|
|||||
|
تعكس مرايا القصيدة المعاصرة مكابدات المبدع الصياغية ورغبته في اجتياز عتبات المكرور والمستهلك والوصول الى التماعات المعنى - على حد تعبير رولان بارت- التي تجعل من القصيدة وصورها فخاخا تعتم على نوايا النص الغاطسة والتي تتخالف مع البنية الظاهرة ونواياها المعلنة بل ان بعض المتون الشعرية تسعى واعية الى استعادة فكرة الوصايا(1) ولكن بأسلوب طريف يفضح توقا في تغير قنوات الاتصال مع المتلقي وعبر فضاءات مغايرة تجمع بين البراعة الشعرية والرؤى التنظيرية انها نصوص تطرح بين يدي القارئ على اختلاف اشكاله ثمار خبرتها وبمعنى آخر فان هذا النمط من النتاج الشعري يدفع بدينامية الكتابة الى ذروتها كي تتناسل منها رؤى تفتت مفاتيح الشعر المكرورة وتجعلنا نجوس فضاءات الترميد المغلف بندى المجاز وسعير العاطفة بحثا عن ابواب جديدة للقصيدة. ويروق لأوراق التأويل ان تتلبث عند هوامش قصائد مجموعة (من اوراق ابن الحوبة) للشاعر البحريني علي الشرقاوي بوصفها انموذجا تطبيقيا يجلي توقا في اعادة الحياة الى اوصال هذا الفن الابداعي - اعني الوصايا- وعبر اكثر من تقنية لعل ابرزها التكثيف والايجاز الموحي الذي يشكل توازيا دلاليا مع خرائط فن الوصايا(2) من جانب وانخطافا في تشكيلات هذا الفن الادبي العريق حين يخضعه الشاعر وبمكابدة جمالية لهندسة طريفة تنم عن مشاكسة واعية لأفق التوقع منذ عنونة المجموعة التي تخبىء تحت ملفوظاتها تاريخا من المكابدة الموصولة بحرفة الادب لاقترانها بالوعي الحاد واتقادات الذات حد الترميد في حضرتها زد على ذلك ان مخيال الشاعر قد كسر النسق المألوف للتدوين الطباعي حين ثبت على غلاف المجموعة الشعرية عبارة (جمعها وبوبها: علي الشرقاوي) وهو بذلك ينفي - إمعانا في المراوغة الفنية - صلته بتلك الاوراق وصاحبها لنكون منذ البداية في مواجهة اشكالية التدوين الشعري والعلاقة بين عنوان الديوان وبين محتواه من قصائد وهي تحيل في المعنى المكبوت الى طقوس الشاعر ازاء ما سطرته المخيلة لسنوات خلت تحركت بين عامي 1989- 2000، واحتفائه بها مرة اخرى منشورة في مطبوع اننا نشهد عبر هذه العنونة عيانا انفصالا حادا بين النص المكتوب (اوراق) وبين مبدعها (علي الشرقاوي) لتتأكد حقيقة شاء المخيال الشعري ان يذكرنا بها وهي ان (هذا النمط من التدوين وليد مخلص للتدوين القديم لأن صاحبه لا يرى فيه سوى كونه جمعا وتوثيقا، وهو بمعنى آخر انتخاب واختيار(2) وقد عزز هذا التأويل حرف الجر (من) والبنية التركيبة للعنوان المرتكزة الى تغييب المبتدأ "هذه (من اوراق ابن الحوبة) وهو تغييب يبلور من العنوان نصا قبليا مشاكسا يبقى محشورا بين حضورين (مدونات الشاعر "هذه" منتقياته "من اوراق" ولافتة اشارية جاذبة تستثير مخيال القارئ في الحركة باتجاه ازاحة الغبار عن ملامح ذلك المنتمي (ابن) الذي لم تهبه الاضافة (الحوبة) بعدا معرفيا فظل في السياق الدلالي كينونة منفصلة عن افق التلقي وتحتاج الى مزيد من التقصي في قصائد المجموعة التي مفصلها الفضاء التدويني الى سبعة مفاصل ووضع لها مسمى تجميع اول، تجميع ثاني ...ولاتخفى دلالة الرقم سبعة الموصولة بالقداسة، ويفضح تصدير المجموعة الشعرية بنص عنوانه (هذي الاوراق) انشغال الشاعر بترسيم ملامح الوصايا الشعرية وعبر ايجاد تعريف لهذه (القصائد/ الاوراق) وهو انشغال يتأتى اساسا لضبط التعريف امام تعددية الرؤى انه بحث دؤوب عن حقيقة ثابتة تأمل الاتي: لاشأن لها/ بغرور نباتات العقل/ولاهندسة الماء المتسلق لبلاب المنطق/ هي الضوء الراكض في حمى الليل/ هي الرمز الخارج في قافلة الرمز/ هي الغامض في جسد الواضح/ هذي الاوراق/ بقايا قطرات شظايا/ لغز المدعو (بن معيوف)/ امير الخطوة/ سؤال العشبة عن طعم التيه/ان لم تفتح مجهول الطيش/ لمن سوف يعاشرها/ فليحرقها قبل مداهنة الغرق مما لاشك فيه ان هذا النص يشكل بيانا شعريا يفضح الرغبة في بلورة ميثاق مروءة - على حد تعبير جان بول سارتر - بين القارئ والمبدع المنتمي لمكابداته(ابن الحوبة) واغترابه (ابن معيوف) ووفق شروط يضعها المتن الحاضر ولا يتساهل في تجاهلها لذا فانه ينبه في الخاتمة وبنبرة واضحة (إن لم تفتح مجهول الطيش / لمن سوف يعاشرها / فليحرقها قبل مداهنة الغرق ) كاشفا عن طبيعة (هذي الاوراق) التي تغري بلذة المغامرة الفانتاستيكية (لمن سوف يعاشرها) فهي البحر في (مداهنة الغرق) لما تحتويه من كثافة ترميزية (مجهول الطيش). ومثل هذا المعنى ينسحب على المتن الشعري المتخلق من خرائط بلاغية تشكلها الصورة التشبيهية (هذي الاوراق "المشبه"= الضوء الراكض في حمى الليل "مشبه به اول"+ الرمز الخارج في قافلة الرمز"مشبه به ثان"+ الغامض في جسد الواضح "مشبه به ثالث" وهذي الاوراق "المشبه"= بقايا قطرات شظايا "مشبه به اول"+ لغز المدعو بن معيوف "مشبه به ثان"+ سؤال العشبة عن طعم التيه "مشبه به ثالث" وهي ترسيمات جغرافية لمساحة شاسعة من الصور الفنية المتعنقدة والمتأرجحة بين ذروة التجريد (الرمز + الغامض + قافلة الرمز + التيه + لغز) ومباهج الحواس (البصر "الضوء/ الليل / الواضح / العشبة / جسد")+ (الذوق "طعم« + (اللمس"حمى / شظايا")+ (السمع "سؤال / ايقاعات الركض") لتقود مخيال التلقي الى استكشاف تضاريس جديدة لبنية المسكوت عنه وقد عزز هذا التأويل مأساوية مشهد الحرق ومفارقاته (ان لم ... فليحرقها قبل مداهنة الغرق) المفصح عن كينونة (هذي الاوراق) المتحركة بين فضاءين الاول فضاء الحلم ( الضوء الراكض في حمى الليل + الرمز الخارج في قافلة الرمز+ الغامض في جسد الواضح ) والآخر فضاء اسطوري (بقايا قطرات شظايا + سؤال العشبة عن طعم التيه) فضلا عن ايماءات الماء (البحر) الموصولة بالانبعاث وحين يتماهى هذان الفضاءان في المتن الحاضر فانهما سيشذران ايحاءات طريفة لا يمكن التفاعل معها الابإحراق الذاكرة وتشغيل ذاكرة جديدة وليدة تتهيأ لاستقبال ذبذبات النص . وحين تورد اوراق التأويل فراديس البوح في هذه المجموعة الضاجة بوصايا الشعر فانها تستشعر منذ البدء وعورة التضاريس الانزياحية المشفرة التي تخفي رغبة عارمة في ترسيخ رؤى جديدة للمتن الابداعي توكيدا على خطورة المتلقي وضرورة السيطرة على افق انتظاره وذلك وفق استراتيجيات مرسومة للغة الشعرية نشهدها بوضوح عبر هذا الاستثمار الواعي لعبقرية النبر البصري اذ يتشظى الفضاء التدويني للقصيدة فنكون في مواجهة تشذير طباعي يتحرك فيه البصر حركة متوالية بين متن القصيدة تارة وبين هامشها اخرى - على حد تعبير فهرسة المجموعة - تحيل الى مرجعيات مألوفة ومتواضع عليها في كتب التحقيق، ولكن الخطاب الشعري يحاول واعيا ان يخلع عنها كمونها المعرفي ويحول المجموعة الشعرية برمتها الى لوحات شعرية متنامية تتحرك في نسقين - اعني المتن والهامش- متوازيين تارة ومتآلفين اخرى، وفي اطار مراوغة فنية تتأسس من حركة هدم كل ما نحدسه، فحتى عنونة القصائد لم تخضع لقانون المألوف بل جاءت في المتن مكتوبة بجانب النص وفي الهامش لا تشكل العنونة عتبة دلالية في معمار النص فحسب وانما يدخل حضورها ضمن هندستها الطباعية والانزياحية . وحين ننظر في معمارية هوامش المجموعة الشعرية التي غدت في معظمها وصايا شعرية فاننا نكون قبالة مهارة تقنية تلون في اساليبها الصياغية فقد يتأسس البناء الفني للوصية من هذا الدمج الواعي بين العنونة - قبل - والمتن - بعد- لاضاءة لوحات تشكيلية تعلن الاطاحة بالمكرور وترسيم جغرافية جديدة لخطاب شعري يجمع بين الواقعي والسريالي قارن الآتي: بالاجمل/ احفر في اقيانوس الروح عميقا / انثى مخلوقاتك بين الموجة والموجة واتركها/ تتزاحم بين فضاء الحرف/ كبلورات الجمل الفعلية(4) يتسلل من بنية النص الغاطس صوت التجربة الذي يمنح الانا المصغية داخل النص وخارجه اتزانها النفسي وفي صورة تقترب في تفاصيلها من الصورة التي قدمها افلاطون للشاعر الملهم ابان انغماره في معراج الابداع وحركته المتوافقة بين الوعي واللاوعي وبين الغموض والوضوح وبين عتمة المادة واشراقة الروح وقد اضاءت الصورة الذهنية (اقيانوس الروح) افقا صوفيا طريفا يفضح مكابدات الذات المبدعة وتعكس في الوقت نفسه رؤية المخيال الشعري الى القصيدة (انثى مخلوقاتك) لابوصفها تراصفا لفظيا مكرورا بل انها معراج جمالي مدهش يجلي الخزين المعرفي الذي يفجر طاقات المفردة الكامنة خلف رماد الرتابة والاستهلاك، انه احتراق جديد يشعل في افق التلقي وهجا دائما (كبلورات الجمل الفعلية) ولايخفى المد الزمني الكامن في الجمل الفعلية وحركته الدائبة بين الحاضر والمستقبل . وقد تتخذ الوصية شكل لافتة اشارية عنيفة تدين الذات الراضخة لسلطة التهميش والاستلاب ليكون الابداع حدثا شعريا يخضع الكينونة المرهفة لرؤى مفتتنة بترسيمات طريفة لفضاءات اللغة قارن الآتي: هاجم صباحك/بالتوغل في مسام شكيمة الافعال/ ابتكر الصواعق بالغريب من الكلام/ هاجم يديك ولا تجامل اصبعا / من يوقظ الفتنة يكتشف المجرة/ في فضاء القمح او جرح الكلام(5) تشحذ عنونة القصيدة (هاجم صباحك) ذخيرة التلقي باتجاه استذكار الوجه المعتم للزمن وعبر متواليات يعيها النص تفلح في ان تستدعي النبرة الزاجرة المطلة من عمق المرجعية العربية (الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) لنكون قبالة فضاء جديد من صنع الارادة المبدعة التي تلحق الهزائم المتوالية بالزمن العدائي المتربص بالكينونة المرهفة وهي ارادة سامية تأنف من وقوع الذات المبدعة في شرك المجاملة لذلك فانها تصرخ (هاجم يديك ولاتجامل اصبعا ) وهي صرخة تفتت لحظة الانكسار وتستحضر اكثر من مستوى ترميزي يتحرك على -سبيل المثال- المستوى الاول صوب ترسيم ملامح هذه اليد المسكونة بالرغبة في الانعتاق من اسار الترميد والتشظي وخلق فراديس متخمة بالاشراق المدوي (ابتكر الصواعق في الغريب من الكلام)، ويشتغل المستوى الثاني على رصد حركة الخوف حد الهلع من وقوع اداة الابداع (اليدين) تحت سلطة الحاجات اليومية (فضاء القمح) وقد عزز هذا التأويل الخطاب الساخر (لاتجامل اصبعا ) والاصبع كما يفترض التحليل البلاغي صورة مجازية تعيد الى مخيال التلقي ضراوة الحرمان واقترانه ب-(يد) الآخر المتحجر وهي لوحة شعرية متخمة بعتمة هزائم متوالية تستحضر مكابدات سيزيفية موصولة بتاريخ الابداع العريق منذ انبلاجه وتعكس الانين المكتوم للنص وقدرته على استجلاب الصرخة النازفة للمبدع العربي منذ الازل: توق يدا تكون عليك فضلا فصانعها اليك عليك عال لنستشعر من النصين (الحاضر / الغائب) توافقا صوتيا يفتت جدلية (المعاصر / القديم) ليعكس عذابات مشتركة مستنفرة من الحاجة والحرمان . وقد تأخذ الوصية طابع الحكمة الراسخة باختزالها لمجموعة من العلامات الاشارية وتكثيفها الحاد لبنية المسكوت عنه وبنفاذها الى جوهر الادب وصميم الثقافة بغية تخليق واقع شعري يندمج فيه الماضي المنصرم وخبراته بالحاضر الراهن ومستجداته والنص المبدع مرقاة لهما قارن الآتي: كل جديد/ شظايا قديم/ يبلورها جسد الوقت/ وينثرها في فضاء اللغة (6) يطرح المتن الغائب منذ عنونته اشكالية محتدمة بين متداولي الشعر وهي فرار الكتابة الى جزر معتمة نائية عن مصطلح الشعر في حركة تفضح انحراف النص من داخل الشعر الى خارجه وانخطافه من التجديد والحداثة الى الاغراب والتلغيز، انها حركة تؤرق الكينونة المبدعة التي نستشعرتهدج نبراتها وهي ترنو الى الراهن الثقافي المنفلت من ضوابطه الشعرية باثارة غبار المعاني واستسهال الصياغة الفنية لذلك فان صوت النص يستعيد جدلية (القديم / الجديد) ليقدمها باهاب طريف حين لاتتشكل منهما ثنائية متصادمة بل اتساقا وتوافقا . وقد تغدوالوصية مرايا دلالية صقيلة تعكس الوعي الحاد للذات المتكلمة الشقية برؤاها ازاء عتمة الاستلاب والمصادرة وتوقها الدائب باتجاه تفعيل دور الابداع القادر على اعادة تشكيل الكون وصياغة الوجود تأمل الآتي: من نجوم المجرة/ لي نجمة/ تتسكع بين جفاف هنا وضفاف هناك/ إذا تعبت من مشاويرها/ اكحلها بخيالي واطلقها تنشر الضوء للسابلة(7) تتشكل في بنية المتن الغاطس ذاتان مهيمنتان هما (انا / هي) تؤثثان لجدلية مركزية يتمحور حولها المتن الحاضر تفلح في ان تستجلب النجوم "نجوم المجرة (الملكية المشاعة) + لي نجمة (الملكية الخاصة)« بوصفها اداة تشكيلية تستدعي مدلولاتها اللونية افقا ترميزيا وفلسفيا، فالبعد التشكيلي يتجلى من خلال حركة النجمة (تتسكع + تعبت ) وامكنتها المتحركة بين اقصى الجدب (جفاف) واقصى الخصب (ضفاف) وبين اقصى القرب (هنا) وذروة البعد(هناك) وهي حركة حالمة لا تقيم وزنا لسلطة المكان، لذلك فان الانا الساردة تفزع من وقوع النجمة - التي منحها المخيال الانزياحي فضاءات مدهشة تتأرجح بين مباهج الحضور الانثوي وبين مباهج الابداع (القصيدة) في آن - في شرك الرتابة الذي ستمنحها بياضا قاتلا لذلك فان المخيلة الشعرية تفتت المسافة الفاصلة بين الذات المتكلمة وهذه المعشوقة (القصيدة / النجمة) حين تعلن (إذا تعبت من مشاويرها / اكحلها بخيالي واطلقها تنشر الضوء للسابلة) لنشهد عيانا تحولات المسافة اذ تكون بنية متفجرة تعكس فعل الكتابة (اكحلها) وقدرته في اعادة صياغة الكون والعتمة بل اننا نستشعر عبورا للنص المتوهج من فضاءات العزلة الى الواقع المحكوم بدجنة مربكة ل-(السابلة) حتى ان هذا المحمول اللفظي يضيف الى حركة النجمة (المستعار له) والذات المتكلمة حركة انوات جديدة تتعقب كاميرا النص حركتها و ملامحها المضببة بغية تسليط الضوء على وعيها الحاد بضرورة العبور باتجاه ضفة الخلاص على الرغم من عتمة الراهن بحثا عن اتقادات جديدة لفينيق الشعر(اطلقها تنشر الضوء للسابلة)، انه نص يفلح في ان يعيد الى ذاكرة التلقي دور الكلمة الملتزمة. وقد تتسع الخرائط الانزياحية للوصية فتستوعب موقفا من الحياة كلها ولكن عبر متواليات غرائبية تنسف معطيات الواقع المألوف المتشكل من القراءة التقليدية لتبلور سننا مشفرة جديدة وانساقا ترميزية تخفي هزائم متلاحقة تأمل الآتي: لاتنظر لمسرات الدنيا/ الأعلى سوف يميل كنجم غادره الضوء/ الأسفل سوف يجرك نحو احاديث الجثة/ يمناك حصى، يسراك صدى/ لاتنظر إلا لمجرا ت الداخل(8) يضيء المتن الشعري خرائط جديدة للامكنة نشهد من خلالها توقا الى تفتيت هندسة الجهات وبلورت جهات جديدة (الاعلى + الاسفل + يمناك + يسراك) بسبب من الاحساس الحاد بعبثية الانفتاح على الآخر المخاتل (نجم غادره الضوء + الجثة)، زد على ذلك ان المحمول اللفظي (يمناك ) قد افلح في ان يشحذ ذخيرة التلقي باتجاه استدعاء كل الدلالات التراثية والعقائدية المتمحورة حول هذه الجهة المقترنة بكد الانسان ومكابداته باتجاه استحصال القوت لذلك فان (الحصى ) تأتي معادلا فنيا دامغا لحصيلة الجهد البشري وقد عزز هذا التأويل البوح النازف المستجلب من (يسراك صدى) لنكون في مواجهة يدين مكبلتين باللهاث خلف االحاجة الآنية اليومية، لذا فان خاتمة النص الزاجرة (لاتنظر إلا لمجرا ت الداخل) قد شكلت افقا تنويرا يزيح عتمة الراهن المتخم بالحرمان والتشظي وهي النبرة الصوتية ذاتها التي شكلت عنونة النص وعتبته الاولى (لاتنظر لمسرات الدنيا) لتتشكل منهما عضادتان نغميتان تتحركان حركة دائرة تؤطر المتن الشعري زد على ذلك ان تكرار النهي (لاتنظر + لاتنظر) قد شكل اضاءة ايقاعية لافتة تصرف نظر الآخر المتلقي من العالم خارج الذات (مسرات الدنيا) الى مجال متخيل،كون ذاتي ذو بعد زمني مطلق(مجرات الداخل) اننا في هذا التوازي الدلالي لخاتمة النص وعنونته نكون ازاء دعوة للانفلات من الزمكان والانبعاث الشعري من صميم اليومي والمعاش المدجج بالمصادرة والاغتراب، بل ان انتقاء الترميز الكنائي (مجرات الداخل) يعكس حركة الذات المسكونة بالابداع باتجاه الرقي الفكري بمعنى انه لايعكس نكوصا واستسلاما لمعاول التهميش، انما محاولة لفك طلاسم العتمة الجاثمة على الذات الانسانية انى كانت والساعية لإلغائها بجعل الابداع الفكري - على اختلاف صنوفه- تعويذة سحرية تقي الانا المرهفة بطش الامكنة الملغومة. و قد يخلق المخيال الشعري من الوصية معراجا ايحائيا يعيد الى ذاكرة التلقي التوازي المضموني بين فن الوصايا العريق بهندسته الصياغية المؤثثة من اساليب الامر والطلب ورغبته العارمة في اعادة صياغة الآخر المتلقي خارج النص وبين الاهاب المعاصر لهذه الوصايا حين تنصب على جوهر العملية الابداعية لتكون مرقاة سحرية ترتقي بالكينونة الشاعرة الى فضاءات مسكونة بالطرافة لاحظ الآتي: يا ابن يديك/ امسك جمرة الكلمات/من ألف الرعونة حتى ياء اليأس/ غامر كالضحى في ارخبيل الليل/ اذهب كالخرافة في تحولها(9) تتناسل في بنية النص الغاطس ثنائيات متآلفة ومتخالفة في آن واحد ولعل ابرزها جدلية (انت / انا) وهي جدلية تتحرك في اتجاهات متباينة نستشعر مدياتها عبر حركتين لنبرات صوت النص تتحرك الاولى من خارج النص الى داخله وتتجه الاخرى من داخل النص الى الخارج فنكون تارة في مواجهة حوار داخلي (10) (monologue) بين الانا المتكلمة وذاتها ومن خلال استدعاء تقنية التجريد الفني(11) وتارة اخرى في مواجهة حوار خارجي(12) (dialogue ) يعكس توقا في مد جسور الحديث مع الذات المصغية خارج النص، وقد عزز هذا التأويل حشد افعال الامر قياسا بخريطة النص (امسك + غامر + اذهب)، وقد كثفت صيغة النداء (يا ابن يديك) التباسات مشفرة يعيها المخيال الشعري، اذ ان هذه الجملة الخطابية قد عكست تضادا حادا يتحرك بين اقصى الانفصال بين (انا / انت) بدلالة ياء النداء واقصى التماهي بينهما بقرينة كاف المخاطب لنشهد رغبة النص في التلاعب بخرائط الامكنة زد على ذلك ان العنونة اللافتة (يا ابن يديك) قد افلحت في ان تكون نصا متاخما يعكس النبرة الزاجرة التي تعلن عن دور الارادة المبدعة المرموز لها بـ(اليد) في تهميش عتمة الراهن والاجتياز بالانا المرهفة بعيدا عن سلطة الارهاب الفكري لبلورة فضاءات طريفة تفضح ابجديات جديدة للبوح تتحرك من (الف الرعونة الى ياء اليأس) لنكون في مواجهة اتقاد فينيقي جديد ينفض غبار التكرار عن (جمرة الكلام) لتتأكد عبقرية الكلمة وقدرتها على النفاذ الى خضم دلالي مسكون بالتضاد (التمرد "الرعونة/ "الانكسار" "اليأس") و(البدء "الالف" /"الخاتمة" "الياء") و(الانبلاج "الضحى/ "العتمة" "ارخبيل االليل") وهي متضادات متناسلة متوالدة تقوم بتفعيل البنية الدرامية للنص، وتأتي الجملة الاخيرة على هيئة وصية (اذهب كالخرافة في تحولها) كي تزيح النقاب عن آلية النص المسكون بالدهشة بل ان الصورة التشبيهية المرسلة باستدعائها اداة التشبيه الكاف لا لتفصل بين المشبه (انت) الكامن في الفعل (اذهب) والمشبه به (الخرافة ) بل لتضيء تهافت الفاصل المكاني الذي يفصل بين طرفي التشبيه وليتمظهرتحديا آخر يضعه النص امام المخيلة الشعرية ويدعوها لتفجير هذه الترسيمات الجغرافية الواهية التي تفصل الكينونة الشغوفة بايقاد جمر الكلام عن (تحولاته) المدهشة لنكون قبالة اتقاد بروميثيوسي مغاير يشهد من خلاله القارىء عيانا احتراقات الكينونة المبدعة ومكابداتها وهي تنفخ عن جمر الكلمات رماد الرتابة والتكرار. وبعد، فان مجموعة (من اوراق ابن الحوبة) للشاعرالبحريني علي الشرقاوي قد خلقت بشكل لايقبل الشك فتحا شعريا جديدا يتضح عبر اكثر من مستوى ولعل ابرز هذه المستويات هما مستويان احدهما محسوس والآخر ترميزي ايحائي فاما المحسوس فيتكىء الى النبر البصري المتشكل من تشذير الفضاء التدويني الى متن وهامش وهو بالضرورة يفضي الى مستوى ايقاعي سمعي اذ نستشعر انبثاق الصوت الجهير من المتن وكمون الصوت الخفيض في الهامش، واما المستوى الآخر فانه يشتغل على فكرة تعيد الى ذاكرة التلقي ملامح الانا المبدعة المنشغلة بخرائط البوح واسلوب صياغة الخلق الادبي وقد عكست هذا الوعي في بنية انزياحية مشفرة لا تخرج عن دائرة الوصايا الشعرية وعبر تشغيل واع لكل الفواصل والحروف والارقام والتشكيلات الطباعية - التي سنقف عند حرفيتها في دراسة لاحقة - كي تتبلور فراديس شعرية خاصة تتوق لان تواشج بين القارىء والمقروء وقبلها سعت الى ان تبلور من لغتها الشعرية كائنا ورقيا (ابن الحوبة) وهو كائن يخفي تحت ملامحه توقا عارما الى استجلاب قارىء متأمل قادر على التقاط ذبذبات النص التي تشكل المعنى الكامن وراء المحمولات اللفظية والمسكوت عنه. الهوامش: (*): علي الشرقاوي، من اوراق ابن الحوبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2002 (1): الوصايا: فن ادبي شاع في العصر الجاهلي صاغته مخيلة العارف (المتعدد الوجوه، فقد يكون زعيم القبيلة او كاهنها، او خطيبها، او معمرها، او حكيمها، وكان للوصايا سوق ناشط في عكاظ وعدن ابين، يجتمع الناس حلقات حول صاحب الوصية، ...، ويختلط الشعر بالنثر في فن الوصية او النثر بالشعر ضمن بناء يلجأ فيه المنتج الى التكثيف والتلميح والتمليح والتكرار والاشارة) . للاستزادة ينظر: د. عبدالاله الصائغ، الادب الجاهلي وبلاغة الخطاب (الادبية وتحليل النص)، دار الفكر المعاصر، صنعاء 2000، ص 536 وما بعدها . (2): ويرى الدكتور محمود عبد الرحيم صالح بان الوصايا تهدف الى التوصيل اكثر من التجميل لذلك فان الخيال فيها قليل وتستثمر الاقناع لا الامتاع لذا فانها تخاطب العقل بالدليل دون تكليف وهذا هو احد مسوغات اكتنازها بالاساليب الطلبية كالامر والنهي المقترنة بالتعليل وذلك لبيان الهدف الذي يرمي اليه القائل وهي تعمد الى التركيز والايجاز لسهولة الحفظ ووضوح الدلالة لاقناع المتلقي...، للاستزادة: ينظر: د. محمود عبد الرحيم صالح، فنون النثر في الادب العباسي، منشورات وزارة الثقافة، ط1، عمان 1997، ص 40 وما بعدها . (3): رشيد يحياوي، الشعر العربي الحديث، دراسة في المنجز النصي، افريقيا الشرق، المغرب / لبنان 1998، ص72 ؛ (4): علي الشرقاوي، ص56 (5): نفسه، ص 66 (6): نفسه، ص 64 (7): نفسه، ص 88 (8): نفسه، ص 140 (9): نفسه، ص11 (10): مجدي وهبة، معجم مصطلحات الادب، مكتبة لبنان، بيروت 1984، ص220 (11): التجريد: فن بلاغي يخلص فيه الشاعر الخطاب للآخر وهو يريد نفسه لا المخاطب، ينظر: ابن الاثير، المثل السائر، القاهرة 1939، ج1 / ص423، للاستزادة: ينظر كتابنا: زهرة اللوتس، قراءات بلاغية في شعر علي عبدالله خليفة، دار العلم للملايين، بيروت 2002،ص 150. وكتابنا: الصورة الاستعارية في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2003، ص 85 (12): مجدي وهبة، 110 |
|||||
|
|||||