|
|||||
|
موسى وهبة: * إذا كنتم تريدون أن تتفلسفوا فعليكم أن تترجموا * التأليفات مهما بلغ شأنها، لا تشكل متنا، لأنها ستكون هوامش على متون غائبة
الفلسفة هي ركيزة الثقافة، والثقافة ترتكز على الفلسفة وتغرف من بحرها، مثلما الطبيعة تأخذ من النهر الذي يجري، ما هم النهر من ذلك؟! يتدفق وحسب. الثقافة على ضفاف النهر. والمحنة ان الثقاقة العربية بعلية لم تنهل من النهر الفلسفي وليس عندها نهر ولأنها بعلية فهي في حالة تعيسة متردية، اذ تعيش على حوافي الساقية التي تشرب منها وهي السياسة. نشأت فكرة اللقاء الفلسفي في زمن اعلان بيروت عاصمة للثقافة العربية 1999، بين مجموعة من اساتذة الفلسفة وطلابها الناجحين في ابحاثهم من احساس هذه المجموعة، بأهمية الفلسفة من جهة وتردي اوضاعها من جهة اخرى. الكل يجل شأن الفلسفة ولكن في ارض الجامعة، الكل يحتقر الفلسفة او يزدريها، الفلسفة هي مجرد رقم ثامن في كلية الاداب، مطرودة من كلية العلوم حيث الحاجة اكثر الى فلسفة. طالب الفلسفة لا شغل له الا بغير اختصاصه. هذا الوضع المتردي دفع هذه المجموعة الى التفكير في عمل شيء يعيد الى الفلسفة وهجها. ولكن في الوقت نفسه فكروا في الطريقة التي يعملون بها لاعادة الاعتبار للفلسفة: تحسين "وضعهم" كمجموعة فلسفية، وهذا ما جعلهم يسمونها "الجمعية التعاونية للقاء الفلسفي" لاظهار الغرض الشخصي منها. فهم يرون ان حياتهم متعلقة بحياة الفلسفة، وانه بحياة الفلسفة هذه تتعلق حياة المدينة. ومجلة "فلسفة" كانت اولى ثمرات "اللقاء الفلسفي" التي يرأس تحريرها الدكتور موسى وهبة ومعه كان هذا الحوار: * بعد اصدار مجلة "فلسفة"، برأيك ما العقبات التي تحول دون تأسيس قول فلسفي بالعربية؟ ولماذا فلسفة بدون اضافات؟ - الفكرة التي وراء مجلة فلسفة هي ان تكون حقل تمرن على قول الفلسفة بالعربية. بمعنى انها ستضم تجارب متنوعة في محاولة ايجاد قول فلسفي بالعربية، لأنه حتى الان ما زال هذا القول متعثرا مضطربا، قلق المصطلحات وبعيد المنال، غير ذي فائدة فيما خصص اليه، أي تمكين قارىء العربية من تناول نص فلسفي فهما او تعلما. وبالاحرى انشاء ! لذلك قلنا انها فلسفة وحسب، تميزا لها عن سائر المجلات "الفكرية التي تخلط الفلسفي بنصوص سوسيولوجية او نفسية او فكرية عامة او أيديولوجية. هذا الخلط ناتج في الحقيقة عن غموض معنى الفلسفة، وعن صعوبة مباشرة النصوص الفلسفية بذاتها، لذلك ترى المشتغلين في هذا الميدان كثيرا ما يعمدون الى النصوص الاقرب تناولا والأقرب عامية والاقل فلسفة. لا اقول ان الفلسفة مسألة صعبة او مستحيلة المنال بل هي مسألة اختصاص، والاختصاص يعني الاهتمام في مجال قولي معين، وهو هنا المجال الفلسفي الذي يمكن التعريف به من دون الغوص في المذهبيات، انه تراث الفلاسفة منذ افلاطون حتى دريدا وهابرماس. نحسب اننا لا نقحم الفلسفة اقحاما على العربية اذ طالما عبر عنها المشتغلون في الفلسفة والمهتمون بالنهوض الفكري والاجتماعي وسائر انواع الاستنهاض بكلمة بسيطة هي الحاجة الى الفلسفة. والمسألة ظاهرة في معظم الكتابات العربية المعاصرة، اما تلبية هذه الحاجة فيتم فيما نرى ليس بالفلسفة بل بما يشبهها لذا تطمح هذه المجلة الى تلبية هذه الحاجة بموضوع الحاجة عينه، أي الفلسفة، لذا ترى محور العدد الاول مخصصا للترجمة الفلسفية بوصفها المجال الاول والاكثر خصبا للتمرن ولتذليل صعوبات السياق الفلسفي بالعربية. باب التأليفات اقل اهمية منه، لاننا نعتقد بان هذه التأليفات مهما بلغ شأنها، فستظل نصوصا غير مكتملة، لا تشكل متنا، لانها ستكون بالضرورة هوامش على متون غائبة، انا افهم ان تكتب نصا بالفرنسية او الانكليزية او الالمانية، تحيل فيه الى هيجل او كانط او هايدجر الخ. ان تضع نصك في سياقهم او في خلافه فهذا ما يفهمه قارىء اللغات. لكن ان تحيل الى، او ان تقتبس من، او ان ترد على كانط او هيجل او هايدجر بالعربية فانت تحيل، وتقتبس من، وتعاند غائبا. فيتحول نصك بالضرورة الى هوامش على متن غائب. الى ذلك ان هذه المجلة هي، تنفيذ لخطة وضعها اللقاء الفلسفي من جملة اهدافه، وهي تلبي وترافق الخطوة الاولى، التي هي تأسيس المكتبة الفلسفية بالعربية، ان "اللقاء الفلسفي" الذي عنه تصدر هذه المجلة، كان وضع لنفسه سلسلة ومجموعة اهداف، اهمها ما تقدم، يليها ايجاد منبر دائم للتبادل الحر للافكار. ورفع مستوى الاداء الفلسفي في التعليم العالي في الجامعات العاملة في لبنان، وصولا الى اعلان بيروت عاصمة دائمة للفلسفة. هذه الاهداف الطموحة والطوباوية بالاحرى هي عمل طاقات كثيرة وربما اجيال. لعل خطواتنا هي الخطوة الاولى في رحلة الالف ميل.
* ما اشكاليات ترجمة النص من لغته الام الى العربية، وهل تكون الترجمة وفية للنص الفلسفي؟ - المشكلات التي تثيرها الترجمة هي مشكلات تقليدية اولا. بالنظر الى كفاءة المترجمين اللغوية والاختصاصية، الترجمة تقتضي اتقان اللغة المنقول عنها والمنقول اليها. وتقتضي ايضا تخصصا عاليا. الى ذلك يجب ان تضيف خصوصية اللغة العربية التي لم تنتج من زمان طويل نصوصا فلسفية أي لم تعتد بعد "معاشرة" النص الفلسفي الحديث والمعاصر. لذ يضطر المترجم غالبا الى توليد الكلمات، الى استنباط سياقات جديدة غير مألوفة بالعربية، الى توظيف الاشتقاق العربي توظيفا كبيرا. لا اقول ان العربية غير قابلة لتلبية المعاني الجديدة، بل على العكس انها تظهر بالفعل مطواعية هائلة حين يتوفر لها من يستطيع ذلك، ومن يتقن الفلسفة واللغة العربية. اضرب مثالا بسيطا، خذ هذا المعنى المعبر عنه بالفرنسية(Vécu) او بلفظ (Erlebnis) بالالمانية والذي ترجم على نطاق واسع باللفظ العربي:" معيوش"، هذه الصيغة خاطئة عربيا وثقيلة على الاذن. خاطئة لان اسم المفعول من المنقوص وزنه فعيل والاصح ان يقال معيش، وكلمة معيش لم تصبح مألوفة بعد في النصوص الفلسفية. مثال آخر ترجمة الملحق الاجنبي (Ism) الذي يدل على الاغراق في الشيء والمذهبية فيؤدى بالعربية بعجائب وغرائب. فيقال ذاتوية وانسانوية وجنسانية فيرهق القارىء، الذي يغلق الكتاب قبل ان يصل الى السطر الخامس. هذه الامثلة تدل على قلة الصبر، قلة صبر المترجمين وعدم انتباههم للايقاع الذي يلعب دورا هاما بالعربية، الإيقاع يضاهي القاعدة احيانا، وربما يتفوق عليها. هناك ضرورة للغة عربية سلسة، أي لنص يقرأ فعلا، من دون اضطرار القارىء الى الرجوع الى النص الأجنبي لكي يفهم. ان هذه السلاسة هي مطلوبة فعلا من اعمال الترجمة، لكن الوصول اليها تتطلب وقتا وجهدا وكلفة عالية. وتجاربنا تقع في هذا المجال. لذلك نحسب ان ما اقدمنا عليه مع مجلة "فلسفة" على اهميته، بالنسبة الينا، به حاجة الى تضافر جهود كثيرة ودعم حقيقي، من الفاعليات الفكرية اولا والمالية ثانيا. اننا نحسب ان ما ننشئه هنا جدير بالانتباه اكثر من أي محاولات اخرى متوفرة الان وما اكثرها. هذه المشكلات المادية في الترجمة. وتبقى المشكلات الأخرى وهي انتزاع نص وجملة نصوص من سياقها العام، الذي فيه نشأت ونقلها الى سياق آخر "بكر" بمعنى ذي تراث فكري ولغوي ومعنوي كبير. السؤال ما اذ كان نقل النص من لغة اجنبية يتحول على ايدي النقلة نصا آخر لا يمت بصلة قرابة الى النص الاصلي، هذا صحيح. وصحيح اكثر اذا انتبهت ان الفلسفة ليست مجموعة افكار ومعان يمكن نقلها كما تنقل العلوم، او الرياضيات او الفيزياء او السوسيولوجيا، وهذه الاخيرة حيادية همها ايصال المعنى وحسب، وترجمتها لا تطرح مشكلة فعلية. اما الفلسفة فأقل ما يقال فيها انها مجموعة معان، انها بالاحرى سياق كامل انها عمل فني، النص الفلسفي يشبه القصيدة يشبه اللوحة. اقول ان الحقل الفلسفي صوغ افكارا في سياق ما. والسياق والصياغة لهما اهمية ربما اكثر من الافكار نفسها. من هنا سوف لن تشبه النصوص المترجمة النصوص الاصلية، ولن تستنسخ تناسخا لكن ستنتمي الى نفس البادرة، ولكل فيلسوف كبير بادرة فلسفية. ومن هنا ينبغي التفكير على هذا النحو تنبغي المعالجة، وهذه الاشارات ليست مجرد افكار. انها بالاحرى، تدابير وإلماحات. لذا فإن نقل نص فلسفي نقلا ناجحا سيحتفظ بالتاكيد بالافكار نفسها، سيحاول الحفاظ على البادرة نفسها، على الاشارات نفسها، واختلافه عن الاصل امر طبيعي بل انه اغناء وتجديد فعلي، تجديد للتفلسف بمعنى فتح فضاء لغوي جديد. يقول احدهم: "الفيلسوف الوحيد الممكن بالعربية اليوم هو المترجم". وهذا الكلام لا ينقص من قيمة التفلسف الممكن وانما يدل على وجهته: "ان كنتم تريدون ان تتفلسفوا فعليكم ان تترجموا". "ان إسهام المترجم لا يقل إبداعا عن اسهام المؤلف صاحب النص". لذلك ليست مشكلات الترجمة عقبات معرفية، انها بالاحرى محفزات، منشطات، دعوات منفصلة لاستنهاض التفكير بالعربية. و"استنهاض التفكير" احسب انه الحاجة تلوب بنا ونلوب بها بالعربية، في وقت يشتد فيه الخناق على مجرد التفكير بالعربية. الفلسفة بالعربية هي الخطوة المطلوب خصوصا من على..وعلى...، ان كان لا يزال ثمة غيارى.
* يقول بعضهم ان غياب فعل الكينونة عن اللغة العربية ويؤثر في ترجمة النصوص، هايدجر مثلا؟ - تطرح هذه المشكلة عند التصدي لترجمة هايدجر، المشهور عنه ان معظم كتاباته الفلسفية كانت تدور حول فعل ((Etre (Sein) الذي أترجمه بكو ن ويترجم عادة بوجود. وهذا الفعل موجود في اللغات الاجنبية، في كل كلام حيث يلعب دور الرابطة المنطقية، فانت تقول :"انا جالس" (Je suis assis)، فتربط انا بالجالس ربط المبتدأ بالخبر. في حين بالاجنبية انت مضطر لاستعمال هذا الفعل:. suis لا يرتبط بالاجنبية المبتدأ والخبر، الا بتوسط فعل الكون وبظهوره فعلا، لكن هذه الصعوبة ليست مستعصية على الحل، فانت تقول بالعربية في الوقت نفسه: "كنت جالسا"، يعود فعل الكون الى الظهور، او "سأكون هنا غدا". هذه الخصوصية يمكن استغلالها بالعربية، ليس لإيضاح المعنى الذي يقصده هايدجر، بل للاضافة اليه. احدى افكار هايدغر الرئيسية هي ان "الكون محتجب" في حين يظهر الكائن فقط. تفتح لنا العربية هنا بابا للترجمة وللاغناء لا يوصف. يمكن تحويل الصعوبة الشكلية الى فتح جديد في التفكير. لست بحاجة الى شرح كبير كي اظهر لقارىء العربية ان الكون محتجب، مجرد ان اقول: "انا جالس"، الكون يحتجب هذه مسألة فعل الكون الذي افضله على الوجود. الى ذلك يحار هايدجر كيف يظهر باللغة الالمانية ان الوجود ما هو قائم في الخارج فيكتب(ek- sisten) التي تدل عليها، بينما اذ تأملتها بمعنى وجود، بمعنى لقيته، وجدته، التقيته صادفته، تدرك ذلك بداهة.
* لماذا تنادي بفصل الثقافي عن الفلسفي، وما علاقة الفلسفة بالثقافة؟ - يجب التمييز بين شيئين، بين الفلسفة بذاتها، وبين مستعمل الفلسفة او من يتوخى منها فائدة. انه يشبه الفرق بين الرياضيات وما تصلح له الرياضيات. ان المتفلسف ليس في ذهنه أي دور للفلسفة سوى التفلسف، حين تكتب فلسفة لا هم لك ولا انهمام سوى اخراج هذه الفلسفة. لا جدوى، من الفلسفة الا التفلسف. ما تنتجه، مثل عالم الرياضيات في عمله، عمله فقط للرياضيات. ان هذا العمل لا جدوى منه الا من خارجه. حيث يهتم الرياضي بالخارج يتوقف بينما يأتي المجتمع ويستعمل الرياضيات للحرب والتموين والاقتصاد. لذلك نقول للمتفلسفين :اصرفوا النظر عن دور الفلسفة في كذا. لا دور للفلسفة الا خدمة الفلسفة نفسها، اما الاخرون الذين يرون ان الفلسفة قد تكون ضرورية. فاهتمامهم يخرج من الفلسفة ليقع في باب النهضة والذين يفكرون في الامة وفي.. عدم التمييز هذا هو الذي يربكنا، وما يربكنا اكثر هو ان معظم المشتغلين بالفلسفة، يلعبون الدورين، وذلك غير ممكن، الفيلسوف لا يهتم بالفلسفة الا من حيث هي فكرة، وليس من حيث انطباقها على واقع. الفلسفة "تمارين في الانشاء"، ولا غاية لها خارجها. الشاعر لا يفكر في أي شيء، في ان يخرج هذا الهم الذي يحمله. اذا كان همه التكسب فسد الشعر، واذا كان همه اغراء الحبيبة فسد الشعر، الاستنهاضي الحماسي يفقد بالقدر نفسه قيمتة الشعرية. انا افصل الفلسفة عن الثقافة من حيث هي بادرة ومن حيث تفلسف، ولكن الفلسفة هي ركيزة الثقافة، والثقافة ترتكز على الفلسفة وتغرف من بحرها، مثلما الطبيعة تأخذ من النهر الذي يجري، ما هم النهر من ذلك؟! يتدفق وحسب، بهذا المعنى لا ينبت العشب الا على ضفاف النهر. والمحنة ان الثقاقة العربية بع لية لم تنهل من النهر الفلسفي وليس عندها نهر ولأنها بعلية فهي في حالة تعيسة متردية، اذ تعيش على حوافي الساقية التي تشرب منها هي السياسة.
* موسى وهبة اشتهر كثيرا بابتكار المصطلحات مثل "افهوم" و"علمان" لكنه حتى الآن لم يصدر كتابا؟ - اعتقد اني في بداية حركة، في هذه البداية تكون منشغلا عن اخراج كتب. لا يمكن اصدار كتاب الا كمجموعة تمارين. لست مستعجلا على جمعها، اما الكتاب فهو صيغة نهائية وجامدة، تحتاج فعلا الى النضج والى اكتمال لا ازعم انني وصلت اليه، المقالة في الفلسفة النبذة هي اقل مسؤولية. اما الكتاب في الفلسفة، يعني ان ثمة مذهبا قد بدا يكون عندك. لا احسب ان ذلك متوفر الان عندي. فانا بصدد التجريب. قد يكون هذا التجريب اثمر بعض الافكار الفلسفية بعض المصطلحات الفلسفية، لكن هذه الافكار والمصطلحات منشغلة بما تقدم. المطلوب الان ايجاد مناخ فلسفي بالعربية، ايجاد سياق لغوي. انني أضفت بعض الافكار او بعض المقالات والالفاظ، لكن احسب ان عملي الفعلي هو الترجمة، لأن الفيلسوف الوحيد الممكن في العربية اليوم هو المترجم. هذا لا يمنع خروج كتاب او اكثر في المستقبل، ولكن الان ليست هذه هي المهمة. احسب اني اقرب الى سقراط وفتجنشتاين الذي لم يصدر اكثر من مقالين او ثلاثة، مني الى هيجل او هايدجر. سقراط لم يكتب شيئا هذه البادرات احدثت اتجاهات فلسفية وقضايا فلسفية.
* في ذكرى المئوية الثانية لكانط، ماذا بقي منه ومن انواره؟ - يصادف الان 200 سنة على رحيل كانط(21 شباط/ فبراير 1804)، في نظري ان كانط مثله مثل افلاطون وهيجل وديكارت، مضى ولم يمض. بمعنى ان العصر تخطاه ان كان مجموعة محر ر افكار. اذا كنا نلخص كانط "وآراءه" في المكان والزمان والكون واللاكون اذ كنا نلخصه بهذا المعنى فهو انتهى، كذا الكلام يصح على كبار الفلاسفة، لكن الفلسفة ليست مجرد افكار، ما بقي من كانط ومن افلاطون هو هذه البادرة، هذا الالتفاف، هذه الطريقة الجديدة التي تعلمناها من كانط. كانط لم يبق كي نقلده، وانما بقي كي نفكر بطريقة جديدة فهو أغزر مصدر لكي نتعلم كيف نفكر بطريقة اخرى، وبهذا المعنى ما زال كانط مبدعا، وما زال العود اليه ضروريا شرط الا نعود اليه كجثة، أي ان نعود اليه كبادرة احدثت ما احدثت في التراث الفلسفي. هناك عبارة يقولها احد الدارسين : "لا بد من المرور بكانط ولا يمكن البقاء في كانط"، طبعا اذا كنت كانطيا يجب ان تذهب منه الى مكان آخر. وهذا ينطبق على الجميع، وبصورة خاصة على كانط الان، كانط مهم تخصيصا بعد 0200 سنة لإيقاظنا من الوثوقية(الدغمائية). يعلمنا ان نفكر وفق فرضيات، يعلمنا ان للتفكير دورا انشائيا للعالم، ان العالم ليس مجرد معطى نجده، وانما هو ما ننشئ، وما نسهم في تكوينه بهذا المعنى انه"مشعل" الحداثة وروحها، الحداثة يعني القائمة تحديدا على ان فعل التفكير البشري هو انشائي وليس "مرأوي"، ان الذهن البشري ليس مرآة مسطحة بل فعل في العالم. الحداثة التي انتقدت طوال القرن المنصرم، منذ قرن ونصف تحديدا، منذ ان قال ماركس: "لقد قضى الفلاسفة همهم في تفسير العالم والمطلوب تغييره". ولو كان كانط يريد قولا في المجال نفسه لقال: "لقد انهمك الفلاسفة بتغيير العالم في حين المطلوب اعادة تفسيره". بهذا المعنى كانط ما زال راهنا بنظري اكثر من الفلاسفة المعاصرين، الذين سكروا ولم يستفيقوا من "موت الذات" و"موت الانسان" الى آخر "الميتات". منذ قرن ونصف قرن منذ ان قال ماركس قولته الشهيرة هذه، والتفكير منصرف الى احداث تغييرات اخرى في العالم. الى التفكير في الواقع من ماركس الى هايدغر يجب اجراء مقارنة، رغم كل الاختلاف الظاهر. هذا الانهمام بالواقع، و هو ليس مجرد انهمام، ربما هو الذي افلت الواقع من بين أيدينا. رغم كل هذه الثورية اللفظية في عبارة تغيير العالم، فانها تعبير عن استكانة التفكير. وتخل عن "صنع العالم"، هذا التخلي الذي يتغنى به الآن بعضهم تحت عبارات مثل: "ما بعد الحداثة" لانه ليس ما ب عد الحداثة الا ما دونها. الحداثة هي البعد. وليس هناك شيء بعدها. قد يقول السامع ان هذا الكلام مغاير للعصر الذي نقول انه لم يعد هناك مكان للفلسفة او لا يجد الفيلسوف أين يضع رأسه، وان العصر هو للعلم والتكنولوجيا والعولمة وما الى ذلك، في نظري ان هذا الوضع بالذات يجعل التفلسف ملحاحا. الفلسفة، ليست بنت العصر الا من حيث هي معاندة ومعارضة للعصر، هذا الزمان النثري، هو الزمان المهيأ لها ظاهريا، وان التحدي الكبير المطروح على الفكر في العالم هو ان نفكر بطريقة اخرى، غير التي نفكر فيها الانبهار بالعصر، وبما يجري في العصر. العصر الذي اقصده، ليس فقط مناهضة العولمة والتكنولوجيا والسير في ركابها. الاثنان يسبحان في مركب واحد هو العصر الذي يعين لهما المنطلقات الفكرية المشتركة، والمطلوب طريقة اخرى للتفكير وزاوية اخرى للنظر، "منظورية اخرى" كان سيقولها نيتشه. |
|||||
|
|||||