برهان كركوتلي
فنان غدافيكي من هذا الزمان
سجل حياة

 

 بطرس المعري (كاتب من سوريا)


رحل عن عالمنا الفنان السوري الكبير برهان كركوتلي، رحل بصمت كما عاش السنوات الخمس عشرة الاخيرة من حياته بصمت، رحل فنان المنمنمات الشعبية، فنان القضايا السياسية، الفنان الذي استطاع منذ نهاية الخمسينيات الى آخر قطعة نقشتها ريشته المغموسة بالحبر الاسود ان يكون أمينا لقناعاته العميقة في ضرورة ابتكار فن حديث يخاطب المجتمع ويتفاعل معه دون ان يتنازل عن القيمة الفنية العالية، فن يخاطب هموم الناس الاجتماعية والسياسية دون ان يتخلى عن شاعريته ومتانته الغرافيكية.

تنقل برهان كركوتلي بين دمشق والقاهرة ومدريد والرباط وبرلين ومكسيكو وفرانكفورت غير ان وجدانه صاغته الحارة الشامية وفكره طبعه الانشداد الدائم للهم الفلسطيني.

يعتبر كركوتلي احد اهم الفنانين العرب الذين استلهمت أعمالهم الفنون الشعبية التي عرفها في بلده الأم، ولا يمكن التكلم عن لوحة محلية سورية دون التكلم عن اعماله كتجربة رائدة في هذا الميدان، فلقد استطاع بذلك الأفق الواسع الذي امتلكه ان يتعامل مع روح الفن الشعبي دون الوقوع في مطب اجترار الموثيقات الشعبية بأسلوب مستهلك.

اللوحة التي سماها "مواويل" ذات النزعة الزخرفية الواضحة، رغم بساطة مظهرها غير انها في حقيقة الامر تكتنز حسا  مدهشا، وحرفة غرافيكية متينة "وموهبة".. رفيعة.

انتشار أعمال كركوتلي المطبوعة يأتي أيضا من تلك الأعمال السياسية، ذات الطابع "التحريضي" كما يسميها هو، ولقد بدأ برهان بالعمل الفني - السياسي في المغرب عندما ناصر قضايا العمال وثوار الجزائر، ثم تبلورت هذه التجربة في المانيا عندما راح يرسم لفلسطين لوحات وملصقات دخلت ذاكرة التجربة التشكيلية الفلسطينية بمفرداتها وصياغاتها، وتأتي رحلته الى المكسيك في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي لتكمل دائرة أسفاره الجمالية والسياسية، ولتزاوج الى حد كبير بين لوحته الشعبية ولوحته السياسية.

صدر في بداية الثمانينيات كتاب ضخم في ألمانيا عن كركوتلي، استعرض الكثير من أعماله وموضوعاتها المتنوعة، من رسومه عن نزلاء مشفى الامراض العقلية الى بورتريهاته الدقيقة الى لوحاته المشهورة المكرسة لفلسطين.

في أعماله كلها المشغولة بالابيض والاسود لا يغيب الخط الاسود الثخين المحيط بالأشكال ولا وجوهه الصارمة ولا تنويعات ملامسه الغرافيكية، ولا ولعه بشغل كل المساحة اقتداء  بالمنمنمات العربية - الاسلامية، كل ذلك موضوع في سياق شحنة تعبيرية عالية ورسالة لا تخطئها العين: وجوه بلدية وديعة، ووجوه يعلوها الغضب والتحدي، سلاسل وسجون واسلاك شائكة، عساكر ممسوخة الملامح، اطفال يحلمون بعصفور أو وطن..

برهان كركوتلي الحالم السياسي رسم حياتنا، احباطاتنا، آمالنا، واحلامنا المكسورة.. رسم كل ذلك بوداعة الاطفال ووعي المحترفين السياسيين، وموهبة كبار الغرافيكيين، فصنع لنا ايقونات اخاذة لا تمحى من الذاكرة.

في الاسطر اللاحقة سجل لحياة وفن برهان كركوتلي مستمدة من تسجيلات خاصة معه، ومن سجل لحياته سطرها هو في سنوات الثمانينيات.

حياته

في آخر لقاء جمعنا، انا والكركوتلي، في (هامبورج) قبل اكثر من سنة، قال لي هازئا  وهو يمسك كعادته كأسا  من الجعة، "في آخر عدد من ديرشبيغل (Der Spiegel) كتبوا مقالا عن حفلاتي كحكواتي، هذه أول مرة تكتب ديرشبيغل عني ولكن هل تعرف ماذا كتبوا؟! قالوا: حكواتي آت  من بلاد أسامة بن لادن!" ابتسمت حينها ساخرا  وقلت في سري "لا كرامة لنبي في وطنه... ولا في المهجر".

كان للصدفة أولا ثم لموضوع دراستي ثانيا الدور الكبير في التعرف على برهان كركوتلي عن قرب ففي شتاء 1998، رت ب لي احد الأقارب في (بون) موعدا  معه. والتقينا حينها في محطة القطار حيث كان ينتظرني برفقة احدى صديقاته. اقتربت من طاولته محييا وعرفته عن نفسي فوقف وشد  على يدي بحرارة وقبلني مرحبا  كأنه يعرفني منذ زمن بعيد.

أخبرته حينها عن موضوع دراستي وأنني بحاجة الى بعض المعلومات، بل الكثير منها عن حياته وعن مسيرته الفنية. فوعدني بذلك ثم قدم لي في آخر اللقاء ثلاث لوحات مما كان يطبعه بالأوفست ممهورة بتوقيعه. وكانت هذه الهدية "دفعة أولى" من الحكايا التي أرسلها إلي  كركوتلي، الرسام والحكواتي وهذه أهم حكاياته.

كان جده عبدالوهاب، قد هرب من كركوك اثناء المجاعة التي ألمت بالمدينة عام 1880، ليستقر في دمشق ويتزوج احدى فتياتها. د عي جده أولا  بالكركوكلي نسبة الى المدينة التي أتى منها، ثم تحولت في العامية الشامية الى كركوتلي فكركتلي.

رأى برهان الدين بن محمد نديم كركوتلي النور في دمشق في 15 آيار- مايو 1932 من أم تركية الأصل وكان ترتيبه الخامس بين ستة أولاد.

عاش كركوتلي سنواته الاولى في بيت دمشقي تقليدي في حي "القميرية" على مقربة من الجامع الاموي والأسواق الشعبية المعروفة ثم انتقل الى بيت في حي "البحصة الجوانية"، أحد الأحياء الشامية التي شكلت ذاكرته.

كان الصغير محاطا  بأشخاص موهوبين في الرسم، فأخوه عبدالوهاب كان مغرما  بتكبير الصور الفوتوغرافية على طريقة المربعات. أما أخوه مراد وأبوه فكانا يمضيان أوقات فراغهما في الرسم. وكان لبرهان عم يرسم أيضا وله لوحة لم ينسها فناننا أبدا  تصور البطل الشعبي أبوزيد الهلالي.

أما موهبته هو فقد ظهرت في مدرسته الابتدائية (معهد اللاييك) على ايدي احدى المدرسات الفرنسيات، وصار بتشجيع منها يقوم بتصوير ما يقع تحت يديه من رسومات في الكتب المدرسية مستحقا  الثناء.

بعد طلاق والديه، آثر الأب أن يخرج ولديه عبدالمجيد وبرهان الدين من المعهد الفرنسي ليدخلهما في مدرسة دينية م لحقة بجامع تنكز المجاور للمنزل. لم يجد الصغير الخجول وكان له من العمر 8 سنوات، أي مجال لممارسة هوايته في هذه المدرسة بل على العكس، كان الرسم محرما  فيها. كان للنظام الصارم في تلك المدرسة الدور الكبير في طلبه من أبيه أن يخرجه منها على الرغم من تفوقه آنذاك في دروسه، ليدخل المدرسة العامة، استعاد برهان في هذه المدرسة قليلا  من الحرية التي افتقدها في المدرسة الدينية. كما استعاد حصص الرسم الاسبوعية. كان الفنان ميشيل كرشه) مدرس الرسم فيها، لكن برهان لم يتأقلم مع شخصيته الفظة بل وجد في مدرس الرياضة ويدعى خالد المورة لي خير موجه فني  له. في تلك الفترة بدأ برهان بالخروج من عزلته وخجله المعهود فيشارك أترابه باللعب في باحة المدرسة وربما في التظاهر ضد الفرنسيين مع الطلاب الأكبر سنا. أما على صعيد هوايته، فقد كان يكبر صورا فوتوغرافية مقابل مبلغ من المال يجمعه ليذهب به الى السينما!

نال برهان شهادته الاعدادية ثم تابع دراسته الثانوية في "التجهيز الاولى" حيث لفت نظر استاذه الفنان صلاح الناشف) برسومه الكاريكاتورية التي ت صور أساتذته في الثانوية.

يتعرف برهان في هذه المرحلة على الفنانين نصير شورى وناظم الجعفري العائدين لتوهما من القاهرة بعد أن أنهيا فيها دراستهما في التصوير. وصار يتردد على مرسميهما كما صار يتردد على الصالات التي كانت تستقبل المعارض الفنية فتعرف على أعمال فنانين فرنسيين كبار في معرض ن ظم في معهد اللاييك.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية عام 1951، أرادت له عائلته أن يدرس الطب او القانون في الجامعة، لكنه في قرارة نفسه كان يرغب بدراسة الفنون، متأثرا  بآراء وأعمال الفنان المصري حسين بيكار الذي راسله في تلك الفترة. لكن رغبته هذه لاقت رفضا  من قبل الأب الذي رأى في خيار ابنه جنونا. وينتهي به الامر الى دراسة الفلسفة... والرسوب في سنته الجامعية الاولى. هذا الرسوب المنتظر دفعه مجددا الى مراسلة بيكار طالبا  منه قبولا  في كلية الفنون الجميلة. ولأسباب مادية بحتة، رفض الأب فكرة سفر ابنه الا ان فتحي، الابن البكر، استطاع اقناع والده عندما عرض عليه اقتسام نفقات الدراسة. وهكذا، يترك برهان مدينة دمشق ليركب البحر من بيروت الى الاسكندرية في شهر تشرين الاول- اكتوبر 1952 ومنها الى القاهرة.

يقول يوسف عبدلكي، الفنان السوري وصديق الراحل، أن دمشق هي "مدينة طفولة كركوتلي، حيث تفتح فيها وعيه ومداركه وتفجرت مواهبه الفنية. ظلت هذه المدينة أشبه ما تكون بحلم، يظهر حنينه الى بلده بمظهر الحنين الى دمشق كمدينة بالتحديد". أما برهان كركوتلي فعندما يتذكر دمشق يقول:

"كان يسري في كياني شيء من الارتياح العميق وأنا أتنزه طفلا في الأحياء والاسواق الشعبية. كان يحلو لي زيارة المسجد الأموي وتأمل زخارفه، كذلك الذهاب الى سوق الحميدية وتأمل الناس كيف يتكلمون أو يشترون حاجياتهم... لا أدري سبب تلك الراحة النفسية التي كانت تعتريني!".

فدمشق إذا، كانت تؤلف المشهد أو العالم الذي وعى كركوتلي عليه والذي حمله "كجزء من جسده" في ترحاله بكل ما فيه من حركة وتقاليد وعمارة وطرب!

في دمشق بدأ أيضا  اهتمام كركوتلي بعالم السياسة. وصار تحت تأثير بعض الأصدقاء يتردد على اجتماعات بعض الاحزاب السياسية. لكن أيا من تلك الأحزاب لم تكن تجتذبه بأفكارها كما اجتذبه حينها رؤية المناضلين الفلسطينيين الذين أتوا الى دمشق ليبحثون عن دعم  لقضيتهم. فخلال زياراته الى فندق ابيه في ساحة الشهداء، كان كركوتلي على موعد  مع رجل السياسة والأدب والفن ممن كانوا ينزلون في ذلك الفندق. وكان يحلو له مراقبتهم والاستماع الى أحاديثهم وان تيسر له الأمر كان يتحدث الى البعض منهم.

سمح له هذا العالم باكتشاف الكثير من القضايا والمشاكل التي كانت تلم ببلاده وبمجتمعه، الامر الذي دفعه للتمرد على محيطه وعلى الأفكار البالية التي كانت تسوده.

 

دراسة الفنون في القاهرة

عندما وصل برهان كركوتلي الى القاهرة، كان العام الدراسي قد بدأ فيها. ويعترف كركوتلي بأنه لاقى صعوبة في مجاراة زملائه في سنته الاولى في كلية الفنون الجميلة. الا ان التشجيع المستمر من قبل اساتذته وخصوصا  بيكار وعبدالعزيز درويش جعله يتفوق على الكثير منهم في نهاية المطاف. درس كركوتلي التصوير في القاهرة كما مارس النحت في المشغل الحر للكلية لمدة ثلاث سنوات. في مشروع تخرجه، خالف كركوتلي "التوجيهات الادارية" التي كانت تحث الطلبة على اختيار مواضيع تمجد السلطة السياسية أو ثورة عبدالناصر واختار مرضى مشفى الأمراض العصبية موضوعا له. هذه "المخالفة" حرمته على الرغم من نيله احدى العلامات الثلاث  الاولى من منحة لمتابعة الدراسة. ولعل السبب الرئيسي في حجبها عنه هو علاقاته "غير المرغوب فيها" مع الشيوعيين.

خرج كركوتلي من مصر بعدما امتلك أساسا أكاديميا  متينا  في الرسم وأسلوبا  مبنيا على قوة التعبير وصلابة التكوين. في مصر، تعلم كركوتلي أيضا الاهتمام بفنون الفلاحين والناس البسطاء وبتأثير من يوسف كامل، الفنان المصري الكبير وعميد الكلية آنذاك، وعي أهمية الفن في الحياة وعلى دوره في معالجة قضايا مجتمعه وانه مسؤوليته قبل شيء.

ربما يكون عام 1975 عاما  مميزا  في حياة برهان كركوتلي، وتأتي أهميته من حادثة اكتشف فيها الفن المكسيكي.

كان برهان آنذاك يفكر كثيرا في الأسلوب او الصيغة التي سينتج فيها فنه. ولم يكن يجد في الاساليب الاوروبية لا الحديثة منها ولا القديمة ما هو قريب لذائقته ولأفكاره لاسيما وهو يتعلق أكثر فأكثر في حياة الناس البسطاء وفي فنونهم الشعبية. وفيما هو يتحدث عن حيرته هذه لأحد زملائه، يعرض عليه هذا الاخير بطاقات للوحاته رسمها الفنان المكسيكي سيكيروس قائلا : ربما هذا ما تبحث عنه أنت. ومن ذلك الحين وكركوتلي يبحث عن وسيلة لزيارة المكسيك أو للدراسة فيها، لكن حالته المادية لم تسمح له بهذه الزيارة إلا بعد مضي وقت طويل.

 

كركوتلي رسام سياسي في المغرب

على الرغم من رغبة ابيه في عودته للتدريس في دمشق إلا أنه آثر اللحاق بزميليه غياث الافرس ومصطفى يحيى الى مدريد للدراسة في أكاديميتها. أمضى كركوتلي في اسبانيا ستة أشهر تعرف فيها على فن العمارة الاندلسية كما زار أغلب متاحف العاصمة لكنه تركها بسبب ضيق ذات اليد: "لم يكن يسمح بالرسم في المقاهي بسد نداء المعدة!". ويطلب كركوتلي العون من أحد اصدقاء الدراسة في مصر، وهو مغربي من الدار البيضاء، فيكون له هذا. عمل برهان كركوتلي في الصحافة وفي دور النشر كرسام ومخرج فني كما قام بكتابة المقالات الفنية. وسمح له هذا العمل بالاتصال مع الثوار الجزائريين ابان ثورتهم ضد الفرنسيين حيث  كانوا يطبعون منشوراتهم السرية في المغرب. كما انه عمل مع المعارضة والاحزاب اليسارية المغربية. وناضل ضد الاقطاعية والملكية ووجود القواعد العسكرية الاجنبية في المغرب.

لم يعرف كركوتلي الاستقرار خلال اقامته في المغرب فالمجلات الثلاث التي عمل بها تعرضت أكثر من مرة للاغلاق، كما تعرض زملاؤه فيها الى التوقيف أو السجن بسبب آرائهم السياسية. كل هذا اضافة الى طلاقه من زوجته اليمنية الأصل بعد أقل من سنة ونصف على زواجهما دفعته الى التفكير في ترك الدار البيضاء. وعاود كركوتلي محاولة السفر الى المكسيك لكنه أخفق مرة اخرى ليسافر الى ألمانيا الديمقراطية بعد حصوله على منحة للدراسة فيها على نفقة نقابة العمال المغربية.

لم يعرض كركوتلي في المغرب لأن اغلب أعماله التي نفذها هناك كانت عبارة عن رسوم أو ملصقات سياسية تعبر عن آراء المعارضة المغربية او الثورة الجزائرية لكن هذا العمل الفني- السياسي، وكما كان يؤكد الفنان، سمح له بحل بعض المشاكل في الاهتداء الى أسلوب يجمع ما بين الفكرة وقوة التعبير.

 

بداية المغامرة الألمانية

غادر كركوتلي المغرب عام 1961 متجها  الى برلين حيث انتسب الى أكاديميتها ليدرس فن الحفر، ويعمل في مشغل الفخار. سمحت له اقامته في المانيا بالاحتكاك مع الفنانين التعبيريين والتعرف على انتاج هذه المدرسة ومدارس فنية أخرى عبر المتاحف وصالات العرض البرلينية، كما اطلع على الفن "الاشتراكي" عبر المعارض الكبيرة التي كانت تأتي من الدول الشرقية كالاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وبولونيا.. وكان يحلو له المقارنة بين هذه الفنون وفنون الكتلة الغربية التي لم يوفر جهدا  في التعرف عليها.

عمل كركوتلي في احدى الجرائد كمصور أو رسام واستطاع للمرة الاولى ان يعرض أعماله في معرض مشترك مع ابراهيم هزيمة الفنان الفلسطيني وغياث الافرس الفنان السوري.

كانت أعمال الفنانين الثلاثة تستوحي التراث الفني في منطقة الشرق الاوسط.

في ألمانيا يتعرف كركوتلي على دتيلند سنة 1962 طالبة الآداب الألمانية الأصل التي اصبحت فيما بعد بدوية كركوتلي، الراقصة الشرقية وزوجته ومنبع إلهامه قبل كل شيء. ويسافر الزوجان الى المغرب عام 1963 ليعمل محررا  ورساما  في منشورات اليساريين لكنه عاد بعد سنة واحدة فقط بعد أن وجد أن العمل هناك أصبح صعبا  وأن أغلب رفاقه قد أصبحوا خارج البلاد أو في السجن.

ويجد كركوتلي نفسه في ألمانيا الاتحادية في مدينة مانهايم.. مكسور الخاطر وبدون عمل. انتبهت عائلة زوجته الى حالته النفسية هذه فقدمت له ألوانا  ومواد الرسم على أمل أن يخرج من عزلته ومن وحشته.. تفجرت شجونه في لوحة سماها (حياة التربة) يقارب عرضها المترين وطولها 50سم، نفذها بالألوان الزيتية تصور مشهدا بانوراميا  لجني المحصول في احدى القرى. ي عد برهان هذه اللوحة "الشعبية" بمثابة منعطف في اسلوبه، سيتطور مع استخدامه للحبر الصيني والريشة المعدنية كتقنية لتنفيذ أعماله. في الحقيقة، ان تصوير المشاهد الشعبية لم يكن جديدا  على تجربته السابقة، ففي أيام دراسته للفنون في القاهرة، صور برهان مشاهد حياتية من واقع الشعب المصري كذلك السوري إلا أن المحنة المادية والروحية التي مر  بها جعله ينتهج أسلوبا  مسليا  يعتمد على الاسراف في الزخرفة المستقاة من الموتيفات الشرقية الشعبية ليغني بها نسيج لوحة (دون الوقوع في مطب الفولكلورية السياحية)، وينسى آلامه.

بعد ولادة وحيده "نديم" عام 1964 ازدادت أعباء كركوتلي المادية. فحاول أن يعرض أعماله عل ه يزيد ببيعها من دخله لكن أسلوبه وأفكاره (كما يصفها) الشيوعية لم تكن لتقنع أصحاب صالات العرض. وانتهى به الأمر الى العمل كعتال في احدى المطابع كي يحصل على قوت عائلته، تمكن من متابعة دراسته في مدرسة للفنون الجميلة.

في تلك الاثناء، ساعده أحد اصدقائه الألمان في اقامة معرض لأعماله في احدى الصالات. نجح المعرض المادي واستقبل من قبل الجمهور والنقاد بحرارة، حيث اعتبروه احد التعبيريين السياسيين الألمان، أعطاه دفعا  معنويا  كان بحاجة اليه.

بعد تسع سنوات من التغرب، يتلقى برهان دعوة من دمشق للتدريس في كلية الفنون الجميلة. لم يخف برهان عظيم سروره آنذاك وبدأ بالتحضير للعودة فأعد برنامج العمل الطموح من تدريسه في كلية الفنون الى تأسيس دار نشر لكتب الأطفال الى إحياء لفنون الفلاحين في الجزيرة وجبال العلويين.

قطع برهان أوروبا بسيارته حتى وصل الى دمشق في السادس عشر من ايار- مايو من عام 1976- لم يتسلم برهان لمنصبه كمدرس في كلية الفنون الجميلة الا بعد ستة أشهر من وصوله والسبب كان روتينيا. در س كركوتلي سنة كاملة في قسم الحفر دون أن يتسلم رواتبه لسبب عينه مما اضطره للعمل كمهندس ديكور في هيئة التلفزيون السوري.

أقام كركوتلي في دمشق سنتين اثنتين غلب عليهما تفاقم أوضاعه المادية السيئة ومشاكله مع زملائه في الكلية التي اضطرته الى ترك التدريس غير آسف. لم ينتج برهان في تلك الفترة أعمالا  بل آثر "الصمت الفني" بعدما هزته حرب حزيران 1967.

قرر برهان التوجه (هربا ) الى لبنان، بعد ان سبقته زوجته الى هناك. في بيروت، عمل كرسام ومصمم في احدى المجلات وتعرف من خلال عمله هذا على غسان كنفاني وعلى غادة السمان. وبسبب مغادرته سوريا دون استقالة ودون أن يمضي خدمة العلم فيها، لاحقته السلطات اللبنانية لترده الى السلطات السورية لكنه نجح في العودة الى ألمانيا بواسطة زوجته التي قدمت له دعوة "للم الشمل". كان ذلك في عام 1969.

وجد كركوتلي في فرانكفورت وظيفة مناسبة كرسام في دار للنشر وفي مجلة للأطفال لكنه سرعان ما مل  هذا العمل ليتفرغ كليا  للرسم. في عام 1970، تعرف برهان على مثقفين فلسطينيين يعملون مع منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا. تبنى هؤلاء أعماله وهو بدوره أصبح رسام ثورتهم حتى انه من حينها بدأ العالم يعرفه كفنان فلسطيني. وعرفت أعماله التي تمجد الثورة وتدعو. إلى مناصرتها صدى عظيما  وصارت ملصقاته والبطاقات التي كان يطبعها توزع بشكل كبير مما جعله يؤثر العرض في التظاهرات الثقافية والسياسية ولا سيما الفلسطينية منها على العرض في الغاليريات.

والحادثة المهمة التي جرت في تلك الفترة كانت في يوم الميلاد من عام 1970 حيث استطاع الفنان باصراره أن يظهر في مدينة فرانكفورت ان نضاله ونضال الشعب الفلسطيني هو نضال عادل. لقد أقنع برهان بلدية تلك المدينة أن تتبنى موقفا  صحيحا  من الاحتلال الاسرائيلي الذي امتد في تلك السنة الى لبنان أيضا  واستقبلت بذلك أعماله. في السنة التالية، يحقق كركوتلي حلمه في السفر الى المكسيك لاكتشاف ارثها الفني الذي طالما سحره منذ أيام القاهرة. ومن الطريف أن حلمه هذا تحقق بعد حادث سير كاد يودي بحياته فبالتعويض الذي حصل عليه من جراء الحادث سافر الى مكسيكو ليمضي شهرين اثنين لا أكثر. لكن النجاح الذي لقيه هناك وشعوره بالسعادة لرؤيته أعمال اوروسكو وريفييرا وسيكييروس جعله يمدد اقامته فيها الى سنة تقريبا، بعدما دعمه مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في المكسيك دعما  ماديا  استطاع من خلاله زيارة فنزويلا أيضا وعرض أعماله في مراكز تجمع الجاليات العربية.

عند عودته من المكسيك، عاد كركوتلي الى مواضيعه الأثيرة (أو كما يسميها "المواويل"). وهي الرسومات الشعبية والتي عد ها في السابق كأعمال هامشية للترويح عن النفس. وكان من تأثير الأعمال المكسيكية التي رآها عن قرب هو انه بدأ يتجرأ في تقديم اللوحة السياسية- الثورية والشعبية في آن واحد وهو ما كان يتجنبه سابقا.

فأعماله السابقة كانت تصنف بسهولة في خانة من ثلاث خانات لا أكثر، السياسية وهي الاعمال القاسية في تعبيرها، الشعبية البسيطة ذات الروح الغنائية وأخيرا  اللوحة الانتقادية الاجتماعية وهي غالبا  ما تكون ضعيفة التكوين لصالح التعبير الحاد والساخر المتطرف في  سخريته.

كيف يصبح الفن شعبيا؟ سؤال كان يطرحه برهان كركوتلي دائما  حتى وجد الحل في طباعة أعماله بالأوفست (أسود وأبيض) وتوزيعها بسعر زهيد "حتى يستطيع الفقير أن يعلق في منزله لوحة" وهذه التجربة التي نجحت في توزيع أعماله ووصولها الى العالم العربي كما الى الدول الاسكندنافية ربما ردت على مطلبه في أن تكون اللوحة مثل كتاب الجيب في متناول الجميع.

بعد طلاقه من زوجته، استقر برهان في بون ليعمل حكواتيا  بالإضافة الى الرسم.

ويعول كركوتلي على حفلاته كحكواتي الكثير في تدبير أموره المالية التي لم تعرف يوما  التحسن! وشهدت سنواته الاخيرة تجربة لم يكتب لها الاستمرار أو التطور بسبب مرض عصبي منعه من الكتابة أو الرسم بخط مستقيم دون أن تهتز يده أثناء الرسم. هذه التجربة هي دراسات في الجسم الانثوي العاري حيث تختفي كليا  زخارفه وكتاباته لصالح خط أسود متين يرسم الجسم دون أية تفاصيل. وربما الكثير من هؤلاء الفتيات اللواتي وقفن له كموديل هن  من رقصن في مراسم دفنه، بناء على وصيتهن يوم 2/1/2004م في مدينة بون الألمانية.

هذه المحطات التي مررنا عليها على عجل، ربما تكون أساسا  لمن أراد أن يتعمق في دراسة تجربة الفنان برهان كركوتلي لأن أعماله في غالبيتها صدى لمواقف حياتية، عاشها الفنان بصدق والتزام حقيقي: "أنا طريقي لا يباع، أنا أعمل لزمن جديد، لزمن النور العربي، ولكن هذا الزمن لن يأتي في عهد الدكتاتورية والقمع والخوف. هذا الزمن يأتي في عهد الادمغة التي تزهر.. الصبر الصبر.. أنا فني  الشعبي ليس رسما  على الورق فقط بل هو موقف، عندما أرسم باسلوب الشعب فأنا ملتزم به وسأتخذ مواقفه السياسية. أنا لست رساما فقط بل أنا جزء من الشعب.. أريد أن أرسم بلغته وأدافع عن مصالحه.. لذلك أنا معت ز في حياتي... معليش..".**

 

الهوامش

* ميشيل كرشة وصلاح الناشف من الفنانين السوريين الأوائل والذين يطلق عليهم مجازا  الرواد.

** من تسجيلات خصنا بها تعود الى عام 1999.


تصميم الحاسب الشامل