مرثية (.....)

 

هلال البادي (كاتب من سلطنة عمان)


قبل الدخول وعلو الضوء والستار، مفتتح لبداية ما:

وطني يا أيها النسر الذي يغمد منقار اللهب

في عيوني

أين تاريخ العرب؟

كل ما أملكه في حضرة الموت:

جبين وغضب.

وأنا أوصيت أن يزرع قلبي شجرة

وجبيني منزلا للقبرة.

وطني إنا ولدنا وكبرنا بجراحك

وأكلنا شجر البلوط..

كي نشهد ميلاد صباحك

                     (محمود درويش)

خشبة المسرح:

(زمان خارج من حدود الزمان، ومكان لا يعبر عن أي مكان، رغم أن الحكاية قد تكون قريبة منا.. للمخرج أن يضع تصوراته الخاصة بكلا الأمرين.. المنصة تبدو هلامية هي الأخرى بلا ملامح فضاء أشبه بالسواد.. قطع ديكورية خافتة.. للمخرج أن يضع مستوياته التي يريدها.. القطعة الوحيدة الموجودة: مصطبة يتم استغلالها ليقف عليها الصنم/ الممثل..

التمثال/ الصنم يرتدي ملابس رمادية ويصطبغ وجهه بلون رمادي، ويرتدي قلنسوة بينما يمتد حول خصره حزام لغمد سيف غير موجود)

(الحكاية عربية الطابع من خلال التمثال/ الصنم الذي يبدو أنه فارس قديم: بإمكان المخرج وضع الشخصيات التاريخية التي يراها ملائمة عليه: صلاح الدين الأيوبي، سيف الدولة الحمداني، جمال عبد الناصر، وفرسان آخرين يمكن للمخرج أن يستحضرهم)

/ الأرض منهكة بفعل الضياع/ الحرب.. الإضاءة تبدو خافتة/

ما قبل الحكاية:

/ منصة فارغة إلا من السواد، وإضاءة تسطع رويدا رويدا مع دخول الممثل/

الممثل (دخول تام إلى الجمهور والخطاب موجه إليهم): أتعلمون..

مازال الوقت مبكرا كالعادة لسرد الحكايات.. والحكاية هنا مملة.. أووه أعتذر أولا أنني فج في تعاملي.. كان يجب أن أحيييكم، لكني في الحقيقة لا أدرك بماذا قد أحييكم.. عموما.. دعونا من هذا.. أعرف أنكم تنتظرون شيئا ما.. وأعرف أنه قد يروق لبعضكم.. وقد لا يروق لكثير منكم..

انتظروا.. من لا يروقه، فذلك شأنه.. نحن هنا لنقدم دائما الأفضل.. من هذا الذي ينافسنا.. هه.. أخبروني.. من هو كي أرى ماذا يمكن أن يقدم بجانب ما سنقدمه نحن.. هه.. لا أحد..

أعرف.. أعرف ذلك، فلا أحد باستطاعته أن يمتلك قدرتنا على الثرثرة.. أقصد تدشين الحكايات.. هههه..

ولكي لا أعطلكم.. أنتم المشغولون بأعمالكم اليومية، وبحياتكم التي ربما كان بعضكم يرى أنها مملة.. وأن زوجته سيئة وغير ممتعة.. فإنني سأخبركم بالحكاية.. ولابد أن تصدقوها.. من لن يصدق ربما ناله شيء من السوء.. هههه.. لا أقصد التهديد.. هذا ليس من طبعنا.. ولكننا تعودنا أن نكون صادقين في كل شيء.. تماما كالوردة البيضاء.. لا تخفي أي سوء بداخلها..

/ تدخل الممثلة/

الممثلة: أوهوه.. ألن تكف عن كل هذه الثرثرة؟ ألا ترى أنهم بدأوا ينظرون إلينا بشيء من الملل..؟ هيا أوجز.. لنبدأ بسرد هذه الحكاية..

الممثل: قلت لك مرارا وتكرار.. إياك أن تتدخلي في عملي، أنا أتقن كل شيء.. ولا يهم إن كان هناك من سيمل هذا السرد.. المهم أننا نؤدي حكايتنا..

الممثلة: لا تتحاذق.. وإلا لن تجدهم هنا.. هيا فالوقت ليس في صالحنا أبدا..

الممثل: حسنا.. حسنا.. أنت دائما تتدخلين فيما لا يعنيك.. سأروي الحكاية كما خطط لها.. وحكايتنا تنطلق من هذا (مشيرا للتمثال) هو مربط الحكاية.. أقصد الفرس.. لا لا أقصد الحكاية.. المهم..

الممثلة: هيا.. أوجز..

الممثل: لا تتعجلي.. ربما آلمهم بعد حين سقوط الصنم.. ذلك الانهيار الذي سيصيبه.. لكن لا يهم.. ولا تسألوا لماذا هو بلا سيف.. سيحاول هو أن يجيب على ذلك.. آآآآه كم أصابك الصدأ الآن..

الممثلة: دعك من الصدأ وادخل في الموضوع.. هذا الصنم أيها الأعزاء له حكاية لا نعرف إن كانت جميلة بالنسبة لكم أم لا.. ولا نعرف لماذا هو بلا سيف.. وبالتأكيد هو سيخبركم لماذا سيفه مفقود..

الممثل: لا.. أنا سأخبرهم بذلك.. وأنت لا تتدخلي أرجوك هذا عملي أنا..

الممثلة: إذن أسرع وأخبرهم بحكاية الأخوة..

الممثل: نعم.. كنت سأفعل ذلك لولا أنك تتدخلين في كل شيء..

الممثلة: كان هناك أيها الأعزاء مجموعة أخوة طيبين ومرحين..

الممثل: لا فائدة.. دائما ستتدخلين في عملي..

الممثلة: لكنهم كانوا لبعضهم البعض متحاسدين.. أليس كذلك..

الممثل: نعم.. رغم أنهم في ساعات الصفاء يلعبون.. ويفرفشون!

/في هذه الأثناء يدخل مجموعة ممثلين يضحكون وتبدو علاقتهم ببعضهم البعض حميمية، تتبدل حسب الحكاية/

الممثل: عندما كان الليل يجن.. كانوا يتناوبون في النوم.. أحدهم يحرس المكان.. ثم آخر عندما يأتيه دوره.. وهكذا..

الممثلة: وفي الصباح.. يذهبون في رحلة الصيد مبكرين، ويعودون محملين بالطرائد واللحوم..

الممثل: لقد كانت مجموعة طيبة..

الممثلة: لكن دوام الحال من المحال..

الممثل: نعم.. لأنهم في الأساس كانوا غير ودودين لبعضهم البعض.. يصنعون من الحبة قبة.. ويقلبون المزاح إلى قتال وخصام.. ربما كانوا أغبياء..

الممثلة: ولأنهم كانوا كذلك.. لم يستطيعوا أن يكملوا بناء هذا التمثال.. إذ اختلفوا فيمن سيضع له سيفا..

الممثل: فكل واحد منهم كان يريد ذلك لنفسه فقط.. أراد كل واحد منهم أن يكون السيف من صنعه هو فقط..

الممثلة: حاولوا أن يحلوا هذا الأمر بالقرعة، لكنهم فشلوا.. حاولوا أن يدفنوا رغباتهم في الاحتكار.. وكذلك فشلوا..

الممثل: وعندما اشتد بهم الغضب.. تنازعوا بشدة.. وبشكل غير معقول.. أخذوا يكيلون لبعضهم السباب.. ثم تعاركوا بالأيدي.. حتى استلوا السيوف التي جاءوا بها ليكملوا تمثالهم وبدأوا في قتال عنيف..

/ ينسحب الممثل والممثلة قرب التمثال، لتظهر صورة القتال الأخوي في حركات تجريدية تمثل الحرب الشديدة/

الممثل: ولأنهم كانوا أقوياء متساوين وعارفين لبعضهم البعض، فقد أنهكوا بشدة.. وتهاووا.. تهاووا دون أن يضع أحدهم السيف في الغمد..

/ يتساقط الممثلون على المنصة/

الممثل: ربما كانوا حمقى أو مغفلين..

الممثلة: المهم أن الغمد ظل فارغا كما ترون.. وظلوا هم يحاولون عبر السنين أن يتفوق أحدهم على الآخر، حتى تكالبت عليهم الدنيا.. ولم يبق منهم سوى الضعف..

الممثل: أغبياء..

الممثلة: والآن يا عزيزي أخبرهم ببقية ما يجب أن تقوله قبل أن ننصرف..

الممثل (لنفسه): تبا.. المرء لا يستريح في عمل إذا كانت له شريكة حسناء كهذه.. وقوية الشكيمة..

الممثلة: أتكلم نفسك..؟ هيا اجعل صوتك يخرج جيدا.. أم أنك تود أن ينقلب عليك كل هؤلاء ويرجمونك؟

الممثل: حسنا حسنا.. لا داعي للنصائح التي ليس منها فائدة..

وأنتم.. ربما أخبركم التمثال.. هذا الذي أصابه الصدأ.. أخبركم بحكاية تخصه.. أنا لن أتدخل فيها.. لأنها ليست حكايتي.. ثم إني لا أحب التدخل في حكايات التماثيل والأصنام.. لأدعهم يحكون لكم بأنفسهم كل شيء..

الممثلة: أحسنت يا حبيبي.. بالتأكيد أنت مؤثر دائما..

الممثل: بل قولي أحمق دائما.. لقد سئمت كل هذا.. سئمت رؤية هذا التمثال الذي ليس له سيف.. سئمت حكاية هؤلاء الأخوة التي أرويها كل مساء.. أكرر المقطع ذاته.. سئمت..

الممثلة: لا بأس يا حبيبي.. لا بأس..

وأنتم.. تأكدوا أنكم لاتزالون في إطار الحكاية.. أما نحن، فسننصرف..

الممثل: هيا لنخرج بسرعة.. بدأت أحس بالصداع يفتتني.. هيا..

الممثلة: لا تنسوا.. الحكاية لم تكتمل بعد..

/ ينصرفان بينما تتشتت الإضاءة/

المشهد الأول:

(تبدأ الحكاية بمشهد لعاصفة عاتية، و بدمار و انفجارات و قذائف تسقط بين الفينة والأخرى)

/ أصوات لرياح و قصف.. إضاءات متوترة.. صرخات متحشرجة.. ضحكة شريرة ضخمة.. عواء/

- دخول -

/ يسقط الممثلان قرب التمثال و ينقطع كل شيء/

- صمت -

/ ترتفع الإضاءة مجددا، لكن بشكل خافت/

الأول (مستفيقا): آآآه.. لماذا كل هذا الصداع؟ كل هذه اللعنة؟؟ آآآه.. كم أحس بالخواء! بالتصدع! بالألم ينخرني من كل جانب!..

(لصاحبه): أفق.. كل شيء اختفى الآن! لا عواصف تأكلنا، لا قذائف.. قم.. لم يعد هناك شيء الآن.. لا رصاص يخترق الجماجم.. أفق.. ربما نعيش لأن القدر يعد لنا ميتة أفضل! عندما يمر الوقت أكثر أيها الرفيق و نحن مازلنا موجودين، فذلك لأن القدر ينتقي لنا موتا أكثر جمالا!

يا للسخرية.. هل في الموت سوى البشاعة؟!!!

رصاصة واحدة لا تكفي.. لا تكفي كي نموت.. نحتاج قبلا أن نرى الموت في كل شيء حولنا.. ثم نختار ما يلائمنا.. الرصاص لم يعد مغريا.. هه.. لتختر يا رفيقي.. قذيفة، قنبلة ذكية، صاروخا عابرا للقارات، غازا ساما، مواد ك-يميائية، جراثيم، وووو.. لا يمكن لنا أن نعد...

/ يضحك بشدة/

ههه.. ماذا يمكن لنا أن نحصي أو أن نختار؟!! أخبرني..

نحن الآن في استراحة، وعلينا أن نستغل استراحتنا جيدا.. أفق أرجوك.. لا تدعني أعتقد أنني أصبحت يتيما الآن.. وحيدا دون رفيق.. ألا يكفي أني فقدت كافة أسرتي؟ الأب ذهب نتيجة حرب قديمة، والأخوان الكبيران ذهبا ضحية سجون التعذيب في وطن العذاب..

والآن...

في عواصف القتل والدمار والنيران..

أفقد أمي..

وأختي مرة واحدة..

بضربة واحدة..

من قبل من لا يميز بين الشجرة والمرأة..

بين الحيوان والإنسان..

وبين الجندي والمدني..

لا يعرف سوى أن يفجر أنهار الدم!!!

هيا أفق.. أفق الآن.. وكف عن مداعباتك السخيفة التي لا وقت لها في وقتنا الذي ليس لنا.. هيا أفق..

/ يهزه بعنف كالملدوغ/

الثاني: أوووه.. أريد أن أنام.. إني متعب وأريد أن أنام.. ألن تكفي عن إزعاجي؟ أريد أن أنام.. دعيني الآن.. أرجوك يا سلمى يا حبيبتي.. إني أريد أن أنام فأنا متعب جدا..

الأول: هه.. سلمى؟ أمازلت تحلم؟ يا للغرابة؟ كل هذا الذي نحن فيه.. وما مررنا به حتى الآن.. وأنت تحلم.. تحلم بسلمى؟

الثاني (غير مفيق تماما): سلمى.. أرجوك.. أريد أن أنام.. أحس إني متعب.. متعب جدا.. ألا تحبينني.. إذن اتركيني أنام قليلا..

/ يتقلب كأنه على سرير/

غطيني.. أرجوك.. أحس بالبرد الشديد.. لماذا تركتي النوافذ مفتوحة هذا المساء؟

الأول: لتحلم يا رفيقي.. لتحلم.. الحلم مقاومة، ومن لا يحلم لا يعرف أن يقاوم.. أو أين يقاوم.. أو من يقاوم..

/ يتركه و يبتعد إلى قرب التمثال، بينما تتسلط الإضاءة على الثاني/

/ تدخل سلمى بكامل هيبتها مبتسمة تحمل صينية القهوة/

الثاني: آآه.. ما أجمل هذا الصباح.. ما أجمله وما أجمل إشراقة وجهك..

سلمى (متحركة في دائرة الضوء فقط): ألم تفق بعد.. مازلت كعادتك.. كسولا جدا.. هيا دع عنك هذا اللغو الصباحي واغسل وجهك..

الثاني: آآه يا سلمى.. الدنيا جميلة عندما يكون وجه جميل كوجهك هو العطر الذي نفيق عليه..

الصباح معك دائما رائع ومنعش..

كم هو الهواء لذيذ..

رائحتك الزكية تعطر حياتي، كم أنا سعيد بك..

هل تعدين القهوة لي الآن؟

أحبها دون سكر..

لا تنسي كوب الماء..

سلمى (ضاحكة): عدت لقصائدك التي لا تجدي.. ألن تمل!

/ يبدأ في حركة دورانية في بقعة الضوء/

الثاني: أحبك.. أحبك.. أحبك..

أحبك يا سلمى.. أحبك..

هل تسمعين ندائي..

أنا هنا..

وراء شجرة الحب التي جمعتنا.. شجرة الأحلام الجميلة..

على ضفة النهر الذي ضمنا..

سلمى: ههه.. هل تذكر ذلك؟ هيا الآن.. أنا لا أرغب في إضاعة الوقت وعليك أن تفعل الشيء ذاته.. وراؤنا عمل كثير..

الثاني: هل تذكرين.. كان رائعا..

سلمى: نعم أذكر.. وكنا سعيدين.. سعيدين للغاية.. كانت السماء زرقاء.. والعصافير تزقزق في كل مكان.. خضرة المكان تلمنا بشغف.. أليس هذا ما تود قوله الآن؟!

الثاني: كم أشتهيك الآن..

أشتهي العودة إلى ذلك الزمان..

يا سلمى.. أيتها الحورية.. الندى.. النسيم..

زماننا كان رائعا.. رائعا جدا..

(يتناول فنجان القهوة) ما أجمل قهوتك..

سلمى: حسنا.. قد شربت قهوتك التي تحب.. هيا الآن.. الوقت يداهمنا.. لديك حقل وعمل.. والوقت ليس ملكا لنا.. هيا اتبعني.. أم أنك تود النوم؟ لا تكن كسولا.. انهض الآن.. سأتقدمك، لكن لن أنتظر طويلا.. هل تحبني؟! إذن عليك أن تكف عن كسلك وانهض.. ها أنت شربت قهوتك.. الحق بي وإلا لن تجدني.. أفهمت؟!

/ تخرج/

الأول: وخرجت..

لم يكن بإمكانه أن يجدها بعد ذلك.. انتظرته في مكان قريب حيث كانا يعيشان بحب.. لكنه تأخر.. نام طويلا وتأخر.. نسي حقله فجأة وانغمس في قهوة باردة.. لذلك رحلت سلمى ولم يجدها قريبة منه بعد ذلك..

/ صوت يشبه الريح/

الثاني: لكن.. ماذا حدث؟ ما الذي ألم بنا فجأة؟

أين أنت؟ أين أنت يا سلمى؟ أين قهوتك؟ نسيمك العليل؟ لماذا تركتي الفنجان فارغا؟! أين ذهبت؟

الأول: كان يسمع صرخاتها التي تصم الآذان، ولم يكن يستطيع فعل شيء مطلقا..

/ صوت صرخات واستغاثة/

الثاني: أحس بالبرد.. أحس بالبرد.. البرد الذي ينخر عظامي.. يحيلها هشيما.. رمادا..

لا.. تعالي أرجوك..

دعي إبريق قهوتك، و تعالي..

لم أعد أرغب في القهوة.. رغبتي في الدفء بك!

أنت الحنون التي فيها كل دفء العالم، أين أنت؟

/ تتغير الإضاءة إلى قتامة/

أين أنت؟

أنا أحتاجك.. أحتاج إلى دفئك، عبير رائحتك الزكية..

ولا أريد أي شيء آخر.. فلماذا لا تسمعين ندائي.. لماذا لا تسمعين؟ لماذا؟!!

/ صوت الصراخ فيما ينهار هو في دائرة البداية حيث كان/

الأول: ورحلت سلمى..

كما رحل الوطن بأكمله..

آه يا رفيقي العزيز.. هي كانت تسمعك جيدا.. لكنك أنت من لم يكن يرها.. كلنا كذلك لم نكن نرى شيئا أبدا..

الثاني: لم أكن أريد غيرها.. لو تركنا العالم في هدوء ماذا كان سيحدث؟ آآآه كم أشعر بالرغبة في البكاء!

الأول: البكاء؟ أوتعتقد أنه قد يفيد؟ قد يغسل عينيك.. يريحك قليلا.. لكن لن تجدها مطلقا.. مهما بكيت.. البكاء لم يعد مجديا لأننا لم نعد نعرف ذاتنا الآن.. صرنا أكثر وحدة، أكثر ضآلة!

الثاني: بئسا لكل شيء

الأول: أتساءل في كثير من الأحيان لماذا أضعنا بوصلتنا؟ أضعنا طريق الوطن؟ طريق عودتنا؟ لماذا غادرتك سلمى دون وداع وصرت تسمع صوتها أنينا مؤلما حادا ينزع النخاع من العظام؟ لماذا؟

ولا أجد أي إجابة...

الثاني: هه.. حقا لا تعرف الإجابة؟ لا تعرف لماذا صرنا هكذا؟ لماذا اختفت سلمى من حياتي؟ فعلا لا تعرف؟.. أم أنك تحاول الهروب؟ تحاول ألا ترى أسباب خيبتنا ولماذا نحن الآن هنا بين كومة الخراب هذه؟ لماذا نحن تحت سماء من النار والشرار والموت؟ لا تطرق رأسك.. هذه هي الحقيقة.. نحن جميعنا يدرك الإجابة، ندرك لماذا كل هذا، لكننا لا نريد أن نراها؟ أليس كذلك؟!

الأول: آآه يا صاحبي الوحيد.. يا من تبقى لي الآن.. نحن حمقى و ضعفاء..

الثاني: ولهذا رحلت عني سلمى.. تركتني أموت كل يوم ألف مرة.. أتعذب.. أتمزق.. وكل رصاصة تصل الجمجمة تغير طريقها لتقتل آخر غيري..

أليست تعاسة؟ كل هذا أليس هو التعاسة الحقيقية؟ أخبرني أليس كذلك؟

الأول: لا تزدني وجعا أرجوك.. ألا ترى كل هذا الضياع الذي نعيشه؟ ألا ترى كل هذا اليباب الذي ينشر الخوف والفزع في النفس؟ ألا ترى؟

الثاني: لو أن الأمر بسيط، لكنا تخطيناه بسهولة.. لكنها فاجعة أن نجدنا ضائعين دون دليل.. في ضباب أسود.. والسماء تمطر نيرانها من كل صوب..

حتى هذا التمثال (مشيرا ومخاطبا التمثال) تبدو عليه تعاستنا.. وضعوه هنا كي يكون رمزا من رموزنا الكثيرة التي أفرغناها من معناها لتصير مجرد أصنام.. لا أكثر ولا أقل..

أمازلت صامدا أيها التمثال؟ انظر إلي ولا تشح عني أمازلت صامدا؟ قل لي أما زلت صامدا؟

الأول: ما الذي يمكن أن يقوله؟ دعه لتعاسته هو الآخر..

الثاني: بل عليه أن يبكي مثلنا.. أن يعترف بأنه أحمق مثلنا!

الأول: إنه مجرد تمثال..

الثالث: أنا كذلك.. مجرد تمثال.. ماذا تريدون مني أن أفعل.. أنتم من قيد حركتي هنا.. في حدود هذه المنصة فقط.. أنتم من وضعني هنا.. ماذا بإمكاني أن أفعل؟ قولا ماذا؟!

الأول: كنت ستفعل الكثير الكثير.. لكن....

الثالث: قلت لكما.. أنا مجرد تمثال وضعتموني هنا في زمن ليس بزمني.. مجردا من كل شيء حتى من السيف.. فكيف كنت سأفعل.. أخبراني كيف؟

الثاني: الغريب أنه لا قذيفة أصابتك حتى هذه اللحظة!!! فقط الغربان أفرغت حمولاتها على رأسك، و حلقت بعيدا.. ربما خشيت أن تغضب!

الثالث: أشكرك على كلامك.. في أي لحظة لم يكن الوضع بأفضل من هذا.. سأظل صنما مفرغا من كل شيء.. فقط أتلقى تهكم كل الطيور وكل البشر.. وما من دعم أو مساندة..

الأول: لأنك مجرد تمثال.. صنم!! لا يهش ولا يبش.. جاءوا بك من عمق التاريخ، لينصبوك صنما يستظل به المتعبون.. والفارون من حرارة الشمس.. أو ليفرغوا حوائجهم خلفك تماما..

الثالث: وهل قلت غير ذلك؟ هه.. أنا صنم.. هذا ما أردتموه أنتم لا أنا.. أما عن التاريخ فلا ذنب لي إن كنتم اعتقدتم أنني يمكن أن أكون ذلك التاريخ الذي تتحدثون عنه.. ولو رجعتم إليه لاكتشفتم الفارق.. والفارق سهل.. غمد فارغ وحصان مفقود ولا درع واق أبدا..

الثاني: تظل مأسورا..

ولا تستطيع الحراك أبدا..

شيدوك بغية أن يستمدوا منك عزة أو رفعة..

لكي يقال إنهم أصحاب مجد وتاريخ.. لكنهم أفرغوك من كل شيء داخلك..

الثالث: ها أنت قلتها.. هم من فعل كل ذلك وأنتما منهم.. فعلام الملامة الآن؟!

الأول: أنت لست أنت الذي قرأناه في التاريخ.. لست سوى صنم.. صنم من الأصنام التي وزعناها على أطراف هذا الوطن الممتد.. عفوا.. أقصد هذا الخراب، هذا الضياع الواسع الذي نحن فيه الآن!!!..

الثالث (عائدا إلى وضعيته السابقة): دعوني إذن وحدي.. أنتظر رحمة النار التي ربما جاءت من السماء وحملتني بعيدا عن كل هذا الذي صنعتموه بأيديكم قبل أن أكون أنا قد وضعت يدي فيه..

الأول: هه.. هههه..

/ يتكئ بجانبه مطرقا رأسه/

هل صرنا وحيدين ولا شيء سوانا.. أنا وأنت؟ ماذا تبقى؟

الثاني: لا تنساه.. هذا الرمز العريق.. هذا التاريخ الذي تتكئ عليه الآن.. هل نسيته؟ ههه.. نحن الثلاثة هنا، وحدنا.. نتجرع المرارة و الهواء المملوء بالكبريت والعفن!!!

آآآآآه.. ما أتعسنا...

الأول: انظر.. نحن من بدأنا خيبته ولذلك هو بلا سيف.. لم يستطع أحدنا أن يضع سيفا له.. حتى تهاوينا تماما..

الثاني: كان حيا.. يقاتل الجيوش العريضة بلا ملل ولا سأم، ثم يرجع إلى حبيبته ويلقي التحية ويخلد للنوم دون إحساس بالخوف من الغدر..

الأول: كان.. فعل ناقص أوليس كذلك؟ كان فارسا.. شهما.. قويا.. عظيما.. ولكن ماذا الآن؟ قل لي ماذا؟ مجرد من كل شيء: من السيف من الحركة.. مجرد صنم.. تمثال لا أكثر، مجوف من داخله بلا معنى..

الثاني: الأمر لم يعد مهما الآن.. في الضياع تتساوي كل الأشياء ولا يبقى سواه يعربد فوق أرواحنا..

الأول: لأننا منذ البداية نحن من اختط هذا الطريق.. استوردنا كل ضياعنا الذي نعيشه الآن.. استوردنا هذا الكبريت الذي يغلفنا، هذا البارود الذي يحرقنا..

أتذكر؟

نحن الذين بدأنا.. وزعنا الرصاص على بعضنا البعض تسلية لا أكثر! ثم أخذنا في إطلاقها كالمطر الغزير على أنفسنا!!!!

وعندما يقول أحدنا: أنا رفيقك، أخوك، صديق طفولتك، بن عمك، خالك، أبوك.. نرد بكل برود: لدي كيس رصاص ولابد أن أفرغه؟! أعتذر بشدة!!.. ثم نطلق.. نمطر أنفسنا بالجذام وبالدماء وبالموت..

وكل هذا الأمر، من أجل ماذا؟! قل لي من أجل ماذا؟..

أمن أجل المتعة؟ وهل كان الموت في يوم ما متعة نتمتع بها؟ هل كان قتل الأبرياء وقتل النفس متعة؟ هل كان اقتلاع الخضرة ونور الصباح والشمس متعة؟ هل ما حل بنا كان متعة؟ لعبة نلعبها؟ قل لي.. هل كان كل هذا متعة؟

/ يتهوى باكيا/

الثاني: أعود فأقول لم يعد للأمر أهمية.. قد انتهى كل شيء وعلينا أن نجد أنفسنا قبلا ربما استعدنا شيئا بسيطا مما فقدناه..

الأول: ما أتعس هذا العالم ما أتعسه؟

/ يدوي صوت صفارة يتلوه تلبد في الإضاءة و تبعثر وتلون/

الأول (ضاحكا بسخرية): وها نحن نعود من جديد..

امطري أيتها السماء

أمطري لهبا و سعيرا..

أمطري الموت و الخراب..

لم يعد لدينا ما نخسره...

الثاني: آآآه.. هل سيكون علينا الدور هذه المرة؟ أم مازال علينا أن ننتظر في طابور الموت؟

/ يعلو صوت التفرقع و الانفجارات/

الأول: ماذا بقي منا؟

غير الهياكل المفرغة..

غير الأحلام؟!!

لتمطري يا سماء..

اهطلي نارا ودمارا..

كي لا يتبقى شيء..

أي شيء..

الثاني: قلت لك.. لم يعد للأمر أهمية فأنا بلا سلمى لن تجدي حياتي نفعا.. لذلك لا أهمية أبدا لكل هذا.. 

الأول: ولن نجد مكانا الآن ليحمينا من هذه السياط التي تقذف بها السماء غير هذا التمثال..

الثاني: سيظل شامخا كأي غباء.. وسنظل نحن أكثر حمقا وغباء منه..

/ يزداد التبعثر والتلون، ويعلو صوت القذائف والانفجارات ويخفت ما عداه/

- إظلام تام -

المشهد الثاني:

- المنظر ذاته

- الرجلان مكان التمثال في وضعية غير مبالية وخائفة

/ صوت نقيع ضفادع، بوم، عواء ذئاب، عيدان تتكسر.. بينما ينتشر الضباب دون أن يبدو كثيفا/

/ يدخل التمثال ويبدو عليه الانهاك.. يجر إحدى ساقيه، ووجهه يحمل علامات الغضب والبلاهة في آن/

التمثال - الثالث -: لقد بحثت عنه طويلا ولم أجده..

ترى أين سقطت؟ لابد أن الحصان قد هاله المنظر الموحش.. يبدو أنني فقدت زمام الأمور وسقطت في بركة وحلة...

والحصان هرب..

هرب وتركني وحدي..

ولا خنجر ولا سيف..

سوى هذا الغمد..

تبا لهذا الضباب.. يمنعني من البحث جيدا.. ورؤيتي من الأساس صارت ضعيفة.. هل أجده وسط كل هذا النقيق؟ وسط كل هذا العفن؟

لكن لماذا سقطت هنا؟

كنت أركب الحصان منطلقا ضمن الجيش نحو نصر جديد، نحو مدينة نفتحها وندشن مجدا جديدا وانتصارا مجيدا.. لكنني فجأة سقطت.. سقطت هنا.. ولا أدري لماذا وكيف؟

لكنني سقطت..

آآآه ما أتعسني..

أفقد سيفي وحصاني في آن.. ثم أسقط فاقدا القدرة على التواصل.. أصابني الإغماء.. ولا أدرك كم من الزمن قد مضى علي.. أحسه كأنه ألف عام!!

لم يكن كل هذا الضباب موجودا من قبل.. ولا كل هذا العطن.. هذه الرائحة النارية تفقدني حواسي.. تفقدني كل شيء..

/ يواصل في أثناء هذا بحثه الدؤوب/

أيضا هنا لا يوجد شيء..

ولا هنا..

هذا السيف ورثته من جدي الكبير كان أهداه إياه أمير من سلالة النور، أمير عظيم.. فارس من الفرسان الذين لا ينكرون.. الذي كانت له صولاته وجولاته.. فتح بلدانا كثيرة، وكان قائدا عظيما وبارا..

وها هو الآن يضيع مني..

يا للخزي.. لو رآني جدي الآن، لأنكر فعلتي.. أضيع السيف؟!! كيف؟ كان سيقول: لو مت لكان أجدر بك!! أجدر من أن تفقد سيفك الذي لم تعرف كيف تصنه.. وأيضا حصانك الأصيل.. سليل خيول أصيلة موغلة في الأصالة..

آآه.. ليتني أهتدي وأجده..

ليتني أصيخ السمع فأشعر بطقطقات حدوة حصاني الأدهم..

ما أتعس هذه الرحلة..

كنت فارسا، وصرت الآن تائها بلا سيف أو حصان.. ما أتعسها من رحلة! ما أتعسها..

/ يقترب من الرجلين/ التمثالين/

ربما كان سقط تحت هذه الأصنام.. لا أعرف سر تقززي منها.. منذ رأيتها وأنا متشائم.. وضعيتها لا تبشر بخير.. لو كان لي معول الآن لهدمتها!!..

لا تجلب إلا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة..

/ يواصل البحث/

لكن لا معول ولا شيء..

لا سيف ولا خنجر..

لا شيء سوى غمد فارغ، وحصان هارب.. وفارس لا يعرف أين طريقه الآن..

آآآه.. لقد تعبت.. تعبت من البحث.. من كثرة التنقيب عما فقدت.. يبدو أنني هرمت.. هرمت ولم أعد قادرا على الفروسية مجددا.. عمري الآن أربعون أو أكثر.. تعبت.. ولم تعد لدي مقدرة..

/ ينهار في منطقة الضوء الأولى منهكا، بينما يتصاعد صوت النقيق/

لم تعد لدي مقدرة..

أي مقدرة..

يبدو أني هرمت.. هرمت..

/ يسقط إلى المنصة في حالة غفو، بينما تمتزج أصوات النقيق مع أصوات جوقة من خارج المنصة/

الجوقة: هلام نحن هلام

فارغون..

جذوع من اليباب

موات..

هلام نحن هلام

والصخرة تسقط على الرؤوس

نعود لنحملها

إلى السماء

الوردة كانت لنا

أضعناها

وضاعت الطريق

فلا قافلة لنا ولا جمال

هلام نحن هلام

/ يتم ترديد المقطع الأخير مرارا، بينما يأخذ الرجلان/ التمثالان في التشكل عبر لوحة تعبيرية من وضعية اللامبالاة إلى وضعية الفزع المفرط إلى وضعية يتمازج الفراغ فيها بقمة البؤس والخوف والضياع/

- صمت -

/ ينهض التمثال من مكانه صارخا/

الثالث: ماذا..

كأني سمعته.. سمعت طقطقة حدواته.. إنه حصاني الأدهم.. إنه هو.. هو

/ يفتش، ينقب و لا يجد شيئا/

- هدوء -

آآه.. كنت أحلم إذن..

يا لهذا الضياع.. أما كان ليسقط غيري؟ ويسقط معي كل شيء؟.. لم يعد لي درع.. ولا سيف ولا خنجر.. وحصاني.. حصاني الذي أحبه لا أعرف أين هو.. هل أكلته الضفادع؟ لكن الضفادع تخاف دوما من حدوة الحصان.. تخاف أن تدوسها الأقدام..

أمس كنت فارسا..

أما اليوم فأنا ضائع ولا أعرف دربي..

(يتحسس غمد سيفه) وبلا أي سيف..

(ينظر إلى الأفق) حتى الدرب لم أعد قادرا على تحديد تفاصيلها.. لم أعد قادرا أن أحددها، أن أهتدي إليها..

الضعف يلتهمني.. يمزقني..

الجوقة: هلام نحن هلام

فارغون

جذوع من اليباب

موات

الثالث: لكنني فارس.. فارس يهابه الأعداء.. كم جندلت من صنديد! المئات، الألوف.. كانت الجيوش تمضي، وبضربة واحدة يسقط عشرة.. مائة.. ألف..

/ في هذه اللحظة تتبدى صورة المعركة: أصوات الخيول والعربات وقعقعة السيوف/

كانت الحروب دائما لنا.. وكانوا ضعافا فئرانا صغيرة تفر من الموت.. كنا نحن الموت.. الموت الذي يصرعهم واحدا واحدا وبلا أدنى تردد..

/ يتقمص دور مبارزة/

هيا قاتل..

أشهر سيفك الذي أكله الصدأ.. هيا قاتل.. ألا تعرف القتال؟.. خذ.. وخذ أيضا.. هاك ضربتي.. خذ.. لا تراوغ.. لن ينفعك هذا.. لماذا أرى الخوف والفزع في عينيك؟.. أين قوتك.. بأسك الذي تزعمه.. قاتل..

/ يغرز السيف الوهمي في الهواء/

خذها.. قد نلت منك.. وأنت.. وأنت.. وأنت.. وأنت..

/ يبدأ في حركة دورانية تمثل المبارزة، بينما يتصاعد صوت راو  من الخارج مع مؤثرات لحرب قديمة/

واستطاع صلاح الدين أن يقضي على الصليبيين في معركة عظيمة عند سهل حطين وعادت القدس عربية للمسلمين!

/ صوت طبول حرب/

وفي تلك السنة حدث الفتح العظيم، عندما استنجدت عربية من عمورية بالمعتصم العباسي الذي جهز جيشا لنجدتها حيث فتح عمورية في معركة من المعارك الخالدة...

/ طبول حرب/

وكان طارق بن زياد فارسا مغوارا.. استطاع أن يعبر البحر تجاه الأندلس، ويفتح الطريق للجيش الفاتح الذي حاصر الفرنجة وقاتلهم حتى استسلموا وفروا من وجه الفاتحين..

/ طبول حرب/

(أثناء ذلك يتخذ الرجلان تبدلا تعبيريا في حركتهما على المصطبة حتى يعودا آخر الأمر كما كانا في بداية المشهد)

الجوقة (مرددة): هلام نحن هلام

فارغون

جذوع من اليباب

موات

/ يتحرك الثالث في حركة ارتدادية لما بدأه - منهكا ومتعبا - بينما يتواصل صوت الحرب: الخيل والسيوف والصرخات/

الراوي: وذكروا أن عبد الرحمن الغافقي سقط شهيدا في أرض المعركة التي سالت فيها الدماء غزيرة وعظيمة وسميت المعركة الخاسرة ببلاط الشهداء!

/ طبول حرب خافتة وحركة الثالث تبدو أكثر إنهاكا/

الراوي: كان المغول يجوبون الأرض يدوسون تحت أقدامهم كل شيء، ولم ينج منهم لا طفل رضيع ولا امرأة عجوز ولا أي شجر أو حجر.. وقبل أن يتحول النهر إلى سواد وقفوا طويلا أمام أسوار بغداد، يشحنون أنفسهم بالدمار حتى تحول المكان عند دخولهم إلى لون قاتم..

ولم يبق شيء.. لم يبق شيء..

/ تتعالى أصوات الحرب: القذائف، الطائرات المحلقة، النيران، المدافع، الصواريخ، ليختفي صوت الخيول القعقعة وصراخ الجنود/

الثالث (منهكا): أين تفرون؟ أين.. سأقتلكم، سأدمركم، أنا الفارس المغوار الذي بقبضة واحدة يجندل مائة صنديد.. أنا....

/ يخور صوته ويسقط في بقعة الضوء/

هه (ساخرا) أنا.. أنا الذي فقد سيفه، ولم يبق له لا درع ولا متراس.. أنا الذي فقد حصانه، وسبى الأعداء مهجة قلبه...

آآآآآه يا أنا..

ماذا تبقى مني الآن؟

لا شيء سوى التعب والشيخوخة

سوى الكبرياء الزائف الضائع..

يا نفسي المنهكة..

يا عمري المتوقف جمودا..

ألا يكفي..

ألا يكفي..

السيف مفقود وضائع..

والدرع ساقط في الوحل لا أدري أين يكون..

والحصان...

الحصان تركته وحيدا دون لجام ودون سرج.. يعبث به الأغبياء والسذج.. تركته بلا حدوة جديدة، تلتهمه أشواك الأرض الغارقة في الدماء واللزوجة.. ألا يكفي.. ألا يكفي أيتها النفس المنهكة و الضائعة؟ ألا يكفي..

ماذا بقي؟.. ماذا؟!!

- صمت -

/ يردد الرجلان في نفس واحد وبنغمة واحدة/

هلام نحن هلام

فارغون

جذوع من اليباب

موات..

/ تتركز الإضاءة على الثالث/ التمثال بينما تعتم باقي المنصة/

/ يتصاعد صوت النقيق والمستنقع برهة ثم تختفي الإضاءة/

المشهد الثالث:

- المنظر السابق

- الثلاثة عند قاعدة التمثال يفترشون الأرض..

/ يدخل الممثل والممثلة/

الممثل: تلك لم تكن إلا قشرة الحكاية.. لم يقل أي واحد منهم أي شيء.. ولم نعرف بعد من سيضع السيف في الغمد الفارغ..

الممثلة: بدأنا.. قلت لك لا تكثر من الزيف.. هذا سيء جدا..

الممثل: أنا أزيف؟ هذا غير صحيح.. أنت دائما تتدخلين فيما لا يعنيك..

الممثلة: الحكاية لا تعنيك وحدك.. احذر فأنا رفيقتك في كل شيء.. والآن.. أخبرهم بما لديك..

الممثل: ماذا لدي.. لا شيء.. فقط انظري إليهم كم هم بائسون..

الممثلة: حسنا أنا سأبدأ.. أنتم أيها الأعزاء.. التمثال لم يقل شيئا ذا جدوى.. لم يقل سوى أنه أضاع كل شيء.. وظل يبكي.. أما هما فإنهما يبحثان عن مأوى.. عن أمان.. من منكم يستطيع أن يجد هذا المأمن الآن!

الممثل: لا لا.. ليس كذلك..

الممثلة: بل كذلك.. والآن دعهم يكملون حكايتهم.. دعهم يقولون شيئا.. ربما كان مفيدا.. ودعنا نحن ننصرف..

الممثل: بهذه السهولة تقولين ذلك.. تحذفين دوري في الحكاية، وتقولين هيا.. لا.. لابد أن أكمل ما تبقى..

الممثلة: بل دعهم.. هم أدرى بكل شيء.. ونحن يجب أن نذهب.. هيا.. هيا

/ تجره من يده وينصرفان/

- صمت -

الأول: هيا.. ألن تصعد الآن؟

الثالث: يجب عليكما أنتما أن تحملاني..

الثاني: ما رأيك.. هل نفعل؟ سنكون نحن المسؤولين بعد ذلك..

الثالث: ستكونان المسؤولين.. لكن لابد أن تحملاني..

الأول: حسنا.. سنحمله..

/ ينهض الأول والثاني ويبدآن في رفع الثالث إلى المنصة/

/ الثالث يتخذ وضعية التمثال من جديد/

الأول: ها قد رفعناه..

الثاني: إني أخاف من عاقبة هذا الأمر!!

الأول: ومم تخاف؟ كل شيء على ما يرام..

الثالث: أنا الآن هنا.. أرى كل شيء ولا أراني.. آآه ما أقسى هذا المكان..

الأول: هيا.. هيا اجعلنا أكثر شموخا.. هيا.. افتح أبواب السماء وانطلق بنا.. نريد أن نحلق..

الثاني: لدي خوف عميق.. إني خائف..

الثالث: كم أنتم صغار.. ما أضألكم!

الأول (للثاني): تبا.. لم يكن دمارنا إلا لأننا وضعناه هنا.. إنه يتبجح..

الثاني: هل ننزله من جديد؟

الأول: سنحاول أن نفكر في ذلك..

الثاني: قلت لك إننا نرتكب خطأ.. منذ البداية ونحن نرتكب خطأ فادحا.. 

الثالث: لكن أين السيف.. شموخ بلا سيف.. كيف يصير؟!! ما أشد برودة هذا المكان.. كانوا يريدونني شامخا.. ما أتعسني.. كيف أكون شامخا.. وأنا بلا سيف.. كيف أستطيع أن أكون كما يريدون.. آآآه ما أشد برودة هذا المكان!

/ ينكمش على منصته/

الأول: انظر إنه يضعف.. فرصتنا.. لا تقلق.. نحن معك.. نحن سنجلب لك السيف المفقود.. عليك أن تكون شامخا.. هيا.. نحن معك.. أنت الرائع الفذ.. الذي رفع أعناقنا إلى السماء.. لا تخش شيئا.. نحن معك.. ولن نتركك..

الثاني: لا أحد مثلك.. لا أحد سواك ممجد.. أنت المجد والشموخ.. أنت وحدك ولا أحد سواك.. ألست تخاف.. صحيح أنه لا يملك سيفا.. ولكن..

الأول: لا تقلق.. سننزله..

الثالث: أشعر بغصة.. أشعر بغصة.. إني أتضاءل.. أشعر بالتقازم.. آآآه

/ صرخة مدوية، بينما تبدأ السماء في اللمعان ببرق ورعد شديدين، ويدب الرعب في الأول والثاني بينما التمثال يزداد ظلمة وعلوا/

الأول: آآآه.. ما أقسى هذا.. كفى.. كفى..

الثاني: لقد قلت لك.. قلت لك إننا سنندم.. ها هو الآن يرجمنا بسعير عظيم.. ما الحل الآن.. ما الحل؟

/ يدخل الممثل والممثلة/

الممثل: ولأنهم لم يستطيعوا أن يضع كل واحد سيفه الخاص به في الغمد لجأوا إلى جحر ثعلب ودخلوه يطلبون الغوث..

الممثلة: كان شيئا مقززا.. كان وسخا ونتنا.. لكنهم أرادوه جميعا..

الممثل: ولم يعودوا كما كانوا أبدا..

الممثلة: أبدا..

/ يخرجان بينما يدخل ما يشبه المسخ/

المسخ: ها قد جاء دوري.. جاء الوقت الذي أعود فيه كما كنت.. قويا.. هؤلاء الحمقى لا يستفيدون من الماضي.. آن لي أن أجعلهم أكثر وساخة مني.. وبما أنهم لجأوا إلي فتلك هي الفرصة.. ولأبدأ منه هو..

/ تتشتت الإضاءة/

المشهد الرابع:

- المشهد السابق

- الممثلان الأول والثاني في جانب من المنصة، بينما التمثال يجلس على منصته متضاحكا مع المسخ..

المسخ: الآن.. سأحقق لك ما كنت قد فقدته.. لا تخف من هؤلاء الأوباش.. أنا معك دائما.. اطمئن..

الثالث: إنني ما عدت أقوى.. خلصني من تفاهاتهم.. يريدون شموخا.. من أين لي به؟ أرجوك أرحني.. لقد تعبت..

المسخ: حسنا.. حسنا.. كل شيء بحسابه.. ولا تخف.. أنا معك.. والآن أعطني الغمد.. وإن كانوا يريدون وضع السيف فيه فإنهم سيحتاجونني.. وأنا لن أترك لهم أن يرموك بهذه السهولة.. ستظل مكانك.. شامخا.. قويا.. هههه..

الثالث: المكان بارد.. إني أرتجف.. وها أنا الآن بلا غمد.. بلا شيء.. إني أنكمش.. أنكمش..

/ يتضآل على قاعدة التمثال/

المسخ: ها هو الغمد في يدي.. والسيف سيأتي.. آن الوقت الذي أعيد فيه هيبتي.. آن لي أن أكون أنا السيد.. وآن لهم أن يكونوا طوع أمري.. ههه.. بعد كل هذه السنوات أعود أقوى مما كنت عليه.. أنا سيد المستنقعات.. عفونة الأرض.. أعود مالكا لهم وهم أذلتي.. كم هذا جميل.. جميل وممتع..

الأول: إلى متى سأبقى هنا؟ أنتظر.. إلى متى سأظل هكذا.. بلا أي هيبة.. بلا أي احترام..

المسخ: لا عليك يا صاحبي.. لا يهمك كل ذلك.. أنا سأكفل لك ما تريد.. فقط اسمع كلامي.. ها هو الغمد الآن في يدي.. أعرف أنك تستغرب ذلك.. تستغرب أن أحصل عليه بكل هذه السهولة.. لكن الأمر لا يعدو أنه آن الآوان أن تصير أنت هناك.. مكانه.. لم يعد هو الشخص الملائم.. وأنا سأتكفل بإسقاطه..

- صمت -

الأول: فعلا؟ لقد سئمناه.. وآن أن نضع له حدا.. افعل ما تراه صالحا.. أنا معك.. لكن...

المسخ: أعرف.. تخشى أن تبدو واضحا في العملية.. اطمئن.. لن يعرف أحد تعاونك معي.. لكن أين السيف؟ ألن تعطيني إياه..

الأول: السيف.. أهه.. أعتذر.. لكن السيف ضاع من يدي ولم أعد أملك سوى نفسي فقط..

المسخ: أووه.. كنت أمني نفسي بأن أجعلك أنت الشامخ الوحيد.. لكن لا بأس.. كل شيء سيتم على خير.. فقط كن معي.. ولن يعرف الآخرون..

الأول: أنا معك.. معك.. (لنفسه) ما هذا الذي أفعله.. ما هذا الذي أرتكبه في حق نفسي..

المسخ: لست بحاجة لسيوفهم.. هم بحاجة للغمد.. لأنه ملكهم.. ههه.. سأجعلهم يركعون لي.. سأنتقم عن مناداتهم لي بالمسخ.. آن وقت الحساب أيها الحمقى.. ورويدا رويدا ستندمون..

- صمت -

الثاني: لا.. لا.. لن أكون معه.. لن أدنس يدي.. لن أفعل ما يخزيني.. لن....

المسخ: لن ماذا يا عزيزي.. يا صاحبي الجميل.. قل ولا تخف..

الثاني: لست خائفا منك.. يا مسخ..

المسخ: سأتقبلها منك.. لأنك عزيز علي.. وتأكد لولا محبتي لك ما جئتك.. انظر.. ألا يعنيك هذا.. لقد جاء دوره..

الثاني: الغمد؟ تبا.. كان خطأ أن نرفعه.. ها هو الآن يغدر بنا..

المسخ: لا تقلق.. سيسقط الآن.. سيسقط.. وبالطبع أنت من سيساعدني في ذلك..

الثاني: أنا.. لا.. أنا لا أقدر.. أنا...

المسخ: لن يعرف أحد.. ثم إني سأساعدك.. أنت وحيد وتحتاج للمساعدة.. سأوفر لك ما تحتاجه من ماء صحي ومن غطاء وأردية.. فقط كن معي..

الثاني: تبا لك.. تبا لك..

المسخ: حسنا اتفقنا.. اعتبر كلامك موافقة بالمشاركة.. سيكون كل شيء على ما يرام.. اطمئن.. سنجد السيف وسنحفظه في الغمد.. سيكون في أيد أمينة.. اطمئن.. وعلى فكرة.. سنجد لك سلمى أخرى.. الأولى ربما ما عادت موجودة..

الثاني: سلمى؟!! أنا أحذرك.. إياك أن تؤذيها.. وإلا....

المسخ: اطمئن.. لا تعنينا سلمى التي تقول عنها.. نحن نحاول تعويضك بما يناسب..

الثاني: آآآه يا سلمى.. لماذا أصر على أن أفعل كل هذا؟ تبا.. كم هي الدنيا قذرة؟

- صمت -

المسخ: والآن.. انظروا بأعينكم، انظروا ماذا سيحل بتمثالكم.. انظروا كم أنا رحيم بكم.. أيها المغفلون.. أيها السذج.. آن لكم أن تنكسوا أعينكم إلى الأرض.. أن تجروا أذيال الانكسار.. وتمشون إلي صاغرين..

/ تبدأ في خلفية المنصة مشاهد لعمليات قتل وتدمير.. أصوات نساء وأطفال يستغيثون.. انهيارات وقنابل ودوي حرب/

/ الأول وجهه للجمهور بينما تجمدت تعابير وجهه وهو يغطي عينيه، و الثاني يضع يديه على أذنيه فيما وجهه هو الآخر جامد/

/ الثالث يبدي حركات تعبيرية توحي بالسقوط، بينما ينظر إليه المسخ وهو يقهقه ريثما يسقط، وعند سقوطه يسقط الأول والثاني على الخشبة ويظل صوت الدمار فقط وآهات الأطفال والشيوخ والنساء لا أكثر، وتظلم المنصة شيئا فشيئا/

المشهد الخامس:

- المنظر السابق

- الأول والثاني والثالث ظهورهم لبعض بينما بقعة الضوء تتصاعد قليلا فقليلا مع حوارهم حتى تعم أجزاء المنصة دون أن تكون متكاملة ويفضل أن يتم تسليط كم من الضوء على قاعدة التمثال الفارغة

الأول: أووه.. ما أعذب الحياة!

الثاني: إنك تبالغ.. ألا تشم هذا الموت؟!

الثالث: رغم كل شيء ما نزال أحياء، أليس بغريب هذا الأمر؟ ألا يجب أن نكون الآن في غير هذا المكان؟ بلا هذه الضوضاء التي تعشعش فينا؟ ألا يجب؟

الأول: كفا عن هذا الهذيان.. لقد سئمت كل هذه اللعبة.. أريد أن أهدأ، أن أعيش ولو للحظة.. ألا يمكن أن نفعل هذا الأمر؟

الثاي: بلى يا عزيزي.. أيها الرفيق الرائع.. يمكن ذلك.. لكن بالطبع هناك شروط.. أو بالأحرى شرط واحد وصغير جدا!!

الثالث: لا تقل لي أن نعيد الدور! وإلا فإني سأضعك مكاني.. كي تعاني ما عانيت!! آآه كم كان متعبا؟!

الأول: ولماذا هناك شرط؟ لماذا لا نحاول نحن فرض ذواتنا؟ أن نستمتع بكل الحياة دون أي شروط؟

الثاني: لأنه بالمختصر لا ينفع.. ما تقوله أبدا لا ينفع؟! ولأننا كذلك لابد من أن ندفع من أجل ما نريد! الحياة هكذا يا رفيقي.. هي هكذا بلا زيادات أو نقصان..

الثالث: لكن لماذا لا ينفع؟ ما الذي يمنع؟ أو أننا لا نستحق؟

الثاني: قلت لك لأننا لابد أن ندفع.. ولأنه لابد من تنفيذ الشرط قبل كل شيء.. وهو ما لابد من دفعه من أجل الحياة.. وهو شرط بسيط جدا.. بسيط للغاية..

الأول: إنك تفسد متعتي.. أنا سئمت.. أرجوك لا تضيق علي.. إني متعب وأريد أن أستريح..

الثالث: لو كان هذا الغمد به سيف لانتزعت لسانك الشؤم.. لكنه فقد.. فقد في الغابة الواسعة..

/ الأول والثاني يضحكان/

الأول: هههه.. أصدقت.. اسمع يا عزيزي.. الأمر انتهى.. أرجوك.. كفى، نحن الآن في استراحة.. لا تزد تعبي بشيء من غبائك؟!

الثالث: لا داعي للسخرية.. وأنت ما الشرط الذي ترى أنه مهم جدا جدا.. وبسيط جدا جدا.. قل وخلصنا..

الأول: ربما أن نتقمص أدوارنا بشكل حقيقي.. هل جننت لنفعل ذلك؟ إنه شيء مقيت!! شيء مزهق للنفس.. ومتعب للغاية.. والدور ما كان يستحق كل هذا العناء.. أبدا!