رونيه كروفيل 1900/1935:
السوريالي المخدوع

 

عزيز الحاكم (شاعر وكاتب من المغرب)


ساند الحركة السوريالية بقلبه وقلمه، وواظب على حضور كل اجتماعاتها وتظاهراتها، واطمأن الى راديكاليتها ونزوعها الثوري. ونادى بالجمع بين تحرير الذات وتحرير المجتمع، بين الشعر والسياسة. وعندما خذله عرابها الفظ فتح أنبوب الغاز عن آخره ليستنشق عبير الموت بطواعية مروعة.

معاشرة الأوباش بأناقة فائقة

في الثامن عشر من يونيو 1935 وضع الكاتب رونيه كروفيل Rene Crevel حدا لحياته في شقته بشارع نيكولو في باريس. وهو في ذروة الشباب. وقد عثر بجوار جثته على ورقة كتبت عليها عبارة: "المرجو احراق جثماني.. يا له من اشمئزاز" وبعد انتحاره اكد بعض معارفه انه كان يشكو من مرض عضال. لكن إليزه ومارسيل جواندو، وهما من أقرب الأصدقاء اليه، يريان بأن المسؤولين الحقيقيين عن موته هم السورياليون، وتحديدا الشاعر اندريه بروتون. كتب جواندو في صحيفة الفيجارو: "لا شيء يشبه الجريمة مثل الانتحار" مستشهدا ببعض الكلمات التي أسر له بها كروفيل: "ان بروتون هو إلهي(...) وعندما سأفقد الثقة في كل شيء، في نفسي وفي كل الناس، فاني سأؤمن ببروتون. واذا ما خيب بروتون آمالي فإنني سأنتحر". ويوضح مقال جواندو طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الرجلين في غمرة المعارك التي خاضاها معا باسم السوريالية، لقد كان بروتون هو عراب الحركة، لكن من يكون كروفيل؟

بعض الاحتفائيين الذين كانوا يترددون على باريس الجنونية في العشرينيات يعتبرونه واحدا منهم. وهذا صحيح الى أبعد حد. ذلك أن الشاب ذو الوجه النضر، بأناقته الدائمة وظرافته وغبطته الصافيتين، كان من الضيوف المواظبين على حضور الحفلات الراقصة والسهرات الراقية. وهو نفسه ذلك الغندور المنهمك في اعداد الكوكتيلات، في كتاب (القدمان في الصحن) الذي وضع مقدمته الشاعر (ازراباوند) وصدر عن منشورات Pauvert سنة 1974. يكتب كروفيل: "على جبينه تتدلى خصلة شعر شقراء. يرتدي ربطة عنق وردية باهتة، وبدلة زمردية من الحرير الجرسي، وينتعل خفين من الجلد البنفسجي..." وبمثل هذا الهندام الغندوري كان الكاتب يتردد على بعض الصالونات والمقاهي المسايرة لذوق العصر، ولا يخشى معاشرة الأوباش في حفلات الزنوج الراقصة او بعض الحانات الحقيرة. وكانت حياته العاطفية مشوبة باضطراب كبير ومغامراته الجنسية تفوق الحصر. كما كان يتسلى، على غرار جان كوكتو، باستفزاز الفئات البورجوازية. ومما ساعد على تأجج انفعالاته كونه بدأ يكتب وهو في سن المراهقة، وانخرط في الحركة السوريالية منذ نشأتها، وأخذ يحضر الاجتماعات التي كان يعقدها أندريه بروتون مع رفاق السلاح. وكان شديد الاعجاب ببروتون. وهو الوحيد من بين السورياليين الذي ظل وفيا له، رغم كل الأزمات والانشقاقات وعملية الطرد التي مزقت الحركة، وكان بروتون هو الآخر يضع فيه كامل الثقة. ولو أنه كان ينفر من بعض تصرفات كروفيل. وفضلا عن ذلك كان تصورهما للكتابة مختلفا. فمن المعروف عن بروتون انه كان يكره الرواية، وكانت المواربات التخييلية التي يوظفها كروفيل في معظم كتاباته تزعجه وتنفره.

الربان والعاصفة

لكن من أين ينبع هذا التواطؤ التام بين الكاتبين؟

لقد كان بروتون بالنسبة لكروفيل هو المرشد الحقيقي. ولم تكن الخلافات العابرة لتؤثر على هذه الصورة. وكان بروتون من جانبه مفتونا بسحر كروفيل ومواهبه، ومعجبا أشد ما يكون الاعجاب بقدرته الدائمة على الغضب، فقد كانت روحه ثائرة، وعذابه النفسي من القوة بحيث لا يمكن تلطيفه. وكان توتره وسخطه على المجتمع وسعيه الدؤوب الى المطلق، من السمات التي تشكل في رأي بروتون مصدرا لا ينضب للطاقة الخلاقة.

ولذلك يعتبره خير مجسد للسوريالية. ويدرجه ضمن لائحة "الشداد" في بيانه السوريالي لانه "ابان عن سلطة سوريالية مطلقة".

كتب بروتون في المجلة البلجيكية "وثائق 34" مقالا في الموضوع جاء فيه: "ما هي السوريالية؟" انها السفينة التي يقودها رونيه كروفيل، في أوج العاصفة، وعيناه مغمضتان".

هذه الراديكالية يتقاسمها كل من بروتون، وكروفيل في مضمار الأدب، وفي السياسة أيضا، كلاهما يعتبران ان تحرير الذات يتساوى مع تحرير المجتمع. ولذلك كانا مستعدين لخوض النضال والالتحاق بمعسكر الثوريين. لكن هل ينبغي لتحقيق هذه الغاية الانخراط في الحزب الشيوعي؟ حول هذه المسألة سيحتدم الجدل في الوسط السوريالي. وسيتبنى بروتون موقفا أوسط يقضي بخوض النضال الى جانب الشيوعيين، مع الحفاظ على استقلالية تامة في مجال الابداع الفني. غير ان هذا الموقف المركب سيصطدم على مستوى التطبيق بصعوبات شتى، ويشعر بروتون بإرهاق شديد. ولم يؤازره في محنته إلا رونيه كروفيل الذي كان يرى ان حرية الكاتب ورسالة الثوري مقدستان. لكن اقتناعه هذا كان مزاجيا ولم يكن قائما على اختيار ايديولوجي واضح. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكاتب متحمس وانفعالي، يتجاوزه تطرفه السياسي. وقد يأتي عليه يوم يخترق فيه الحدود المرسومة من طرف بروتون. آنذاك سيتم الطلاق المحتم. وهذا ما لن يطيقه كروفيل، نظرا لهشاشته وجمعه ما بين شمائل كثيرة، فهو شاعر طليعي ومجادل لا يقهر ومناضل ثوري وكائن مرح مقبل على مسرات الحياة بدون شرط ولا قيد، كما ان حالته الصحية لم تكن تبعث على الارتياح. فقد كان مهددا بالموت في كل لحظة. وكان من حين لآخر يختفي عن الانظار لشهور عديدة. وتنقطع أخباره إلا عن بعض الأصدقاء المقربين الذين كان يوافيهم من مصحة ببطاقات صغيرة. وفي سنة 1925 تم تشخيص دائه ليكتشف انه مصاب بالسل. وبعد اربع سنوات على ذلك اقتطع الأطباء بعض اضلاعه كي يتاح له التنفس بالرئة اليمنى. فأحس ببعض الراحة. ولم يمض سوى وقت قصير حتى عاودته الآلام وتضاءل أمله في الشفاء، فلم يجد بدا من أن يضع حدا لعشر سنوات من العذاب. وقد اختزل صديقه الرسام السوريالي سلفادور دالي هذه المعاناة في المقدمة التي وضعها لكتاب رونيه كروفيل (الموت الصعب) Pauvert 1974 حين قال: "لا أحد مثل صديقنا Rene Crevel))" تصدع Creve وولد من جديد Rene وفي هذا اشارة واضحة الى ارتباط موحيات الاسم بقدر المسمى.

جلسات استحضار الأرواح

لم يكن رونيه كروفيل يتساهل مع احد. كانت له قدرة فائقة على الرفض وكانت معاداته للواقع مثار استغراب. والعلة في ذلك انه عاش طفولة شقية ظل طوال حياته يسعى الى التخلص منها. كان الماضي في اعتباره كابوسا يستأهل النسيان. يقول في كتابه (جسدي وأنا): "الذاكرة عدوة" ولم يكن له مستقبل. ومخافة ان تعصف به الوحدة بعد ان خانه الدهر، صار يبحث عن أب، لأن أباه الحقيقي انتحر وهو بعد طفل، وعن مثل أعلى. وكان يظن انه سيجد مبتغاه في السوريالية التي لم تكن لديه مجرد تجربة أدبية، بل أسلوب حياة. وهذا ما أدركه بروتون في حينه. كما لو أن السوريالية كانت تنتظر مقدم كروفيل كي تحقق وجودها الفعلي. لأنه كان يعرف متى ينبغي الإمساك باللحظة الشعرية وتكثيفها في ذروة الترقب القلق. وكانت له صداقات كثيرة، في الثانوية وخلال أدائه الخدمة العسكرية، حيث كان يقاسمه نفس المرقد مارسيل أرلان، وروجيه فيتراك، وجورج لامبور، وماكس موريز، وفرنسوا بارون الذي أصدر برفقته مجلة (مغامرة). ويوم الرابع عشر من ابريل 1922 ذهبا معا الى لقاء دعت اليه حركة دادا في كنيسة سان جوليان لوبرفر. وحضره تريزتان تزارا وفيليب سوبو ولوي اراجون. وكان من بين الحاضرين اندريه بروتون بقامته الفارعة التي تلقي بظلالها على الآخرين، وشعره الطويل، يضع على عينيه نظارة أحادية الزجاجة ويقف تحت المطر في هدوء رصين. وكان أراغون يستقبل الشباب بكل لطافة وينصت إليهم ويقدم لهم بعض النصائح بخصوص مجلة (مغامرة). وكان هذا اللقاء يندرج ضمن استراتيجية جديدة اعتمدتها الحركة الدادائية، وتتمثل في تعويض الاجتماعات الأدبية السرية بزيارات مستفزة للأماكن العمومية والقاء الخطب أمام المارة.

وبعد بضعة أشهر على ذلك كان كروفيل من المؤسسين لتجربة من أهم التجارب التي أرست دعائم السوريالية. يتعلق الأمر بجلسات استحضار الأرواح التي كان بروتون يعقدها في منزله (42 شارع فونطين). بدأ ذلك حين أكدت احدى العرافات لكروفيل انه يتوفر على ملكات الوسيط الروحي، فاقترح على بروتون القيام بالتجربة. وتم أول اجتماع يوم 25 سبتمبر في التاسعة ليلا من نفس السنة، بحضور "روبير دينو« و"ماكس موريز". حيث أطفئت الأضواء ووضع الجميع أيديهم فوق الطاولة على شكل سلسلة. وسرعان ما استغرق كروفيل في النوم وجعل يحكي بصوت عال قصة امرأة تغتال زوجها.. ثم تكرر نفس الامر مع بول ايلوار وماكس ارسنت، وباقي المشاركين. وكانت التجربة مربكة ومرعبة، قال عنها بروتون في كتابه (التيهان): "بعد مضي عشرة أيام أصيب أكثرنا سأما وأشدنا يقينا بالدهشة والخوف، وأقروا بما حدث، وظلوا مضطربين أمام هذه الخوارق".

ولم تكن الغاية من هذه الجلسات محاورة الموتى كما يحدث في جلسات استحضار الارواح العادية، بل الدخول في أحوال غير طبيعية وتحرير اللاشعور كي يفصح عن مكنوناته. وقد أبان كروفيل في هذه اللعبة عن كفاءات خاصة. فما ان تخف يقظته حتى تنتابه الرعدة ويصرخ بقصص غريبة يعبر فيها عن كرهه للنساء واحباطاته الجنسية. وخلالها يرى نفسه ينسحق تحت عيون النساء. وكان حديثة غالبا ما يشفع بالحشرجات والتأوهات والأغاني والتعازيم. إلا أن بروتون كان يتدخل كلما اشتد التوتر وتجاوزت اللعبة الحدود المتوقعة. بل انه كان مضطرا، ذات مساء، الى إيقاظ المشاركين الذين انساقوا وراء كروفيل وهم يحاولون شنق أنفسهم بحبال ربطت بمشجب المعاطف. وكانت مثل هذه الحالات هي الحد الفاصل الذي لا يريد بروتون تجاوزه. وكان بوصفه راعي هذه الأمسيات يحسم الأمر ويوقف اللعبة، خوفا من أن يتورط الجميع في ما لا تحمد عقباه. أما كروفيل فقد كان يستاء من توقف اللعبة عند هذا الحد، وكان في بعض الأحيان يتصنع الحالة كي يزرع الحيوية في الأمسية، كلما بدا له ان اشتداد الأحوال مهدد بالزوال.

الصفعة القاتلة

ظل رونيه كروفيل يساند الحركة السوريالية ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة. حيث أوقف قلمه على التعريف بها وتوضيح مقاصدها. وكان مواظبا على حضور كل الاجتماعات والتظاهرات التي تنظمها، مطمئنا في ذلك الى راديكاليتها ونزوعها الى إشعال فتيل الثورة. وهذا ما ساعده على التخلص من كل ما هو سطحي في حياته والانخراط في أدهى المجازفات، إذ نادى بفلسفة تمجد الجهل والغباوة واللامعنى، راميا بذلك الى مقاومة الجنون الحقيقي الذي يحف ببني البشر، ويتهدده في كيانه الشخصي. ولذلك كانت كل مبادرة جديدة يطلقها السورياليون بمثابة امتحان لمدى صدقه وتفانيه في خدمة الحركة. والشاهد على ذلك ان مجلة (الثورة السوريالية) حين أجرت تحقيقا حول الانتحار، سألت كروفيل: هل تعتقد ان الانتحار هو الحل؟ فأجاب بدون تردد: بالطبع.

ومما لا يدع مجالا للشك في ميله الدائم الى وضع حد لحياته بنفسه تلك التصريحات التي كان يدلي بها من المحطة الإذاعية السوريالية التي كان يشرف على تنشيطها الكاتب انطوان ارطو. وقد كان الاثنان معا كائنين ممزقين يمتدحان الثورة. وكان مفهوم "الثورة« الذي عمدت به مجلة السورياليين في صلب النقاشات الدائرة داخل الحركة، ومن الأسباب التي عملت على زرع الشقاق في صفوفها، وكان كروفيل من أبرز المنافحين عن التصور الداعي الى جعل السوريالية ثورة شخصية واجتماعية وشعرية وسياسية.

وفي عام 1935 حول تصوره هذا الى ممارسة وانخرط في بعض المنظمات الانسانية، واستضاف بعض اللاجئين الألمان الهاربين من الجحيم النازي.

وكان لهذا التصور المسيس أثر كبير على كتاباته. ففي روايته (القدمان في الصحن) يتحول الهزل الباروكي الى نقد لاذع للاكليروس وللرأسمالية. وعلى هذا النحو اكتسحت السياسة رؤيته للعالم وفهمه للأدب. وبدا له من الضرورة بمكان التحالف مع الشيوعيين ضد الفاشية، وايلاء هذا التحالف أسبقية مطلقة. وهذا ما لم يكن بروتون يشاطره فيه الرأي. مما دفع بكروفيل الى ابداء استيائه من تحفظات عراب السوريالية. وكان هذا مبتدى القطيعة بين الرجلين. وفي يونيو 1935 تجدد الأمل في اعادة فتح الحوار بين بروتون والشيوعيين حين كان كروفيل على اتصال مع احدى الجمعيات الموالية للشيوعية، وكانت الاستعدادات جارية لعقد مؤتمر دولي للكتاب من أجل الإعلان عن موقف موحد من الفاشية. وطلب السورياليون المشاركة في المؤتمر وتم قبولهم. لكن حدثا طارئا سيقلب الوضع رأسا على عقب. فقد التقى بروتون مع الكاتب ايليا اهرنبورغ، ذات مساء في إحدى الحدائق، وكان هذا الاخير قد نشر كتابا اعتبر فيه السورياليين مجموعة من الكسلاء والمستمنين. وبعد دردشة حامية اشتد غضب بروتون فصفع اهرنبورغ وكان يجهل حسب ما صرح به فيما بعد- بأن المصفوع عضو في الوفد السوفييتي المشارك في المؤتمر. لكن السوفييت لم يغفروا له هذا التصرف. ورغم المفاوضات التي اجريت بحضور كروفيل، من اجل تدارك ما وقع، لم يتمكن بروتون من المشاركة في المؤتمر.

وكانت تلك بداية النهاية. اذ تزعزعت ثقة كروفيل في بروتون. ولم يستطع رؤية مثاله الاعلى يهان أمام الملأ ويجبر على الصمت. لأنه كان يرى في فرض الرقابة على بروتون حظرا للسوريالية في الأساس. وكانت صدمته قوية. وبعد انفضاض الجمع رافقه كل من تزارا وكاسو واراغون في سيارة أجرة. غير انه التمس منهم النزول في ساحة لاكونكورد الباريسية كي يعود راجلا الى بيته.

وفي الغد عثر عليه طريح الأرض في حمامه المنزلي وأنبوب الغاز مفتوح عما فيه. وفي ظهيرة نفس اليوم لفظ أنفاسه الأخيرة. وكان حسب بعض الشهود الذين عاشروه في أواخر أيامه متقززا وغارقا في اليأس، لتفاقم مرضه وتنامي خيبته، ولذلك اختار الانتحار في نفس المساء الذي أحس فيه بأن رمزه المزيف اندريه بروتون- هو الآخر- قد تخلى عنه..


تصميم الحاسب الشامل