|
|||||
|
رغم ان علي القاسمي عرف بمعاجمه وتراجمه عن اللغة الانجليزية التي أوصلته الى القراء والمعنيين من العرب والاجانب الا انه لم يتخل عن حلم زامله ولا أقول راوده في كتابة القصة، وعندما كتب عن الأدب العراقي في بدايات عمله الجامعي فانه اختار القصة دون غيرها من الأجناس الأدبية ليكتب عنها. بدأ القاسمي بنشر ما كتب من قصص في هذه الصحيفة او تلك المجلة ثم اختار مجموعة مما نشر وأصدرها في كتاب تحت عنوان "رسالة الى حبيبتي" عام 2003 ليتبعها بمجموعة ثانية في العام نفسه تحت عنوان "صمت البحر". أي أن عام 2003 المنصرم هو عام يعني الكثير بالنسبة له اذ به دخل الساحة الأدبية قصاصا وبمجموعتين لا مجموعة واحدة. ولابد أن نشير هنا الى انه اصدر في هذا العام أيضا كتابا ثالثا ضم ما ترجمه من أقاصيص من الأدب الأمريكي. وقد اختار للكتاب اسم "مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة". وربما كانت هذه المجموعة التي تضم قصص كتاب الستينيات في أمريكا ومن جاء بعدهم من كتاب أصغر سنا هو الكتاب الأول الذي عر فنا بتجارب هؤلاء القصاصين ومشاغلهم وتقنيات قصصهم والموضوعات الأثيرة لديهم. ونشير هنا الى ان علاقة القاسمي بالترجمة ذات العلاقة بالقصة تعود لعدة سنوات اذ أصدر كتابا بعنوان "القصة البوليسية" لجوليان سيمونز ببغداد عام 1984م كما اصدر قبل هذا التاريخ وفي عام 1969 ببغداد ترجمة لمسرحية "الفلاح البائس« لهولبورغ، ولا ننسى ترجمته الناجحة ليوميات همنغواي بباريس "الوليمة المتنقلة" في طبعتين عام 2001 بدمشق وعام 2002 في المغرب. لن أتحدث هنا مقارنا بين مجموعتيه "رسالة الى حبيبتي" و"صمت البحر" فهما متقاربتان ومتداخلتان لكون قصصهما حصيلة مرحلة كتابية واحدة وليس في سنة النشر فقط. ولكنني سأتحدث عن مجموعته "صمت البحر" والملاحظة الاولى التي يمكن تسجيلها عنها ان جميع قصصها تقريبا هي (قصص ذاكرة)، أي انه رغم بعده الزماني عن العراق وعن مدينته الصغيرة المنغرسة في أرض قامت عليها الحضارة السومرية وعلى مشارف مدينة الورقاء، حيث ظهر الملك جلجامش الذي حملت أقدم الملاحم الانسانية اسمه وهي "ملحمة جلجامش" التي سماها الباحثون "اوديسة العراق القديم" فان تلك الأرض رافقته بأناسها وحكاياتها وتاريخها وهمومها اينما حل. أما الملاحظة الثانية فان الكاتب ينطلق دائما في أي قصة من قصصه هذه من حكاية ربما تكون حقيقية ولكنه يحكيها لنا بلغته الخاصة وفهمه لفن القص. ثم تأتي الملاحظة الثالثة وهي ان الكاتب رغم قربه من القصة الانكلوسكسونية بشكل عام والامريكية بشكل خاص وقراءته لعشرات النماذج منها ثم اختياره لأكثرها حداثة لغرض ترجمتها فان هذه القصة لم تؤثر فيه ولم تزحزح قناعاته ومفاهيمه لفن القص. وهذه مسألة مهمة جدا. أي انه يستوعب ما يقرأ وعند ترجمته فانه يستوعب ما يقرأ جدا. ويبدأ بنسج النص وتشييد عمارته بلغته- أي المترجم- العربية دون ان يفلح النص في مسخ ما يكتبه هو، وهذا دليل أن قناعاته راسخة. ولا تهددها القراءات كما يحصل في السرد العربي الحديث الذي نجده عامرا بالنصوص المستنسخة التي بالامكان العثور على مرجعياتها لدى كتاب من غير العرب، وانهم لم يكتبوا بهذا الشكل الا لكونهم وقعوا في فخ الانبهار الأعمى بالقادم من لغات أخرى وبيئات مختلفة. أما الملاحظة الرابعة فان القاسمي رغم اصراره - وهذا ما لمسته شخصيا - على أن يحكي في كل قصة حكاية، وربما وجد البعض في هذا تقليدية معينة ووجدانية لم تعد القصة تركز عليها وهي تتحول الى مقاطع او استرجاعات ولصق (كولاج) بتأثير من فنون أخرى كالفن التشكيلي والسيناريو، الا ان الكاتب لا يجد أي حرج في أن يفعل هذا ويركز على الحكائية. لكن حداثته تتمثل في أمرين هما أولا: حداثة لغوية منتقاة وصافية لا فائض فيها. وثانيا: ادخال وسائل حضارية حديثة مثل الحاسوب كأحد الشخوص الفاعلين في مسار أحداث بعض القصص. واضرب مثالين هنا أولهما في قصة "أخضر العينين" وهي تتحدث عن كمال الشاب الذي يمثل الوسامة الرجولية في أبدع حالاتها وعن هيام الفتاة التي تقع في غرامه. وقبل أن يطلب يدها يقترح عليها أن يعرفها على والديه فلبت اقتراحه، ولكن ما فاجأها أن هذين الوالدين هم نقيضا ابنهما اذ يمثلان الدمامة بشكلها المفزع والمقرف. وهنا أرادت هيام ان تعرف إن كان كمال ابنهما حقا، أم انهما تبنياه؟ وقد علمت منه انه ولد في أمريكا يوم كان والده يدرس هناك فتتابع عن طريق صديقة لها مقيمة في أمريكا وبواسطة الإنترنت عناوين مستشفيات الولادة في مدينة ايست لانسنغ بولاية شيغان حيث ولد مع تاريخ ولادته. وانتظرت حتى جاءها الجواب بالنص التالي وعبر البريد الالكتروني: (يمثل كمال) هذا أوج معطيات تكنولوجيا الجينات والهندسة الوراثية في أمريكا قبل ربع قرن. ركبه الباحثون في مستشفى مشيغان التجريبي استجابة لقائمة طويلة من المتطلبات والامنيات التي طرحها والداه على مجموعة الباحثين وتشتمل على جميع المواصفات الجسمية والنفسية المثالية). مما جعل هياما نهبا للحيرة والتساؤل وهي في طريقها لمقابلة كمال (الكائن المركب تركيبا اصطناعيا في المختبر). والمثال الثاني في قصة "الغيرة القاتلة" فرغم المباشرة في هذا الاسم ويوميته فان القصة تتحدث عن أحد العلماء والرجل الآلي الذي اخترعه ليكون بمثابة الخادم له، وقد اطلق عليه اسم (فريد) وهو ثمرة بحثه في ميدان (الذكاء الاصطناعي) ومن ثم اختار ان يضيف اليه امرأة آلية أطلق عليها اسم (فريدة) لتعين فريدا في المهام الكثيرة التي أوكلها اليه. ولكن القصة تبدأ بتمرد فريد على مخترعه وحمل مطرقة حديدية ليدمر كل ما في بيت ومختبر سيده وموجده. وعبثا يحاول تهدئته، ومن ثم البحث عن كيفية السيطرة عليه الكترونيا. فكان فريد هذا يقرأ أفكاره ويعرف انه يبحث عن الوسيلة التي يقضي بها عليه. ويظل العالم يخاطب نموذجه الآلي الذي توصل اليه بلغة العلم متهما اياه بأنه لم يتوصل الى (التفسير الدقيق للذبذبات المغناطيسية الصادرة عن دماغه)- اي العالم. ويعترف العالم بأنه لا مكان للغيرة في حياته. ما دام رجل علم، وكل الأمور محسوبة وبدقة لا تتدخل فيها العواطف ولا المشاعر. فكيف (يتمرد) عليه الرجل الآلي الذي اخترعه؟ وكان السبب الذي حيره ان كان تصرفه هذا وليد غيرة من دخول امرأة آلية الى حياتهما، وقد منحها المخترع كثيرا من اهتمامه وأسند اليها بعض المهام التي عليها القيام بها، واسند أخرى الى فريد. كان هذا المخترع المتخصص في (الذكاء الاصطناعي) والذي جسده أولا في رجل آلي ومن ثم في امرأة آلية في أشد حالات الخوف والهلع من أن يقوم فريد المتمرد على سيطرته بتحطيم كل اجهزته التي أمضى عشرين عاما في تطويرها. كما ان الكاتب لا ينسى أن يذكرنا بأن اختراعه هذا لم يكن متكاملا اذ انه لم يتصور ان اختراعه سيتمرد عليه. يقول: (وتحول الخوف في أعماقي الى هلع ورعب عندما تذكرت انني لم اتخذ ما يلزم من الاحتياطات التقنية للسيطرة على فريد اذا عن له العصيان) ومردفا القول: (فالرجل الآلي من حيث الاساس بمثابة عبد قوي البنية، ضعيف العقل، ينفذ تعليمات المبرمج ويقوم بالمهمات التي يوكلها اليه صاحبه). وهناك تفاصيل عن هذا الرجل الآلي، فقد كان على هيئة مخترعه، لدرجة التطابق، حتى ان بعض زواره يتصورونه هو- وهنا نجد مبالغة اذ الأمر مستحيل طبعا، ولكنها مبالغة مقصودة كما بدا لي. وتنتهي القصة بتساؤل المخترع- القصة تروى على لسان وضمير المتكلم- ان كان السبب في غيرة فريد هو (من فريدة لأنها استأثرت بمودتي وحازت على تفضيلي لها، أم انه صار يغار مني لأنه وقع في غرام فريدة؟). وهكذا تنتهي القصة بسؤال ليس هناك جواب محدد له، وللقارئ أن يضع الجواب بنفسه، واعتقد لو ان الكاتب وضع أي جواب لأفسد هذه القصة. وما نلاحظه بعد قراءتنا لقصتي (أخضر العينين) و(الغيرة القاتلة) ان القاسمي لم يعد يستعمل الحاسوب في انجاز مؤلفاته فقط، وهذا ما يفعله الكثيرون من الأدباء العرب وان جاء هذا بشكل متأخر عن أدباء المغرب بل انه حو ل الحاسوب وعالمه الى بطل في قصصه، وهذه الحداثة بعينها. ويمكن القول هنا أيضا ان حداثة النص القصصي ليس في تقنيته فقط ولا في لغته ولكن أيضا وهذا هو المهم جدا في موضوعه الذي ينبعث من قلب هذا العالم الرقمي الذي أصبحنا فيه، وعلينا ان نلم به، أذكر هنا ما رواه الصحفي صلاح الدين حافظ عن سؤال وجهه له صديقه الروائي المتميز فتحي غانم ان كان يستعمل الحاسوب أم لا؟ وعندما أجابه بـ(لا)، داعبه بقوله: ان لم تفعل هذا فأنت أمي. واعتقد بان القاسمي اقترب في هاتين القصتين من عالم ما يمكنني ان اسميه (القصة العلمية) التي نفتقدها في مدونتنا السردية العربية عدا محاولات قليلة (ما يفعله الدكتور مصطفى محمود رغم القراءة الدينية للعلم في كتاباته). والملاحظة الخامسة التي يمكن تسجيلها على قصص "صمت البحر" هي عفوية الحكاية وبساطتها ولنا الدليل على هذا الرأي في قصص مثل (الرسالة) وعنوان هذه القصة يأخذك الى موضوعها. هناك رجل ينتظر رسالة تأتيه من فتاة تعر ف عليها في بلد غير بلده ورغب في الاقتران بها، ثم تصله الرسالة أخيرا ولكنها تصدمه اذ ورد فيها قول الفتاة: (أحبك أحبك ولكنني لا أستطيع أن أفارق بلدي) فتنتهي القصة. ولكن الرجل كان وقتها مرميا على الأرض (مغشيا عليه، وقد تصلبت أصابع يديه على ورقة الرسالة). عثر عليه المستخدم المسؤول عن تنظيف المكاتب بعد مغادرة الموظفين. ولعل حبا بلغ أعلى ذرى رومانسيته في هذه القصة أصبح غائبا، لا وجود له، ومن هنا يمكن القول ان القاسمي ما زال مشدودا لرومانسية القرية العراقية والعشاق المناكيد على طريقة قيس ابن الملوح. وربما كان هذا الحكم أيضا ينطبق على قصة "صمت البحر" أول قصة في المجموعة والتي أطلق اسمها على المجموعة كلها. فهناك امرأة أرملة تعيش مع ذكريات زوجها الراحل، حتى أثاث البيت تركته وفق الترتيب الذي كان عليه في حياة زوجها. ومع هذا تجد شابا تخرج معه الى شاطئ البحر، وهو ما يعرف ما ألم بها. ويحاول أن يخرجها مما هي فيه، والقصة مكتوبة بتناوب بين ضميرين متكلمين، الارملة والشاب. كانت ترافق الشاب بسيارته الى مكان محدد على شاطئ البحر. وهنا أفلح الكاتب في وضع خاتمة دالة لهذه القصة وعلى العكس من قصة (الرسالة)، اذ جعلهما عندما يعودان الى المدينة (استرعى انتباههما بعض الجنود وهم يمدون أسلاكا شائكة على مدخل الشاطئ، ويعلقون لوحة كتب عليها "منطقة عسكرية، الدخول ممنوع). فما كان من الشاب الا ان قال لها: (يبدو انه ليس بوسعنا العودة الى الشاطئ بعد اليوم. هزت رأسها موافقة ولفهما الصمت). وكما رأينا فان هذه الخاتمة قابلة للتأويل ومتفتحة على قراءات كثيرة بدءا من عبارة (الأسلاك الشائكة) أو (منطقة عسكرية). لكنني ومن وجهة نظري وجدت الشرح الأخير زائدا وأعني بذلك جملة (هزت رأسها موافقة ولفهما الصمت). وبالامكان ايراد أمثلة أخرى على بساطة الحكاية عند الكاتب والتي تقترن غالبا برومانسية فائضة ربما لا يتقبلها البعض، ونجد هذه الرومانسية حتى في قصتيه اللتين توقفنا عندهما كمثالين لتوظيفه للغة العصر (الحاسوب). في الكتاب قصص مستوحاة من أحداث حقيقية الى حد كبير، ويمكن القول في هذا المجال أنها قصص تعتمد التسجيل، ولنأخذ قصة (الأستاذ والحسناء) مثلا. أو قصة (الظلال الملتهبة) التي تدور حول استاذ عراقي عائد الى بلده من بعثة ليعي ن استاذا في الكلية التي درس فيها ويسميها الكاتب (كلية التربية)، ومع هذا رفض العمل في هذه الكلية لولا الحاح العميد عليه. ثم نكتشف انه ما فعل ذلك الا لأنه عاش قصة حب مع زميلة له انتهت باحتراقها وموتها في حادث منزلي. ويحتفي الكاتب بالمكان (كلية التربية) ويدور مسترجعا كل محطة كانت له معها فيه ذكريات مهما كانت صغيرة. لكن خاتمة هذه القصة تذكرنا بخاتمة قصة "الرسالة" اذ نجد الأستاذ وبعد أن يبدأ بمحاضرته حتى يطالعه بين الطلبة وجه فتاة تشبهها تماما، فيرتبك. ويبدأ جسده بالتعرق ويجد نفسه غير قادر على مواصلة الدرس، فيستأذن من طلبته ويعتذر لهم عن توعك يمنعه من الاستمرار، لكن الفتاة تتقدم اليه لتخبره انها اختها الصغرى. وهذه المعلومة تجعلنا نتذكر ان الكاتب قد رمى لنا بها في بدايات القصة عندما سألها زميلها العاشق ان كان أحد يعرف بعلاقتهما فأخبرته بأنها تحكي كل شيء لأختها الصغرى. وعندما نخضع عنوان القصة للتساؤل، والى أي حد له علاقة بأحداثها، (الظلال الملتهبة)، نفعل هذا ولكن دون أن نبحث عن جواب فالتساؤل موجه للمتلقي. كما ان نهاية اكثر من قصة في المجموعة، ووفق رؤية الكاتب ومفهومه تكون في بعض الأحيان على درجة من المفاجأة، وقد تكون المفاجأة مباشرة. مثل قصة "الغائبة« والفتاة الطالبة "حسناء" التي تعيش مع أبيها الذي سهر على تربيتها بعد ان وصل اليها همس زميلاتها في المدرسة: (أمها هربت مع سائق شاحنة). رغم ان اباها لم يرد على سؤالها الملح: أين أمها؟ وآنذاك ادركت سر صمته وانقطاعه لها تربية واهتماما رغم ان العمر يتقدم به مما يحز في نفسها ويؤجج الأسى في أعماقها. وذات مساء وبينما كانت الفتاة تهم بتناول العشاء مع أبيها اذا بالباب يطرق، فتنهض لتفتحه، وتفاجأ بامرأة تتأملها قبل ان تسألها ان كانت هي حسناء; وعندما ترد بنعم، تخبرها المرأة أنها أمها، لكنها ترفضها وتغلق بوجهها الباب قائلة لها: (ليس لي أم، يا سيدتي، شكرا ). وعندما عادت ردت على سؤال أبيها عن الطارق فردت: (امرأة مسكينة). وعاد صوت الأب الطيب يسألها: (وهل أعنتها؟). فأجابت (بأسى): (الله يعينها ويعيننا). وهذا الجواب خال من الحقد رغم انه عاش فيها منذ ان تناهى اليها الهمس عن تصرف أمها. بل تركتها لله (يعينها) وفي الآن نفسه (يعيننا)- وتقصد هي ووالدها- وربما كل الناس المحتاجين لهذا العون من ربهم. فالمصاب كبير ومد مر مزق أسرة كان من الممكن أن تحافظ على الود والتآلف. ويبقى الحب بشكله الطهراني الشفاف هاجس الكاتب الذي ما ان يغادره قليلا حتى يعود اليه. في قصة "الشاعرة" مثلا المستوحاة من قصة حب الشاعرين البريطانيين الشهيرين روبرت براوننغ واليزابيث باريت براوننغ اللذين عاشا في القرن التاسع عشر. ولكنه يسقط القصة على شاعر شاب يحب شاعرة معروفة دون أن يراها ويلح على مكاتبتها حتى تستجيب له. ويقرر الهرب بها ليتزوجها، ثم نكتشف انها كانت مقعدة كما هو حال اليزابيث باريت التي استطاعت المشي فيما بعد. وكان المدخل للقصة مقطعا من قصيدة لاليزابيث باريت وفي متنها مقطع من قصيدة لنازك الملائكة. ويعمد الكاتب الى كتابة قصة (موازية) لقصة ستيفان زفايج الشهيرة "رسالة من امرأة مجهولة« في قصة أخرى عنوانها "رسالة من فتاة غريرة«. قلت (موازية) ولم أقل ان بينهما علاقة (تناص). هنا فتاة توجه رسالة لشاب أحبته، وتحكي له عن حبها، فلماذا وصفها بـ(الغريرة) وما هي بذلك ولا كذلك؟ هل هذا لانها أحبت؟ وقد لفت نظري وضمن الوصف انه لم ينس ما هو عراقي رغم انغماسه الطويل في الحياة المغربية معايشة وثقافة وعلائق انسانية. فهي تصف النهار بالبابلي- نسبة الى مدينة بابل العريقة- أو انها تتحدث عن ضفة النهر. والكاتب يعانق ماءين هنا: البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مثلا. مشكلة هذه الفتاة هي انها وقعت في هوى استاذها الذي تكتب له رغم انها من دين آخر غير دينه، هذا أولا، كما انه متزوج من سيدة جميلة وأنجب منها هذا ثانيا. وهذان السببان يقفان سدا أمام حب الفتاة لاستاذها. والقصة مليئة بالأوصاف التي كم كنت أتمنى ان يتحرر منها قاموس الصديق القاسمي السردي مثل: (أعبدك بلا رجاء، لكي ترى ان حبي لك بريء نقي كقطرات هذا المطر). أو: (أشمك في عبق الورد، وشذى الفل، وعطر الزنابق) أو: (وأشاهد ملامحك في براعم الأزهار واوراق الأشجار، واسمع صوتك في خرير الجداول، وهبوب النسيم وحفيف الأغصان). هذه (الجبرانية) الفائضة من الممكن تشذيبها بأوصاف تجعل قاموسه- وهو من واضعي القواميس- أقرب الى ما نعيشه اليوم من سعير وسعار. ولكن مع هذا استطيع القول ان أجمل ما في هذه القصة نهايتها. وذلك عندما تحمل لها صديقتها الجواب المنتظر على رسالتها وفي يوم ممطر. ولكبر فرحتها بالجواب حلقت حتى قبل ان تقرأ كلمة منه، وخرجت لترقص تحت زخات المطر لتطلق خزين الفرح المؤجل لمثل هذه اللحظة، تبللت ثيابها، ولم تأبه، رقصت ورقصت حتى تعبت. وعندما أرادت قراءة الرسالة اكتشفت ان المطر قد أذاب حبر حروفها ولم يعد فيها ما يقرأ. ان قصص هذه المجموعة "صمت البحر" البالغة عدد اثنتي عشرة قصة ما يميزها أمران هما: صدقها وعدم التكلف. ينضاف اليهما انه لم يستطع ان ينتزع نفسه من مفاهيم للحب والحياة والمرأة تعلمها صغيرا وعاشت معه كبيرا، ومن شب على شيء شاب عليه كما يقول مثلنا العربي البليغ. |
|||||
|
|||||