هجرة النص الفلسفي
والتشكك في مدى أهمية الانفتاح على ثقافة الآخر

 

عبدالسلام بنعبد العالي(مفكر من المغرب)


النص الفلسفي لابد أن يهاجر كي يبقى وكأنه يحيا في ترجماته المتلاحقة بحيث تغدو الترجمة هنا نوعا  من الاستثمار الفكري

لم ينتبه الفلاسفة العرب الأقدمون إلى الربط بين إعادة التأويل والشرح وبين الترجمة والرجوع إلى الأصول

 

ليس هناك استثمار فعلي للنص المترجم. كذلك ليس هناك تملك فكري له. معنى ذلك أن العلاقة التي تربطنا بهذه النصوص علاقة غير منتجة. يؤكد ذلك كون بعض النصوص الفلسفية التي نقلت منذ وقت غير قريب كزرادشت نيتشه أو رسالة سبينوزا، أو رسالة فتكنشتاين وبعض نصوص فرويد ولوك، إن هذه النصوص عربت دون أن تعرف امتدادا أو تثير انتباها أو تطرح إشكالا أو تلج شبكات جديدة من العلائق، أي أنها لم تدخل في حوار مع الثقافة المنقولة إليها. فكأنها نقلت من غير أن تترجم.

يحيلنا لفظ الهجرة إلى ألفاظ النقلة والنقل والانتقال، وهي ألفاظ استعملت كما نعلم للدلالة على معنى الترجمة. كما أن المرادف الفرنسي لها، أي Translation هو اللفظ الذي كانت اللغة الفرنسية، حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي تعتمده دلالة على المعنى نفسه. يتعلق الأمر إذن بحركات الترجمة التي عرفتها النصوص الفلسفية. وما يهمنا هنا هو الوقوف عند الترجمات التي تمت إلى اللغة العربية بهدف تحديد العلائق التي ربطت، وتربط، فلسفتنا العربية بآخرها، خصوصا عند لحظتين أساسيتين من تاريخها.

لنتساءل في البداية: ما هي العلاقة التي أقامتها الفلسفة العربية الكلاسيكية بالنصوص التي نقلتها؟ الجواب عن هذا السؤال نلتمسه من نصين أساسيين: الأول مأخوذ من المناظرة المشهورة التي نقلها أبوحيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة، والتي جرت بين المنطقي متى بن يونس وبين النحوي أبي سعيد السيرافي، والآخر مأخوذ من كتاب "الحيوان" للجاحظ.

نقرأ من المناظرة:

"قال السيرافي: أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها؟ وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها وانقضى القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى أخرى عربية؟

قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق.

قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت (...) فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه.

قال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة، (...) وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ما انتشر ... من أنواع العلم، ولم نجد هذا لغيرهم.

قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوت في العالم بين جميع من في العالم(1).

يطرح هذا النص مجمل القضايا التي عاشتها تجربة هجرة النص الفلسفي في الثقافة العربية الكلاسيكية من تعدد للوسائط اللغوية، ومن تحويل قامت به الترجمة وطرأ على النص المترجم، ومن تشكك في مدى أهمية التفتح على ثقافة الآخر الأوحد، وتخوف من الوقوع في أحضانه وتعصب لثقافته.

وقبل أن نعود لتفصيل هذه القضايا والتساؤل عما إذا كنا ما زلنا نحيا بعضها، لنقرأ النص الثاني الذي نقتبسه من نص مشهور للجاحظ في مسألة الترجمة: "وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونانية وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعانيهم وفطنهم وحكمهم" (2).

المعنى الأساس لهذا النص ليس كون الشعر لا يترجم كما قيل، وإنما كون العجم ليسوا في حاجة إلى أن ينقل إليهم الشعر العربي، ليسوا في حاجة إلى أن تنقل إليهم النصوص العربية، ويقول الجاحظ: حكمة العرب، إن النص العربي ليس في حاجة إلى ترجمة. لا يتصور الجاحظ الترجمة من اللغة العربية نحو لغة أخرى، الترجمة الممكنة هي دوما في الاتجاه المعاكس.

ذلك أن اللغة العربية هي لغة الثقافة، لذا فعندما تنقل آداب الفرس وكتب الهند وحكم يونان فإنها ترتقي وتزداد حسنا أو على الأقل لا تفقد شيئا، لذا فلا داعي لإعادة ترجمتها.

لعل هذا هو ما يفسر كون كبار فلاسفتنا القدماء لم ينتابهم الشعور مطلقا بالربط بين إعادة التأويل والشرح، وبين إعادة الترجمة والرجوع من جديد إلى الأصول، يتعذر علينا نحن الآن أن نتفهم عدم شعور فلاسفتنا القدماء، وهم يشرحون المعلم الأول مثلا، عدم شعورهم بضرورة إعادة الترجمة على غرار ما نلحظه اليوم عند كبار المفكرين الذين نلحظ عندهم مواكبة مستمرة بين التأويل وبين إعادة الترجمة، أو على الأقل مراجعتها وتنقيحها لنستحضر هايدغر قارئا ما قبل السقراطيين، وألتوسير قارئا فيورباخ وماركس، ودريدا قارئا هيجل ونيتشه وفرويد.

قبل أن نتساءل لماذا لم يستشعر قدماؤنا هذه الضرورة، لنر هل يصدق ما قلناه سابقا على فلاسفتنا المحدثين؟ والظاهر أن وضعيتنا نحن الآن مخالفة، وأن العلاقة التي نقيمها مع نصوص الفلسفة الغربية مغايرة لتلك التي أقامها أجدادنا مع النصوص التي نقلوها. ويبدو أن عندنا ولعا بالاستئناس المتواصل بالأصول التي ننقلها والمراجعة المستمرة لما نترجمه على قلته: يشهد على ذلك تعدد الترجمات العربية للنص الواحد. فقد أحصى أحد الدارسين سبع ترجمات ظهرت متلاحقة للنص نفسه، ونعرف مثلا أننا نتوفر على أكثر من ترجمة لمقال ديكارت وتأملاته. ولكن هل يكفي وجود حالات معينة كي تسمح لنا بأن نستخلص أن العلاقة التي نقيمها نحن الآن مع الفلسفة الغربية تخالف كل المخالفة تلك التي ربطت أسلافنا بغيرهم؟

للإجابة عن هذا السؤال ربما وجب التمييز بين نوعين من التعدد في الترجمات:

هناك ما يمكن أن نصفه بالتعدد المتناثر، وما يمكن أن ننعته بالتعدد المتناسخ، المثال الذي يحضرني لهذا النوع الثاني من التعدد هو الذي طبع، ويطبع، العلاقة التي ربطت، ولا تزال تربط، الفلسفة الفرنسية بالنصوص الألمانية التي نقلتها. نعلم أن كبار الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين مترجمون للنصوص الألمانية، إلا أن ما يلفت النظر في ترجماتهم أنها تنسخ بعضها بعضا. الظاهرة المميزة لحركة الترجمة الفرنسية هي ظاهرة "إعادة النظر" وهذا لا يصدق فحسب على ما اشتهر من النصوص الألمانية بالصعوبة كنصوص هايدغر، وإنما على نصوص نيتشه وفرويد وهوسرل وهيجل منذ أن بدأت أعمال هؤلاء تنقل إلى اللغة الفرنسية وهي تترجم وتعاد ترجمتها. هناك إذن رجوع دائم إلى النص الأصلي، والأهم هو أن هذا الرجوع هو دوما مراجعة وإعادة نظر.

فكأن النص الألماني لا بد أن يهاجر كي يبقى وكأنه يحيا في ترجماته المتلاحقة بحيث تغدو الترجمة هنا نوعا من الاستثمار الفكري. بين الترجمات الفرنسية الحالية لنيتشه والترجمات التي بدأت تنجز منذ الأربعينيات مسافة زمنية، لكن أيضا مسافة فكرية، وهذا يصدق كذلك على ترجمات فرويد وماركس وهيجل.

إن النصوص الكبرى، بما هي كذلك تتمتع بنوع من الحركية ومن الرغبة في الخروج عن ذاتها، وتبديل موطنها وتغيير ملبسها وتحويل لغتها. عند هذه النصوص رغبة لا متناهية في الهجرة، في هذه النصوص تكشف اللغة عما تنطوي عليه من إمكانيات مستقبلية وعن تطلعها للخروج عن ذاتها. ونستطيع أن نقول إن الترجمة " تستغل " هذه الحركية، وتستثمر هذا التطلع، أو لنقل فقط إنها توظفه.

لا أعتقد أن بإمكاننا أن نقول إن الكيفية التي تمارس بها الترجمة عندنا اليوم توظف هاته الخاصية، كما لا أظن أننا يمكننا أن نطبق ما قلناه الآن عن الترجمات الفرنسية على ترجماتنا الحالية لما نقلناه وننقله من نصوص، أولا لأنها ترجمات نادرة، وحتى إن وجدت متعددة للنص نفسه فلا مسافات فكرية تفصل بينها، بل ربما ليست هناك حتى مسافات زمنية. إذ أننا نلحظ أنها تتلاحق من غير أن تتفاعل لا فيما بينها، ولا مع النصوص المنقولة والفكر المترجم، فليس هناك استثمار فعلي للنص المترجم. ليس هناك تملك فكري له. معنى ذلك أن العلاقة التي تربطنا بهذه النصوص علاقة غير منتجة. يؤكد ذلك كون بعض النصوص الفلسفية التي نقلت منذ وقت غير قريب كزرادشت نيتشه أو رسالة سبينوزا، أو رسالة فتكنشتاين وبعض نصوص فرويد ولوك، إن هاته النصوص عربت دون أن تعرف امتدادا أو تثير انتباها أو تطرح إشكالا أو تلج شبكات جديدة من العلائق، أي أنها لم تدخل في حوار مع الثقافة المنقولة إليها. فكأنها نقلت من غير أن تترجم.

هل يمكن أن نستخلص من ذلك أن العلاقة التي تربطنا الآن بالنصوص التي ننقلها لا تختلف في العمق عن تلك التي ربطت فلاسفتنا القدماء مع ما نقلوه؟

أمر أساسي ينبغي التأكيد عليه هنا، وهو أن هذا التشابه الظاهر يخفي اختلافا جوهريا بين اللحظتين التاريخيتين، واقصد اختلاف علائق القوة التي ربطت الثقافة العربية الكلاسيكية مع آخرها عن تلك التي تربطنا نحن اليوم مع غيرنا؟

ذلك أن الثقافة الكلاسيكية كانت تعتبر أن لغة الثقافة هي العربية. لذا فإن النص عندما ينقل إلى العربية يزداد جمالا، كما يقول الجاحظ، أو على الأقل لا ينتقص شيئا. لا عجب إذن أن تعتمد الترجمات العربية فيما بعد كنصوص أصلية، كأصول. ويكفي مثالا على ذلك أن نذكر بأن الترجمة العربية "لكليلة ودمنة" هي التي ستعتمد كأصل عند ترجمة الكتاب إلى اللاتينية والإنجليزية والفرنسية بل حتى إلى الفارسية الحديثة كما يؤكد أحد الدارسين (3).

فعلاقة القوة التي تربطنا الآن أو على التحديد، التي تربط اللغة العربية الآن، والفكر العربي بالنصوص التي يتعامل معها علاقة مخالفة لهذه، إن لم نقل مناقضة، بل إن لم نقل مقلوبة. فنحن لا نشعر أننا نرقى بالنص عندما ننقله إلى العربية أو نزيده جمالا، بل إننا نحس، على العكس من ذلك، أن نصوصنا هي التي تزداد جمالا عندما تنقل إلى اللغات الأجنبية، إنها ترتقي عندما تترجم.

لا عجب إذن أن نلاحظ حرصا شديدا يبديه بعضنا كي ينقلوا إلى لغات أخرى، فكأننا أصبحنا نكتب كي نترجم، مثلما أننا نترجم كي نكتب. بل أن منا من يعمل هو نفسه، بعد أن يكتب بغير العربية، على أن يترجم هو نفسه ما قد كتب. يشير أحد النقاد إلى أن بعض الروائيين العرب يكتبون وهم يفكرون في مترجمهم المحتمل. إنهم يبدعون بدلالة الترجمة المحتملة" فيعملون على تيسير مهمة المترجم باجتنابهم التعابير والإحالات التي قد لا تتلاءم مع أسلوب لغة أخرى،(4) وغالبا ما ينتظرون ظهور ترجمة ما كتبوه وحينئذ، وحينئذ فحسب، يشعرون بالفعل بقيمة أعمالهم، ندرك دلالة ذلك ومغزاه إذا علمنا أن كاتبا مثل الجاحظ، أو شاعرا مثل المتنبي أو فيلسوفا مثل ابن رشد لم يكن يأمل، ولم يكن يتوقع، بل لم يكن يتصور وبالأولى لم يكن يعمل على أن ينقل إلى لغة غير العربية. لقد غدت إبداعاتنا تتم بدلالة الترجمة، فكأن الأصول هنا مفعول لترجماتها، فحتى إن كان لا بد وأن نتكلم عن خيانة، فربما ينبغي أن نقول مع بورخيس: "إن الأصول -هنا- هي التي تخون ترجماتها".

 هذه الوضعية التي أكتفي بأن أنعتها بأنها مخالفة للوضعية السالفة لا تسمح بطبيعة الحال لا بالتعامل المنتج والترجمة الاستثمارية للنصوص الأجنبية فحسب، بل إنها تحول دون التعامل المنتج حتى مع النصوص العربية ذاتها.

لا يمكننا والحالة هذه أن نؤسس لهذا التعامل المنتج إلا إذا حاولنا أن نقلب علائق القوة التي تربطنا بغيرنا. وهذا لن يتم إلا بتملك فعلي لفكره، أي التحرر منه أولا، ذلك أن التملك في ميدان الفكر لا يعني الملكية، لا يعني الاعتناق والاقتراب، وإنما الابتعاد وخلق المسافات وإنتاج الأسئلة. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نؤسس لفكر فلسفي عربي إلا بالتمكن من إقامة ترجمات تتحرر من ميتافيزيقيا الترجمة. لا اقصد ترجمات تتحرر من مفهوم النص الأصلي وإنما من الرغبة في التحول إلى أصل، أي ترجمات ما تفتأ تعلق بأصولها، وما تفتأ تراجع ذاتها، ترجمات حوارية تستثمر النص وتعيد إنتاجه، وتعترف بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الأصول والاستئناس بها، ترجمات لا ترمي إلى إلغاء الاختلاف وإنما إلى توظيفه ورعايته، ترجمات لا تتوخى أساسا خلق القرابة وإنما تكريس الغرابة، ترجمات تنعش الفكر وتحوله وتشق له دروبا جديدة وتفتح له آفاقا  مغايرة، فتسمح للنصوص بأن تبقى وتدوم عندما تطير وتهاجر.

وبعد:

في قلب الاختلاف تسكن الهوية، وفي صميم كل ترحال وهجرة تقطن العمارة، وفي قلب قوة التفريق وخلق الغرابة هناك دوما قوة الضم ونسج القرابة، وفي قلب العمل اللغوي هناك دوما عمل فكري، وفي ثنايا مهمة الترجمة تقبع مهمة الفكر ليغدوا العمل ذاته، وليست قليلة أسماء أولئك المفكرين العظام الذين امتزجت عندهم مهمة إعادة التفكير بإعادة الترجمة، ولعل هولدرلين من بين أبرزهم إن لم يكن أقواهم على الإطلاق. كتب بلانشو:

"يجسد لنا مثال هولدرلين المخاطر التي يركبها كل من تستهويه الترجمة: لقد كانت ترجماته لأنتيغيون وأوديب آخر أعماله، وقد أنجزت وهو على عتبة الحمق إنها أعمال بلغت حدا بعيدا في العمق والمهارة والقدرة على التحكم، قادتها الرغبة لا في نقل النص الإغريقي إلى اللغة الألمانية، ولا في توجيه اللغة الألمانية نحو المنابع الإغريقية، وإنما في توحيد القوتين اللتين تمثل إحداهما تقلبات المغيب، والأخرى تحولات المشرق لينصهرا في بساطة لغة كلية خالصة.

والنتيجة عمل خارق، فكأننا نلفي بين اللغتين تفاهما هو من العمق والانسجام بحيث تحلان محل المعنى وتتمكنان من جعل الفجوة بينهما منبعا لمعنى جديد"(5).

 

الهوامش

(1): التوحيدي (ابو حيان)، الامتناع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وآخرين، المكتبة المصرية، بيروت 1953، ص 116.

(2): الجاحظ (أبو عثمان) الحيوان ج 1، تحقيق عبد السلام هارون، ط 3، بيروت 1969 ص 75-79.

(3):الجابري (م.ع) العقل الأخلاقي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2001 ص 172.

(4): كيليطو (ع الفتاح) لن تتكلم لغتي/ دار الطليعة ص 25، الهامش.

(5)   p 73، ، 1992،  Gallimard. M. Blanchot lamitié


تصميم الحاسب الشامل