|
|||||
|
تقديم: النص الذي ننقله فيما يلي الى العربية، مأخوذ من كتاب صدر بالفرنسية منذ بضعة أشهر، عن دار "غراسيه" في باريس، في عنوان جامع هو "حول الأدب". والكتاب هو مجموعة مقالات ومحاضرات وضعها الكاتب والباحث والروائي الايطالي المعروف امبرتو ايكو، وهي تدور على وجوه وشواغل متنوعة تندرج كل ها في اطار البحث النقدي الأدبي. والنص الذي نقلناه من الفرنسية هو في الأصل عبارة عن محاضرة ألقاها ايكو عام 2000 في مدينة مانتو في اطار احتفال الكتاب، وخصصه إيكو للحديث عن بعض الوظائف الكبرى للأدب ولا ينبغي أن نستغرب تنقلات العلامة الايطالي بين مرجعيات أدبية مختلفة، واحالاته على نصوص متعددة ومتباعدة زمانيا ، ومكانيا، فهو يضع مقاربته في منظار موسوعي شامل ينضح ليس فحسب بامتلاك أدوات القراءة والتأويل بل كذلك وخصوصا بدفقات الشغف الأدبي، عاقدا الرهان على دور الأدب في تربية الحس الانساني المنفتح على اختبار المصير وعلى التعد د الذي يسم التجارب واقدار الشخصيات وتأويلاتها. ح.ش ثمة حكاية سائرة، وهي ان لم تكن صحيحة فإنها موفقة بالفعل، اذ تروي بأن ستالين سأل ذات يوم قائلا: "البابا، كم فرقة عسكرية لديه؟". تتمة الاحداث اثبتت لنا بأن الفرق العسكرية مهمة في حالات معينة، لكنها ليست كل شيء. فهناك سلطات غير مادية، ولا يمكن تقويمها بعبارات تتعلق بمقادير الوزن، على انها، بطريقة ما، ثقيلة الوزن. نحن محاطون بسلطات غير مادية، وهذه لا تقتصر على ما نطلق عليه صفة القيم الروحية، كما هو الحال مع مذهب ديني. إنها سلطة غير مادية تلك التي تمتلكها الجذور التربيعية، فقانونها عاش رغم تقادم العصور ورغم مراسيم ستالين والبابا. وضمن هذه السلطات، سأضع سلطة التقليد الأدبي، وأعني بذلك جماع النصوص التي انتجتها الانسانية لغايات غير عملية (كمعرفة ضبط السجلات، تدوين القوانين والمعادلات العلمية، تسجيل محاضر جلسات أو وضع لوائح لأوقات حركة القطارات) بل يجدر القول أنها أنتجت من أجل ذاتها، تعبيرا عن حبها لنفسها- ونحن نقرأها من أجل المتعة، والارتقاء الروحي، وتوسيع المعارف، بل حتى من اجل تمضية الوقت فحسب، بدون ان يرغمنا احد على ذلك (باستثناء الحالة المتعلقة بالواجبات المدرسية). من المؤكد ان الاشياء الأدبية ليست غير مادية إلا نصفيا، ذلك أنها تتجسد في وسائل نشر مصنوعة عموما من الورق. على انها، في زمن سابق، كانت تتجسد في صوت الانسان الذي ينشد تراثا شفويا، أو في مادة مصنوعة من الحجر، وها نحن اليوم نناقش مسألة مستقبل الكتاب الالكتروني e-books الذي يفترض به ان يتيح لنا بالقدر ذاته ان نقرأ مجموعة نكات و"الكوميديا الالهية" على شاشة مصنوعة من البلورات السائلة. وأفضل أن أعلن على الفور بأنه لا نية عندي للادلاء برأي قاطع، هذا المساء حول المسألة الشائكة المتعلقة بالكتاب الالكتروني. فأنا أضع نفسي بطبيعة الحال في عداد الذين يفضلون قراءة رواية او قصيدة في مؤلف ورقي وأظل أتذكر برغلة الحروف والصفحات المثنية، على ان يقال لي بأن هناك جيلا من المهووسين باللعب الذين تسنى لهم اليوم أن يقاربوا ويستسيغوا، بفضل المكتبة الالكترونية e-books، كتاب "دون كيشوت" لأول مرة، علما بأنهم لم يقرأوا كتابا واحدا في حياتهم. بيد ان ما ربحه هؤلاء لصالح روحهم وعقلهم يوازي ما خسروه من قدرتهم البصرية. اذا كانت الاجيال المستقبلية تنجح في تحصيل علاقة طيبة (نفسيا وجسديا ) مع المكتبة الالكترونية، فان سلطة كتاب "دون كيشوت" لن تتبدل. ما نفع هذا المتاع غير المادي الي يمثله الأدب؟ للاجابة على هذا السؤال قد يكون كافيا ان نقول، كما سبق وفعلت، بان الادب بضاعة تستهلك لذاتها، وهي بالتالي لا تصلح لشيء. على انه يخشى من رؤية منزهة الى هذا الحد أن تختزل الادب الى نوع من رياضة الجري أو الى التمرن المعتاد على الكلمات المتقاطعة- فالاثنان يصلحان بالمناسبة لشيء ما، كالصحة البدنية، او التربية الدائرة على الالفاظ. ما أقصد التحدث عنه اليوم، انما هو سلسلة من الوظائف التي يشغلها الأدب في حياتنا الفردية وفي الحياة الاجتماعية. يجدر القول، قبل أي شيء، بأن الادب يبقي اللغة في حال من النشاط باعتبارها تراثا جمعيا. واللغة، تعريفا، تذهب حيثما تشاء، ولا يمكن لأي مرسوم صادر من أعلى، من السياسة، أم من الاكاديمية، أن يوقف سيرها وأن يجعلها تنعطف نحو وضعيات توصف زعما بأنها مثلى. لقد حاولت الفاشية أن ترغمنا على قول "مسكيتا" بدلا من "بار" (حانة)، وأن نقول "ذيل الديك" بدلا من كوكتيل، وشبكة مرمى بدلا من "غول" وسيارة عمومية بدلا من "تاكسي"، على ان اللغة لم تذعن للأوامر. ثم اقترحت الفاشية ضربا من الفظاعة اللفظية، وهي ان نستخدم لفظة "بدائية بائدة" وغير مقبولة مثل "أوتيستا" autista بدلا من "سائق" chouppeur وقد قبلتها اللغة. وقد يكون سبب هذا القبول عائدا الى ان هذا التبديل يسمح بتفادي صوت لا تعرفه الايطالية. وقد احتفظت بكلمة (تاكسي) ولكنا حو رتها شيئا فشيئا، على الأقل في اللغة المحلية، الى كلمة "تاسي". تذهب اللغة حيثما تشاء، لكنها تظل حساسة حيال موحيات الأدب. فبدون دانتي، لم يكن ممكنا أن تنشأ لغة ايطالية موحدة. وفي كتابه "حول الفصاحة في اللغة المحكية"، نجده يحلل ويدين اللهجات الايطالية المتعددة، ويقترح على نفسه اجتراح لغة عامية جديدة مبرزة. ما كان لأحد ان يراهن على فعل مكابر مثل هذا، ومع ذلك، فاز دانتي بالمباراة من خلال انجازه "الكوميديا الالهية". صحيح انه توجب انقضاء بضعة قرون كي تتحول لغة دانتي العامية الى اللغة المحلية لسائر الناس، على انها بلغت مرتجاها نظرا الى أن جماعة الذين يؤمنون بالأدب بقيت تواظب على استلهام هذا النموذج. ولو لم يكن هذا النموذج موجودا، لما كان بالامكان ربما للوحدة السياسية أن تشق طريقها. عشرون عاما من الشعارات المتحدثة عن التلال الحاسمة، والمصائر الدائمة النضارة، والوقائع المحتومة والمحاريث التي تشق ثلمها- وسواها من العبارات المحبذة للفاشية- لم تترك في نهاية المطاف أي أثر في اللغة الايطالية السائرة، وهذا على العكس من عدد من العبارات الجريئة، وغير المقبولة آنذاك، والصادرة عن الكتابة النثرية المستقبلية. وإذا كان كل الناس يأسفون اليوم لانتصار لغة ايطالية وسطى يبثها التلفزيون، فإنه ينبغي ألا ننسى بأن الدعوة الى انشاء لغة ايطالية وسطى، في صورتها الأكثر نبلا ، انتقلت عبر النثر المسطح والمفهوم للكاتب مانزوي، من ثم لسفيفو أو مورافيا. من خلال مساهمته في تشكيل اللغة، ينشئ الادب هوية "وجماعة"، لقد تحدثت منذ قليل عن دانتي، ولكن فلنحاول التفكير فيما كانت ستؤول اليه الحضارة الاغريقية بدون هوميروس، والهوية الألمانية بدون ترجمة التوراة على يد لوثر، واللغة الروسية بدون بوشكين، والحضارة الهندية بدون قصائدها المؤسسة. على أن الممارسة الادبية تبقى كذلك قيد النشاط في لغتنا الفردية، يشكو الكثيرون اليوم من ولادة لغة تلغرافية جديدة تفرض نفسها فرضا في البريد الالكتروني وفي النصوص المشفرة للهواتف النقالة حيث يصل الأمر الى حد كتابة "أحبك" بواسطة حرفها الأول، مع ذلك يجب الا ننسى بأن هؤلاء الشبان أنفسهم الذين يرسلون رسائل وفقا لهذه (الستينوغرافيا) (الكتابة الاختزالية) الجديدة، هم بالذات، جزئيا في الاقل، الذين يرتادون بشغف وعلى عجل هذه الكاتدرائيات الجديدة للكتاب التي تمثلها مكتبات "ميغاستور". حتى وان كانوا لا يفعلون سوى تصفح الكتاب بدون أن يشتروه، فإنهم يعقدون صلة مع اساليب أدبية مثقفة وجيدة الصياغة، وهي أساليب لم يقيض لآبائهم، وناهيك بالطبع عن أجدادهم أن يعرفوها ويطلعوا عليها. يمكننا بالطبع ان نقول بأن هؤلاء الشبان، الذين يشكلون غالبية القراء قياسا على قراء الاجيال السابقة، انما هم أقلية قياسا على الستة مليارات انسان في العالم; ولست مثاليا الى الحد الذي يجعلني أحسب بأن الأدب يسعه ان يجلب الارتياح الى الجموع الهائلة التي تفتقد الى الخبز والدواء. مع ذلك، أود أن أسجل ملاحظة بهذا الصدد وهي ان التعساء الذين يتحلقون في عصابات هائمة، ويقتلون أناسا برميهم بالحجارة من أعلى طريق عرضي او باشعالهم النار في ثياب بنت صغيرة، وأيا كانوا، لم يصلوا الى هذا الدرك لأن اللغة الجديدة، للكمبيوتر أفسدتهم (فهم لا يمتلكون حتى مجرد الوصول الى الكمبيوتر)، بل لأنهم يظلون منتبذين خارج عالم الكتاب وخارج هذه الامكنة حيث يمكن لهم، عن طريق التربية والمناقشة، أن يتعرضوا لتأثير انعكاسات عالم من القيم يأتي من الكتب ويحيل إليها. قراءة الأعمال الأدبية ترغمنا على تأدية نشاط قائم على الوفاء والاحترام داخل حرية التأويل. ثمة بدعة (هرطقة) نقدية خطيرة، تسم بطريقة نموذجية حقبتنا هذه، ومفادها أنه يمكننا ان نصنع بالعمل الادبي ما يحلو لنا، وأن نقرأ فيه كل ما توحي به نزواتنا الأكثر فلتانا من التحكم بها. هذا الكلام غير صحيح. فالاعمال الادبية تدعونا الى حرية التأويل، لأنها تقترح علينا خطابا ذا مستويات قراءة متعددة وتضعنا وجها لوجه أمام التباس اللغة والتباس الحياة. على انه لكي نتقدم في هذه اللعبة، حيث يقرأ كل جيل الاعمال الأدبية بطريقة مختلفة، ينبغي أن نكون مأخوذين باحترام عميق حيال ما وصفته في موضع آخر بمقصد النص. فمن جهة، يبدو لنا أن العالم كتاب "مغلق" لا يسمح إلا بقراءة واحدة، ذلك انه اذا كان هناك قانون يحكم الجاذبية الكونية، فهو إما صائب، وإما مخطئ، وبالموازنة مع هذا يظهر لنا عالم الكتاب أشبه بعالم مفتوح. ولكن فلنحاول أن نتناول بحس سليم عملا سرديا ولنقابل بين العبارات التي يمكننا قولها حياله وبين العبارات التي نتحد ث بها عن العالم. عن العالم، نحن نقول بأن قوانين الجاذبية الكونية هي تلك التي أبانها نيوتن، أو أن نقول بأنه صحيح أن نابليون (بونابرت) مات في جزيرة سانت، هيلان يوم 5 ايار/ مايو من عام 1821. غير اننا ، في حال ما تمتعنا بعقل منفتح، سنكون مستعدين على الدوام لاعادة النظر في قناعاتنا، وذلك في اليوم الذي يفصح فيه العلم عن صياغة معادلة مختلفة لكبرى القوانين الكونية، أو كذلك في اليوم الذي يعثر فيه مؤرخ على وثائق غير معروفة تثبت بأن نابليون مات وهو على متن قارب بونابرتي اثناء محاولته الفرار. في المقابل، وبالنسبة لعالم الكتب، فان عبارات من نوع أن ؛شرلوك هولمز كان أعزب، وان الفتاة (ليلى) ذات القبعة الحمراء التهمها الذئب إلا أن الصياد خلصها بعد ذلك، وأن آنا كارنينا تنتحر، هذه العبارات ستظل صحيحة إلى الابد، ولن يكون أبدا في مقدور أي شخص أن يدحضها. كثيرون ينفون ان يكون يسوع ابن الرب ، والبعض يشكون في حقيقة وجوده التاريخي، فيما يدافع البعض الآخر عن الاعتقاد بأنه يجس د الطريق والحقيقة والحياة، وفي النهاية يعتقد بعض ثالث ان المسيح سيعود من بعد، ونحن، أيا يكن رأينا، نتعامل باحترام مع هذه الآراء، ولكن لا أحد يتعامل باحترام مع شخص يزعم مؤكدا ان هاملت تزوج أوفيليا أو ان سوبرمان ليس كلارك كنت. النصوص الأدبية تقول لنا بصراحة ما لا نقدر أبدا على وضعه موضع الشك، ولكنها، خلافا لحال العالم، تلفت نظرنا بمقتضى القدرة السي دة الى ما ينبغي، داخل هذه النصوص، ان يكون محل انتباه بوصفه شيئا مهما، وما لا يسعنا أن نتخذه بمثابة نقطة انطلاق للقيام بتأويلات حرة. في نهاية الفصل 35 من رواية "الأحمر والأسود" يقال لنا بأن جوليان سوريل يذهب الى الكنيسة، ويطلق النار على (السيدة) مدام دورينال. بعد أن يشير الى ان ذراع جوليان كانت ترتجف، يقول لنا ستندال (صاحب الرواية)، بأن جوليان أطلق طلقة أولى، وأخطأ ضحيته، وانه أطلق من ثم طلقة ثانية وان السيدة خر ت صريعة. فلنتخيل الآن أن يؤكد البعض بأن ارتجاف الذراع، اضافة الى واقعة ان الرصاصة الاولى طاشت في الفراغ، يدلان على أن جوليان لم يأت الى الكنيسة عاقدا النية الحازمة على القتل، بل جاء مدفوعا بنزوة غرامية جارفة ومشوشة. يمكننا أن نقابل هذا التأويل بتأويل آخر، وهو أن جوليان كان عازما منذ البداية على القتل، الا انه جبان. والحال ان النص يجيز كلا التأويلين هذين. لنفترض أن شخصا راح يسأل أين استقرت الطلقة الأولى. انه سؤال مشوق بالنسبة الى هواة ومحبي ستندال. وكما هي الحال مع هواة جويس الذين يذهبون الى مدينة دبلن بحثا عن الصيدلية التي اشترى منها بلوم صابونة لها شكل ليمونة (ولارضاء هؤلاء الحجاج نشير الى ان هذه الصيدلية، وهي موجودة بالفعل، قد أخذت تصنع من جديد هذه الصابونات)، يمكننا أن نتخيل هواة ستندال وهم يسعون في هذا العالم الى اكتشاف كنيسة "فيريير"، فاحصين بعد ذلك كل عمود من أعمدتها أملا بالعثور على الأثر الذي أحدثته الرصاصة، سيكون هذا أشبه بحلقة مسلية بما فيه الكفاية من مسلسل تحريات وأسفار. ولكن لنفترض الآن ان أحد النقاد أراد أن يبني تأويله للرواية كلها على مصير الرصاصة المفقودة. وليس هذا الافتراض شيئا يصعب وقوعه، خصوصا في زمننا هذا، بل حتى انه قيض لاحدهم أن يبني كل قراءته لنص ادغار آلان بو "الرسالة المسروقة" على وضعية الرسالة وموضعها ازاء موقد المدخنة. ولكن اذا كان ادغار بو يتقصد بوضوح اعطاء اهمية مناسبة لموضع وجود الرسالة، فان ستندال لا يكترث للرصاصة الأولى هذه، وهو بالتالي يستبعدها من عداد الكيانات الروائية المتخيلة. اذا أردنا أن نبقى أوفياء للنص الستندالي (نسبة الى ستندال)، فانه يجدر الاقرار بأن هذه الرصاصة ضاعت واختفت نهائيا ، وبأن معرفة أين ذهبت لا اهمية لها من الناحية السردية. في المقابل، نجد ان سكوت "أرمانس" عن احتمال أن يكون البطل مصابا بالعجز يدفع القارئ الى وضع فرضيات هاذية، لاستكمال ما لا تقوله الحكاية، وفي رواية "العرسان" نجد ان عبارة مثل "وأجابت المسكينة" لا تقول الى أي حد دفعت "جرترود" خطيئتها مع "اوجيديو" على ان الهالة القاتمة للفرضيات التي ينجر اليها القارئ تشكل جزءا من الجاذبية المغرية التي تتمتع بها هذه الصفحة الشديدة الاحتشام في اضمارها وايجازها. في مطلع رواية "الفرسان الثلاثة"، يقول النص بأن "دارتنيان" يصل الى "مونغ" على فرس نحيل عمرها أربعة عشر عاما، وذلك في أول يوم اثنين من شهر نيسان (ابريل) عام 1625. يمكننا مباشرة، بالاستناد الى برنامج جهاز كمبيوتر جيد، ان نثبت بأن يوم الاثنين هذا كان في 7 نيسان (ابريل). سيكون هذا ضربا من التفنن في اللعب المبتذل لدى المولعين بدون قيد أو شرط بأعمال الكسندر دوما. ولكن هل يمكننا ان ننشئ على هذه المعلومة المعطاة تأويلا أحاديا للرواية؟ سأجيب بالنفي، لأن الصفحات التالية لا تولي أي أهمية لهذا المعطى. بل حتى ان مجرى الرواية لا يضفي أهمية على واقعة ان وصول دارتنيان حصل يوم الاثنين- فيما نراه يعطي اهمية لواقعة حصول ذلك في شهر نيسان (ابريل) (فلنتذكر بأن "بورتوس"، الحريص على عدم اظهار أن حمالته، الرائعة لم تكن مطرزة الا من طرفها الامامي، كان يرتدي معطفا طويلا من المخمل القرمزي الامر الذي لم يكن الفصل السنوي يسو غه- بحيث انه كان ينبغي على الفارس المذكور ان يتظاهر بأنه مصاب بالزكام). سيبدو ذلك للكثيرين بمثابة بداهات، على ان هذه البداهات (المنسية في اغلب الأحيان) تقول لنا بأن عالم الأدب يمنحنا اليقين بوجود جمل معينة لا يرقى اليها الشك، وبأنه يمنحنا بالتالي نموذجا ، متخيلا اذا شئتم، للحقيقة. هذه الحقيقة اللفظية الفصيحة تنعكس على ما سنسميه نحن بالحقائق التأويلية: ذلك انه، ازاء الشخص الذي قد يقول لنا بأن "دارتنيان" كان مأخوذا ومصابا بلوعة مثلية جنسية حيال "بورتوس"، وبأن اللا مسمى لدى مانزوني كان مسوقا الى الشر بقوة عقدة أوديب الجارفة، وبأن الراهبة لدى مونزا، وهذا ما يمكن لعدد من رجال السياسة في أيامنا أن يوحوا به، كانت قد أفسدتها الشيوعية، أو أن "بانورج" فعل ما فعله بتأثير من كراهيته للرأسمالية الناشئة، ازاء ذلك يسعنا دائما أن نجيب بأننا لا نجد في النصوص التي يرجع اليها أي تأكيد، وأي ايحاء وأي تلميح يجيز لنا الانقياد الى هذه الانحرافات التأويلية. عالم الأدب هو عالم يمكن فيه القيام باختبارات للتثبت اذا كان القارئ يمتلك حس الواقع أم انه فريسة هلوساته. الشخصيات تهاجر. بل حتى يمكننا الادلاء بتأكيدات حقيقية حول الشخصيات الأدبية، لأن ما يحصل لها مقي د في نص، والنص مثله مثل المعزوفة الموسيقية، فمن الصحيح ان آنا كارنينا تموت انتحارا، مثلما هو صحيح ان السيمفونية الخامسة لبيتهوفن تقوم على نوتة "دو" الصغرى (وليس على نوتة "فا" الكبرى كما هي الحال في السيمفونية السادسة) وانها تبدأ بـ"سول، سول، سول، من بيمول". على انه يحصل لعدد معين من الشخصيات الأدبية- وليس لكلها- أن تخرج من النص الذي ولدت فيه كي تنتقل وتهاجر الى منطقة من العالم لا تنجح في تعيين حدودها ونطاقها إلا بصعوبة شديدة. الشخصيات السردية تهاجر، عندما يحالفها الحظ، من نص الى نص، والشخصيات التي لا تهاجر لا تختلف انطولوجيا (أي من حيث مواصفاتها الكيانية الوجودية) عن نظائرها الأكثر حظا، فالأمر بكل بساطة هو أن الحظ لم يحالفها فلم نهتم بها نحن من بعد. الهجرات (أو الارتحالات) من نص الى نص (ومن كتاب الى فيلم او عرض باليه راقص، او من التراث الشفوي الى كتاب، وذلك من خلال عمليات تكييف مختلفة عينيا ) حصلت وطاولت شخصيات اسطورية بقدر ما طاولت شخصيات سردية "علمانية"، عوليس، جايزون، آرتور، او برسيفال، أليس، بينوكيو، دارتنيان، وعندما نتحدث عن شخصيات من هذا النوع، أترانا نرجع الى مقطوعة محددة بدقة؟ فلنأخذ على سبيل المثال حكاية الفتاة ذات القبعة الحمراء (المعروفة عربيا باسم "ليلى والذئب") . المقطوعتان الأكثر شهرة للحكاية، أي تلك التي وضعها بيرو وتلك التي وضعها الاخوة غريم، تختلفان عمقيا الواحدة عن الأخرى. ففي الرواية الأولى يلتهم الذئب الفتاة الصغيرة وتنتهي الحكاية هنا، موحية إذن بأشد التأملات الأخلاقية حول مخاطر قلة الحذر. في الرواية الثانية، يصل الصياد ويقتل الذئب ويعيد الفتاة والجد ة الى الحياة، انها نهاية سعيدة. فلنتخيل الآن أن احدى الأمهات راحت تروي الامثولة لأطفالها، وتتوقف عن الحديث في اللحظة التي يلتهم فيها الذئب الفتاة الصغيرة، ذات القبعة الحمراء. سيحتج الأطفال وسيطالبون بالحكاية "الصحيحة"، تلك التي تحيا فيها من جديد الفتاة الصغيرة، ولن يفيد في شيء أن تعلم الأم بأنها متضل عة بفقه اللغة وتمتثل بصرامة للنص الأصلي. فالأولاد يعرفون حكاية "صحيحة" تنبعث فيها الفتاة الصغيرة حقا وهذه الحكاية أقرب الى رواية غريم منها الى رواية بي رو. بيد ان هذه الحكاية لا تتطابق مع "معزوفة" غريم، ذلك انها تلقي جانبا من الوقائع الصغيرة، يختلف حولها، على أي حال، بيرو وغريم، كنوع الهدايا التي تجلبها الفتاة الصغيرة الى جد تها مثلا ، وهي أمور يبدو الاولاد حيالها مستعدين كثيرا للمساومة، لأنها تحيل وتعود الى فرد أكثر صورية بالفعل، اضافة الى انه متموج غير ثابت الملامح في الموروث، ويتوزع على "معزوفات" متعددة الكثير منها شفوي. على النحو هذا يصبح دارتنيان، والفتاة ذات القبعة الحمراء، وعوليس او مدام بوفاري كائنات فردية تعيش خارج التأليفات الأصلية، وهي كائنات يمكن حتى لأناس لم يقرأوا أبدا الرواية الأصلية النموذجية أن يزعموا تقديم تأكيدات حقيقية حولها. وحتى قبل ان أقرأ "أوديب ملكا"، كنت اعلم بأن أوديب يتزوج جوكاستا. وهذه التأليفات ليست عصبية على التحقق والتثبت ، وان كانت متماوجة غير ثابتة: أي شخص يقول بأن مدام بوفاري تتصالح مع شارل وتعيش سعيدة معه، سوف يثير استياء الناس المتمتعين بحس سليم، كما لو ان هؤلاء توافقوا على شخصية إيما. أين عساهم أن يكونوا هؤلاء الأفراد المتماوجون؟ هذا يتعلق بمقاس وحجم كياننا الوجودي، وإذا ما كان هذا الكيان يأوي كذلك الجذور التربيعية، واللغة الاترورية، وفكرتين حول الثالوث المقدس، أي الفكرة الرومانية القائلة بأن الروح القدس يصدر عن الأب والابن. والفكرة البيزنطية القائلة بأن الروح القدس يصدر عن الأب وحده، على أن هذه المنطقة لها مكانة غامضة جدا وتأوي كيانات ذات سماكة مختلفة، ذلك انه حتى بطريرك القسطنطينية (المستعد للاصطدام مع البابا حول قضية "البنوة") سوف يتفق مع البابا (وهذا ما آمله في الأقل) للقول بأنه من الصحيح ان شرلوك هولمز كان يسكن في شارع "باكرستريت" وان كلارك كنت وسوبرمان هما شخص واحد بعينه. غير أنه كتب في روايات لا حصر لها او في قصائد- وانا اخترع هنا أمثلة كيفما اتفق- أن "هسدروبال" يقتل "كورين" أو أن "تيوفراست" يعشق "تيودولند" حتى الجنون، ومع ذلك لا يعتقد أحد بانه يمكن الادلاء بتأكيدات صائبة تتعلق بهذه الشخصيات، ذلك أن الأمر يتعلق بشخصيات سيئة الحظ أو سيئة الولادة، اذ انها لم ترتحل قط ولم تأت لتصبح جزءا من الذاكرة الجمعية. لماذا يكون أكثر صوابا، في هذا العالم، القول بأن "هاملت" لا يتزوج "أوفيليا" من القول بأن تيوفراست يتزوج من تيودولند؟ ما هي هذه القطعة من العالم التي يقيم فيها هاملت وأوفيليا ولا يقيم فيها التعيس الحظ تيوفراست؟ لقد قيض لشخصيات معينة ان تصبح بطريقة ما وفي صورة جمعية شخصيات حقيقية لأن الجماعة عقدت عليها، خلال قرون أو سنوات، توظيفات عاطفية. ونحن نعقد توظيفات عاطفية فردية على العديد من الاستيهامات التي يسعنا أن نصوغها بعيون مفتوحة أو لدى اغفاءتنا. ويمكننا حقا أن نتأثر وننفعل لدى تفكيرنا بموت شخص نحبه، أو أن نشعر بردود فعل جسدية تنتابنا ونحن نتخيل بأننا نهم باقامة علاقة ايروسية مع هذا الشخص، ويسعنا بالتالي على النحو ذاته، وعبر سيرورات التماهي أو الاسقاط، أن نتأثر وننفعل لمصير إيما بوفاري، أو أن ننساق، كما حصل لدى بعض الاجيال، الى الانتحار جراء التأثر بمغامرات ويرثر الخائبة او مغامرات جاكوبو اورتيس. على انه، في حال ما سألنا أحد اذا كان الشخص الذي نتخيل موته قد مات حقا، فاننا سنجيب بالنفي قائلين بأن الأمر يتعلق بأثر من مخيلتنا الخاصة جدا. وفي المقابل، اذا سألنا احد الناس ان كان "ويرثر" قد قتل نفسه بالفعل، فاننا نجيب بالايجاب، وبأن المخيلة التي نتكلم عنها لم تعد خاصة وشخصية، بل هي واقعة ثقافية يتفق عليها سائر أفراد طائفة القراء. وعلى النحو هذا سنطلق حكما بالجنون على المرء الذي قد ينتحر لأنه تخي ل فحسب (عارفا في الوقت نفسه بأن الأمر يتعلق بشيء ناتج عن مخيلته) ان محبوبته ماتت، فيما نحاول أن نعذر الى هذا الحد أم ذاك شخصا قد يقتل نفسه بسبب انتحار ويرثر، عارفا في الوقت نفسه بأنه كان يبكي على شخصية من صنع الخيال. سيكون علينا أن نجد فضاء معينا في العالم تعيش فيه هذه الشخصيات وتحدد سلوكياتنا، الى حد اننا نتخذها كنماذج ومثل للحياة، حياتنا نحن وحياة الآخرين، والى حد أننا نفهم جيدا بعضنا البعض عندما نقول بأن أحد الناس مصاب بعقدة أوديب، وشهية غارغانتية (نسبة الى شخصية غارغانتوا لدى الكاتب رابليه)، وسلوك دون كيشوت، وغيرة عطيل، ونزعة الشك الهاملتية (نسبة الى هاملت)، أو انه مصاب بدونجوانية لا شفاء منها. وهذا ، أي في الأدب، لا يحصل للشخصيات فقط، بل يحصل كذلك للأوضاع، وللأشياء. لماذا تصبح هذه الحوريات المرشحة للتناقل المستديم، كما هي حال عبارة المطر النازل ذلك اليوم على مدينة "برست"، وعبارة "في الخامسة بعد الظهر" للشاعر لوركا استعارات ملحاحة، وجاهزة لتذكيرنا المتكرر كل لحظة بمن نكون، وما نريد، وأين نذهب، أو على العكس بما لسنا عليه، وبما لا نريد؟ هذه الكيانات الناشئة عن الأدب وفيه موجودة بيننا، وهي لم تكن موجودة وماثلة منذ الأزل كما هي (ربما) حال الجذور التربيعية ونظرية فيثاغورس، على أنها من الآن فصاعدا ، بعد أن تولد ت عن طريق الأدب وتغذت من توظيفاتنا العاطفية الجياشة، باتت ماثلة وموجودة وينبغي علينا أن نأخذها في الحسبان. ولكي نتفادى النقاشات الانطولوجية [أي ذات المواصفات الوجودية الثابتة]، والميتافيزيقية، فلنقل بأنها موجودة كعادات ثقافية، وحالات اجتماعية. على ان صفة المحرم العالمي التي يحملها سفاح القربى [أوزنا المحارم] هي أيضا عادة ثقافية، فكرة، استعداد، ومع ذلك فانها امتلكت القوة التي تجعلها تحرك مصائر المجتمعات البشرية. على ان بعض الناس يقول لنا اليوم بأنه يخشى حتى على الشخصيات الأدبية أن تصبح عرضة للزواء، للتبدل وعدم الثبات، وأن تفقد بالتالي صفة الثابت هذه التي كانت تفرض علينا عدم انكار مصائرها. لقد دخلنا في عصر الافراط النص ي، والنص الالكتروني المفرط يسمح لنا بالسفر عبر ربطة خيوط نصية (سواء كان موسوعة بكاملها أم الاعمال الكاملة لشكسبير) بدون أن "يفرغ" كل المعلومة التي يحتوي عليها، اذ يدخل فيه كما تدخل ابرة الحياكة في ربطة خيوط من الصوف. وبفضل النص المفرط نشأت كذلك ممارسة لكتابة ابتكارية حرة. فعلى الإنترنت، تجدون برامج يمكنكم فيها ان تكتبوا جماعيا حكايات، عبر المشاركة في وضع سرديات تحتمل حصول تبديل لتطورها الى ما لا نهاية. واذا كان من الممكن فعل ذلك مع نص نشرع في ابتكاره مع مجموعة من الاصدقاء المحتملين، فلماذا لا نفعله أيضا مع نصوص أدبية موجودة، وذلك عن طريق شراء برامج تسمح بتغيير الحكايات الكبرى التي تستولي على خواطرنا منذ آلاف السنين؟ تخيلوا بعض الشيء أنكم تقرأون بشغف رواية "الحرب والسلام"، وتروحون تتساءلون اذا ما كانت "ناتاشا" سترضخ في نهاية الامر لمغازلات "اناتول"، واذا كان هذا الامير الرائع اندريه سيموت حقا، واذا كان بيار سيجد في نفسه الشجاعة كي يطلق النار على نابليون، وسوف يسعكم آنئذ أن تعيدوا صياغة مؤلف تولستوي المعهود لديكم، فتنسبون الى اندريه حياة مديدة سعيدة، وتجعلون من بيار محررا لأوروبا، أو أن تصالحوا ايما بوفاري مع زوجها المسكين شارل، فتكون أما سعيدة هادئة الخواطر، وسيكون في مقدوركم أن تقرروا أيضا ان تدخل الفتاة الصغيرة ذات القبعة الحمراء الى الغابة وتلتقي هناك ببينوكيو [صاحب الأنف الطويل]، أو ان الفتاة ذاتها تتعرض للخطف على يد زوجة الأب وتجبر على العمل تحت اسم سندريللا لدى سكارليت اوهارا وفي خدمتها، او انها تلتقي في الغابة برجل معطاء وساحر يدعى فلاديمير جا بروب، ويعطيها هذا الاخير خاتما سحريا بحيث ستكتشف بفضله (الخاتم)، فوق جزيرة غامضة ، "الألف"، أي هذه النقطة التي نرى منها الكون كله، وأن آنا كارنينا لا تموت تحت عجلات القطار لأن السكك الحديدية ذات المجرى الضيق، في ظل حكومة بوتين، تشتغل بطريقة أسوأ من الغواصات، وحيث، في البعيد البعيد، وفي ما وراء مرآة آليس، نلمح خورخي لوي بورخيس اثناء تذكيره "فونيس الميموريوزو" بأن لا ينسى ان يعيد آنا كارنينا الى مكتبة بابل.. هل سيكون هذا أمرا سيئا ؟ كلا، فالأدب فعل هذا أيضا من ذي قبل، وقد فعله قبل نشأة النصوص المفرطة بوقت طويل، وذلك مع مشروع "الكتاب" لمالارميه، والجثث اللذيذة لدى السرياليين، ومليارات القصائد التي وضعها ريمون كينو، والكتب النقالة، عند افراد الطليعة الأدبية الثانية، وهذا أيضا ما تصنعه لعبة "جام سيميون جاز". على أن وجود ممارسة للعبة "جام سيسيون" التي تبدل كل مساء مصير "تيمة" (موسيقية)، لا يمنعنا ولا يثبط من عزيمتنا على الذهاب الى قاعة حفلة موسيقية تقدم فيها "سوناتا بنوتة سي بيمول الصغرى ذات الرقم 35" وتنتهي كل مساء ودائما بذات الطريقة. لقد قال أحدهم بأن مزاولة اللعب مع الآليات (الميكانيزمات) النصية المفرطة، تقود الى التفلت من شكلين اثنين للقمع، أي من الانصياع لمغامرات قررها شخص آخر، ومن الوقوع تحت الحكم المبرم القاضي بالتقسيم الاجتماعي بين أولئك الذين يكتبون وأولئك الذين يقرأون. يبدو لي هذا الكلام ضربا من الحماقة، على انه من المؤكد أن اللعب بطريقة خلاقة مع النصوص المفرطة، من خلال تبديل الحكايات والمساهمة في ابتكار حكايات أخرى، يمكنه أن يكون نشاطا مشوقا للغاية، وتمرينا جيدا يصلح للممارسة في المدرسة، وشكلا جديدا للكتابة يشبه كثيرا لعبة "جام سيسيون". أحسب بأنه قد يكون أمرا حسنا ، وذا فائدة تربوية أيضا، ان تجري محاولات لإحداث تبديلات في الحكايات الموجودة من ذي قبل، كما قد يكون مشوقا اعادة كتابة نوتات الموسيقار "شوبان" لتتوافق مع آلة الماندولينة: فهذا من شأنه أن يكون صالحا لشحذ الابداعية الموسيقية، ولفهم لماذا كانت رن ة البيانو متلازمة الى هذا الحد مع السوناتا بنوتة سي بيمول الصغرى، ان ينطلق المرء في عمليات تلصيق (كولاج) يمكن أن يفضي الى تربية وتهذيب الذائقة البصرية والى استكشاف أشكال جديدة، من خلال محاولة وضع تأليف يضم سويا قطعا من "زواج العذراء"، ومن "آنسات آفينيون"، ومن آخر حكايات من حكايات "بوكيمون"، ففي العمق، فعل هذا من قبل فنانون كثيرون. على أن هذه الألعاب لا تحل محل الوظيفة التربوية الحقيقية للأدب، وهي وظيفة تربوية لا تقبل الاختزال الى مجرد عملية نقل للأفكار الأخلاقية، سواء كانت هذه الأفكار طيبة أم خبيثة، أو الى مجرد عملية تكوين واعداد لحاسة الجمال. في كتاب "الثقافة والانفجار"، يستعيد المؤلف جورجي لوتمان اقتراحا معروفا ومستحسنا لدى تشيكوف، ومفاده انه اذا أظهر الكاتب، في بداية قصة أو نص درامي، وجود بندقية معلقة على حائط، فانه سيكون من اللازم أن تطلق هذه البندقية النار قبل نهاية القصة. ويتركنا لوتمان نفهم بأن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بمعرفة ما اذا كانت البندقية ستطلق النار حقا . فالمسألة بالضبط هي أن عدم معرفة اذا كانت البندقية ستطلق النار أم لا هو ما يمنح دلالة للحبكة. فقراءة قصة تعني أيضا ان يكون القارئ مأخوذا داخل توتر، داخل نبض، أن نكتشف في النهاية بأن البندقية أطلقت النار، أم لم تطلق النار، هو أمر لا يقتصر على القيمة المجردة للمعلومة والخبر. فالمسألة هي أن نكتشف بأن الأمور تطورت، حتى النهاية وبطريقة معينة، فيما يتعدى رغبات القارئ. ينبغي على القارئ أن يقبل هذا الكبت، وأن يمتحن من خلاله رعشة المصير. اذا كان لنا أن نقرر مصير الشخصيات، فان هذا سيكون أشبه بالذهاب الى مكتب سفريات حيث سيقول لك الموظف: "حسنا ، وأين تريد أن تجد الحوت، في جزر ساموس أم في جزر أليوتيينا؟ ومتى؟ وهل تريد أن تقتله بنفسك أم انك تريد أن تكون أحمق وهمجيا كشخصية كويكغ في رواية موبي ديك؟". العبرة الحقيقية من رواية "موبي ديك" هي أن الحوت يذهب حيثما يشاء. فكروا في الوصف الذي صنعه فيكتور هوغو لمعركة واترلو في كتاب "البؤساء" فخلافا لحالة ستندال الذي يصف المعركة كما تراها عينا فابريس، الموجود في داخلها ولا يفهم ما يدور ويجري، نجد هوغو يصفها كما تراها عينا الرب ، اذ يراها من الأعلى: هو يعلم بانه لو كان نابليون يعرف بوجود مسيل عند الجهة الأخرى من قمة هضبة جبل سان- جان (لكن دليله لم يقل له ذلك)، لما تعرض جنود ميلو المدرعون للسحق على يد الجيش الانجليزي; وبأنه لو قيض للراعي الصغير الذي كان يعمل دليلا في "بولو" أن يقترح سلوك مسار مختلف، لما تسنى للجيش البروسي ان يصل في الوقت المناسب وأن يحسم مصير المعركة. يمكننا، بالاستناد الى بنية نصي ة مفرطة، أن نعيد كتابة معركة واترلو، مبدلين مجرى الأمور بحيث يقيض للقوات الفرنسية بقيادة "غروشي" أن تصل هي بدلا من وصول الألمان بقيادة "بلوخر"، وهناك ألعاب حرب تسمح بالقيام ببذلك، وهذا أمر مسل جدا . على أن العظمة المأساوية لصفحات فيكتور هوغو تكمن في واقعة أن الأمور (فيما يتعدى رغباتنا) تسير كما يقيض لها أن تسير. وجه الجمال في رواية "الحرب والسلام" هو أن عذاب الأمير اندريه ينتهي بموته، حتى وان كان هذا لا يعجبنا. الافتتان المؤلم الذي تمنحنا إياه كل قراءة لكبرى الأعمال الكلاسيكية، يعود الى أن الأبطال، الذين كان يمكنهم أن ينجوا من مصير فظيع، يحملهم الضعف أو العماء على أن لا يفهموا في أي اتجاه يسيرون، فيلقون بأنفسهم الى الهاوية التي حفروها بأيديهم بالذات. وهذا، على كل حال، ما يقوله لنا هوغو، بعد ان يكشف لنا ما هي الفرص الأخرى التي كان يمكن لنابليون أن يغتنمها في واترلو: "هل كان ممكنا أن يربح نابليون هذه المعركة؟ نحن نجيب بالنفي. لماذا؟ هل بسبب وجود ويللنغتون؟ هل بسبب وجود بلوخر؟ لا. بسبب (مشيئة) الرب". هاكم ما تقوله لنا كل الحكايات الكبيرة، مستبدلين إذا اقتضت الحاجة الرب بالمصير، أو بالقوانين القاسية للحياة. وظيفة الحكايات "التي لا تقبل التبديل" هي بالضبط ما يلي: على النقيض من رغبتنا في تغيير المصير، تجعلنا هذه الحكايات نلمس لمس اليد استحالة تغييره. وهي اذ تفعل هذا، وبغض النظر عن الحكاية التي تقص ها علينا، فإنها تروي أيضا حكايتنا، ولهذا نقرأها ونحب ها. فنحن في حاجة الى عبرتها الصارمة و"القمعية". يمكن للسردية النصية المفرطة أن تعد نا وتربينا على الحرية والابداع. هذا أمر جيد، ولكنه ليس كل شيء. فالحكايات "المنجزة من قبل" تعل منا أيضا كيف نموت. أعتقد بأن هذه التربية على المصير والموت هي احدى الوظائف الأساسية للأدب. قد تكون هناك وظائف أخرى، على أن هذه لا تأتي، هذا المساء، على بالي. |
|||||
|
|||||