محددات الخطاب الشعري في ديوان
 
"أنت الرسولة إيقوناتك  اندلعت" لمحمد الطوبي

 

سعيد بن الهاني (ناقد من المغرب)


- مقاربة نصية -

- "القصيدة تكتب شاعرها"

              "موريس بلانشو"

- "لماذا نكتب؟ لكي لا نهلك"

              "دوسارتو"

رحل الشاعر/محمد الطوبي/ وترك لنا أعمالا إبداعية، أغنى بها المكتبة العربية بعدة دواوين شعرية، بدءا من سنة 1980 - تاريخ صدور عمله: "سيدة التطريز بالياقوت" (دمشق) حتى سنة 2003، التي شهدت صدور ثلاثة دواوين آخرها "أنت الرسولة إيقوناتك اندلعت" (الدار البيضاء)(*)، كلها أعمال أودع فيها الشاعر أحلامه، ورسم لنا فيها "سيرته" الشعرية بإخلاص نادر، وصدق غير معهود، بصرف النظر عن معجمه الشعري الذي تفرد به الراحل عن مجايليه، وخط مغربي جميل أضفى على نصوصه الإبداعية رونقا وأصالة فريدة.

 كلها مواثيق قرائية يعتمدها قراء /محمد الطوبي/ في تشكيل تمرسهم الجمالي بالنصوص: طيمات يشكل فيها محور المرأة والحب، وعشق الحياة حتى الثمالة، مع محور الغربة والتيه والحنين، العناصر الأساسية المكونة لتجربته الشعرية المرتبطة بالحياة "البوهيمية" التي مارسها وكتبها شعرا.

كلها عناصر جعلت الفعل الشعري يعتمد في هيئته التلفظية عند /محمد الطوبي/ على أساس خلق توتر بين بنيات دلالية وإيقاعية، تشكلها تلك العودات المنتظمة لبعض الملفوظات الشعرية والتعابير اللغوية المبنية على تكرار الأصوات والإيقاعات، التي يحمي بها /محمد الطوبي/ الخصائص الجوهرية للفعل الشعري عنده، كما يحمي بها غنائية قصيدته ورمزيتها التعبيرية: جل قصائد هذه التجربة الأخيرة قصيرة إلى متوسطة إجمالا، تخرق نظام التشطير، لكن تواتر الأصوات والكلمات المنظمة في إطار من التعاقبات الموزونة يحيلنا بما لا يدع مجالا للشك على انتماء هذه الممارسة النصية إلى أفق القصيدة الغنائية في اتكائها  على تقنية القطعة الكتابية القصيرة، جل غايتها هو التعبير عن المشاعر.

على ضوء هذا التصور ينشأ حوار خاص بين أفق النص، وأفق القارئ التوقعي Horizon dattente الذي أنتمي إليه الآن بهذه المحاولة النقدية.

هل رحل "ملك الصعاليك الجميل"؟ هل رحل من كان يرقش بحبره السحري، وخطه الجميل صفحات الجرائد والمجلات والكتب؟ لا لم يرحل، بل سيظل حيا فينا متوهجا باشراقاته الشعرية، وبراعة تشكيله الخطي.

1- شعرية خطاب العشق

لا تكاد تخلو قصيدة من قصائد /محمد الطوبي/ من هذا الخطاب، لقد كرس تجربته الشعرية لهذا "المتمنع" الذي يقال أنه "الحب"، فحينما نتحدث عنه كظاهرة ذات مستويات من حيث الأهداف والحوافز والخصائص، فإنما نتحدث عنه كخطاب احتفلت به الثقافة العربية القديمة، بل الثقافات العالمية، إنها ظاهرة تضرب في العمق النفسي والتاريخي للإنسان، الدليل على ذلك حضورها في كل الإبداعات الفنية والأدبية، وأنماط السلوك والتفكير عند هذا الكائن البشري، يحبل الخطاب الشعري في هذا الديوان "أنت الرسولة إيقوناتك اندلعت" بإشارات نصية عديدة تنقل الغبطة والفرح الموعود بجمالية هذه العاطفة، لتخرج بها من الدائرة الأخلاقية الضيقة إلى آفاق أرحب من خلال إضفاء شاعرية تزيد من عمقها آثر "الصورة التشكيلية" لـ/كريم بناني/، الموضوعة على صدر غلاف الديوان: امرأة غجرية بملامح أنثوية كلها عشق وهيام صوفيين نابعين من أعماق الذات الإنسانية، وتلك هي إيقونة الشاعر الأولى، فالحب في إحدى تعريفاته يفيد "الرغبة في أمر غير متملك لدى المحبوب".

لا انفصام في خطاب /محمد الطوبي/ بين شهوة الحب ولواعج التيه والضياع والفقد، كيف لا وهو المستهام الذي تكالبت عليه النكبات، فالعامل النفسي الذي يجعل مضاعفات هذه الطامة هي المحرك الأول في دفع المستهام إلى التعلق المبالغ فيه بالمحبوب، فلنتأمل هذه اللغة التي تظهر فيها الرغبة شديدة جدا، الأمر الذي يجعلنا نقر بوجود توتر داخلي يجعل صورة المحبوب تستولي كلية على وجدان المحب، فلنقرأ:

فوضاي مملكتي كفاك أغنيتي/ وفيك غبطة أحوالي وأسبابي/ أنا المحمد والتياه من ولعي

                     الديوان - ص 6 -

لك أفتح مملكتي/ وأمامك ألقي سلاحي/ وأعطيك عرشي وتاجي/ أتخلى أمامك عن صولجاني الديوان - ص 25 -

توجتك وحدك / في أشهى الأوصاف

                     الديوان -ص 53 -

المخاطب أنثى (النعيمة الأميرة ص 1); بساطة شاعرية تذكرنا بأشعار /نزار قباني/، ولحظة وجودية عاشقة منفلتة من الزمن المادي، يعبر فيها الشاعر عن عمق كثافة وجود الأنثى وحضورها، وهو ما يبرر شدة افتتانه بحيرته (الديوان ص 34) ترى ما السر وراء هذه "الأنوثة" التي يطفح بها الخطاب الشعري في هذا الديوان؟ أنوثة كلها وله  عاشق، وسر مطلق في هذا الوجود، التي تعتبر فيه المرأة هي الجذر الأول للحياة، بها تحتفل قصيدة /الطوبي/، لقد كان دائما حضورها الرمزي داخل أبعاد التجربة الإنسانية قويا مشعا يحتفل بإنسانية الإنسانية، في عالم أصبحت فيه الرداءة قلقا وشقاء وجوديا عنيفا يحياه الإنسان، ويخنق لديه كل تجليات الجميل.

تحكي كل نصوص هذا الديوان صبوة هذا العاشق وتمسكه بمباهج الحياة:

وحدي الغوي صريع الشجو مشتعلا/ أحيا حياتي لأحيا صبوتي تيها                        الديوان - ص 61 -

قصيدة/الطوبي/ أنثى أسطورية، تمرد ضد الرتابة التي تفرضها الحياة الاجتماعية، ولحظة انبجاس متألق للعشق ضد الغياب، بل إنها الطبيعة في حيويتها وتجددها، وخلودها:

  سيدتي / من صوتك أعرف مخاطبة الكرز/ من فضة يديك أتعلم بلاغة الماء/ ومن زهوك اكتشف/ممتلكات الدهشة                     الديوان -ص 45 -

لغة شاعرية ولهى بقيمة الحب، وحياة سيختارها الشاعر ليستوطنها في قصائده، ولن يكل عن نشيدها في أعماله، اختارها مكان الإقامة في الوجود، ذلك "الوجود المفعم" كإحساس شكل به الشاعر وطنه الجمالي، وحقق تجربته الداخلية  Lexpérience intérieur ويمنح للوجود معنى، كما يمنح للذات جوهرها، يحرر تدفق المشاعر والأحاسيس،  لالتماس ما هو حيوي، وسط هذا السديم الذي يخدم الإيديولوجيات. تعد  قصيدة /الطوبي/ قارئها بالحفاظ على حماية الحضور المتألق للذات: أمان مجازية ملازمة لكينونة الإنسان، وخيال موهوب يحرك لحظات الوجود ويكسبها معنى، ولو عبر الإحساس بالألم والمعاناة والتيه والضياع.

يا ليتني حجرا لم ينكشف ما بي

                                   الديوان -ص 6 -

لا انتماء  ولا نصر لي      الديوان -ص 10 -

أنا الخارجي المورط/ في التيه والخيلاء

                     الديوان -ص 16 -

نهاري سراب جهاتي خراب/ ودربي اغتراب كأن خطابي/ بأرصفة الوقت ذاكرة عمرها/ ضالع في بعيد المتاه/ وأنا المغربي الذي/ تتوجعه وردة الشهداء   الديوان -ص 17 -

كأني عازف الخراب/ وساطع الغرب في تغريبة الأغراب                                    الديوان - ص 24 -

سيد التيه والخسارات أنت

                     الديوان - ص 51 -

إنه الوعي الشعري المغترب، ينكتب كفعل شعري داخل كينونته، وهذا ما يجعل الإحساس بالاغتراب طيمة ملازمة لأعمال /الطوبي/: وهي إحساس تراجيدي يلازم المبدع ويشعره بانفصاله عن جذوره الأزلية، فيقاوم بشعره وحبه للعشق ضدا على الفناء، وتقوية للإحساس بمفهوم الجمال الذي تكون ثمرته الحب والعشق، وكأننا  بالشاعر /الطوبي/ يعلن تمرده بخياله الشعري على فساد الموت، وعلى كل ما عملت الحضارة على قمعه باستمرار، فالخيال في هذه التجربة الشعرية هو الخلاص من واقع مميت ومن حقيقة قاتلة; لقد شهدت سنوات التسعينيات (1995-1996) وهي السنوات التي كتب فيها الشاعر قصائد هذا الديوان معاناته مع الحب، المرض واليتم، فما كانت إلا الحسرة والبلوى، الشيء الذي يجعلنا نقول بيقين شبه تام عن كونها تجربة موغلة في الصدق والبوح الشاعري الخلاق.    

2-بلاغة الاشتغال الفضائي:

في مقابل إلحاح التجربة الشعرية عند /الطوبي/ على أهمية الإيقاع، تبرز الكتابة الخطية (Graphèmes) من خلال توظيف الشاعر الشخصي خطا مغربيا جميلا في كتابة نصوص دواوينه كعنصر بنائي لشعرية القصيدة عنده، لاشك أن هناك سرا  ما في عودة الشاعر الدائمة لهذا المكون النصي، خط له ثقله الدلالي، ولذته التي لا تعادلها لذة، يمنح النص حيوية شعرية، بآثاره الجمالية النصية يعطي للمادة اللغوية لنصوصه تجليها الجمالي العياني حتى تتمكن العين من اقتناص اللذائد اللازمة للنفاذ إلى جمالية تجربة /الطوبي/ واكتناه سر أسرارها من خلال هذا الثلاثي الملازم للكتابة بواسطة الخط: المعنى والعقل والجسد.

فإذا كانت اليد هي الأداة الوحيدة لتحرير ما يجود به خيال الشاعر، وصبه على "بياض" Blanc كان لابد له من لون آخر، ومادة أخرى هي خطوط الشاعر التي تبدأ من نقطة إلى كلمة ثم جملة لتصير قصيدة، ستمد في الفضاء النصي Espace textuel للديوان، فهذه الحركة التي تنتج عن الكتابة ستكون عند /الطوبي/ حركة بانية لكونها تنظم الوحدات الخطية بتثبيتها على الورق، وهي حركة متميزة لكونها ستمنح لديوان الشاعر هويته النصية الفريدة من خلال الطريقة التي سيتبناها في الجمع بين العناصر المكونة للوحدات الخطية والتي تبرز النسق الخاص بالكتابة الشخصية، إنها وسيلته لتحقيق الغاية الجمالية، وتعميق الدلالات الإنسانية لتجربته الشعرية، من خلال الرغبة في امتلاك صوت شعري خاص، الشيء الذي يعيد إلى الواجهة خصوصية العلاقة التي تربط بين النص الشعري والفن التشكيلي.

تمنح هذه الخطوط المتعرجة التي خطتها يد الشاعر بإمكانية ملأت بياضات الصفحة، والتأكيد على رغبة الشاعر الحرة في أن يمنح لنصوصه شرعية الذات الكاتبة، وهي ترتسم وتحقق البعد الجمالي للنصوص، إنه تحول نوعي في الوعي الشعري رغم أنه لا يستغني عن الدور البنيوي للإيقاع العروضي، بل يضيف له سمة بنيوية تشكل قيمة مضافة، ويتعلق الأمر بالبعد الكرافي، تظهر فيه خطوط الشاعر الجميلة، وقد حول بها قصائده إلى لوحات تشكيلية، تتيح له فرصة الإنزياح عن الكتابة الطباعية المألوفة، الشيء الذي يجعلها قصائد تكتب للعين والأذن، مهمتها هي أن تصون حرية ودهشة الذات في مغامرة انكتابها وعشقها.

إن هذا الشكل الذي يقدم به /الطوبي/ تجربته يظهر فيه الوعي الجمالي للشاعر في استغلال بعد توظيف الاشتغال الفضائي للنص، مع ما يعني ذلك من تكسير لنمطية التلقي والعرض البصريين للنص الشعري، تلك النمطية القائمة على القراءة الأفقية ذات الاتجاه الواحد من اليمين إلى اليسار، إن الشاعر يخلق مع قارئه تواصلا من نوع آخر، مع ما يقتضي ذلك من ضرورة وجود تعامل جديد مع اللغة من خلال ترابط الوحدات الخطية وتسلسلها المتواصل على المحور الأفقي، ولهذا جاء هذا الاشتغال ليكرس العبور بدون انقطاع من الجملة "المادة" إلى الدليل "الطاقة"، بحثا عن انفلات من ابتذال المقروء، ومن لغة مؤسسة على مسلمات جد قديمة، كل ذلك بواسطة موهبة الشاعر، وامتلاكه لفنية ترقيش الأوراق بهذا الخط العربي الجميل.

الدليل على أن الخط عند /الطوبي/ كان اختيارا فنيا ومكونا جماليا للفضاء النصي، عمل في ديوانه من خلال القصائد التالية (ص 13-14-39-40) على تكسير مسار السطر المكتوب، وتغيير مسار حركة العين، ليخرق بالتالي الخطية المألوفة في تقديم الأسطر، وتحديد شكل مقروئيتها، يتوزع البياض والسواد داخل هذا الفضاء النصي لديوانه بفنية عالية، ليمنح مجالا واسعا لممارسة حدود الرغبة، هذا دليل على أن الزمان الخطي عند الشاعر هو الزمان الشخصي المعيش الذي يندمج فيه الشاعر كليا.

كما أن غياب علامات الترقيم له تفسير واحد وهو أن إيقاعية النص تكفي لوحدها لضبط الدلالة وتوجيه المتلقي، إلا من حضور لعلامة استفهام وحيدة (الديوان ص44)، في حين يرصد غياب تام للفواصل والنقط، إنه غياب دال على انفتاح الأفق الدلالي والتأويلي للملفوظات الشعرية على امتداد النص، مما يترتب عنه انفتاح النص على احتمالات قراءات متعددة، مع ما ينتج عن ذلك من أن النص يسير أشبه بالجملة الواحدة من بدايته إلى نهايته.

تتضح أهمية الاشتغال الفضائي في هذه التجربة من خلال تأمل عتبات النص، كالعنوان مثلا الذي يشكل أحد عناوين قصيدته في الديوان، إنه نقطة تأويل ممكن، وبداية لخلق أفق توقع عند قارئ هذه التجربة، حول ما يحتمل أن يكون موضوع الديوان، فالنصوص الموازية Paratexte تلعب دائما دورا رئيسا في تفعيل تلقي القارئ للنص دائما: عنوان بحجم عشق /الطوبي/ كله أنوثة، وفيض من المشاعر العذبة تجاه الأنثى الرسولة في هذا الديوان، فالإيقون Icône إذا عرفناه من وجهة نظر سيميائية فإنه يغرينا بمفرداته تجاه سعيه إلى خلق الانطباع بحالة التواطؤ القائمة بين الشاعر (ومقاصده) وموضوعه الشعري، فالعنوان من العناوين الموضوعاتية التي تحدد بشكل من الأشكال مضمون النص، وبالتالي فإنه يوجه قراءة النص ويحدد نوعه ويشكل أفق حصر هويته المحتملة.

بالإضافة إلى إيقون الصورة التشكيلية ل-/كريم بناني/ تنضاف إليها هذه الخطوط الجميلة ل-/الطوبي/ بطاقتها الإيحائية، وكثافتها الدلالية، كما يقول دال على الانفتاح والتحرر، مثلما هي عنصر دال كذلك على الالتزام بمواضعات وأعراف اللغة المكتوب بها، أما البياض المنتثر في مساحة هذا الديوان هو بدوره إيقون دال على الغياب والحضور، الصمت/ الفراغ، لقد منح خط الشاعر لديوانه جمالية بصرية أبرزت الإمكانات التشكيلية التي يتوفر عليها رسم الحرف العربي، كما أكد هذا الخط الشخصي رغبة الشاعر المتأججة دوما في امتلاك الموضوع الذي ينوب عنه ويمثله: إنه البعد الإحالي، وهكذا جاءت هذه الخطوط  عبارة عن مادة إيقونية تغذي النظر وتثري البصر قبل أن تقدح زناد مخيلة قارئها بالرؤى والمجازات اللغوية، تضمر ولاشك في ذلك هذه الخطوط بلاغة خاصة، فيها من ذاتية الطوبي ما يسمح لنا بالقول أن خطوطه مسكونة بمشاعره ومزاجه الفني، ويظهر ذلك في الجنوح إلى تقويس بعض الحروف وتسنينها وتعقيفها الشيء الذي يضفي على هذا الخط شكلا من أشكال القداسة تذهب رأسا نحو عين المتلقي المتعود على مسكوكات كتابية معينة، كالنمذجات الدينية للحروف العربية، تنضاف إليها براعة /الطوبي/ في ترقيق هذه الحروف بانحناءاتها وانعطافاتها ككناية على ذات تفيض حبا وجرحا، هذا الجرح الذي يراه /جورج بطاي/ G.Bataille في الحياة نفسها ويراه في الكتابة وسيلة لتأجيجه "تأجيج جرح الحياة"، أي تأجيج الجرح الذي هو الحياة: غربة ويتم وفقد وفيض عشق للأنثى متخيل الشاعر ورمز لألق الحياة عنده، لقد جاءت هذه الخطوط استجابة لنداء الحياة، ومن هذا الموقع بالضبط تنطلق شرارة الكتابة وهي تتوغل في الجسد تارة، وفي اللغة تارة أخرى.

3-الخطاب التخييلي:

يتخذ الخطاب عند /الطوبي/ في بعده التخييلي ملمحا خاصا، فالجسد بحواسه وأهوائه، تذبحه غواية الشعر، تلك إذن هي حقيقة الكتابة عنده، اعتباره مكانة الخيال باعتباره ملكة وسيطة بين المجرد والمحسوس، استدعاء للكائن LصEtant إلى المنطقة المفتوحة للطبيعة، تعطي للذات إحساسا بالجميل، وتجعلها ترتب وجودها في القصيدة على طريقة الخيال الإبداعي الرومانسي، يتخذ مادته من الطبيعة، على ضوء هذا التصور يغدو الفن كالطبيعة، ليس في حاجة إلى محاكاتها، بل إنه عنصر طبيعي ضمن كلية أنطولوجية جامعة:   

ألقي لك بوردة أسمائي

ساكبا هاجس الشتول كله/ قمرا يسكن شجن المغني/ أنا في بهائك العاهل/ كما سطوة الربيع/ لا شبيه لي يشهر عناية الأقداح/ لا نقيض يقرأ لضريح الخريف/ قبلي ولا بعدي/ أسطورة الطائر الأخضر

                     الديوان -ص 80 -

لقد صار التعبير عن العالم الداخلي، هو المبدأ الأساس لقوة الخيال عند /الطوبي/، فتنته لوعة العشق، فعبر عنها لغة موسومة بالمحبة والحميمية، فالذات بنشاطها المنتج وبوحدتها الفكرية والشعورية، وبطاقتها الواعية واللاواعية في بحث مستمر عن أقصى تجل لها، كصيرورة محركة لفعل الحياة ذاته عند /الطوبي/، يظهر هذا التواشج العميق بين الشعر والحياة في ملفوظات الشاعر الحميمية والعاشقة التي تخترق الديوان، فلغة الشاعر لا تفارق لغة عالم الطبيعة:

هند اكتبي ما اشتهى بالحنة التاج/ وما اشتهى في الصبوح السرو والساج/ هند اكتبي شغف الدنيا بفتنتها/ فالعطر لوعته وشي وديباج

                     الديوان – ص78 -

لعودة اللقالق والسنونو/ لالتفاتة الوردة بظلها الواثق/ لضجة العبير في ذاكرة الأضاليا/ لرفة الخصلة المشاغبة الشاردة/ لراسيم الربيع الباذخة كلها/ أثر يدل عليك

                     الديوان – ص91 -

هكذا يتحقق عبور لغة /الطوبي/ إلى جوانية قارئها، فيغدو فعل التعبير هو النشاط الإنتاجي الأكثر حيوية، الشيء الذي يجعل نصه الشعري منخرطا بعمق في صلب الممارسة النصية الرومانسية.

تشريف للذات، وبوح بأقصى الطاقات الممكنة لقول أروع الحقائق، فصوت الكينونة يفعل فعله في تجليه الجمالي، وهنا تكمن خصوصية التجربة الشعرية في هذا الديوان: فحضور الذات بأحلامها وشغفها الشعري، لم يمنعها من احتضان السلطة المعيارية للوزن الشعري والالتحام به في انسجام تام، وتفاعل خلاق. هذه هي نسقية الخيال الشعري عند /الطوبي/: اندماج داخل سيرورة وزنية، وكلية عضوية تشكل لحمة التأويل الرومانسي للعالم، حيث تتضافر المادة والروح بشمولية وتداخل، يعبران البنيات والأقاليم المعرفية والأنطولوجية نحو توحيد الذات  بالموضوع، الروح بالجسد، الذكر بالأنثى، وكأننا أمام معرفة رومانسية تقتضي ترسيخ معرفة مغايرة لمقصديات العقل وسلطته الوضعية، أمام هذا الحضور الكلي لرمزية البوح، كوسيلة لشعرنة الحياة واحتضان الجنون الكامن خلف المعقول، فالعاشق في حالة صراع دائم مع هذه الثنائيات: المادة/ الروح، العقل/ الحس، الذات/ الموضوع، الظاهر/ الباطن.

يقول الشاعر:

ليس لك إلا أنت/ رافقك مراقسة الأنخاب/ أنت  المؤتلف المفارقات/ أنت  المختلف الموافقات/

                     الديوان – ص51 -

كل الحضور غياب إن تهب لها/ مدائح الشام عز الزهر دنياه

                     الديوان – ص72 -

هكذا يتحقق البعد التخييلي في تجربة /الطوبي/ التحام تام بلغة العشق، مع إعطاء الأولوية لعالم الحياة الباطنية والمشاعر الإنسانية بأسرارها وتخومها، بفرحها الخاص، وآلمها الممض: إنها الجمالية الرومانسية المعروفة ببلورة تصورها للفن والخيال الشعري، كتجربة حياة حقيقية، وليس كموقف فكري مجرد، ثقافي وعقلي عابر.

هكذا هي تجربة /الطوبي/ الشعرية، معايشة حميمية لأشياء العالم، ورثاء لأمومة ضاعت منه ذات يوم:

تلك أمي التي وضعت قصرها/ واختفى ظلها من شهيق الرخام/ واختفى وقتها العاطر الرحب/يا صرخة الجرح ردي اكف العزاء/ قمر الغربة الجارح التيه عاد

                     الديوان - ص7  -

يعتبر الكلام الشعري عند /الطوبي/ تجربة داخلية عميقة، يلعب فيها الخيال دورا وظيفيا في تحويل هذه الأشياء إلى تجربة حميمية تظهر من خلال قوة المجاز، كطاقة توليد باهرة للدلالة التي يشترك في تكوينها دائما: وعي القارئ على السواء، بعيدا عن الإقصاء والتصنيف المعياري الذي يسم الخطاب العلموي والأخلاقوي، على ضوء هذا التصور يحتمي الخيالي من الوجه المظلم للزمن عن طريق إخضاعه لسيطرته بواسطة الطبيعة: (حديقة العزلة ص43)، فالصور الشعرية جوانية، تنشر فيها الأنثى المعشوقة ظلال الشوق:

أنت  أندلسي باسمك ابتدأ الشوق/ في دوحة الكروان/ تتألق بي شمس أسمائك المغربية

                     الديوان – ص25 -

وهذا ما يؤكد على أن البعد التخييلي في شعر /الطوبي/ ليس سوى مؤشر فعلي على أن زمنه الداخلي يقوم على مبدأ الحرية، ضدا على قهر الزمن المادي، وسط رجة هذا التداخل الصراعي بين ذات الشاعر، ومحيطها تتأسس كينونة قصيدة الطوبي:

لا أتقي وطنا بالعشق يقتلني/ في عزة التيه والنسيان أهواه                            الديوان –ص71-

يا الخاسر دائما/ تبارك تيهك الباهر/ تبارك تاج الخسارة لك

                     الديوان -ص88 -

لا الملك ملكي والدروب شوارد/ بي والخراب مع الخراب ورائي                             الديوان –ص97-

تضفي هذه الملفوظات الشعرية على قصيدة الطوبي نوعا من السوداوية: ذات متألمة، محبطة، عاشت العزلة والمرض، فلم تجد غير الكتابة/العشق; كتابة الألم لمقاومة النفي والتشيؤ، وسط هذا المعتقل الكوني، ولهذا يغدو فعل الكتابة الشعرية وسيلة ارتقاء، وتحرير، تنتظم بالحب وحده أنفاس الشاعر كأداة للخلاص ضد الدوكسا Doxa; على ضوء هذا التصور لا يمكن للكتابة الشعرية أن تكون إلا صوتا لحرية الكلمة، وصوتا للخوف، القلق من ضياع معنى للوجود البشري، كل ذلك يجعلنا نقول مع /محمد أسليم/ "أن يصير المرء كاتبا هو بالضبط أن يفتح عينيه، عيني أوديب، فيبصر أنه "بيضة« قشرتها المنفى، وبياضها العزلة، وصفارها "القلق"، هو أن يباشر سفرا مزدوجا من عمق الجسد إلى سطح اللغة، ومن عمق اللغة إلى سطح الجسد.

ــــــــــــــــــــــــ

* محمد الطوبي: أنت الرسولة إيقوناتك اندلعت، درا القرويين، الدار البيضاء، ط 1-2003.


تصميم الحاسب الشامل