|
|||||
|
لماذا البيئة؟ هذه الدراسة ستستعرض المساجد في مسقط من وجهة نظر ثانية، مختلفة، غير تقليدية لا تعتمد او تستند على الفكر المعماري المحض،بل توجهها سيكون مقرونا بعلم الجمال والتذوق الفني فقط، مع مراعاة شرح التطورات المعمارية التي حصلت عبر القرون التي من خلالها اخذت المساجد صيغها الحالية، كما وان الدراسة ستنطق بلغة المشاهد الحساس الذي يراعي البيئة، وكيفية تأقلم المعمار وفق البيئة المحيطة بالمناطق المعمرة والعكس بالعكس. البيئة في عمان متعددة ومختلفة وهذا الاختلاف والتعدد واضح جدا وقد يقول قائل ان هذا ما يحصل ونجده في كثير من بقاع الارض و في اغلب مناطق العالم وقد تكون هذه المحاججة صحيحة الى مدى معين، ولكن صورة البيئة في عمان تحوي الكثير من التضاد الشاسع والواضح لعدة اسباب، موقعها الجغرافي وسواحلها الطويلة جدا والتي تحدد طرفا مهما جدا منها والصحراء التي تحدد الطرف الاخر خلقت من عمان صورة مختلفة للمتعارف عليه من المواقع الجغرافية. هذا بالنسبة للحدود الخارجية اما التركيبة الداخلية فهناك المتناقضات في البيئة الطبيعية والاجواء المناخية الباردة جدا او عكسها والمرتفعات الخضراء من ناحية والمرتفعات الجرداء من ناحية اخرى وكذلك الواحات بينابيعها ونخيلها ومساحاتها الخضراء او الكهوف المتعددة والغريبة وكذلك المساحات الصحراوية. كل هذه المتضادات الجغرافية والمناخية جعلت من عمان لوحة تشكيلية مثيرة جدا، تجب قراءتها بكثير من التمعن والجدية والامانة. ولكن لا نستطيع قراءة هذه اللوحة بدون المعرفة التاريخية والتأثيرات الحضارية التي مرت بها عمان والمنطقة بشكل عام وبما ان هذه الدراسة تعنى بالمساجد لذا كان لابد من العودة الى الماضي ومعرفة كيفية صيرورة المساجد من الناحية الدينية والعمرانية وكحاجة اساسية للانسان المسلم.
المكان العماني التنقيبات والتحريات الاثرية والجيولوجية والانثروبولوجية اثبتت ان لعمان بعدا عميقا في التاريخ، يمتد الى العصور الجليدية (12000ق.م) حيث أن الثلوج كانت تغطي الاراضي العمانية. وبعد ان فسحت البيئة المجال اخذت الديناصورات تملأ الارض العمانية، الا ان البيئة انصاعت لنمو البشر مما ادى ذلك الى التوسع والانتشار السكاني، وبالتالي بدات تظهر المستوطنات الماقبل تاريخية في اماكن مختلفة حسب تناسب البيئة للحياة. بدأ الانسان العماني الاول وبكثير من الحذق والمهارة بناء حياته بما يلائم مستلزمات و متطلبات معيشته اليومية، فبدات التجمعات السكنية تنمو بشكل منتظم حيث روعي فيها كل ما يحتاجه السكان من اماكن المعيشة والمدافن وما يمكن ان يسمى باماكن العبادة على بساطتها، وما إن ظهر الفخار حتى بدأت عجلة التطور تسير مسرعة، وبدء التنقيب عن المعادن (2000ق.م) وعرف العمانيون اهميتها واستثمروا تلك المادة بكثير من الحكمة واقترنت المعادن بعمان والتي اصبحت الاسم الاخر لعمان القديمة، وأخذت الحضارات المجاورة تستورد المعادن من عمان. ونشأت حضارة (مجان) العريقة، وانشأت علاقات تجارية مهمة مع دول الجوار، ما بين افريقيا ودول الشرق الاوسط وهناك نصوص سومرية تثبت ذلك. اما العطور والبخور العماني مثل اللبان وغيره من الانواع فكانت دائما مصدرا مهما للتجارة، ولقد وصلت شهرة هذه البخور الى ارجاء واسعة من العالمين القديم والحديث. رغم وجود الكثير من المستوطنات، والتي كانت تعتمد على صيد الاسماك والزراعة، منذ الالف الرابعة قبل الميلاد، الا انها لم تترك اثارا كافية تدل على مدى تقدمها، والسبب في ذلك يعود الى عدم وجود انهار مهمة في عمان، لذا كانت التجمعات البشرية غير مستقرة تتنقل باستمرار بحثا عن مصادر المياه. ازدهار عمان ادى الى توسعها، والى امتداد نفوذها واراضيها، ولكن هذا لا يعني انها بقيت محافظة على الحدود الجديدة التي رسمتها لنفسها دائما، فلقد وقعت عمان تحت نفوذ حضارات مجاورة. وفي القرن الثالث اسست مملكة عربية من قبل رئيس قبيلة من الحيرة. ولكن في القرن الرابع والسادس سيطر الفرس على الاراضي العمانية، الا ان قبائل الازد العربية استعادت سيطرتها وعادت عمان عربية مستقلة. في السنة العاشرة للهجرة استجابت عمان لدعوة النبي(ص) واسلمت.. فتح الاسلام ابوابا جديدة رحبة واسعة امام عمان، وتشجع الناس لاقتحام المجهول لنشر الدعوة السمحة، وكذلك للتعرف (المعرفة) وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو (قرآن كريم). فظهر في القرن السابع الملاح العماني الشهير، ابو عبيدة عبدالله بن القاسم الذي قطع سبعة الاف كيلومتر متوجها حتى الصين، ووضع اسس الملاحة البحرية الصحيحة، ثم سيطر قرامطة البصرة والبحرين عليها، وحينها تنعمت بفترة رخاء واضح، نظرا لتجاوز القرامطة لكثير من الحدود والمعوقات التي كانت تعيق الازدهار التجاري. عام 1479كان ابن ماجد الملاح العماني ملاحا محنكا، يقود حملة فاسكو دي كاما للوصول الى الهند عن طريق رأس الرجاءالصالح . وبعدها مرت بعمان فترات متقلبة مختلفة، وجاءت السيطرة البرتغالية من سنة 1805 (بعد اقل من سبع سنوات على حملة فاسكو دي كاما.!) الى سنة 1650. ولكن عادت لعمان قوتها وجبروتها عندما تأسست دولة مستقلة باسم مسقط وعمان سنة 1741. واخذت سلطنة مسقط وعمان بالازدهار لعدة قرون، في الوقت الذي كانت فيه أغلب المناطق العربية ترزح تحت السيطرة العثمانية، الا عمان فقد كانت بلدا عربيا مزدهرا تزخر موانئها بالبضاعة المختلفة وتحتضن قوميات واعراقا متعددة وتتبادل السفراء مع الكثير من الدول الاجنبية، اذ تم تعيين اول سفير لعمان الى الولايات المتحدة عام 1840 كما أنشات علاقات دبلوماسية وتجارية مع بريطانيا وفرنسا.
الفن الاسلامي عند بدء الدعوة الاسلامية، وبعد فتح العراق وسوريا ومصر، كانت هناك حضارات قائمة لها اصولها واساليبها في النحت والرسم والعمارة . ففي العراق فان الطراز البابلي الاشوري والموروث عن سومر كان واضح الحضور، وكذلك التأثر بالساسانيين والسلوقيين والرومان والحضارة الهلينيستية كان له حضوره في اساليب البناء مثال: (طاق كسري) و(مدينة الحضر) و(نينوى) و(خرسباد) والزقورات. وفي سوريا التأثر البيزنطي والروماني، والذي امتزج بالموروث المحلي النبطي والفينيقي، وكذلك بقايا الحضارة السومرية التي كانت قد ترسخت تماما في وجدان الفنان، والامثلة كثيرة تدمر والبتراء وجرش وهذا ايضا ينطبق على مصر والفن الفرعوني وعهد البطالسة والفترة الرومانية والفن القبطي بآثاره الواسعة الانتشار. ورغم تحفظي على تعبير الفن الاسلامي، اذ انني افضل تعبير الفن المتأثر بالفكر الاسلامي لعدة اسباب منها: - اختلاف النوعية الجمالية للنتاج الفني في البلاد الاسلامية - اصطبغت كل النتاجات في مختلف الاقطار بخاصية محددة.
- تكونت شخصية مستقلة للفنان المسلم في الارجاء الواسعة والممتدة من الوطن الاسلامي. - كل بيئة حافظت على موروثاتها المحلية. - تطويع الفنان المسلم الفكر السائد وزاوجه مع الفكر الجديد ارضاء لعقيدته وللتقاليد المحلية الموروثة. رغم التأكيد على العمارة وبناء الحواضر،على انها الاساس والدعامة الاولى التي جسدت الفكر الفلسفي الاسلامي، الا ان اختلاف طرازها يبدو جليا في كل العالم الاسلامي، كما ان كل قطر اسلامي اشتهر بنتاج محلي كان علامة فارقة لموروث قديم، واختصاص مشهود له الا انه جدد وفق فلسفة وفكر تعتمد الاسلام قاعدة لها، والامثلة كثيرة مثل (السجاد في ايران وصباغة وتلوين النسيج في اندونيسيا واستعمال المرمر والحجر والخشب المطعم في سوريا (الشام) ثم القاشاني (الكربلائي) والنحاس في العراق... الخ.)
القيم التي استند عليها الفنان المسلم بظهور الفكر الفلسفي الاسلامي والداعي الى التوحيد المطلق والتسليم التام لله، تغيرت النظرة الى الفن واخذت منحى آخر يملأه التسامي والابتعاد عن واقع ارضي محسوس، تم التركيز على فن العمارة بالدرجة الاولى بعد ان ابعدت كليا فكرة التماثيل والانصاب. وأضاف الفنان المسلم كل الخلفيات الاساسية، والموروثات المحلية، لخدمة فنه وفكره وفلسفته الدينية فعزز الافكار والمستجدات التالية:- - الالتصاق بالارض بما شمل حب الطبيعة من حيوان ونبات. - اكتساب نظرة مدققة ومنطقية وواقعية. - اضفاء بعد كوني هندسي منظم مستخدما الرياضيات. - التفاني في التجريد ووظف لذلك كل مخزونه المعرفي. - استغل الخط بكل ابعاده من مسافة ممتدة بين نقطتين او تحوير تلك المسافة اما لتكون تعبيرا عن امتداد الحياة الحالية الى الحياة الاخرى او متعرجات تشير الى امواج او خطوط رمل صحراوية وتضاريس بيئية متنوعة. - اهتم بالثوابت من الاشياء ولم يعنيه ما هو زائل مثل الظلال والغيوم والسحاب. - الظواهر الطبيعية مثل حركة النجوم والقمر استحوذت على مخيلته لأسباب عديدة منها اساسها العلمي الرياضي والذي يستند عليه في فروضه الدينية واسفاره - استغل الحرف العربي وطوعه وطوره لخدمة انتاجه الفني ولنشر الدعوة الاسلامية والتي تستند على العلم والمعرفة سواسية. - استخدم التكرار الغير الممل كمصدر الهامي آخر. ألغى الفراغ تماما وملأ انتاجه الفني بمقومات جمالية عالية بدون حشو غير مبرر. - البعد الحسي والرهافة الشاعرية التي تغذى عليهما الفكر العربي لأجيال طويلة. - الانسجام التام بين الجزئيات الزخرفية المختلفة والتي نبعت متبلورة عن الفكر الاسلامي المنسجم بين الحياة الدنيا والاخرة (اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا). - التسطيح وعدم التجسيم الذي فسح للفنان المجال لاستغلال مساحات كبيرة متيحا لنفسه الحرية في الحركة والتعبير.
أول المساجد
في بداية الهجرة النبوية الى المدينة كانت القبلة نحو المسجد الأقصى ثم ابدلت نحو الكعبة المشرفة. يشير التاريخ الى ان النبي(ص) كان يصلي ويؤم الناس في بيته في المدينة، وكان البيت يحتوي على حوش مربع واسع مسور بحائط من الطابوق. والقسم الذي خصص لزوجات النبي كان في الجزء الشرقي من ذلك الحوش وكان يحتوى على تسع غرف. في هذا المبنى المتواضع البسيط كان النبي(ص) يستقبل الزوار ويدير امور الرعية، وكانت النوق والجمال تربط في ذلك الحوش وبمرور الزمن وبتقدم الدعوة اصبح ذلك الحوش المكان الذي يصلي فيه الجميع. ثم اضيف اليه حوش آخر في الجهة الجنوبية وسور كذلك وفيه يواجه المصلين الكعبة المكرمة. ولأجل توفير الظل للمصلين انشئ صفان من جذع النخيل مع سقيفة من جريد النخل. هذا التصميم البسيط كان الاساس لبناء المساجد مستقبلا، اذ بقي الحوش مكانا للصلاة واستغني عن جذع النخيل بالاعمدة، وتحولت السقيفة الى قبة، وجاءت هذه التطورات عقب الفتوحات الناجحة، وتوسع رقعة الارض الاسلامية. من المساجد الاولى مسجد الكوفة الذي بني عام 638م. بعد ثلاثة عقود من تاريخ بنائه بني مسجد آخر اكثر غنى عوضا عن المسجد القديم. وساهم في بنائه عمال محليون من غير المسلمين. لم يصلنا اي شيء عن طريق التنقيبات الاثارية عن هذا المسجد. ولكن كل المصادر والادبيات التي دونت في تلك الفترة أو في الفترات التي اعقبتها، تشير الى مسجد الكوفة. كان مسجد الكوفة قد بني كمسجد للحامية العسكرية وللناس كافة. وليس مسجدا لاظهار قوة الخلافة كما سيحدث مستقبلا في الفترة الاموية. تشير الكثير من المصادر والادبيات الى ان مسجد الكوفة كان مساحة مربعة بضلع طوله 104 أمتار، مع اعمدة بارتفاع 15 مترا، وكانت موزعة بانتظام وببعد متناسق على باحة الصلاة حيث تسمح للمصلين بالانتشار حولها، هذه الاعمدة صنعت من الحجر وتصل الى السقيفة ولم يكن في مسجد الكوفة محراب اذ لم تعرف بعد فكرة استخدام المحراب. مسجد مدينة واسط بني سنة 83هـ (702م) على غرار مسجد الكوفة، في زمن الخليفة عبد الملك وخلال ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، هذا المسجد بني كمسجد للخلافة ومن يمثل الخليفة. كان مسجد واسط بنفس قياس مسجد الكوفة الا ان الاعمدة توزعت على خمسة صفوف غير انه كان هناك فسحة سميت بالمقصورة مخصصة لنائب الخليفة. ان المحراب لم يظهر بصورته الجلية الا في مسجد المدينة، الذي اعاد تعميره الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة (707م)، رغم رفض اهل المدينة لهذه الفكرة الدخيلة واعتبروها موروثا مسيحيا، الا ان المحراب بقي من ضمن التصميم المعماري الهندسي للمساجد مستقبلا. بنيت كثير من المساجد في ارجاء الاراضي المتاخمة والتي دخلت الاسلام وكانت بعض تلك المساجد في عمان في نزوى مثلا التي كانت من المدن الرئيسية انشئ مسجد (الشواذنة) في السنة السابعة للهجرة ومسجد (سعال) في السنة الثامنة للهجرة. كل المساجد التي بنيت في هذه الفترة لم تنج من عوامل الطبيعة والزمن كما ان المواد التي استخدمت في بنائها لم تستطع مقاومة قسوة البيئة بالاضافة الى العوامل السياسة والاختلافات والانقسامات الطائفية الا ان هذا كله لم يمنع من ذكرها في كل الادبيات بكثير من الاجلال والاحترام للدور الذي لعبته في لم شمل المؤمنين وفي نشر الدعوة للدين الحنيف. ولكن ببعض من المنطق وبكثير من الخيال نستطيع ان نتصور شكل المساجد الاولى التي انشئت في عمان اذ لابد ان تكون قد راعت النسق المحلي في المعمار وكذلك التأثر بالحضارات المجاورة مثل اليمن. رغم قرب اليمن بحدودها المتاخمة من عمان الا ان تأثيرها لم يطغ على الاصالة الفنية العمانية والمتجسدة في طراز القلاع والبساطة المجردة والاعتماد الكلي وبشكل حيوي على الخشب والطين وقلة التلوين والبهرجة.
الفكر المعماري الاموي لانستطيع ان ننكر الدور الذي لعبته الدولة الاموية في تطور الفكر المعماري الاسلامي، ولقد تم ذلك في المراحل الاولى من الدولة الاموية واستمر حتى قيام الدولة الاموية في الاندلس، وما زال هذا الفكر يؤثر على الفكر المعماري الحالي المحلي والعربي والاسلامي والعالمي. كما وان استغلال الموارد الطبيعية المختلفة والغنية في بلاد الشام ومنها الرخام وحجر الصوان وانواع مختلفة من الاخشاب والاصداف كان له الدور الفاعل والحيوي، وتوفر العمالة ذات الخلفيات الاثنية اوالعرقية المختلفة ساعد على توسع الفكر المعماري الاسلامي العربي. ان من المظاهر العامة في بناء المساجد في الفترة الاموية ان يكون الجزء الخارجي بسيطا لا يثير الناظر، ولكن الابهار يتأتى من داخل المسجد، حيث كانت الزخارف الكتابية والنباتية والهندسية المطعمة بالذهب والاحجار والاصداف والفسيفساء على الجدران والمحراب والمنبر والقبة والاعمدة. كل هذه الفنون ادخلت بكثير من الكرم والسخاء حد الاسراف، ولكن غير المبتذل، بل روعيت فيها اعلى القيم الفنية الجمالية الحقة، كما وان الفكر والفلسفة الاسلامية كان لهما الحضور الواضح جدا بل السيطرة التامة على وجدان الفنان الذي صمم وابدع تلك الفنون المعمارية وتزويقاتها.
العناصر الجديدة التي وظفها المعماري الاموي - ادخال تركيبة تجمع سكاني متكامل داخل القصور مع توفير كل المستلزمات الضرورية. - جدران وارضية الفسيفساء. - الاشكال الادمية والحيوانية.
- المنحوتات التزويقية - الصور الجدارية (الرسم الجداري) - الحفر الناتئ على مختلف مواد البناء
الفترة العباسية العمارة والفنون في الفترة العباسية شملت مساحات جغرافية، ومواد اولية واساليب فنية واسعة ومتعددة ومختلفة. من عاصمتهم بغداد، سيطر العباسيون على مساحات شاسعة من العالم، من شمال افريقيا الى جزء من اوروبا والكثير من المناطق الاسيوية، وكل مناطق الشرق الاوسط تقريبا. كانت بغداد تجتذب العمال المهرة من مختلف بقاع المعمورة، جاءوا بخبراتهم في ارض تعدهم بالخير والرفاه والمساواة والعدل، وطور الفكر العباسي الموروث المحلي الذي عرف صناعة الطابوق، وكيفية فخره وتهيئته وحفره وللنقش عليه لاستخدامات البناء والعمار. المسجد الجامع اخذ بعدا اخر في العصر العباسي بعد ان كان في الفترة الاموية مكان صلاة وتجمع الرعية واظهار هيبة واهمية الخليفة او نائبه . في الفترة العباسية اخذ المسجد الجامع بعدا اخر مهما اذ تحول الى مقر للعلم والعلماء بالاضافة الى ماسبق، وادخلت الاروقة الجانبية، في هذه الاروقة خصصت محلات لجلوس العلماء حيث يتحلق حولهم طلاب العلم والمعرفة. الطراز العباسي تميز بالزخرفة على الطابوق والجص، بالاضافة الى كثرة الاروقة والاقواس والايوان، الموروث عن الحضارات السابقة واختلفت اشكال الاقواس وارتفاعها. المساحة الارضية اخذت اغلب الاوقات شكل المستطيل او المربع، كما وان الاعمدة كانت مزخرفة وبتيجان.. استعمل الفنان العباسي ثلاث طرق مختلفة في زخرفة الجص الاولى والثانية كانت بالحفر على الجص المبلل، والذي لم ينشف وباختلاف طفيف، والثانية كانت بصنع قوالب وصبها وبذلك يمكن تكرار نفس التصميم عدة مرات. كما استخدم الفنان العباسي الاشكال الادمية والحيوانية والنباتية على جدارن القصور. وقد تطور استعمال الخط العربي في هذه الفترة وادخل على كل الفنون قاطبة وكان ادخال الخط لغرض جمالي تزويقي مقترنا بالعمل ككل كفعل تشكيلي وتعليمي تذكيري، فلقد كتبت الصلوات والادعية والآيات القرانية الكريمة واستعملت بسخاء كبير، واكتسب الخط ابعادا جديدة وكان ملازما بشكل عضوي وحيوي لأي منتوج فني.
الفترة الفاطمية الفترة الفاطمية ادخلت بعدا جديدا على فكر وفلسفة بناء المساجد والجوامع. اذ انه ولأول مرة تم بناء الاضرحة والمراقد. وقد تكون تلك الأضرحة لأفراد من آل البيت (رضي الله عنهم) او لإمام او ولي وقبلت الفكرة ولاقت رواجا، وانتشر تعمير هذه الأضرحة التذكارية، وأول تلك الأضرحة بناها المعز عندما ارسل بطلب رفات اجداده، وأنشئت أضرحة لهم داخل مسجد القصر الذي شيده والذي سبق ذكره. ثم في سنة 1085م قام بدر الجمالي، وهو من الفترة التي كان الوزراء قد سيطروا فيها على الحكم، ببناء ضريح ومسجد على جبل المقطم. ولم يحتو على قبر بل على قبة ومنارة ومدخل يقود الى الفناء الواسع ملتصق بساحة للصلاة. وفيه اجزاء ناتئة (حنية) من الحائط مقابل المحراب وهذا المسجد احتوى على اولى المقرنصات الزخرفية وهذه المقرنصات كانت تستعمل بكثرة في زخرفة الاضرحة والمراقد. ومن اهم المراقد مرقد السيدة عاتكة الذي شيد سنة1120م ومرقد السيدة رقية شيد 1133م وهن من آل البيت(رضي الله عنهم)، كان كلا المرقدين مزوقين بالجص المحفور وبالكتابة وبالمقرنصات. ان الطراز الفاطمي تميز بالزخرفة الغنية من داخل وخارج المسجد، والمواد المستعملة الجص او الحجر، والاقواس المدببة والمقرنصات والتي استعملت لأول مرة، ورغم أن التأثير الفارسي يبدو واضحا إلا ان الطراز أخذ طابعا خاصا به، واستقل بشخصية فنية متميزة يختلف تماما عن التأثيرات الاولى للطراز الشمال افريقى، وهذا اهم ما يميز فن العمارة الفاطمي والذي نستطيع أن نطلق عليه بحرية وجدارة الفن الاسلامي المصري. فكما قلت ان الفكر الفاطمي هو الذي ادخل فكرة المراقد المقدسة وطور طراز العمارة الفاطمي الذي هو مزيج من الاسلوب الفارسي المطعم بمزايا عراقية خليجية اضيفت عليه مسحة من شمال افريقيا وهذا واضح في كيفية تصميم الاقواس وبناء الابراج كبوابات للمدن التي تذكرنا بالابراج العمانية.
الفترة العثمانية اسست هذه الدولة قبائل تركمانية مترحلة اضطرها الحكم المغولي الى النزوح من مناطقها الاصلية لتستوطن اواسط اسيا بعد هزيمة الدولة البيزنطية وانهيار الحكم السلجوقي. تركزت هذه القبائل اولا في المنطقة الشمالية الغربية قرب بورصة من اسيا الصغرى واستقرت في هذه المنطقة لتحكم قرونا طويلة وتغير خارطة وشكل المنطقة. السمة الاساسية التي رافقت الفنون التي انتجت في هذه الفترة هي السمة الاحتفالية اذا أن الاحتفالات الجماهيرية والعسكرية اخذت طابعا دينيا كانت تستحوذ على المجتمع العثماني وبهذا اضيفت سمة اخرى للمساجد فمن مكان لتجمع الامة للصلاة في الفترات الاولى لظهور الدعوة وانتشارها، ثم في الفترة الاموية بالاضافة الى ما سبق الى مكان لاظهار القوة وجبروت السلطةوفي الفترة العباسية اضيف بعد جديد هو رعاية العلم والعلماء وتبنيهم واضيف الى المساجد في الفترة العثمانية بالإضافة الى كل ماسبق ما يناسب الروح الاحتفالية. وصممت المساجد لتتكيف مع هذه الاضافة الجديدة واخذ المسجد بهذا بعدا حيويا اخر كان له التأثير القوي على زيادة نفوذ الدولة العثمانية. هذا التغير المعنوي ادى الى تغير في الشكل والتصميم المعماري فكان لابد من خلق مكان يشبه الشرفة للمتفرجين ومكان للعرض وربما استعيرت هذه الفكرة من العمارة البيزنطية. هذه الشرفة اتاحت للسلطان ان تكون له مقصورة ذات منصة خاصة به دائما الى جهة اليسار من الكوة غير النافذة والتي تشبه المحراب. كما استمرت المساجد على اضافة مساحة واسعة مخصصة لتزويد العلم مما اصبح يعرف بالمدرسة كما في هذه الفترة ألحق بالمساجد ركن خاص لإعداد الطعام للفقراء وهو المطبخ. اذ من خلال هذا المطبخ جرى اطعام الفقراء كافة. عند بناء المساجد العثمانية ادخلت كل التقنيات الفنية التي كانت سائدة سابقا وبكثير من التضخيم والتفخيم مع الجودة والدقة العالية في التنفيذ ومنها الرقش (الارابسك) والمقرنصات والحجر المحفور والمرمر والفسيفساء والموزائيك كما ولأول مرة تم استعمال طريقة تزجيج متقدمة تقنيا وهي طريقة التلوين على الفخار بعدة طبقات متجاورة بدون تسرب ألوان التزجيج وهذه الطريقة تعرف باسم (cuerda seca). اخذ العثمانيون يستولون على الكنائس الموجودة في المنطقة وتحويلها الى مساجد مع اضافة التحويرات المناسبة لها وبذلك ادخل طراز جديد وهو تزاوج العمارة القائمة مع الافكار الجديدة ونتج عن ذلك معمار متميز قد يقول قائل انه هجين الا انه كان على مستوى عال من القيمة الفنية. ادى الرخاء الاقتصادي والتوسع الجغرافي الى ادخال مهارات جديدة واساليب فنية متميزة وانتعشت الفنون بشكل عام وعلى مختلف الاصعدة ونتيجة لتطور الفكر المعماري تطلب ذلك ان تواكب هذا التطور تطورات في فنون اخرى مثل الفخار والحفر والنقش والتلوين والى ازدهار صناعة اخرى مثل الاقمشة والسجاد والزجاج الخ. المساجد في هذه الفترة بدأت مساحتها تتضاعف والفراغات مثل الساحات العامة والمساحات المخصصة للصلاة اخذت تكبر وتحتل مساحات ساشعة لتستطيع استيعاب المواكب الاحتفالية والمسيرات التي ترافقها وكذلك لتكون مكانا مناسبا للمدعوين واعدادهم الهائلة، كما ان القباب بدأت تاخذ شكل مجموعات بالاضافة الى وجود قبة كبيرة رئيسية مع قبة ثانوية اصغر حجما ومجموعات كبيرة من القباب الاصغر حجما. كما ان القباب اخذت شكل نصف الدائرة والشبه المسطحة الشكل وبقيت المنارات بشكلها النحيف الابري علامة مميزة للطراز المعماري العثماني. ظهر هناك نوع من المنافسة بين اجيال قادمة مختلفة لبناء مجمعات دينية عمادها وقوامها مسجد رئيسي فخم وبمساحات هائلة وكلما تقدم الزمن بالدولة العثمانية كلما ازداد حجم المساجد وملحقاتها وروعي فيها الذوق العالي والتقنيات المهارية العالية.
الفترة المغولية في الهند اعطى الفكر المغولي للبيئة اهمية قصوى، وكانت الحدائق الملحقة بالمساجد والاضرحة مهمة جدا في تصميمها وترتيبها بحيث تكون مكملة للصورة ككل، ومصدر إيحاء بأن المسجد ركن سماوي مقدس، والاعتناء بالحدائق اخذ الاولوية القصوى واضيفت الى الحدائق نافورات وسواق للمياه مؤكدا بذلك المعماري المغولي على سماوية البناء الذي صممه وهنا زاوج بين واقع ارضي وفكر روحاني صرف. اهتم المغول بالفكرة الاحتفالية والاستعراضية واستغلت المناسبات الدينية من اعياد وصيام لتكون فرصة للمؤمن ليحتفل بها في حدائق المساجد وساحاتها الواسعة. الموارد الطبيعية متوفرة بسخاء في شبه القارة الهندية وكذلك الايدى العمالية الماهرة لذا وظفت كل هذه الامكانيات لتظهر جلالة ومهابة المساجد، واستعملت الاخشاب ذات الجودة العالية والاحجار والذهب والفضة في التزويقات الضرورية واستخدمت كل التقنيات الفنية من حفر وصب وتلوين لتبدو المساجد في احلى سمة.
عمان في الفكر الفني العربي الاسلامي في القرن السادس الهجري عم الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي مختلف بقاع الارض العربية الاسلامية، في هذه الفترة المهمة التي جاءت بعد هزيمة الصليبيين والمغول نشأت اربع دول اسلامية ذات شأن كبير وهي الدولة العباسية المتأخرة في بغداد والدولة الايوبية في مصر ودولة الموحدين في مراكش والامارة الاتابكية في الموصل شمال العراق. حركة البناء والعمار ازدهرت في هذه الدول حيث بنيت المستنصرية في العراق وبنيت القلعة وشيدت قبة الامام الشافعي في مصر وخط كتاب خواص العقاقير وتطورت صناعة الاقمشة في دمشق والموصل واخذت المدرسة المغربية للزخارف المعمارية مكانة مميزة على كل الاصعدة. في هذه الفترة عاش ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان وهو من اهم المؤلفات الجغرافية وابن الاثير المؤرخ المشهور وابن الرزاز الجزري مؤلف كتاب علمي عنوانه (النافع في صناعة الحيل) وثم يحيى الواسطي صاحب مدرسة بغداد للتصوير. في هذه الفترة ظهرت مدرسة بغداد للتصوير والتزويق، الذي كان رائدها يحيى الواسطي والذي خلد مقامات الحريري بكتاب مزوق ومرسوم. هذه المقامات تتحدث عن حكايات محلية دارت في اغلب بقاع الارض الاسلامية. مؤلف المقامات هو ابو القاسم بن عثمان البصري ولد في البصرة واشتغل في ديوان الخلافة بوظيفة (صاحب الخبر). هذه المقامات والتي رواها الحريري بكثير من الدقة والمصداقية وبروح مرحة تخلو من الوعظ الجاف إلا أنها كنص كتابي كانت نوعا ما موجزة، واستلهم الواسطي تلك الحكايات، الا ان الواسطي صورها بشكل تفصيلي، اقرب الى الواقع، بلوحات فنية مستخدما كل التقنيات التي كان يحذقها وقد نفذها على درجة عالية من الذوق الفني الراقي ومنها المقامة العمانية، والتي يجدر الحديث عنها لأهميتها. اسهمت عمان في الفكر العربي الاسلامي واسهاماتها كانت مشهودة، نبغ الكثير من ابنائها وكان عطاؤهم غزيرا ومميزا على مر العصور والامثلة كثيرة الا انه تجدر الاشارة الى ان من ثقاة الحديث كان جابر بن زيد الازدي والذي ولد في اوائل العشرينيات من الهجرة ولن ننسى ابن دريد اللغوي الذي توفي عام 321 هـ وقصيدته المشهورة مقصورة ابن دريد. الا ان الفكر العماني التقشفي لم يفسح المجال الى تجربة حية في مجالات الفن ولكن الانسان العماني تذوق الإنتاج الفني الذي كان يأتيه من الدول المجاورة بأشكال مختلفة كما ان عمان لم تكن في البدايات المحور او المركز الاداري وكذلك الفلسفة التي تدعو الى البساطة والتقشف كانت تغلب على التفكير السائد كما ان الانسان العماني بقي مشغولا في استمرارية البقاء في بيئة صعبة ومحاولات البقاء هذه كانت هاجسه الاول والمهم لذا لم يعط للفن كل امكانياته المتوفرة فكانت هناك اوليات وضروريات شغلت بال الانسان العماني. الا انه بمرور الوقت ازدادت صلات عمان واخذت تتوسع ويمتد نفوذها واقامت علاقات جوار مهمة مع حضارات مجاورة تأثرت منها واثرت عليها وبدا هذا واضحا في صناعة المنسوجات والحلي والبناء وصناعة القوارب. ولكن هاجس عمان الحقيقي كان العمارة والبناء ونظرا لموقعها الاستراتيجي كانت القلاع هي من اهم الاولويات التي ابدع الفكر العماني في تصميمها وتنفيذها بكل الابعاد الهندسية والدفاعية والمعمارية والجمالية. ففي عمان 500 قلعة منتشرة على مساحة البلد كله. كل قلعة لها اسلوبها الهندسي المتميز وخاصيتها الجمالية بالاضافة الى حيويتها وقابليتها الدفاعية. شكل القلاع العمانية متفرد تماما وقلما نجده في مكان آخر من العالم رغم البساطة الظاهرة على الشكل العام الا ان تصميمها كان تركيبة معقدة وذكية من المعمار الهندسي. وقلعة نزوى خير مثال على نمو وتطور الفكر العماني المعماري وتوظيفه للقيمة الفنية الجمالية العالية رغم قناعته الواضحة والمتسمة بالبساطة والتقشف . يقول كتيب صادر عن وزارة التراث والثقافة في سلطنة عمان واصفا قلعة نزوى بما يلي: (...بنيت القلعة من قبل الامام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي.. استغرق بناء القلعة اثنتي عشرة سنة والغرض من بناء القلعة التحكم في الواحة الداخلية وفي الطرق المحيطة بها. القلعة عبارة عن مبنى دائري كبير، مبنية بالحجر والجص العماني، يبلغ ارتفاعها 115 قدما وقطرها 150 قدما، وهي بمثابة منصة منبسطة السطح اقيمت على قاعدة مردومة بالحجارة علوها 15مترا. يتم الصعود الى القلعة عن طريق سلم ضيق على شكل حرف (ح) حيث يوجد عند كل منعطف منه باب لعرقلة الهجوم المحتمل. عدد هذه المنعطفات سبعة تحميها فتحات تطل من اعلى القلعة تستعمل لإلقاء القذائف على المهاجمين. وتحت كل منعطف بئر وامامه باب بمتراس فاذا نجا المهاجم من القذائف التي تصليه من الاعلى سقط في البئر واذا نجا من الاثنين فالباب يمنعه من الافلات.. ويتميز بناؤها بكثير من الصلابة منعا من الارتجاج ولامتصاص اجيج المدافع. البناء الهندسي لهذه القلعة يحكي لنا بكل صدق عن الفكر الابداعي العماني في مجال المعمار وكذلك ليكون الحصن او القلعة سندا للدفاع عن مشروع بيئي حيوي وهو الواحة. تصميم القلاع امتد ليطغى ويستحوذ على الكثير من المواد ذات الاستعمال اليومي مثل المباخر والاثاث فالمبخرة العمانية والتي تنتشر في كل البيوت على السواء لها بعد معماري واضح في تصميمها استعارته من شكل القلاع وحتى الاثاث العماني ان كان بسيطا او معقدا يشير بشكل او آخر الى القلاع.
مسقط ومساجدها تحتل مسقط موقعا جغرافيا مهما ففيها ميناء مطرح الاستراتيجي المهم والذي كان ولايزال يرزخ بالبواخر والحركة التجارية المزدهرة. شهدت مسقط كثيرا من الاحداث التاريخية المهمة ولعبت دورا كبيرا كحاضرة للدولة وتقاسمت السلطنة اسمها مع عمان لعقود طويلة كما انها كانت تحتضن قوميات من اثنيات عرقية واديان مختلفة يقول وليم جراي في مقاله في فصلية تدعى: (Journal of the Mythic Society. vol2 no.2 Jan. 1911) ان اللغات التي كانت تتداول في سوق مطرح تزيد عن 14 لغة وهي العربية والفارسية والبلوشية والانجليزية والفرنسية والسواحيلية والصومالية والهندية والسندية والكوجراتية والبرتغالية ومن كوا البشتوية والارمنية والتركية. هذه التركيبة اللغوية تعطينا مدلولا واضحا عن التركيبة السكانية التي سكنت مسقط في بداية القرن الماضي وهذه الدلالة تقودنا الى ان مسقط كانت منفتحة حضاريا واقتصاديا وفكريا. ولكن هذا لا يعني ان العمارة اوالبناء كانا لهما الاولوية الا ان في مسقط القديمة بعض البنايات التي تدل على الفكر المعماري العماني ومنه بناية المتحف الفرنسي حاليا والتي جددت مع المحافظة على جماليتها القديمة وبعض المنازل المجاورة له ولكن العمارة والبناء بقيا متخلفين فيما يخص المدينة ككل وحتى سنة 1970 لم يكن في سلطنة عمان ومسقط كلها سوى مستشفيين احداهما في مطرح. وجود هذا المستشفى في مطرح يعطي دلالة على اهمية موقع هذا الميناء وعلى الدور الفاعل الذي يلعبه في حياة الناس كما ان بناء القصر الذي اتخذ لاحقا مقرا للمتحف الفرنسي وطريقة تشييده تدل على انه لم يكن الوحيد ربما كان الاول او الاكبر الا ان تمعن النظر من خلال المعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كانت تستحوذ على هذا الميناء يعطينا مدلولات بوجود ابنية اخرى مشابهة ولكن على درجة اقل من ناحية الفخامة والكرم في البناء والتصميم. هذه الدراسة لن تشير الى المساجد من الناحية الهندسية المعمارية الصرفة بل تنظر الى المشهد ككل اي الى الصورة التي تجمع المسجد مع الطبيعة المحيطة به ومن وجهة نظر فنية محضة. اذ ان لمساجد مسقط بعدا آخر غير الابعاد المتعارف عليها في اي موقع جغرافي آخر هو بعد تأملي فلسفي وحلم خيالي في خلق تباين لوني وبيئي مع انسجام في الفكرة والمضمون. فطبيعة الارض في مسقط ذات التضاريس المختلفة والجبال الجرداء ذات الالوان المتعددة والتي تبدو وكأنها قد لونت عمدا بهذا الشكل التدريجي والمساحات شبه الصحراوية الخالية والتي على الاغلب تركت مقصودة وكذلك المساحات المبنية والتي يشكل الجزء الاخضر منها قسما مهما حيويا وعضويا . هذه الصورة المجتمعة لو نظر اليها من وجهة النظر التشكيلية لبدت حسب قوانين التذوق الفني متكاملة فعند رسم او تصوير اي لوحة فنية يراعي الفنان مايلي: - التوازن - التنوع - وحدة الموضوع - الجدة او التجديد - الادهاش.
التركيب والتعقيد او العكس التبسيط المتناهي يقول الناقد الفني البريطاني المعروف هربرت ريد (ان اول ما يجذب انتباه المشاهد ما يلي، اولا الشكل العام ثم اللون ثم تبدأ المقارنة) الشكل يقودنا دائما الى الطبيعة فكل الاشكال الهندسية نبعت عن الطبيعة واللون كذلك ولكن المقارنة تقودنا الى التفكير مثل مقارنة شكل ابريق شاي مثلا مع كمثرى عمود معماري مع جذع شجرة والخ يتفق كل نقاد الفن في العصر الحديث على ان انتاج اي عمل فني يعني الادراك ثم القولبة. ويقول الجاحظ (فانما الشعر ضرب من النسخ والتصوير). في حين يقول ابن طباطبا العلوي (توفي سنة 322 للهجرة) (يلزم الشاعر ان يكون كالنقاش الذي يضع الالوان والاصباغ في احسن تقاسيم نقشه) كما ان ابن سيناء (المتوفي سنة 466هجرية يقول: (ان الحروف هي اصوات تجري في السمع مجرى الالوان في البصر ولا شك بأن الألوان المتباينة اذا جمعت في المنظر احسن من الالوان المتقاربة......). في هذا يتفق الفلاسفة الاقدمون مع المحدثين رغم اختلاف خلفياتهم الفلسفية والفكرية ورغم بعد المسافات الزمنية ورغم تباين توجهاتهم العقائدية. من هذا المنطلق سأختار نماذج دراسية معينة قد توضح فكرة تناغم المساجد بشكل خاص مع البيئة في مسقط. لقد تم اختياري للمساجد قيد الدرس، ليس لأهمية مكانية او زمانية، مثل موقعها بالنسبة للمدينة او وقت انشائها أو كلفة انشائها او حجمها او نوعية المواد المستخدمة في البناء، بل كان الاختيار لقيم فنية محضة، تتعلق بالقيمة الجمالية ضمن الفلسفة الاسلامية، ووفقا للأطر الجمالية التي وظفها الفنان المسلم عبر العصور، ثم طورها لاحقا، لتتناسب مع تقدم الزمن والاطر الحضارية الحالية المعاصرة ان كانت محلية او اقليمية او دولية، وكذلك لتواكب سير تقدم المعمار في المدن كما لتلبي حاجة الفرد الروحية وتمنحه الراحة والطمأنينة.
الشكل رقم (1) قبة زرقاء بتموجات طيات بنائية بحيث تظهر تباينا لونيا واضحا بين السطوح المتموجة والزوايا الحادة وعلى حافة التموجات الحادة زخارف طولية تؤكد على استمرارية الخط، وعلى قاعدة القبة تتكرر نفس الزخارف ولكن بشكل اقصر وتتداخل مع التموجات. الزخارف محددة بلون ابيض مما يجعلها تبرز للعيان، القبة تجلس على قاعدة اسطوانية زرقاء بشبابيك ايضا محددة باللون الابيض. سور المسجد الخارجي لونه مائل الى لون التراب وبه فتحات تقليدية على نمط فتحات القلاع العمانية. قرب المسجد اشجار من النخيل، ونخلة منها طويلة نسبيا، سعف هذه النخلة يتمازج شكلا مع التموجات البنائية بحيث تبدو القبة والنخلة وكأنهما تشتركان في حركة موحدة منسجمة تماما،هذه الحركة عضوية طبيعية. هذه القبة لا تمثل الجمود مطلقا، بل تدعو الناظر الى مراقبة حركة مستمرة رغم علم المتلقي بأن القبة ثابتة، ولكن من خلال اللاوعي ومن فكر تأملي صرف فإن النظر الى القبة يوحي بأنها في حركة مستمرة، والنخلة بجانبها ايضا تتحرك بفعل الرياح الطبيعية تعطي نفس الانطباع، مما يخلق جوا قدسيا روحانيا يتمثل بالدوران المستمر. ان الانعكاسات الضوئية على القبة تختلف بين سطح، وآخر واشعة الشمس النافذة بحركتها خلال ساعات النهار تحدث تموجات لونية ما بين اللون الازرق السائد والطاغي على القبة وما بين الازرق السماوي الفاتح واللون الفضي المزرق. والتحديدات البيضاء حول الزخارف تؤكد بوضوح على الانعكاسات الفضية، ولكن عند المغرب تتحول الانعكاسات الفضية الى انعكاسات ذات تموجات برونزية وذهبية، والنخلة بدورها تصطبغ بلون برتقالي مائل الى البني، وتبقى الوحدة مستمرة بين النخلة والقبة على دوران الساعة وعلى اختلاف الانعكاسات اللونية. خلف هذا المسجد جبل اجرد بلون ترابي فاتح في الجهة السفلى من الجبل، وتبرز منه النتوءات الحجرية، وعند نهاياتها المرتفعة يزداد لونها حدة، وتبدو هذه النتوءات غامقة، وكلما ارتفع النظر نحو الجبل الى الاعلى ازداد اللون وضوحا وحدة، ولكن المناطق السفلى من الجبل تتماهي وتتحد مع سياج المسجد، والنتوءات الطبيعية في الجبل تلتقي مع فتحات السياج وتبدو وكأنها وحدة متكاملة. منارة المسجد تفاجئ المشاهد بارتفاعها الى اعلى من قمة الجبل، جزؤها الاسفل يتناغم مع الجبل ولكن قبتها الصغيرة المرتفعة نحو السماء بعلو وجلال تبدو وكأنها منفصلة عن العالم الارضي تماما، ومحلقة في السماء، ويزداد انعكاس اشعة الشمس الواضحة عليها، مما يزيد من خفوت اللون الازرق وازدياد اللون الفضي فيضفي عليها بعدا روحانيا. الناظر الى المشهد كوحدة متكاملة، بدءا بالطريق العام، والذي يحتوي على بنايات ثم المسجد وما يحيط به . البنايات تنزوي بكثير من التواضع حول المسجد، ولا تثير اي اهتمام وتبدو متواضعة جدا من ناحية الموقع وكذلك الارتفاع والشكل واللون، وتبدأ المساحة الخضراء التي تفصل بناء المسجد عن الرصيف، وهذه تذكرنا بلوحات الواسطي الذي يحدد ارضية لوحاته بمزروعات خضراء مذكرا المتلقي ان ما يراه يستند على الارض، وهذا فعلا ما يحدث للمتلقي عند النظر الى مشهد المسجد ككل، فارتفاع العين الى السماء وسباحتها في الجو وتحليقها بعيدا الى عالم قدسي علوي. وثم عودتها تدريجيا الى اسفل المشهد مستعرضة الموضوع الفني ككل فتصل الى النخلة التي تقود النظر الى الارضية المزروعة الخضراء، حينها يعود المشاهد الى عالمه الواقعي الارضي. يتولد شعور عند المشاهد بانه قد اقترن وعيه بالسماء والارض، فهو متيقن تماما انه على الارض ولكن المسجد يرفعه الى السماوات. التضاد اللوني هنا يتسم بالانسجام التام، ما بين قبة المسجد الزرقاء والخلفية الترابية الجرداء، ثم اللون الاخضر بكل درجاته المختلفة ان كان لون النخيل او الارضية الخضراء المزروعة، هذا التباين اللوني خلق وحدة لونية متكاملة متحدة مع الشكل السهل الانسياب على النظر، كما ان وحدة الموضوع هذه تجعل المتلقي يشعر بالانسجام التام بين الطبيعة والبناء. شكل هذا المسجد العام متفرد تماما فالقبة نسبيا صغيرة الحجم والكسرات البنائية التي تبدأ من قمة القبة ثم عند نزولها الى الاسفل تتوسع . هذا الشكل وحيد الطراز نسبيا رغم أنه من الممكن مقارنته الى حد ما بقبة مسجد ضريح تيمورلنك في سمرقند او ما يعرف بالمدرسة او بقبة مسجد بيبي خانم في سمرقند ومسجد صابر في القيروان، الا ان الكسرات البنائية في كل هذه النماذج تختلف عند انحدارها الى الاسفل اذ لا تنفرج بالشكل الذي يحدث للكسرات في الشكل رقم(1) كما انها لا تعطي الشعور بالدوران مثلما يحدث في شكل رقم (1) لذا فان هذا الشكل قد بلغ قمة الابداع الفني مستندا على الفكر الاسلامي ومستلهما هذه الابعاد القدسية العليا بشكل واضح ومؤثر.
شكل رقم (2) يقع هذا المسجد بالقرب من منطقة عمران كثيفة نوعا ما ولكن بما ان المخطط العماني على وعي بالبيئة لذا فإن المنطقة هذه مشجرة بشكل كثيف. فكل مساحات البناء محاطة بالاشجار والارصفة ايضا مزروعة. هذا البعد الأخضر الطاغي على النظر يستولي على الناظر تماما ولا يجعله يفلت من سيطرته لذا فان المتلقي هنا يعيش حالة من الذوبان مع الطبيعة في لونها الاخضر فقط وكان لابد من مراعاة ذلك عند تصميم وبناء هذا المسجد ليس بالامكان الافلات من سيطرة المساحات الخضراء والاشجار التي تتركز في هذه المنطقة وليس من الممكن خلق جو اخر يتناشز معها ويتضاد فجاء تصميم هذا المسجد ليكون اساسا مكملا للبعد الاخضر الطبيعي وجاءت زخارف القبة تعلن عن نفسها بكل وضوح وتحد على انها جزء من الطبيعة التي خلقها الله العلي القدير. ليبرز اللون الاخضر كان لابد من اختيار لون يتباين معه وبنفس الوقت يعززه واللون الذهبي هو افضل لون يزيد من قيمة اللونين الاخضر او الازرق، جاء تصميم الزخارف على قبة المسجد متوافقا تماما مع الاشجار المحيطة به فتم اختيار وحدة زخرفية تعتمد ورقة نباتية ولكن بنفس الوقت تذكرنا بشكل النجوم، والتكرار الهندسي لهذه الوحدة الزخرفي لم يبد جامدا كمعادلة رياضية جافة بل على العكس فان انحدارات القبة وتكوراتها منحت من هذا الشكل الزخرفي الهندسي حيوية. والزخارف الصغيرة والتي ايضا استندت على شكل نبات هندسي كسرت رتابة الملل والتكرار لأنها جاءت في صف متعاكس مع الصف الذي يليه او الذي قبله مما زاد الشعور بالحركة وعدم الجمود. المقرنصات فوق القبة جعلت القبة تبدو وكأنها متوجة ولكن تاج بعيد عن الابهة والبهرجة ويتماشى مع بساطة الوحدة الزخرفية. المقرنصات تعود بأصولها الى الفترة الفاطمية والتي تم استخدامها بكثرة في الفترة المغولية في الهند وكذلك في الفترة العثمانية. الا ان استعمالها في هذا المسجد بهذا الشكل المقتصد والمختصر جاء ليذكرنا بفترات مهمة في التاريخ الاسلامي ولكن بدون اسراف او اعتماد البهرجة. شكل وانحدار القبة وحجمها الصغير نسبيا متكرر كثيرا في الفترة المغولية ومصمم هذا المسجد لا ينكر هذا التقارب الحضاري والعلاقة الدينية الحميمة مع هذا التراث الآسيوي، بل يفصح عنه بجلاء ووضوح، ولكن هذا لا يعنى سيطرة هذا التراث كليا على تصميم هذا المسجد بل هنا تأتي الابراج العمانية لتفرض نفسها بقوة وجدارة وتذكر المشاهد بانه على أرض عمانية بحتة. تدرج اسوار المسجد هو نفسه التدرج في القلاع والابراج المتعارف عليها كما في قلعة نزوى هناك تدرج معقد في الاسوار لتحمي المنعطفات هنا ايضا يتدرج السور ليس تدرجا معقدا حربيا استراتيجيا بل تدرجا يسير بيسر ويرتفع نحو السماء فالناظر يرتفع ببصره تدريجيا من سور الى آخر بدون إعاقة ليصل الى سور المنارة الشاهق ولكنه الصغير جدا هنا السور ليس للدفاع او للحماية بل لتوليد الشعور بالامان والسمو. البناء يتدرج بثلاثة ارتفاعات والشكل العام للبناء مستطيل ومربع مع شبابيك طويلة وضيقة نسبيا وهذا يذكرنا بالمعمار العباسي وخاصة في تصميم قصر الاخيضر او المدرسة المستنصرية رغم ان المعماري العباسي اعتمد الفتحات غير النافذة الا ان مصمم هذا المسجد حور هذه الفكرة وطورها لتكون النوافذ مزخرفة بطراز عماني صرف. رغم ان المنطقة مشجرة الا ان ساحات المسجد لم تخل من الاشجار . والاشجار قريبة جدا من الجدران مما يدل على نوع من الصلة والتجاوب بين البناء ومواد البناء من حجارة وزجاج ولون الجدار البني المتوسط لا الباهت ولا الغامق يقترب من لون سيقان الاشجار وجذوعها وينسجم تماما مع الخضار الطاغي على المشهد ككل مما يزيد من التفاعل بين البيئة والمسجد.
شكل ر قم (3) هذا المسجد يقع ضمن مساحة بناء عالية الكثافة فالمنطقة تجارية مزدحمة بالاسواق وتموج بالمارة، البنايات في هذه المنطقة حديثة نسبيا وتصاميمها تجمع بين الحداثة التي تستوحي التراث،المكان الذي يقع فيه المسجد منطقة كونكريتية بحتة، التشجير فيها أقل كثافة من المناطق الاخرى. البنايات تجارية بعدة طوابق لتستوعب هذا المركز التجاري المهم. هذا المسجد الذي يقع في هذه الخلفية كان على مصممه ان يحاول مزجه بالبيئة المحيطة مع الاخذ بالاعتبار ان يكون للمسجد اهمية قصوى لجلب الانتباه وتركيز النظر عليه وان يكون بؤرة الارتكاز وما ان يقع النظر عليه حتى يستحوذ على المشاهد فيبتعد بذهنه عن كل المجريات الارضية ويتوجه بفكره الى البعد السماوي الارحب. قبة هذا المسجد كبيرة نسبيا لتجلب الانتباه وشكلها يشبه القباب في العراق الا انها اصغر حجما ولكنها من نفس الطراز وتبتعد عن الطراز المغولي في الهند، لون القبة ازرق جذاب جدا، القبة محلاة بشريط من الزخارف الهندسية والتي تشبه القاشاني العراقياو الايراني ولكن القاشاني هنا استعمل باقتضاب وبدون اسراف وهذه ميزة عمانية صرفة. مساحة واسعة من القبة بدون زخرفة ثم جاء شريط زخرفي آخر من اشكال مثلثة محددة بالابيض وترتفع نهاية القبة وتطلى بلون ذهبى منسجم تماما مع السماء الصافية أبدا فهنا يشعر الناظر بأن القبة جزء لا يتجزأ من السماء الكبيرة الواسعة. تأتي منارة هذا المسجد لتعلن حضورا مهما بتصميمها الجذاب جدا والمبتكر والذي ايضا يذكرنا بالطراز العباسي بأحواضها الثلاثة الواسعة والتي تبدو رحبة عند اعتلائها وسياج هذه الاحواض الدائرية يعتمد التراث والفكر العماني الصرف والذي ينسجم تماما مع تصاميم البنايات المجاورة مما يجعل المتعبد على صلة دائمة بالمسجد، على جدار المنارة ما يشير الى النوافذ الصماء والتي كانت منتشرة جدا في الفترة العباسية غير انها لا تنتهي بالقوس المتعارف عليه بل اخذت شكلا هندسيا يتماشى مع زخارف السياج وكذلك مع الزخارف في البنايات المجاورة . رغم ان هذه المنطقة مزدحمة بالبنايات الا ان التشجير كان مهما بالنسبة للمسجد فان الاشجار الموردة والتي تقترب من المنارة وتحيط بسور المسجد لها حضورها المهم ولتزيد من انسجام لون البناء الترابي مع الطبيعة.
شكل رقم (4) تميزت مساجد مسقط بألوانها الجذابة والتي تستند الفكر والفلسفة الاسلامية فإن للون الاخضر بالاضافة الى خاصيته الفنية بعدا روحانيا اخر فان المصادر والادبيات التاريخية تشير الى انه لون لباس اهل الجنة. كما ان للفكر العماني خاصيته الاخرى والتي تدخل ضمن الفكر الاسلامي بشكل عام وهذا الفكر واضح جدا في معطيات التصاميم في عمان ويغلب عليه طابع البساطة والتجريد والذي هو مفهوم اخر من مفاهيم الخلفيات الفلسفية الاسلامية. ويستخدم المصمم العماني الاشكال الهندسية بكثير من الحرية والتصرف.مستندا بذلك على الاسس التي ارسيت عليها التصاميم الهندسية عبر التاريخ الاسلامي. اغلب التصاميم التي تعتمد الشكل الهندسي المستند على اصول الرياضيات تشتق اساسها من الطبيعة وخاصة النباتات والتي تتماهى احيانا كثيرة مع اشكال النجوم السماوية. تنفذ الاشكال الزخرفية بطرق عدة ان كانت بالتلوين او البلاط المزجج (القاشاني) او صب مقاطع مخرمة بزخارف محلية المنشأ اسلامية الفكر. وهذه المقاطع شائعة الاستعمال وتدخل الكثير من الذوق العالي على مختلف البنايات المحلية في سلطنة عمان. وتستند زخارف هذه المقاطع على الاصول النباتية المحورة وتعتمد اغلبها شكل النجمة كأساس لتحوير الزخارف النباتية. يعتمد تصميم هذا المسجد على البعد المحلى الصرف من منح المتلقي الشعور بالبساطة والحيوية فلا اسراف في الالوان بل لون واحد طاغ على كل ما يحيط بالمسجد حتى انه يسيطر على المنظر الطبيعي وهو الخلفية الجبلية ذات الالوان البنية الغامقة وتبرز قبة المسجد من بين التعرجات الجبلية كوحدة متكاملة وتفرض نفسها بكثير من المهابة والجلال. وتجعل المتلقي ينسى الجبل او يعتبره جزءا مكملا للقبة . فالقبة هنا هي المحور اذ تبدو وكأنها قد نبعت من الجبل وخاصة عند النظر الى الزخارف الصفراء والتي تتماشى كليا مع الالوان البنية الفاتحة جدا والمنتشرة بين سفح الجبل فتخلق نوعا من الوحدة العضوية المتجانسة. بالاضافة الى نهايات بعض الاحجار التي تصطبغ بلون مائل الى البياض والتي تتوحد مع قاعدة القبة المائل لونها الى البياض. قاعدة القبة مثيرة للاهتمام تماما إذ أخذت طابعا محليا محضا على شكل نوافذ اعتيادية او صماء وكلاهما اعتمد المقاطع المخرمة المزخرفة قسم منها مفتوح لتدخل النور الى المسجد والاخرى صماء لتذكرنا بالعهد العباسي الممتد عميقا في التاريخ. سور المسجد يتميز بطراز عماني ولكن مبسط وأقرب الى التجريد. رغم انه ينتمي الى القلاع والحصون العمانية الا انه بنفس الوقت لا يشعرنا بالرغبة بالدفاع بل الاحتماء. يقع المسجد ضمن منطقة غير كثيفة المعمار ولكن أغلب البنايات المجاورة تذوب مع أسلوب المسجد في العمارة وتتوحد معه لتبدو في الاخر لوحة منسجمة ولكنها تتحدى الجبل الداكن بألوانها الفرحة البهية والتي أساسها اللون الأبيض. موقع هذا المسجد قريب من البحر، والبحر صاف نوعا ما فيكون المشهد ككل ارضية زرقاء داكنة من امواج البحر مع ألوان تميل الى الأبيض ويأتي الأخضر صارخا معلنا أنه اللون المفضل لأهل الجنة مذكرا المتعبدين بضرورة العبادة ليقتربوا من أهل الجنة.
شكل رقم (5) لايمكن النظر إلى مساجد مسقط الحديثة بدون الالتفات بشكل جدي الى هذا المسجد الكبير المتميز والحيوي. دراسة هذا المسجد الجامع سيكون من الخارج فقط كما جرى على بقية المساجد وبما انه يحتل مساحة ارضية ساشعة فيجب التركيز على البيئة المحيطة به ان كانت ضمن التصميم الاولي الاصلي او ادخلت الى التصميم كجزء مكمل للبناء مع مراعاة اهمية البيئة الطبيعية. نلاحظ في عمارة هذا المسجد توظيف ذكي بين عدة طرز معمارية تراثية مع التزاوج الواضح بالفكر المتجدد الحديث. جمع بين العمارة العباسية والفاطمية وطراز القلاع العماني والشبابيك في قاعدة القبة على الطراز الأموي الأول والذي كان موروثا محليا بيزنطيا وتبنته بشدة ووضوح الفترة العثمانية. مايسترعي النظر هنا الموقع الشاسع الذي يحتله المسجد والمنظر البانورامي الذي في خلفيته، منظر طبيعي تقليدي عماني وبالتحديد من مسقط، حيث الجبال الجرداء ذات الالوان النحاسية والذهبية المشوبة بالاحمرار. هذه الخلفية الطبيعية جعلت المسجد يبدو وهو في مكانه وكأنه موجود من الازل رغم الحداثة في تنفيذه، الا انه يبدو للناظر وكأنه يذوب ويتمازج مع الطبيعة بشكل عفوي تلقائي في حين ان هذا المشهد والخلفية التي وضع فيها المسجد مقصودة ومدروسة بدقة ومما يساعد على هذا الاعتقاد التدرج اللوني بين سياج المسجد الخارجي والداخلى ولمعان القبة الداخلية والشبه مغطاة بما يشبة الشبكة البنائية وكل هذه التشكيلة المعمارية تبدو كوحدة عضوية متكاملة ومتحدة مع البيئة. وعناية المساحات الخضراء التي صممت لتزيد من جمالية هذه البانوراما روعي فيها تصميم الحدائق الاندلسية والمغولية في الهند حيث تذكر المتعبد بالجنات الموعودة كما وتمنحه صفاء الفكر وهذه المساحات احتوت على نباتات وأحراش روعي فيها ألا تكون أكثر أهمية من البناء وتتدرج لتصبح أرضية خضراء واسعة ممتدة تفسح المجال للناظر ان يجول بنظره بيسر وسهولة.
شكل رقم (6) في موقع مهم يشكل قلب محافظة مسقط وضمن منطقة حيوية جدا يحتل هذا المسجد مكانا مميزا في صميم ذلك القلب. مسجد صمم على الطراز العثماني مع الإبقاء على جمالية هذا الطراز بدون حذف اوإضافة، القبب النصفية والمقطوعة والمتصلة بالجدران والمآذن المخروطية الإبرية كلها تفصح بوضوح وعلانية على أصلها العثماني. ورغم التأثير العثماني الذي لا ينكر إلا أن هناك إضافات حديثة مثل الشبابيك الدائرية في الواجهة واختلاف الصيغ اللونية المستخدمة عنها في الاصل العثماني . هذه الصيغ اللونية نبعت عن البيئة المحيطة بالمسجد اذ نجد المسجد محاطا بأرض فضاء رملية تذوب وتتلاشى عند حافة المسجد، وهذه الالوان الرملية تمتزج بانسجام مع جدران المسجد والذي لا يوجد به اسوار لذا بقي منظرا رحبا نفها مفتوحا للمتلقي. كما وان المسجد مؤطر بسلسلة جبلية جرداء تأخذ الاشكال المنحنية والاقواس النصف الدائرية والتي يختلف حجم تلك المنحنيات وتتداخل وتمتزج لتبدو وكأنها فد شكلت بهذا الوضع لتتماشى مع المسجد هذه الاشكال المقوسة والنصف دائرية ذات الالوان النحاسية والذهبية تظهر فيها بوضوح تدرجات الجبل اللونية من داكنة الى فاتحة والانعكاسات عليها تتمازج تماما مع الانعكاسات على قباب المسجد. يتوازن هذا المشهد التشكيلي تماما ككل وتتوحد الصورة التشكيلية ما بين المسجد كبناء والارض الرملية في مقدمة الصورة مع الاطار الجبلي فالموضوع ككل يبدو متكاملا ومتحدا.
المصادر الفن الاسلامي - ديفد تالبوت ريس نسخة منقحة الناشر ثيمس و هدسون. - بحث د محمد مكية: الثابت والمتغير في الفن المعماري مجلة الموسم - فصلية تصدر في هولندا عدد41-42 سنة 1999. - عمان 92 - بالانجليزية دليل عن وزارة التراث (القومي) والثقافة سلطنة عمان. - عمان في القرن العشرين - جي . اي. بيترسون عن دار نشر هاربر و روو. - العمارة الاسلاميةبيتر ديلوس الناشر دار كوينخمان - اديان العالم نينيان سمارت الناشر جامعة كمبردج - الفخار العثماني جون كروسويل المتحف البريطاني - زيارات موقعية للمتحف البريطاني والمكتبة البريطانية لمراجعة حوليات مثل لورمير جازيتاجورنال اوف مثك سوسايتي. - (قلعة نزوى) منشور عن وزارة التراث القومي والثقافة- سلطنة عمان. - الزخرفة الاسلاميةايفا ولسونالناشر المتحف البريطاني. - تاريخ العمارة العثمانية كودوين طبعة 1987- لندن المتحف البريطاني - عالم الاسلام ب - لويس لندن 1976 المتحف البريطاني. |
|||||
|
|||||