|
|||||
|
أكتب ربما ضد الفكرة السائدة التي تحرم القضايا الكبرى من أن يكون لها تفاصيلها، هذه التفاصيل التي حينما تحضر تكون القضايا الكبرى ظلالا لها لا غير
يمثل الأديب الفلسطيني ابراهيم نصرالله حالة متقدمة في الابداع العربي عموما والفلسطيني على نحو خاص. ولعل سر تميز نصرالله انه يكتب بحساسية في الشعر والرواية لم تألفها الكتابة الفلسطينية على هذا المستوى العميق المحتشد بعناصر الاختلاف والمفارقة. كما ان صاحب (الخيول على مشارف المدينة)، وهي مجموعته الشعرية الأولى، متعدد الابداع ؛ فهو الى جانب الرواية والشعر يكتب في النقد السينمائي وهو رسام ومصور اقام معارض في هذين المضمارين. ونصرالله من مواليد عمّان 1935، من أبوين فلسطينيين اقتلعا من أرضهما العام 1948. درس في مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات بعم ان، وأكمل دراسته في مركز تدريب عم ان لإعداد المعلمين. أصدر في الشعر منذ العام 1980 حتى 2001 ثلاث عشرة مجموعة. وفي الرواية له ثمانية أعمال منها 3 أعمال في إطار (الملهاة الفلسطينية). وله في السينما كتاب ( هزائم المنتصرين ) يرصد في غضونه السينما بين حرية الابداع ومنطق السوق. نال نصرالله سبع جوائز عن اعماله الشعرية والروائية من بينها : جائزة الشاعر الاردني عرار 1991، وجائزة الروائي الأردني تيسير سبول 1994، وجائزة سلطان العويس للشعر العربي مناصفة مع الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي 1997. ترجمت أعماله الى الانجليزية والايطالية والفرنسية، ونشرت مختارات من قصائده بالروسية والبولندية والتركية والاسبانية والالمانية.
* في هذا المشهد الدامي الكبير الذي نراه في فلسطين، يبدو أثر الكتابة غائبا، كيف تفسر ذلك؟ - أن تكون الكتابة الإبداعية غائبة الآن، في المنظور القريب لما يدور، مسألة يمكن أن تفهم، لكن الذي لا يمكن أن يفهم أن تكون غائبة باستمرار، خاصة إذا ما تذكرنا أن امتداد هذه اللحظة مستمر منذ فترة، ولا أريد أن أبتعد أكثر؛ مع يقيني أنه ممتد منذ مائة عام. ولكننا حين نتحدث عن الانتفاضة الثانية سنصعق، حين نكتشف أن ما كتب حولها وعنها وفيها نوعيا، كان قليلا للغاية، بل قليلا أكثر مما يجب، وهذا هو المحزن في واقع الكتابة، العربية والفلسطينية، فهناك ديوانا شعر صدرا، وهناك رواية (معبر الشهداء) التي كتبتها صحفية أمريكية أمضت عدة شهور في فلسطين. وإذا ما عدنا للسؤال ثانية، فأظن أن الذي يمكن أن يلبي نداء اللحظة هو الشعر، فمن الصعوبة أن تكون هناك قصص قصيرة، وأصعب أن تكون رواية. ولكنني لا أستحث الشاعر أن يكتب أي شيء كي نقول إن الشعر حاضر في اللحظة نفسها التي يحاصر فيها مخيم جنين ويصمد، ويباد سكانه، فلا شيء أسوأ من أن يكون هناك أدب رديء حول قضايا عظيمة، وقد عانت القضية الفلسطينية طويلا من هذا، ثم أن القصيدة، وعلى الأقل من منظوري الشخصي، لم تعد حالة انفعالية، إذ لا بد أن تكون بناء كبيرا على المستوى الثقافي والفني أيضا، أي أن تكون عملا شعريا، وليست مجرد قصيدة. لقد قرأت كثيرا من الكتابات التي كتبها أدباء وصحفيون إسرائيليون، حول جنين ومخيمها، وما حدث هناك، وكلهم يجمعون أن شارون قام بإهداء الفلسطينيين أسطورة جديدة ستسند أرواحهم للأبد، وإن كان ثمة أمل لدي فهو ألا نفسد هذه الأسطورة بأي كتابة متسرعة، بمعنى أن نكتب ما يليق بها، وما يجعلها تفيض عن حدود المخيم لتصل إلى ما هو أبعد بكثير، أن يكبر المخيم بها، لا أن يصغر ويضمحل، رغم أن ثمة ذاكرة إنسانية وفلسطينية وعربية تحميه الآن وتحرسه من هذا الخطر. ما يؤرقني فعلا، ومنذ مدة طويلة، هو القطيعة بين الحياة والكتابة، والتي تم التنظير لها طويلا، ولقد استوطنت هذه القطيعة مشاعر قطاع عريض من الكت اب، بحيث أن مشاعر كثيرة تكلست لديهم، ولم تعد قلوب كثيرين منهم تلتقط ذلك النداء المر والحزين الذين يتردد ويسكن كل تفاصيل حياة البشر المعنيين بما يحدث هناك. ولذلك أقول: من لا يستطيع أن يدرك أثر الكلمة العظيم والهائل الذي تخل فه في الروح الإنسانية، لا يستطيع أن يدرك ما الذي يفعله مرور الرصاص في جسد طفل هناك. وإذا لم يستطع المشهد الفلسطيني أن يحك الصدأ عن قلب الكتابة، فإن العيب كله في هذا القلب، ولا يشير ذلك إلا إلى شيء واحد هو أن قلب الكتابة قد تحول كله إلا صدأ. أمام هذا المشهد الفلسطيني الخالد نحلم أن تكون هناك كتابة غير عابرة. * حققت روايتك (طيور الحذر) أعلى المبيعات في معرض الكويت الأخير للكتاب، كما حققت روايتك (زيتون الشوارع) ذلك أيضا في معرض عم ان للكتاب،. ماذا يعني لك هذا الأمر ؟ - ربما كان الأمر يشبه إلى حد بعيد سعادة الفلاح الذي يزرع شجرة ويعمل طويلا على رعايتها، وفجأة يراها تورق وتزهر ويجلس في ظلها، في ظلها دائما لا فوقها؛ قد يرى هذا في حياته أو لا يراه، لكن ذلك لا يقلل من معنى شجرته، أو من معنى الإيمان الذي دفعه ليغرسها. لا شيء يشبه الكتابة أكثر من زراعة الأشجار في اعتقادي، هي لك وقطعة من روحك، ولكنها لسواك، ولن تعرف أبدا ما الذي يمكن أن يولد تحتها، أو عدد الطيور التي ستبني أعشاشها وتغني فوقها.. وهل هي ولدت حقا، وإذا كان ذلك فكم ستعيش، ومتى ستموت.. بالنسبة لي يسعدني أن هذه الشجرة لم تعد لي، إنها للآخرين، وبالقدر الذي تصبح فيه جزءا منهم، فإن الأمر يغدو أكثر جدوى، لأن النص يغدو أكثر حياة، فدائما اعتبرت قلب القارئ هو المكان الوحيد الصالح لزراعة الكلمات، وفي الحقيقة أرى أن كل نص لا يجد مكانا له في وعي البشر ووجدانهم، هو نص يتيم. سبق لـ (طيور الحذر) أن صدرت في ثلاث طبعات خلال أربعة أعوام، ومعها رواية (طفل الممحاة)، وهما تشكلان مع (زيتون الشوارع) جزءا من مشروعي الروائي (الملهاة الفلسطينية)، وأسعدني أنهما حققتا مثل هذا الحضور في معرض أبو ظبي للكتاب خلال نيسان (ابريل) الماضي، حيث كانتا الأكثر مبيعا أيضا، وهذا ما حدث أيضا في معرض عم ان مع (زيتون الشوارع) لكن الأمر كله في النهاية يعني لي شيئا واحدا، عندما أنظر لبعض أعمالي وهي تصدر في طبعة خامسة، يعني أن كل ما أؤمن به وتحتضنه كتابتي يصل إلى عدد أكبر من الناس، وكلما ازداد هذا العدد فرحت أكثر، لأن هذه الكتابة تحتضن مشروع حياة وإيمان بالجمال والحرية وكرامة البشر وحقهم في أن يكونوا بشرا فوق التراب لا تحته. * صارت رواياتك الأخيرة مهجوسة بشكل أساسي في تأريخ التهجير والمأساة والاقتلاع الذي تعرض له ولا يزال الشعب الفلسطيني. إلى أين سيقودك هذا الشغف ؟ - هناك حكاية كبرى، هي الحكاية الفلسطينية، يقال أنها لم تأخذ مداها في الكتابة الروائية الفلسطينية، والعربية بما يليق بها، وفي هذا القول شيء من الصواب، وشيء من الخطأ بالمقدار نفسه، لأن بعضه يصدر عن جهل، وبعضه استسلم لهذه المقولة منذ أوائل السبعينيات ربما، ولم يكلف نفسه عناء اختبار مدى صدقها، لكن السؤال يبقى مشروعا، حتى لو كتبت هذه الحكاية بما يلبي طموح وشغف المتطلعين لكتابة تسد هذا الفراغ الذي يرونه، لا لشيء إلا لأن الحكاية الفلسطينية أكبر من أن يحيط بها عمل واحد، وفي ظني أن أي قضية يحيط بها عمل إبداعي واحد وحيد هي قضية فقيرة، ولا أظن ذلك ينطبق على قضية مثل القضية الفلسطينية. منذ أواسط الثمانينيات، بدأت العمل لإنجاز رواية تستطيع قول شيء في هذا المجال، وقد التقيت عددا كبيرا من الناس وسجلت عشرات الساعات من الشهادات، وكلما كنت أتقدم في المشروع، كنت أراه أكثر اتساعا مما ظننت، لأنني بدأت أعيه أكثر خلال العمل فيه، لا من خلال النظر إليه من الخارج فحسب. ولذا فإن أول فكرة حملتها حول هذا المشروع كانت أول فكرة تموت حين بدأت العمل عليه، لأنني تصورت خطأ أنني سأكتب رواية واحدة تقول الحكاية، وهكذا تطور الأمر وأصبحت على قناعة بأن الفكرة الأكثر معقولية ربما، تكمن في وجود عدد من الأعمال الروائية التي تشكل بمجملها هذا المشروع، بحيث يكون لكل رواية شخوصها وأجواؤها وشكلها المختلف ومكانها وزمانها أيضا، وبالقدر الذي وجدت هذا الشكل أكثر أمانة للموضوع، فإنني وجدته أكثر تلبية لطموح الكاتب في داخلي، حيث بإمكاني أن أتحرك ككاتب أيضا بعيدا عن الانحسار داخل شكل روائي، ربما يكون ثلاثية أو غير ذلك، بمعنى أنه أصبح بإمكاني أن أظل متيقظا فنيا وعلى مدى سنوات طويلة، أن أمارس ذاتي الكاتبة في سعيي لتقديم أشكال جديدة، وسرد مختلف بين رواية وأخرى، بدل أن أتكلس لسنوات داخل شكل واحد، لأن عملا كهذا هو مشروع عمر. ولعل فكرتي حول شكل الرواية وعلاقتها بالزمان والمكان، أملت علي مثل هذا الحل أيضا، لأنني لا أعتقد أن إيقاع الحياة في الأربعينيات والثلاثينيات، وإيقاعه في الثمانينيات وبدايات هذا القرن هي نفسها، وبالضرورة يحتم علينا إيقاع زماننا ووقعه أيضا ضرورة البحث عن عمل مختلف يكون شكله جزءا من معناه وليس عالة عليه. أما أين سيقودني هذا الشغف، فأرى أنه حتى الآن قادني الى ثلاثة أعمال روائية تشكل المجموعة الأولى من (الملهاة الفلسطينية) وإذا ما سارت الأمور في الاتجاه الذي أتمناه فقد تكون هناك ثلاث أو أربع روايات أخرى ستشكل المجموعة الثانية. * تغير شكل الرواية كثيرا. صارت معني ة بشكل أساسي بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع ملحمتها، ولم تعد القضايا الكبرى هاجسا يستحق إيلاءه شأنا مهما. الملحمية ذهبت باتجاه الأقدار البسيطة التي تصنع أسطورتها. هكذا كان الفتى الصغير في (طيور الحذر) يصنع أسطورته وهو يعل م الطيور كيف تتجنب الوقوع في الفخاخ وشباك الصيادين ؟ - أشكرك على هذه الملاحظة التي تتيح لي أن أقول شيئا آخر إلى ما سبق وقلته حين تحدثت عن (الملهاة الفلسطينية)، وهذا الشيء يتمثل في محاولتي التحرر من سطوة الفهم العام للحكاية الفلسطينية الذي يعيدها إلى مفردات جاهزة، أصبح هناك حذر نقدي وعلى مستوى الذائقة في التعامل معها، كما لو أن المباشرة والتأريخ الفج لفصول هذه التراجيديا الكبرى هو الذي يسم ما كتب أو سيكتب من روايات أو شعر حولها. واسمح لي أن أبوح بشيء آخر وهو أن أصعب ما في كتابة الحكاية الفلسطينية هو أن عليك أن تكون ضد الذاكرة الجاهزة، والصورة القار ة في ذهن الناس عنها، ولا أبتعد كثيرا إذا ما قلت أنك تكون مضطرا ككاتب أن تكون ضد الشهادة التي تتكئ عليها، لا من المنظور التاريخي بل من المنظور الفني، بمعنى أنك تكتب لتكون أحيانا ضد الذاكرة الجاهزة كي توجد ذاكرة فنية، أي أن تحرر الشاهد من شهادته وأنت تلقي بكل زوائدها وتقودها لمعناها، وتحرر نفسك ككاتب، لأنك لست في النهاية مدون أحداث وس ي ر. هذه الهواجس لا أبالغ إذا ما قلت إنها عذبتني طويلا، لأنك لا تستطيع أن تكون مخلصا لقضية كبرى كالقضية الفلسطينية وأنت تكتب عنها، إلا إذا كنت مخلصا لتاريخ الرواية العالمية العظيم ولمنجزها، ولما يولد اليوم من أعمال كبيرة في مجالات الفنون، وخاصة السينما. هكذا ذهبت، ربما (طيور الحذر) نحو ذلك الطفل الذي يعلم الطيور الحذر كي لا تقع في فخاخ الأولاد الآخرين عاقدا حلف الطفولة والجناح، وهكذا الأمر مع (العريف فؤاد) في رواية طفل الممحاة، وهكذا الأمر مع (زينب) و(سلوى) في زيتون الشوارع، لأن إدراك الحياة في الرواية لا يمكن أن يكون إلا بادراك التفاصيل، والعلاقات العذبة والجارحة، المضيئة والمعتمة فيما بينها، أما القول الكبير الذي لا يقدم شيئا رغم إشارته للمكان والزمان بدقة متناهية وكذلك للشخوص فيمكن أن يكون في أي كتاب من كتب التاريخ أو أي صحيفة يومية. ولذا أكتب ربما ضد الفكرة السائدة التي تحرم القضايا الكبرى من أن يكون لها تفاصيلها، هذه التفاصيل التي حينما تحضر تكون القضايا الكبرى ظلالا لها لا غير، سواء كنا نتحدث في الحب أو الحرب أو الموت أو الاغتراب أو ما تحتضنه القضية الفلسطينية من أسئلة. لأن البشر هم الذين يحضرون، ولأن البشر هم الذين طردوا دائما من كتاب يومهم ومن كتب التاريخ الرسمي، وجوهر معنى وجود الرواية أن يكونوا سكانها. * ولكن انتاج رواية مختلفة ترصد التاريخ الجمعي لحكاية المنفى يحتاج إلى جهد توثيقي كبير. كيف تتعامل مع هذا الأمر. ومن أين تستمد تلك المرجعية وما هي مصادرها ؟ - إضافة للشهادات الحية التي سجلتها، وكنت أوجهها الوجهة التي تحتاج الكتابة إليها، كما لو أنني أقوم بعملية مونتاج فورية، أي أن الوعي الفني كان حاضرا ويلعب دوره لحظة بلحظة، وكانت النتيجة أكثر من ألفي صفحة شهادات، وهناك عشرات المراجع التاريخية وعشرات المذكرات والدراسات التي تناولت أدق التفاصيل في الحياة الشعبية الفلسطينية ومعتقدات الفلسطينيين من نظرتهم إلى بيت النمل إلى تصوراتهم للموت والحياة؛ وهناك شيء آخر مهم، بل لعله الأهم في النتيجة النهائية، وهو أنني عشت ما يقرب من الخمسة عقود في رحم هذه التفاصيل، ولا أبالغ إذا قلت إن أبي وأمي وأجدادي نقلوا إلي ذاكرة أخرى تشكلت لديهم قبل مولدي ولا يقل عمرها عن خمسين عاما أيضا، وحين أتأمل الأمر كله أجد أن فصلا واحدا من فصول الحكاية الفلسطينية لم أعشه فعليا هو فصل لحظة التهجير وما قبلها، أما التهجير نفسه وبقية الفصول الدامية التي عصفت، ولم تزل تعصف، فهي حياتي الفعلية بشكل أو بآخر. * رغم إقامتك في مكان نادرا ما يصنع نجومه على مستوى الكتابة الإبداعية، إلا أنك تمكنت من كسر نطاق المحلية وصارت أعمالك الشعرية والروائية تتداول على نطاق عربي، ولا يشاركك في هذا الأمر، على صعيد الرواية، سوى مؤنس الرزاز. من الذي يصنع الحالة الكاتب أم المكان أم ماذا؟ - لنعترف أن للمكان سطوته، لأن كل مركز من مراكز الثقافة العربية يملك سلطته الثقافية والتاريخية والإعلامية، ولذا بقي الأدب الذي يكتب بعيدا عن المراكز الرئيسة: القاهرة، بيروت، بغداد، في الظل دائما، باستثناءات قليلة بدأت تتضح مع مطلع الثمانينيات، بعضها يعود لوجود كتابات حقيقية، وبعضها يعود لنمط من أنماط العلاقة الاجتماعية بين الكتاب أنفسهم، دون أن ننسى أن هناك مصالح بحتة أوجدت كت ابا بكامل أسمائهم، لكنك تكتشف حين تبحث عنهم أن صورهم وأخبارهم متوافرة بعكس إنجازهم، لا على المستوى الثقافي الفعلي بل أيضا على مستوى ما يمكن أن يعنيه الكتاب للقارئ، أي قارئ. لكنني أرى أيضا أن الكاتب بإمكانه أن يصنع الحالة، رغم أن المكان يلعب دورا سلبيا في أحيان كثيرة، وأظن أن كثيرا من الكتاب العرب خارج المراكز، لو كانوا أبناء للمراكز، رغم كل ما اعتراها من فقدان الثقل، لكان حضورهم أوسع ولا يقاس بحضورهم الحالي. وفي ظني أن تراجع بعض أدوار المراكز الثقافية العربية سياسيا، أوجد مساحة لبعض العواصم التي تعتبر خارج ما يعنيه المركز، لكي تقدم ما لديها بصورة معقولة، وبالقدر الذي ضاق فيه النقد الأدبي واتجه نحو قطرية ضيقة أحيانا، تعورب الإعلام بوجود نمط جديد من الصحافة، المقروءة والمرئية، وتعوربت دور النشر أيضا، وظهرت دور نشر ذات تأثير بالغ خارج المراكز، وأصبح بإمكان الكت اب الذين يقدمون اقتراحات فنية حقيقية أن ينشروا في أكثر من عاصمة وأن ينتشروا أيضا. وأتيح للكاتب خارج المراكز أن يكون حاضرا بصورة معقولة، أو جيدة. وساهمت بيروت دائما، كعاصمة للنشر بالد ور الأهم، حتى في أصعب ظروفها. لأن مفهوم صناعة الكتاب فيها في اعتقادي كان الأنضج، ولم يكن أسير ما يسمى القطاع العام في أي مرحلة من مراحله، أو أسير فكرة القطرية. وإذا ما عدت لبداية السؤال، وما يمكن أن ندعوه كاتبا نجما، فأظن أن ليس في العالم العربي نجم كامل في مجال الكتابة، هناك نجوم غناء من الدرجة الأولى والدرجة العشرين وجمهورهم يستوي في المدرجات!! ميشو (شو) نجم!! وإذا ما تحدثنا بجدية أكبر، فيمكننا القول إن كتابا واحدا لكاتب مثل باولو كويلهو يفوق عدد نسخ توزيعه، كل ما يطبعه كتابنا العرب في ثلاثين أو أربعين عاما. رغم أننا أمة الثلاثمائة مليون، وهناك عدد لا يقل عنهم يعرف العربية في العالم الإسلامي ربما. هذا كاف في اعتقادي لكي يعيد أي كاتب إلى تواضعه، من حيث انتمائه لفئة النجوم. في العالم العربي هناك كتاب محترمون ومهمون، ولا يقل ون مستوى عن كثير من كتاب العالم، لكن فكرة وجود نجم، فكرة لا تستهويني كثيرا، إذا ما تعلقت بي على الأقل، وأفضل أن أحظى باحترام القارئ. * ما الذي أضافه إليك فوزك بجائزة العويس الشعرية العام 1997 التي تعد أرفع جائزة أدبية عربية؟ - قبل قليل كنا نتحدث عن المراكز، وعن المكان ودوره، لكن هنالك مسألة لا تقل عنهما تأثيرا تسكن الواقع الثقافي العربي، وتتمثل في مسألة الأجيال، ورغم أنني أعتبر نفسي تلميذا لكل من كتب رواية أو قصة أو قصيدة رائعة بغض النظر عن عمره، إلا أنني أعتقد أن الأجيال اللاحقة لجيل الرواد، ظل النقد الكسول يتعامل معها بحذر، خاصة في مجال الشعر، وأظن أن منحي جائزة سلطان العويس، كان إنجازا مهما ليس لي، بل لجيل السبعينيات، وما تلاه بأكمله، لأنه أول اعتراف كبير بأن هناك منجزا أضاف لتجربة الرواد وجاورها. وجائزة سلطان العويس بالمناسبة من الجوائز النادرة بل الأندر، التي أعادت النظر للإبداع بحيث أصبح المستوى هو الأساس، وليس العمر، أو الثقل الثقافي للبلد الذي ولد فيه الكاتب. ولذلك، لم أزل أنظر إليها باعتبارها ليست تكريما لشعري فحسب، بل تكريما لشعراء كثيرين ومن مختلف الأجيال، كان فوزي بها يعني أنهم يستحقونها. وإلى ذلك، وعلى المستوى اليومي، رتبت هذه الجائزة بعض أموري الحياتية البسيطة والأولية، وأتاحت لي مساحة أوسع للكتابة، وأظن أن أهم اعتزاز من قبلي بهذه الجائزة يتمثل في أنني لم أحولها إلى حفل وداع لي ككاتب، بل أضحت بداية جديدة. ولا أكتمك أن أكثر ما أفرحني أن لجنة الجائزة نفسها أقرت تعديلا فذا، ومبدعا، وأرسلت رسالة بليغة عبره، حين فتحت المجال لمن فاز بالجائزة أن يتقدم لنيلها مرة أخرى، بإنتاجات كتبها خلال السنوات العشر التالية لنيله لها. ومصدر البلاغة في نص كهذا، هو أن لجنة الجائزة قالت بوضوح، إن منحكم الجائزة يعني أن تواصلوا ما أه لكم أن تكونوا من حامليها، وأن التكريم لا يمكن أن يكون بيان إعلان النهاية. * في مجموعتك الشعرية الأخيرة (مرايا الملائكة) ذهبت نحو المنطقة الملتهبة وعاينتها بخفر شديد. لقد قبضت على حادثة قتل الطفلة الفلسطينية الرضيعة إيمان حجو وهي في قمة سخونتها. حو لت المأساة شعرا. أي انك كتبت في لحظة التوتر العالي الذي غالبا ما يصيب الشعر بالمباشرة والتقريرية، ولكنك تمكنت من تجنب هذه الفخاخ، كأنما لذت بحكمة صغيرك في (طيور الحذر). ألم يكن في مقدورك الصبر حتى يزول التوتر ؟ - أبدأ من النهاية لأقول: إنني لو لم أكتب رواية (طيور الحذر) لكان متعذرا علي كتابة (مرايا الملائكة) لأن طيور الحذر كانت بوابة الدخول لعالم الطفولة، وخاصة فصلها الأول الطويل الذي أتتبع فيه حياة الطفل داخل رحم أمه. أما فيما يتعلق بهذا العمل الشعري فأحب أن أضيف: لم أكتب ديوانا بأكمله يقع في مائتي صفحة تقريبا مكو نا من إحدى وثلاثين قصيدة، لأقول إنني متوتر ومنفعل، كان يمكن أن أكتب قصيدة واحدة وأفرغ هذا التوتر، أو مقالة، وهو أمر إنساني مشروع. بالنسبة لي كانت المسألة أكبر بكثير من هذا، كانت مساحة شائكة لمحاورة فكرة العدالة وحق البشر في أن يكونوا جميلين دائما، وليس في موتهم فحسب، هل رأيت مدى جمالها حتى في موتها؟ ليست هذه مصادفة في اعتقادي، أبدا، لأنني أحسست أنها تقاوم بجمالها الموت ولا تريد أن تستسلم له، وقد فهمتها، ولذلك كتبت سيرتها، أردت أن أعطيها الفرصة التي لم تمنح لها أبدا: أن تتكلم، وتحلم، وتمشي وتحب، وتخاف قبل أن تموت؛ هل تتصور، انها حرمت حتى من حقها في الخوف. كان من حقها أن تخاف على الأقل. وقد كتبت لأمها حين أرسلت لها النسخة الأولى من الديوان، وقلت بأن ابنتك انتقلت إلى رحمي، كما لو أنني أنت، لأنني لا أقبل أن يكون القبر رحم هذا الجمال، حتى لو كان هذا القبر من تراب فلسطين نفسها، ومن عشبها وظلال أشجارها. كل ما كنت أعرفه عن إيمان هو وجهها، واسمها بالطبع، أما الآن فتغير كل شيء، حين تأسست سيرتها، وحياتها في القصيدة مرة أخرى، أعرف الآن والديها أكثر، رغم أنني لم ألتق بهما، وأعرف سريرها، وأحلامها، وملاكها الصغير الذي يقاسمها حياتها الجديدة في هذه السيرة، والذي لا يقل تراجيدية وألفة وحيرة وجمالا عنها، وهو يبحث عن مصيره وغربته، وهي تسأله إذا ما كان يعرف طوال الوقت أنهم سيقتلونها ولم يقل لها. الملاك الذي يقول لها : إن رحلت سأبقى هنا لا أحد. لكل إنسان ملاك يحرسه، هل سنبتعد كثيرا إذا ما قلنا إن لكل ملاك إنسان يحرسه أيضا، إنسان له وحده. لأول مرة أفهم فعلا أن الشعر يمكن أن يكون ضد الموت بكل أسبابه إلى هذا الحد. وأصارحك بأنني كنت أدرك أن طفولة بهذا الجمال ليس مسموح لي في حضرتها سوى أن أصلي، ولذلك كنت أحرص على كل مفردة في الديوان، كي لا تعكر أي كلمة هذا الجمال، هل أقول: النائم. وهناك مسألة أخرى، وهي أن علاقتنا الوجدانية بمسألة قتل أطفالنا ليست بجديدة، تماما كمسألة هدم بيوتنا هناك، واغتيال أجمل خيولنا، لذلك أقول: من يستطيع أن يجزم أن إيمان حجو لم تقتل في دير ياسين، أو كفر قاسم أو صبرا وشاتيلا أو بحر البقر أو قانا، أو بعد مقتلها حين تطاير إلى السماء خمسة تلاميذ كانوا في طريقهم لمدرستهم. لذلك أقول إن إيمان ليست مناسبة، وليست لحظة توتر لأي شاعر يعي ربع أو عشر المعنى العميق للحكاية الفلسطينية، لأن فلسطين نفسها ليست مناسبة، إنها تراجيديا كبرى تجاوز عمرها الآن مائة عام. * ولكن هذا العمل أثار حفيظة أحد النقاد، وقدم بشأنه تساؤلات عديدة. هل أفادك ذلك أم انه لامس التجربة من بعيد ؟ - بعد صدور الديوان عقدت جمعية النقاد الأردنيين ندوة شارك فيها ثلاثة نقاد، وق د مت قراءات مهمة في اعتقادي، خاصة للجانب الفني في الديوان، وذلك المتعلق باستعارة تقنية تعدد الأصوات في الرواية، وتوظيفها في بناء عمل شعري، وصدقني أنني منذ زمن طويل أتقبل كل ما يكتب عن أعمالي، رغم أنني لا أرى أن النقاد دائما على حق. وأرى أن هناك تسرعا في الكتابة عن الأعمال الإبداعية يوصل بعضهم إلى نتائج محزنة. فصديقي الناقد، وهو فعلا صديق، الذي أشرت إليه، استنكر أن إيمان لم تحاور أو تحاكم قاتلها في هذا العمل، ولو قرأه بدقة لوجد أنها لا تحادث حتى والديها، والحوار الوحيد الذي يدور في الديوان يكون مع ملاكها، وهذا هو المنطق الفني الداخلي لهذا العمل، فـ(شارون) يمكن أن يحاكم في لاهاي، أو في بروكسل وليس بوسع إيمان حجو أن تفعل ذلك، فهناك تكون المرافعات، أما هنا فلا شيء غير الصلاة، أو الكلمات التي تستحق جدارة مجاورتها. ثم ان صديقي الناقد تحدث عن كوني أتعامل مع الفلسطينيين كلهم باعتبارهم ملائكة، في الوقت الذي لا مكان في الديوان سوى لإيمان، إنها شخصية، هل أقول روائية. ولم تراودني في أي يوم فكرة أن الفلسطينيين كلهم ملائكة، وهم لن يكونوا، لأن أي وعي من هذا القبيل هو وعي قاصر، فكل التضحيات التي تقدم منذ مائة عام لا تقدم إلا لشيء واحد هو أن يثبت الفلسطيني أنه من البشر وله حقوقهم، وقد سألت ابني وهو في العاشرة من عمره بعد الندوة: هل تعتقد أن الملائكة كلهم ملائكة؟ فأجاب: بالطبع لا، لأن منهم إبليس. وكنت (سأزعل) عليه بالطبع لو كان وعيه أقل من هذا. أما الأدهى من ذلك، فهو أن صديقي الناقد أخطأ حتى في اسم الديوان الذي يقدم دراسة فيه، أو حوله، فأطلق عليه اسم (ملائكة العراء) حين اختلط عنوانه في ذهنه بعنوان مجموعة قصصية لصديقنا إلياس فركوح عنوانها (الملائكة في العراء). هل أقول هذا هو الاستسهال. ليس النقاد دائما على حق؛ يمكن أن يكونوا غالبا على حق؛ فأحدهم كتب ذات يوم عن رواية لي: كيف يسمح الروائي لنفسه أن يحول السيكولوجي إلى فسيولوجي، فسألته: ألم يسبق لك أن خجلت فاحمر خد اك؟! * تعيد كتابتك لحكاية الطفلة إيمان ومن قبلك كتابة الشاعر محمود درويش قصيدة عن الفتى الفلسطيني الشهيد محمد الدرة تساؤلات كثيرة حول دور الشعر وتأثيره في القضايا اليومية التي تهز الضمير. حيث يعيب بعضهم على المبدعين أن يتواصلوا مع هذه القضايا وينخرطوا فيها بدعوى الخشية من الوقوع في منبرية الخطاب. بأي معنى تنظر إلى هذه الإشكالية ؟ - لست ضد شيء هنا سوى العمل السيئ، وكما أشرت فإن فهمي للحكاية الفلسطينية، لا يقوم على أنها مناسبة، فليس قتل طفل أو اقتلاع شجرة أو هدم بيت، أو ساعة الرعب التي تحتل قلب رجل أو امرأة أو طفلة في ليلة قصف، مناسبة. الاحتفال بافتتاح مدرسة، أو الانتهاء من شق طريق، مناسبة، عيد الجلوس وتولي شؤون الحكم مناسبة، اعمار مطار أو ميناء أو حتى محطة صواريخ ومركبات فضائية، مناسبة،وشق نفق مناسبة. أما مقتل طفل فهو بالنسبة لي قضية كونية أبيح لنفسي فيها أن أحاور عدالة الأرض وما فوقها. وفي ظني أن فكرة المناسبة غير مطروحة أصلا في آداب الشعوب الأخرى، أو على الأقل لم أسمع بها، ولم أسمع بمهاتراتها إلا هنا في العالم العربي. ذات يوم أمضى جان جينيه ست ساعات في صبرا وشاتيلا، فأبدع نصا مذهلا، من أجمل ما كتب عن المأساة الفلسطينية، وعاشت صحفية أمريكية عدة أشهر في الضفة وغزة، خلال الانتفاضة الأخيرة، وكتبت رواية مهمة هي (معبر الشهداء) وقبل ذلك بزمن طويل جدا كان هوميروس يكتب الإلياذة والأوديسة ولا يشير له أحد مستنكرا: إنه يكتب بمناسبة حرب طروادة، وبعده بآلاف السنوات كتب فوركور رواية (صمت البحر) وبساطير الجنود الألمان تذرع شوارع باريس، ودباباتهم تجعل التراب يتساقط فوق رأسه في قبوه أثناء كتابته للرواية، ورسم بيكاسو (الجرنيكا) جدارية من أكثر أعماله حضورا وفنية. يحيرني أن مقياس الحداثة يزداد في عالمنا العربي ويقل بمقدار تنكر الكاتب لقضاياه المصيرية. أن تطالب كاتب بالتخلي عن الحياة، عرقها ولوعاتها ومآسيها، وبهجتها المسروقة، في شعره كي يكون شاعرا، أشبه ما يكون بدعوة الشاب الذي يريد أن يصبح فارسا أن يتخفف من حصانه كي يكون ذلك الفارس المنتظر، لأن الحياة هي التي تملك في النهاية حق التخفف ممن تريد، أو مما تريد، والحصان هو الذي يملك حق التخفف من ذلك الذي يجثم فوق ظهره، إذا شعر بأن ما فوقه ليس أكثر من كتلة لحم تحد من كونه حصانا، وليس العكس. نحن ككتاب لسنا أكثر من ضيوف على مائدة هذا الصهيل أو الجموح أو المدى اللانهائي لشوق الحياة ليوم يشبهها حقا. فقد سبق لها وأن تخففت في طريقها من كل الكائنات التي غدت عبئا عليها، على أشجارها وأزهارها وحتى صحاريها. لقد حاذر الأدب أن يقترب من مأساة الاقتلاع الفلسطيني عشرات السنوات، بحجة أن القضية يجب أن تنضج في فكر ووجدان الكاتب، ويمكن أن ينطبق الشيء نفسه على عشرات المفاصل الخطيرة في حياتنا الإنسانية والسياسية أيضا. وفي ظني ليس هناك مبرر لوجود أي كاتب، بالنسبة لي شخصيا، عليه أن ينتظر عشر أو عشرين أو خمسين سنة كي يكتب عن قضية ساخنة بحجة انتظار نضجها، أنت كاتب لأن بإمكان هذا العالم أن يجد ملاذا له في أصالة عملك ووعيك الوجداني والإنساني، حين يطرد هذا العالم من جماله ومن نفسه، ويطارده الخوف والعماء والموت، ويبحث عن ملجأ فلا يجد سوى رحم كلماتك التي تملك قوة أكثر من رقتها. وخارج هذا أرى ادعاء وفقرا وجدانيا وإنسانيا، وتسليما بسطوة البارد، المعلب، المجفف، والمدعي. وما دام السؤال حول (مرايا الملائكة) فاسمح لي أن أقول: قد لا أكون كتبت بهذه الرقة قبل هذا الديوان، وقد أكون، لكنني أدرك أن الكتابة عن طفلة بهذه العذوبة، ووجه بهذا الجلال مسألة مصيرية لي ككاتب على المستوى الفني، والتي، بدورها، وحدها تؤكد شرعية وجودي الإنساني أو تنفيها. * تعرض ديوانك البديع جدا (بسم الأم والابن) إلى احتجاجات عديدة من أوساط دينية عربية، وكانت إحدى رواياتك قد منعت في الأردن قبل ذلك، ولا يزال سيف الرقيب مسلطا على الأعمال الأدبية حيث أقدمت دائرة المطبوعات والنشر في الأردن أخيرا على منع رواية الياس خوري (يالو) كما منعت رواية حنا مينة (النجوم تحاكم القمر) وكتاب يحيى جابر (كلمات سيئة السمعة). ما الذي يريده الرقيب العربي؟ - أعتقد أنه ليست هناك معركة أو حرب أكثر عبثا من تلك المعركة / الحرب التي يشنها الرقيب على الكتب، إنه خاسر، أولا وثانيا وعاشرا، لقد قيل ذات يوم، الذي ك ت ب بالحبر لا يمحى أبدا؛ وإن كان هذا المعنى قد جاء في سياق آخر، إلا أن على النظام العربي أن يعي، أنه لن يحقق نصرا في هذا الاتجاه، لأن فكرة تحقيقه النصر ليست واردة اليوم في أي مجال. ومن أسباب عدم وجود جدوى في شن هذه الحرب على الكلمات، يكمن في أن الرقيب العربي لن يستطيع أن يروض هذا العدد من المبدعين العرب، الذين تكمن شرعية وجودهم، اليوم، في أنهم ضد هذا الخراب العربي، الذي تفوح رائحته من كل شيء، بدءا من صندوق الانتخابات، إن وجد، وانتهاء بصندوق النقد الدولي. طبعا، حلم الرقيب العربي كبير، فلك أن تتصور أي صمت يمكن أن يسكن هذا العالم العربي، بل أي موت، إذا ما تحقق حلمه بكتم أصوات آخر الطيور على هذه الشجرة المتيابسة أو المتماوتة يوما بعد يوم. * إلى جانب إبداعاتك الروائية والشعرية، ثمة اهتمام لديك بالرسم والتصوير وقد أقمت معرضين في كلا الحقلين. هل يندرج ذلك في سياق فائض القيمة التعبيرية لديك ؟ - أنت لا تستطيع أن تختبر الحب إلا بالحب نفسه، تعايشه حلما، ويعيشك ربما، إلى أن تلتقيا في انصهار وجودكما معا، وكذلك الرسم والتصوير بالنسبة لي، إنهما جزء قريب مني، ولم أفكر طويلا حين غادرت مقعد المتفرج لأعيش الدور الذي أمامي، فكأن المعايشة الطويلة، فعلا، تلغي كل مسافة بين النوع الفني الذي تعايشه وبين ذاتك، لقد وجدت نفسي أرسم لنفسي، وأصور كذلك، دون أن أفكر لحظة بأنني في طريقي لأن أكون مصورا أو رساما، تماما كما تتنفس، فأنت لا تفكر في كل لحظة أنك تتنفس لكي تعيش؛ بين حين وآخر، قد يخطر لك أن تنف سك إن توقف ستموت، لأنه دليل الحياة. لقد رسمت وصورت أكثر من عشرين عاما، قبل أن أجد نفسي، مرغما، في صالة العرض، بقوة حب الأصدقاء لما تحقق من لوحات وصور، وقبل ذلك كنت فرحا لأن هذه الأعمال تزين جدران بيتي، لا لكونها جميلة أو غير ذلك، ولكن لإيماني، ربما، بأن أكثر اللوحات تواضعا التي يمكن أن ترسمها، أو يرسمها ابنك أو صديقك، أكثر حياة وحيوية من أي نسخة مصورة للوحة من لوحات بيكاسو. ببساطة لأنني أرى الحياة أجمل مع كل شيء حي، حتى لو لم يمتلك مواصفات الجمال الكاملة، هذه المواصفات التي لو أخذ بها رجال العالم، أو نساء العالم، وقارنوا أنفسهم بالسوبر موديلات من عارضات الأزياء وعارضيها أيضا، وممثلات السينما وممثليها أيضا لطل ق نصفهم نصفهم على الأقل. لكن هناك شيء آخر يمكن أن تحسه وأنت ترسم، وأنت تصور، فاللون الذي تراه جاهزا عادة في لوحة ما، ولنفترض أنه الأخضر، يكون لون الفنان، أما حين ترسم أنت، فيغدو لونك الخاص، الذي تختبره، ويختبرك، وكذلك في التصوير، لأنك حين تحدد الكادر، تحدد هذا المشهد الذي يعنيك من بين كل المشاهد المترامية حولك، يصبح مشهدك الذي رأته عيناك والتقطته حواسك كلها. لذا أسميت معرض التصوير الذي أقمته (م شاهد من سيرة عين). وبالتأكيد فإن هذه السيرة، تماما كسيرتك إنسانا، وكخبرتك واختبارك للحياة واختبارها لك تبدأ بالانعكاس على أعمالك التي تكتبها. ولذلك حين رسمت وصورت مثلا أصبحت لقصيدتي وروايتي عين أخرى، فلم يعد اللون مجرد لون أو التفاصيل الصغيرة، مجرد أجزاء من جسد هذا العالم، أصبحا معنى معاشا لروح هذا العالم. * أيضا أنت في النقد السينمائي ذو تجربة تستحق التنويه، فكتابك (هزائم المنتصرين) الذي يعاين السينما بين حرية الإبداع ومنطق السوق يشير إلى تعددية ثقافية ذات أدوات أسلوبية ناضجة. ماذا أفادتك السينما في إبداعك. ألا يراودك حلم الإخراج السينمائي؟ - في اعتقادي أن أهم ما ينجز في العالم من فنون إلى جانب الرواية اليوم، هو فن السينما، وما دام الأمر كذلك، في اعتقادي على الأقل، أو في ظني، فإنني أستغرب تماما، أن يكتب الكاتب رواية أو قصة أو قصيدة، أو كتابا نظريا، دون أن تكون له علاقة بالسينما، لأن ذلك كان يمكن أن يكون منطقيا لكاتب كان يعيش في العصر الأموي أو العباسي، أو أي عصر من هذا القبيل. وكما حدث، مع الصورة واللوحة، حدث الأمر ذاته مع السينما، لقد كنت أكتب عن بعض الأفلام التي أحبها وأضع ما أكتب في أدراجي، لأن دافع الكتابة كان يتمثل في قول كلمة (أحبك) أو ما يشبهها، لهذا الفيلم، أو ذاك، وهو يبعث في داخلي كل هذه السعادة والجمال، فبعض الأفلام قادر على أن يمنحني أجنحة أحلق فيها مدة طويلة دون أن أشعر بأنني بحاجة لأي شيء آخر على هذه الأرض. هذه هي معايشتي للسينما، وحين اكتشفت واكتشف أيضا مقربون هذا، دفعني ذلك لقراءة كل ما كتبته من جديد، وربما كانت مفاجأتي أن معظم الدراسات التي كتبتها، وأقول دراسات (لأن فيلما مثل "فورست غمب" أو "تانغو" كتبت حوله أكثر من خمس وعشرين صفحة) أقول اكتشفت أنها معنية بنمط من الشخصيات، هو نمط المنتصر المهزوم، على المستوى الإنساني، أي ذلك الذي يفقد جزءا حميما من ذاته، أو ممن حوله، في طريقه لتحقيق نصره، بحيث لو ع رض عليه هذا النصر من جديد، مقابل ما خسره، لفك ر طويلا. لذا أرى في كتابتي عن السينما معايشة للفيلم، بهدف فهمه أكثر، إنسانيا وجماليا، أو بمعنى رفض أن يكون الجميل والحميمي شيئا عابرا، ولذا أعتبر هذا الكتاب بمثابة جزء من سيرة ثقافية، فبدل أن يكتب شخص ما سيرته، ويقول: لقد كنت أحب السينما، وقد تركت في أثرا كبيرا، أو أي شيء من هذا القبيل، أقول في هذا الكتاب: هكذا كنت أحب السينما، هكذا فهمت هذه الأفلام، وهكذا تركت أثرها في كإنسان وفي كتابتي. أما حلم الإخراج فهو واحد من أقرب أحلامي إلى نفسي، وآمل أن أملك فرصة تحقيقه، أكثر من ذلك الحلم الذي راودني ذات يوم في أن أدرس الموسيقى، حين أنهيت دراستي الثانوية، وأغلقت كل الأبواب حينها. |
|||||
|
|||||