف كذلك تكشف عن نية الكاتب الاختفاء وراء الشخصية للتشديد على منظوره للعالم بأن يجعل كاتم الصوت يمارس اعترافا كاريكاتوريا أمام فتاة صماء دون أن يكتشف للحظة واحدة أنه يعري ذاته لذاته لا تسمعه الفتاة التي استأجرها لتحقيق فعل الاعتراف والتطهر من أدران ما فعله. إذا كانت "اعترافات كاتم صوت" تمثل في عمل الرزاز رواية الأصوات وزوايا النظر التي تجلو في حكاياتها وتأملاتها الشخصية فكرة التحلل وسقوط القيم والمشاريع القومية الكبرى عبر تآكل الحزب والفكرة التي يقوم عليها، فإن "متاهة الأعراف في ناطحات السراب"(3) هي رواية الطبقات المتراكبة واللاوعي الجمعي الغائر حيث يستخدم الكاتب نظرية كارل يونغ عن طبقات اللاوعي وأسلوب ألف ليلة وليلة السردي ليقيم معماره الروائي. إن الليل الذي تحكي فيه شهرزاد يقابل النهار الذي تتحقق فيه حكايات الليل حيث يدرك القارئ من سياق السرد أن الحاضر يكرر الماضي كما يكرر النهار الليل. إن بناء العمل شديد التركيب لكن ما يهمنا في هذا السياق هو أطروحة العمل الأساسية، أي كيف يصبح التراث وسيلة لتفسير ما يعرضه العمل الروائي، وكيف يصبح حكي شهرزاد رمزا للعلاقة بين الحاضر والماضي، بين الوعي الفردي والوعي الجمعي، الشعور واللاشعور، وبين طبقات اللاوعي المتراكمة الغائرة داخل الإنسان العربي المعاصر. ويعمل الرزاز في هذا الإطار على تقديم تصور مركب للواقع العربي المعاصر ملمحا إلى كون الراهن يتشكل من طبقات متراكمة من وعي العصور الماضية تؤثر لا شعوريا في استجابات الإنسان العربي المعاصر وتكبله وتكبح أفعاله ورغباته، ومن ثم يكون التراث لا قناعا يؤدي وظيفة شكلية في العمل بل جزءا من تكوين الوعي. إن استعارة صوت شهرزاد الحكي عن الماضي، والحديث عن طبقات اللاوعي الراسخة في وجدان الشخصية العربية، ما يجعلها تتصرف دون أن تعلم بوحي من رواسب هذا اللاوعي، كل ذلك يكشف اطروحة العمل وتفسيره اليونغي (نسبة إلى كارل يونغ) للعلاقة بين الفرد وتراثه الجمعي. تتوسل "متاهة الأعراف في ناطحات السراب" الفانتازيا، وتبني عالم الغريب والعجيب عبر الاستفادة من الحكايات والأشكال والتعبيرات الشعبية، والإشارة إلى حقائق الواقع ومادته اليومية، إضافة إلى إقامة تداخلات نصية مع أعمال شعرية وروائية. وتلك واحدة من الخصائص الأسلوبية لعمل الرزاز الروائي إذ أن الكاتب يستعير بعض المواد الخام من الواقع اليومي ويجعلها جزءا من بناء عمله، وهو يقوم في الوقت نفسه بتغريب هذه المادة الواقعية. لعل فاعلية التجريب في عمل الرزاز الروائي، بوضع مادة الواقع في سياق فانتازي غرائبي وشرط مفارق، هي ما ينبه القارئ إلى تناقض الحكايات، التي ترويها شهرزاد، مع الواقع. ونحن نعثر على هذه العلاقة التناقضية بين مادة الحكاية الواقعية والحكاية نفسها في "جمعة القفاري" و"مذكرات ديناصور" حيث تتميز الشخصيتان الرئيسيتان في هذين العملين بانفصالهما عن الواقع المحيط بهما، وباغترابهما عن البيئة الاجتماعية وعدم قدرتهما على معايشة الواقع من حولهما. ومن هنا تنشأ المفارقة والباروديا (المحاكاة الساخرة) والسخرية المرة الجارحة في النص الروائي. ويكتشف القارئ أنه بإزاء عالم انكشف خواؤه الداخلي. تذكرنا شخصيات مؤنس الرزاز (جمعة القفاري في رواية "جمعة القفاري"، والديناصور في رواية "مذكرات ديناصور"، وبئر الأسرار في روايتي "سلطان النوم وزرقاء اليمامة" و"حين تستيقظ الأحلام") بـ"متشائل" إميل حبيبي و"الجندي الطيب شفايك" للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشيك، وبالطبيعة المعقدة لهذه الشخصيات التي يكشف هؤلاء الروائيون من خلالها عن المستور والمحجوب من مادة الواقع اليومي، مبرزين بذلك التناقض الحاد بين المثال والواقع. ويمكن لقارئ أعمال الرزاز الروائية أن يلحظ النزعة التناصية مع أعمال عدد كبير من الروائيين والكتاب ليكشف عن فساد الواقع حيث يوفر التناص أرضية للتفسير ويسلط الضوء على الحكايات والأحداث بصورة أكثر إيحاء وإثارة للخيال والتأمل. لقد وضعت الروايات الثلاث الاولى التي ركزت عليها (أحياء في البحر الميت، اعترافات كاتم صوت، متاهة الأعراب في ناطحات السراب) مؤنس الرزاز في الصف المتقدم من كتاب الرواية العربية بسبب حرارة التجربة، والتصاقها بالوعي النازف للمثقف العربي في الربع الأخير من القرن العشرين، ومعرفة مؤنس المتمكنة لميراث الرواية الحداثية في العالم، وتواصله مع المنجز العربي في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. قبل أن ينشر مؤنس الرزاز رواياته المذكورة لم تكن الكتابة الروائية في الأردن قد تواصلت مع النص الروائي العربي الذي حاول الافتراق عن النص المحفوظي، إذ باستثناء رواية "أنت منذ اليوم«، وهي الرواية اليتيمة للروائي الأردني الراحل تيسير سبول، لم يكن هناك إلا روايات قليلة، تعد على أصابع اليد الواحدة، تغلب عليها التقليدية في الشكل وضعف الرؤية السردية والوقوع تحت سطوة الصوت السردي الملتصق بالذات ما يقربها من النوع الشعري ويبتعد بها عن شكل الرواية المركب، لكن ثلاثية مؤنس الرزاز دفعت بالنوع الروائي إلى مقدمة المشهد الثقافي في الأردن محرضة آخرين من كتاب الرواية الجدد لإنجاز روايات تنتسب إلى أفق الحداثة وتستخدم أساليب وتقنيات الرواية الحداثية، وتحاول التواصل مع ما يكتب من روايات لافتة في مراكز الكتابة الروائية في الوطن العربي. احتل عمل الرزاز إذا مقدمة المشهد الروائي في الأردن، للأسباب التي ذكرتها سابقا، وهو حين يجرى تعداد أسماء الجيل الجديد من الروائيين العرب يعد واحدا من بين أفضل هذه الأسماء. ولعل الفضل يعود تخصيصا إلى الروايات الثلاث الأولى. لكن هذا لا يعني حكما سلبيا على أعماله التالية التي أنجزها خلال تسعينيات القرن الماضي بل تأشيرا باتجاه ما هو مركزي في منجز مؤنس الروائي. لقد كتبت الأعمال الأخيرة، بدءا من "جمعة القفاري: يوميات نكرة" وانتهاء بـ"ليلة عسل"، تحت ضغط التعبير عن موضوعة جديدة تطورت في كتابات مؤنس، وهي تدور حول فكرة الإنسان الهامشي، أو أبله العائلة، أو ما يقع في دائرة الظل تطحنه الحياة اليومية الحديثة اللاهثة، وقد سيطرت الرغبة في فهم التحولات الاجتماعية والتكوينية التي ضربت قرية كبيرة كعم ان في ثمانينيات القرن الماضي، إلى درجة حولتها إلى مدينة استهلاكية تشوهت فيها القيم، على أعمال مؤنس الأخيرة; فهو في رواياته الأخيرة ("جمعة القفاري"، و"سلطان النوم وزرقاء اليمامة"، و"عصابة الوردة الدامية". و"حين تستيقظ الأحلام") مؤرخ لهذه التحولات وكاتب السيرة النفسية للمدينة. لقد كان مؤنس الرزاز، بحساسيته النفسية الفائقة ووعيه الثقافي المركب ومعرفته الغائرة بما يجري حوله من تحولات سياسية واجتماعية، مؤرخا للوعي العربي المنشق في هذا الزمان. وعندما نعود إلى قراءة رواياته بوصفها سلسلة متصلة وعملا موزعا على عدد من الكتب سوف نعثر، لا على سيرته الشخصية والفكرية فقط، بل على سيرة العرب وخيباتهم في الربع الأخير من القرن العشرين. الهوامش 1 - مؤنس الرزاز، أحياء في البحر الميت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1982. 2 - مؤنس الرزاز، اعترافات كاتم صوت، دار الشروق، عمان، 1986. 3 - مؤنس الرزاز، متاهة الأعراب في ناطحات السراب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1986. |
|||||
|
|||||