صلاح ستيتية

 

حاوره: إسماعيل فقيه (كاتب من لبنان)


الطفولة لم تظهر في الشعر إلا في طور متأخر من السعي الشعري الشامل

وغيابها في الشعر العربي مرده كون الشاعر الناطق الملهم باسم مجتمعه

صحيح أنني متفاعل مع اللغة الفرنسية لكن أشعاري مرتبطة تماما بعمقي

العربي والإسلامي

 

لا يكتب صلاح ستيتية القصيدة فحسب، انما ينحتها ويصقلها ويهندسها جيدا حتى تبرز على أفضل شكل، ولا يكتمل الشكل- شكل قصيدته - الا بعد ما يتألق جوهرها ويلتهب، ويصير مضمونها بكثافة أشكالها.

يرتكز ستيتية في نصه الشعري على عناصر الوجود، ويحاول من خلال هذا الارتكاز الاطلالة على الاماكن الدفينة والمشتعلة في نواحي الحياة والانسان، ويبقى في المسافة المستمرة التي توحي بالوصول لكنها تبقى في المدار المفتوح على المدى الذي لا يحد..

بلغة فرنسية صافية ومتينة، صاغ ستيتية كل أشعاره، ورغم غربته عن لغته الأم (العربية) حافظ على عمقه العربي، واستحضر التاريخ والانسان والهوية والانتماء، وجعل اللغة الفرنسية تنعم بمدلولات أخرى وتلامس، جيدا ، الثقافة العربية بمختلف جوانبها وخصوصا الجوانب الصوفية التي أسست لحضور فكري- رائد حتى حاضرنا.

ت رجم الكثير من قصائد ستيتية الى العربية، ورغم ما خسرته هذه القصائد بفعل الترجمة، استطاعت كلماته إحداث "ضجة" جميلة في الفكر والوجدان والاحساس المشرقي.

يمكن القول ان صلاح ستيتية لم تجذبه اللغة الفرنسية بقدر ما جذبها هو الى مناخه الفكري والشعري وساهم مع شعراء آخرين في تأسيس حضور لافت للغة الفرنسية داخل الثقافة العربية واذا كان الشاعر السنغالي الكبير الراحل ليوبود سنغور قد أغنى اللغة الفرنسية بأشعاره القديرة، فان صلاح ستيتية أيضا قدم للغة الفرنسية ما جعلها أكثر تداولا في المناخ الثقافي العربي، وحصوله على (أعلى جائزة ثقافية فرنسية للكتاب الفرنكوفيني) التي نالها كانت خير تقدير له لما أنجزه وقدمه للغة الفرنسية.

التجربة الشعرية لصلاح ستيتية حافلة بالمحطات والمراحل والآفاق، والحديث معه عن هذه التجربة يغني التجربة بحد ذاتها ويجعلها في مكانة مكشوفة تماما ، يتحسسها جيدا ويتعرف عليها بشغف كل من ينظر اليها: باحساسه وثقافته وذوقه وشاعريته.

فماذا يقول الشاعر العربي- الفرنكوفوني- صلاح ستيتية في هذا الحوار الشيق:

** نبدأ بالسؤال عن المنبع أو المصدر الذي تتوالد منه أشعار صلاح ستيتية، ماذا تخبرنا عن الاساس الذي انطلقت منه الى أعماق اللغة والأحاسيس..؟

- من الصعب أن يوضح الشاعر مصادره وأبعاد الصور التي تأتي في شعره بطريقة دورية أو ملحة، كصور مرتبطة بالذات والعقل الباطني من ظلمات هذا العقل الباطني. كل شاعر له كلماته المفضلة التي تلزم ابداعه، ان كان هناك من ابداع، كما ان هناك كلمات لا يستطيع الكاتب استعمالها لسبب يبقى غامضا له، وكتب يوما بول ايلوار عن هذا الموضوع بالذات تحت عنوان "عن بعض الكلمات التي كانت ممنوعة عني بسرية".

** نلاحظ في أشعارك سردا لتساؤلات كثيرة لا تنتهي بانتهاء الكلام وكأن هذا السرد موقف، أو اجابة على أسئلة كونتها التناقضات المعيشة أم هي أبعد من المدلولات الواضحة في شعرك؟

- في شعري هناك حوار، متكامل أحيانا وم عطل أحيانا ، بين الحياة والموت بين الرجل والمرأة، بين الحب والزوال، بين العناصر الأربعة، بين الكلام والصمت بين الصمت والخروج عن الصمت وعن طريقة اللغة. وقد سبق وحددت الشعر بأنه لغة اللغة، أي ان اللغة العادية هي اللغة الاستعمالية التي تأتي بمعان متفق عليها مسبقا من قبل المجتمع، بينما الشاعر يسعى دوما الى معنى جديد للكلمة يخالف المعنى المعتاد لها باتصاله بالكلمات الاخرى للقصيدة، وهي أيضا منطوية على معنى جديد لها.

** هل يمكننا القول انك تقف، بأشعارك، عند تقاطع البساطة والتعقيد لإبراز حقيقة المعنى المتجذر في ذاتك؟

- شعري في نهاية الامر، مرتبط بصورة جذرية بالاختبار الداخلي وباتصال هذا الاختبار بالتعبير عنه عن طريق اللغة. وعلينا ان نلاحظ أن الافكار والنظريات في شعري يمكن تحسسها بأبسط الكلمات، بالمشاهد والمواقف التي نتعامل معها يوميا ، وتأتي سرية شعرية، والسر هو في تلك البساطة في استعمال الكلمات وفي رسم التأثيرات الحيوية والحياتية،واذ بتلك الكلمات البسيطة والمظاهر العادية تظهر أكثر فأكثر غموض الأشياء كما في تعبير "ظلام النور" فالحياة هي سعي لتوضيح المعنى الذي تنطوي عليه الأشياء والكلمات، اذ ترى في نهاية المطاف أن التوضيح بدلا من ان يوضح يؤكد ان ضمن الحياة أو ضمن اللغة استحالة مطلقة في توضيح سر هو أعمق منا ومن منالنا وهو باب مسدود وعتبة مقدسة اجمالا عن جميع الساعين انه باب من الخشب أو الحديد أو البرونز، انما أحيانا ، بلغة الشاعر، يتحول الخشب أو الحديد أو البرونز الى بلور ترى ما وراءه، ولكن الباب يبقى مقفلا .

** تحاول، في أشعارك، الاجابة على أسئلة القلق الوجودية، هل تعتبر ان هذه المحاولات التفسيرية نهائية أم متغيرة، غير ثابتة؟

- الحضارة هي مسيرة الانسان نحو المستقبل، وهي يوما بعد يوم تبعد الانسان عن ينابيعه الحيوية والطبيعية والوجودية.

والحضارة يوما بعد يوم، خاصة في المدنيات المتطورة تقيم فاصلا تقنيا وتكنولوجيا ولغويا بين الانسان وذاته، ويأتي الشعر، لتحطيم هذا الجدار المصطنع مهما كانت قوته وفعله ولإعادة الانسان أقوى من أي تطور حضاري، سبق وسميته ببدائيات الامور ومنها: الحب والموت. وما أود قوله هنا أن تلك الأشياء في بدائيات الانسان وفي نهائياته كلها مطبوعة بالسرية، بالغيب، باللامفهوم، ما هي الولادة؟ ما هي الطفولة؟ ما هو الحب؟ ما هو الحيوان؟ ما هي الزهرة؟ ما هو الموت؟ كل ذلك يبقى ولو كان طبيعيا .

** كأنك تقسم الحياة الى مراحل يعيشها الانسان- الشاعر؟

- تماما. ثمة مراحل يعيشها الانسان في تعامله مع الأشياء وتاليا ، تعامله مع الحياة.

** كيف ترسم معالم هذه المراحل؟

- المرحلة الاولى هي وضع الاشياء في النور وهي المرحلة التي تؤدي الى المعنى الاولي لكل شيء يرتبط بالشيء الآخر وداخل منطق المعرفة سطحية أم علمية. المرحلة الثانية هي الاعتراف بأن الاشياء والعواطف... الخ هي في الحقيقة، غامضة وليس من تمكن فعلي للوصول الى ما ترمز اليه وجوديا . كان يقول مالارميه في مواجهة أي شيء اثار انتباهه. "ما معنى ذلك؟" وهنا دور الشاعر الذي هو، عبر اللغة، يسعى الى نقل الشيء الذي بدا في المرحلة الاولى انه واضح وفي المرحلة الثانية انه غامض، الى مرحلة ثالثة يتضح الشيء معها بنور داخلي لا ينفي الوجود الليلي لهذا الشيء انما يتخطاه، وبطريقة غير ملتزمة التفاعل العقلاني أو المنطقي بين الشيء وما التزمه من معنى في مفهومه العادي أو العلمي او الاستعمالي أو اللغوي.

الشيء هو وراء الشيء، الكلمة هي وراء الكلمة، المعنى هو وراء المعنى، وهذا طبعا رهان، رهان خطير وخطر للشاعر وكم من مغامرة وكم من متاهات وكمن من محاذير، وكم من ضياع لشعراء شاء لهم المصير هذا السعي للوصول الى المجهول- اللامجهول، الوطن الخفي، "المكان الصادق"، كما يقول الشاعر ايف بونفوا. وكم من هؤلاء المغامرين فقدوا، في تلك المغامرة الكبرى، تلك الرحلة المنطوية على ذاتها، فقدوا أنفسهم وانفك ارتباطهم بما يسمى بالواقع، ومن مرحلة الى مرحلة وصول الى حيث لا هناك مكان ولا زمان ولا مراحل، وقيل عنهم انهم جنوا، قيل ذلك عن: هولدرلن، دونرفال، فان غوغ وهو شاعر الألوان الجوهرية، كاسكوني، فؤاد غبريال نفاع. أقول انهم وصلوا الى الجوهر، ولأن الجوهر نار والتهاب حرقهم.

** علاقتك بالكلمة تبدو ملتزمة بعض الحدود أقصد ان مفرداتك وكلماتك تتكرر كثيرا في أغلب النصوص، لماذا؟

- الكلمة هي منطلق اللغة، كما يعلم الجميع، واللغة هي مادة الشاعر كما يعلم الشعراء ومن حولهم هواة الشعر. وفي جغرافيا اللغة، لكل شاعر طرق وسبل خاصة به وهي تلك الكلمات بالذات التي يعطيها الشاعر ويكو ن منها الاحساس وبنية القصيدة وما تحمله القصيدة من جوهر يكون ملتقى للمعنى وللشعور وللخيال.

بعد هذه المقدمة، للاجابة عن سؤالك يا صديقي، علي ان أعترف بأن لي فعلا داخل لغتي الفرنسية، أي اللغة التي فرضت علي للتعبير عن ذاتيتي الشعرية أو الفكرية، لي كلمات مقربة بمثابة اشارات ينطلق منها النص الشعري وعلي أن أعترف أيضا ان هذه الكلمات قليلة نسبيا وأنا أعلم بالقاموس الفرنسي وهناك الكثير من الكلمات المتوافرة لدي للتعبير.

** هل تواجه نفس الموقف في الكتابة النثرية أيضا ؟

- عندما أكتب نثرا تتدفق تلك الكلمات الى قلمي بغزارة ولكن، عندما أكتب الشعر أرى انني، بصورة غير مقصودة، ملتزم القليل من آلاف الكلمات في ذهني، واراني محاصرا بعشرات منها فقط. ربما لم استعمل في شعري كله الا (400) او (500) كلمة، والقصيدة تلو القصيدة وكأنها تركيب جديد للكلمات نفسها ضمن الديوان الواحد الذي يكون بمثابة قصيدة واحدة، وتأتي القصائد داخل الديوان وكأنها انعكاس جديد للوجود في المرآة ذاتها أي ان كل قصيدة تلتزم بتلك القلة من الكلمات وتركز على ابراز علاقات جديدة بين هذه الكلمات المختارة من منطلق موقعها المتغير ضمن مبنى القصيدة، وهذه العلاقة الجديدة التي ترتبط بها الكلمات وتكون منطلقا لمفهوم جديد للاشياء المعبر عنها بالكلمات وتسعى الى الوصول لنوافذ جديدة وشفافة تطل على جوهر الوجود، ما هي، من ديوان الى آخر، الكلمات التي تعود وتعود في نصي الشعري؟ انها كلمات بسيطة مرتبطة ببدائيات الكون والانسان، الشجرة، العشب، الماء، السحابة، الشمس، الندى، الحب، الموت، التراب، الثدي، الفخذ، الساق، النار، اللهيب، العاشق، القمح، اليد... الخ.

وأظن بان التزام لغتي الشعرية لهذه الثوابت، ولو ثوابت عابرة هو لتذكير النفس بأنها مقيدة بمصير لها لا التباس فيه وبجذوره وابعاده مهما كانت مظاهر التطور للانسان والمجتمع.

** في شعرك تركيز على رمز طير اليمامة، ما هو سر هذه العلاقة التي تربطك بالطير؟

- اليمامة في شعري حاضرة بامتياز وفي صور مختلفة وهي طبعا ، لبياضها ولحريتها ولجمالها ولهشاشتها. انها مظهر من مظاهر الروح في طهارتها البدائية. الطير، اجمالا ، في المشرق يعبر عن الروح، فهناك مثلا في القبور الفرعونية كانت هناك نافذة عالية تسمح للروح التي في القبر ان تذهب وتعود اليه في صيغتها اليمامية. وهناك تجسيد روحاني لليمامة او للطير اجمالا عبر ديانات مختلفة، ولو نظرنا الى الشعر الصوفي لرأينا ان الطير يبدو أحد رموز الروح الاكثر وجودا وفعلا . يقول جلال الدين الرومي في الالتصاق الوجودي بين الانسان وخالقه: "انه طير الرؤية ولم يغط على الاشارات" كما ان من اهم انتاج الابداع الصوفي القصيدة الطويلة المشهورة لفريد الدين العطار "منطق الطير" تروي، بصورة رمزية، قصة اجتماع للطيور بأنواعها للتشاور في طريقة الوصول الى ملكها طير "السيمورغ" المستوطن في منطقة ليس لها من طريق اليها، وبعد المناقشة الطويلة تقرر رحلة جماعية نحو تلك المنطقة في اللامنظور بحثا عن "السيمورغ". وتطير وتكون هناك لكل منها مغامرات رهيبة تكاد ان تمحوها من الوجود، وبعد كل هذه المعاناة تصل الى المنطقة المنشودة ويقال لها ان كل واحد منها هو طير "السيمورغ"، وكم هناك من اشارات اخرى الى هذا الارتباط بين الجانح الخفيف والرحلة الصعبة. وربما، اضافة الى كل هذه العوامل أتت اليمامة في شعري من سماء طفولتي، وماذا أهم من الطفولة في تكوين شاعرية الشاعر. ففي طفولتي كانت سماء لبنان سهلا وجبلا وبقاعا ، ممرا لجميع أنواع الطيور ذهابا وايابا نحو ربيعها وصيفها وخريفها وشتائها وربما كان بين هذه الطيور الباحثة عن "السيمورغ" وكانت سماء بيروت، خاصة مليئة بالحمام لأنه، كانت هناك هواية عند كثيرين من البيروتيين لتربية الحمام واطلاقه في سماء العاصمة لمصلحة قد تكون آنية لمربي الحمام، ولكن بحسب ظني لمصلحة شعرية كائنة في أعماق الروح، حتى انه كان يقال عن العاطل عن العمل بأنه "كشاش" حمام، فما أجمل هذه الطفولة مع كشاشي الحمام في بيروت وربما ايضا رمز اليمامة في شعري من نسج مخيلتي التي تربط بين اليمامة والثلج أي الطهارة، وتأتي الحمامة في شعري وكأنها تقتل ويأتي دمها كتفتح شقائق النعمان على الثلج، والثلج وشقائق النعمان من مظاهر الأشياء الطاهرة والزائلة في آن.

** بين الطفولة والموت مسافة ضخمة متنوعة الأشكال والاتجاهات، كيف ترى هذه المسافة من موقعك الشاعري؟

- السر يكمن في الطفولة، سر كل الناس، فالانسان منذ دخوله الى المجتمع وفي طور تكونه الأول وصولا حتى البلوغ يسعى للخروج من الطفولة والالتحاق بعالم الكبار- كما يقولون- ولكن الشاعر هو آخر من يغادر طفولته، وطيلة حياته هو من ينظر الى جميع البدايات.

الشاعر يمشي في الحياة مواجها المستقبل، بنظرة دائمة نحو الماضي، نحو الطفولة، نحو الولادة- ولادته الشخصية، ولادته الذاتية، ولادة الاشياء عندما تولد وتنظر لها لكي تكون، والشاعر ينظر حتى الى الموت لأنه من عناصر الولادة.

روح الطفولة هي بداية الأشياء وأظهر المعاني في كلام الشاعر وذلك يدل على ارتباط الشاعر بوطنه الاول والاخير، وطن البدايات وهو المبتدأ الدائم.

من غرائب الامور ان ظاهرة الطفولة لم تظهر في الشعر الا في طور متأخر من السعي الشعري الشامل. لم تظهر الطفولة كمنطلق وكاختبار وكموضوع من موضوعات الاحساس الشعري الا في الأدب الاوروبي في منتصف القرن التاسع عشر، قبل ذلك لم تكن الطفولة حاضرة في الشعر، وقد يكون ذلك من الالمام الادق بجوهر الشعر عند شعراء الحداثة الاوروبية التي ابتدأت فعلا في منتصف القرن الماضي وفي اوروبا بالذات، وأول من فهم وتغنى بالطفولة كوطن داخلي للشاعر كان دونرفال وبودلير حتى أتى طفل، عبر بقوة هائلة عن قوة النظرة- الطفلة للعالم وهو "رامبو" الذي كتب ما كتب بين (16) و(19) سنة من عمره، وأتى كتابه "الاشراقات" أعلى قمة للشعر العالمي وبصورة مطلقة، وهنا الاشارة الى الشعر العربي وغياب الطفولة عن مراحله وطبعا ، في تاريخه الطويل المديد لم يتطرق يوما الى هذه الظاهرة ربما لانه أكثر من غيره مرتبط بالرجولة وبالفروسية وبالعديد من "الطلات" الاجتماعية التي تجعل من الشاعر الناطق الملهم باسم مجتمعه. انما هناك اليوم بعض الشعراء الذين يسعون الى ضم الطفولة الى عالم الشعر العربي، وأعني بالطفولة النظرة الاولى للاشياء والتعبير عنها بالطهارة الممكنة.

الطفولة سر والشعر هو المؤتمن على الاسرار والباحث في الوصول اليها.

** شعرك مرتبط وثيقا بالمرأة وخاصة بجسدها؟

- نعم شعري مرتبط بالمرأة، ولأن شعري ملتزم بالواقع الاساسي فانه ملتزم، كبداية له، جسد المرأة والشهوة التي ترغم الجسد المضاد على الوصول الى الروح وليس في سبيل فعلي الى الروحي الا عبر الجسد كما ليس من فلسفة للشعر والوجود، من عبور الى النور الا عن طريق الليل ومن وصول الى المعنى الا في تحطم المعنى العادي للتكوين.

** كيف تفسر دور المرأة في تكوين شاعريتك؟

- المرأة هي جوهر شعري. جميع مصابات اهتمامي تستهدف ابراز دور المرأة في الحياة والموت، فالمرأة، أولا ، ما هي؟ انها هدف شهوة الرجل ورغبته بالاستيطان في هذا العالم والرغبة بالامتداد الجسدي والامتداد الروحي. وهذا شيء في شعري اتقاسمه مع جميع الشعراء، جميع اللغات وعلى مدى التاريخ.. المرأة هي رمز أساسي في نظرة الشاعر للوجود، إذ اننا نلاحظ ان جميع الكلمات الوجودية المعبرة عن اتصال الانسان بمصيره في العالم هي كلمات مؤنثة..

المرأة تأتي بجميع زهور وفاكهة الحياة واقعا ورمزا ، انما يضمحل لون الزهور وهي تحملها وتذبل الفاكهة وهي تهديها.

** تكتب بلغة فرنسية عن عمقك العربي والاسلامي، كيف تجد اللغة الفرنسية بقدرتها على ملامسة واقعك الذي قد لا تلامسه اللغة الفرنسية؟

- الكاتب يأخذ المادة الاولى كيفما كانت ويعالجها عن طريق التعبير صحيح انني متفاعل كثيرا مع اللغة الفرنسية لكن أشعاري مرتبطة تماما بعمقي العربي والاسلامي. وعندما يكون شيء من الترابط بين التعبير والمضمون تكون العملية أسهل، ويكون شيء من المنطق يربط عالم المعنى وحجارة المبنى، هناك تواصل ممكن. اجمالا عندما يكون الكاتب متمكنا من لغته يستطيع أن يؤقلم اللغة الأخرى (الفرنسية) لكي تصل وتتصل بالتعبير وبالمعنى الاساسيين. أما عندما يكون المعنى من الشرق والمبنى من الغرب فتصعب العملية لكنها ليست مستحيلة خاصة في عالم النثر، لأن النثر ألين اكثر من الشعر وامكاناته أوسع بكثير من امكانات الشعر.

** كيف ترى الترجمة لأشعارك الى اللغة العربية، هل حافظت على روحية النص؟

- الحق ليس على المترجم، الحق على "جن" اللغة، لكل لغة "جنها" هناك تباعد بين اللغتين العربية والفرنسية اذ لكل منهما خصائص وثمة التقاء بينهما برغم الفوارق.

اللغتان قابلتان للتجريد ويلتقيان في هذا التجريد. الترجمة لا تقدم النص الأصلي كما هو، وهناك ترجمات أقرب الى النص، وتاليا تقدم خيوطا من روحية النص.

** نختم بسؤال عن الحداثة، كيف تفهم الحداثة الشعرية؟

- ليس هناك من حداثة في الشعر، الشعر هو الحداثة المطلقة منذ بداية الانسان، بمعنى آخر، الشعر هو الرأس الساعي نحو المستقبل من منطلق جسد اللغة. الشعر يسعى دوما للوصول عن طريق كلمات في منال الجميع الى استعمار أراض جديدة توضع بتصرف حرية الانسان فكريا وعاطفيا ومعنويا .

منذ بداية الانسان الى نهاية التاريخ الانساني نظل بحاجة الى حديث الاوكسجين، بل الى الاوكسجين بذاته، الى حديث الشعر، بل الى الشعر بذاته. أقول واردد بأن الشعر هو الاوكسجين.


تصميم الحاسب الشامل