|
|||||
|
في أعمال آسيا جبار نزوع واضح للتخفيف من حدة الاغتراب. لذلك يصبح النص بمثابة فضاء فيه تمارس المؤلفة نوعا من التطهير الذاتي. هذا ما يفسر كون الكتابة لديها تتشكل مخترقة بالرغبة في تبرير الكتابة في غير اللغة الأم. لكن الكتابة في غير اللغة الأم تعمق الفجوة بين المرء ووجدانه. ولذلك فهي لا تكشف إلا بالقدر الذي تحجب وتباعد الكائن عن وجدانه.
تمثل أعمال آسيا جبار الروائية والقصصية حدثا مهما في مسار الإبداع المغاربي والعربي المكتوب باللغة الفرنسية.وترجع هذه الأهمية إلى الإضافات التي تمكنت المؤلفة من تحقيقها. وهي إضافات تعلن عن نفسها على مستوى كيفيات إجراء الفن القصصي وفق نسق بموجبه تكف الكتابة عن كونها مجرد تمر س بأفانين الحكي في الثقافة العربية والثقافات الغربية وتصبح فعل وجود. ومعنى كونها فعل وجود أنها كتابة ثأرية تمارسها امرأة واعية بأن التاريخ البشري تاريخ رجالي مزده بذكوريته، تاريخ يتكتم على أوجاع بني البشر، تاريخ يديره قانون واحد هو القهر . وسواء أعلن القهر عن نفسه في شكل استعمار وتدمير حضاري تقوم به حضارة تجاه أخرى أو في شكل تقاليد تطمس هوية المرأة وتقصيها وتفقر كيانها فإنه لا معنى للكتابة أصلا إن هي لم تنهض دفاعا عن الكرامة البشرية المنتهكة. داخل هذه الرحاب تتحرك أعمال آسيا جبار وتتشك ل مأخوذة بموضوعين أساسيين هما الجزائر وما جرى فيها من ويلات أيام الاستعمار وحرب التحرير وما نتج عنها من عذابات ومحن. لذلك تستنطق التاريخ وتعيد كتابته وفق نسق بموجبه ينكشف ما يتكتم عليه من وجع بشري. التاريخ يكتبه المنتصر كما يعبر غرامشي. وتاريخ الجزائر كتب مرتين. كتبه المستعمر متكتما على الويلات التي وقعت إبان حرب التحرير فبدت الحرب كما لو أنها سجل فخار وبطولات. ثم كتبه الجزائريون من الرجال فتكتموا على دور المرأة ومعاناتها وإسهامها في الانتصار للقيم وإعلائها. لذلك تنهض الكتابة محكومة بانتشال المرأة من منافي الصمت حتى كأنها تنشد تأنيث التاريخ. فيتداخل التاريخ الذاتي مع التأريخ لخسران بني البشر عبر المراوحة في أعمالها بين فصول في السيرة الذاتية وفصول تعيد كتابة تاريخ الجزائر من وجهة نظر النساء اللواتي عشن ويلات الاستعمار وتجربة التحرير. فيصبح فعل القص لديها كتابة بالذات بجراحاتها. بل هو فعل مقاومة للنسيان وحدث إشهاد على أن ما يمد الكتابة الإبداعية بنارها لا يكمن في القدرة على التخيل وصياغة الحكايات بل في الإصغاء إلى الواقع ومنح المصادر والممنوع والمكبوت والمنسي فرصة التعبير عن نفسه. من هنا درجت الكاتبة على الزج بذاتها في رواياتها وقصصها مخبرة متلقيها المفترض عن منابت الكتابة لديها وعن مراجعها وكيفيات تعاملها مع الواقع وتشكيله حتى يتحول إلى نسق حكائي دون أن تخل بشروط الفن نتيجة استراتيجيتها في ابتناء الحكايات وتعليق بعضها بالبعض الآخر.
الكتابة بالذات بجراحاتها يرد الإخبار عن منابت الكتابة مضمنا في النسق السردي ذاته ويتحول إلى عنصر بنائي تكويني في جسد النص نتيجة كون الكتابة تراوح بين السيرة الذاتية والكتابة القصصية. فهي تمنح النساء الجزائريات فرصة الكلام حتى يخبرن عما جرى من ويلات فيما تتولى المؤلفة الإخبار عن مضايق الكتابة وما تتحمله امرأة اختارت أن تكسر قانون الصمت. هذا ما نلحظه مثلا في رواية الحب، فانتازيا LAmour، la fantasiaحيث تتناوب الفصول التي تحكي ما جرى بالجزائر أثناء السنوات الأولى للاستعمار الفرنسي والفصول التي تحكي وقائع من سيرة المؤلفة ووعيها الدرامي بمضايق حدث الكتابة. تتوالد الحكايات مسندة إلى الفرنسيين من المستعمرين فتعمد الراوية إلى تجسيد رؤية الغازي مستندة إلى إدراج مقتطفات من وثائق تاريخي ة دو نها فرنسيون من أمثال الكولونيل سانت آرنوle Colonel Saint- Arnaud و بيليسيه Pelissier وآمابل ماتير Amable Matterer، يتحد ثون فيها عن أمجادهم وبطولاتهم في تدمير الجزائريين ومدنهم وقراهم. يقول الكونوليل سانت آرنو في رسالة موجهة لأخيه: "إني أسد المنافذ كلها حتى لا يتسرب الهواء وأسو ي جبانة فسيحة. سيغمر التراب جثث هؤلاء المتعصبين إلى الأبد. لم ينزل أحد إلى الكهوف... وصل تقرير سري إلى المارشال أخبره عن كل شيء بأسلوب بسيط، بدون تفنن في أسلوب الصياغة ودون استخدام صور. (رواية الحب، فانتازيا، ص90) je fais hermetiquement boucher toutes les issues et je fait un vaste cimetiere. La terre couvrira a jamais les cadavres de ses fanatiques. Personne n est descendu dans les cavernes!... Un rapport confidentiel a tout dit au marechal simplement sans poesie terrible ni images. (L Amour Fantasia p 90) ثم تمنح النساء الجزائريات فرصة الكلام كي يشهدن على الفظيع والمروع واللاإنساني. فتتوالى الأصوات التي تروي حكايات مروعة عن القتل والاغتصاب والدفن الجماعي وإحراق البيوت.
داخل هذا النسيج المتناوب من الحكايات والأصوات كثيرا ما تنتقل المؤلفة من زمن الأحداث إلى زمن الكتابة فيعط ل السرد أو يرجأ إلى حين ويصبح مدار الكتابة إدراج ومضات من سيرة المؤلفة الغاية منها إطلاع المتلقي المفترض على اختيارات المؤلفة ومفهومها لكتابة السيرة الذاتية. نقرأ مثلا: أن أسرد حكاية حالي خارج لغة الأجداد معناه دون شك أن أنكشف قدام الناس. وليس هذا كي أخرج من الطفولة فقط، بل كي أنفي نفسي خارج هذه الطفولة إلى الأبد. إن الانكشاف يعني كما يقال في لهجتنا العامية الجزائرية التعري والعري. (رواية الحب، فانتازيا ، ص178) Parler de soi hors de la langue des aieules c`est se dévoiler certes mais pas seulement pour sortir de l`enfance pour s`en exiler définitivement. Le dévoilement aussi contingent devient comme le souligne mon arabe dialectal du quotidien vraiment ((se mettre nu)). (L Amour Fantasia p. 178) ونقرأ في الرواية ذاتها: حين أحاول كتابة سيرتي بالكلمات الفرنسية وحدها أخضع نفسي لمدية تشر ح لحمي حيا، فأريكم أكثر من جلدي. فيغدو لحمي كما لو أنه يتفسخ ويقطع مزقا من لغة الطفولة التي ما عادت تكتب. تنفتح الجراح، وتبكي العروق، وتسيل دماء الذات ودماء الآخرين التي لم تجف أبدا. (رواية الحب، فانتازيا، ص177-178) ((Tenter l autobiographie par les seuls mots français c est sous le lent scalpel de l autopsie vif montrer plus que sa peau. Sa chair se desquame semble-t-il en lambeaux du parler d enfance qui ne s`écrit plus. Les blessures s`ouvrent les veines pleurent coule le sang de soi et des autres qui n`a jamais séché.)) (L Amour Fantasia pp. 177-178) وتعمد المؤلفة في بعض المواضع إلى إدراج ومضات توض ح موقفها من كتابة السيرة في اللغة الفرنسية التي تكتب بها وتعدها لغة عدو الأمس. نقرأ: "حين أتعرى في هذه اللغة أمارس خطر الاشتعال الدائم. فالأمر يعني كتابة للسيرة الذاتية بلغة عدو الأمس." (رواية الحب، فانتازيا، ص241) Me mettre nu dans cette langue me fait entretenir un danger permanent de déflagration. De l exercice de l autobiographie dans la langue de l adversaire d hier. )L Amour Fantasia p. 241) Jتخذ هذه الومضات التي تسمح للمؤلفة بالتسلل إلى النص أحيانا أخرى طابعا آخر وتصبح نوعا من الإيضاح لمنابت الكتابة وكيفيات ابتناء الحكايات. إذ تتم عملي ة إرجاء السرد وتعمد المؤلفة إلى إطلاع متلق يها المفترض على مراجعها وكيفيات صياغتها للحكايات.ههنا يصبح مدار الكتابة الإلحاح على أننا في حضرة حكايات مستل ة من الواقع رأسا ومن الوثائق التاريخية التي دو نها ماتيرير Matterer ونقل فيها ما جرى من ويلات. منها مثلا موقف امرأتين جزائريتين رو عهما ما جرى من مجازر وأوصلهما اليأس والهلع إلى حافة التوحش إذ عمدت إحداهما إلى انتزاع قلب من صدر جثة جندي فرنسي. أما الثانية فقد عمدت إلى طحن رأس ابنها فلذة كبدها بحجر كبير حتى لا يأسره الفرنسيون حيا. كثيرا ما تعمد المؤلفة إلى إخبار متلقيها بأن الكتابة ليست فعلا تخيليا بقدر ما هي عمل ميداني يتطلب من الكاتب أن يصغي إلى صخب الحياة من حوله ويبتني نصه وفق ما به يصبح النص موضع إعلان الحياة عن نفسها. إن الأشخاص الذين يتداولون القول والفعل في النص ليسوا من ابتداع الخيال بل هن نساء تعالى التاريخ على جراحاتهن وأرغمن على الصمت. والرواية هي التي تمنحهن حق الكلام وتنتشلهن من النسيان. لكنها لا تمنحهن هذا الحق إلا بعد أن تجري على لسانهن نوعا من التبديل الذي يعم ق صمتهن فبدل العامية الجزائرية يرغم هؤلاء على الإفصاح عن أنفسهن في غير لغتهن. نقرأ مثلا من رواية الحب، فانتازيا ص161: شريفة، كم أرغب في إعادة كتابة رحلتك: في الحقل المهجور تنتصب أمامك الشجرة بشكل تراجيدي، وأنت تخشين الضباع. ثم تمر ين بالقرى محاطة بالعسس، يأخذونك نحو معسكر المساجين الذي يزداد حجمه كل سنة. ها أن صوتك يقع في الفخ. كلامي باللغة الفرنسية يخلع عليه قناعا ولا يهبه رداء. وها أنني أكاد لا ألامس حتى ظل خطوتك. الكلمات التي ظننت أنني أهبك إياها تتشح بوشاح الحداد ذاته الذي يوش ح كلمات بوسكيه وسانت آرنو. فهي كلمات تنكتب عبر يدي لأنني رضيت بكوني لقيطة لسان، وهذه هي الهجانة الوحيدة التي لا تدينها عقيدة الأسلاف: هجانة اللغة لا هجانة الدم والعرق. أيتها الكلمات المشاعل التي تضيء رفيقاتي وصاحباتي فيما هي تبعدني عنهن الإبعاد كله. Chérifa! Je désirais recréer ta course: dans le champ Isolé l arbre se dresse tragiquement devant toi qui crains les chacals. Tu traverses ensuite les villages entre des gardes amenée jusqu`au camp de prisonniers qui grossit chaque année... Ta voix s`est prise au piège mon parler français la déguise sans l`habiller. A peine si je frole l ombre de ton pas! Les mots que j`ai cru te donner s enveloppent de la meme serge de deuil que ceux de Bosquet ou de Saint-Arnaud. En vérité ils s`écrivent travers ma main puisque je consens cette batardise au seul métissage que la fois ancestrale ne condamne pas : celui de la langue et non celui du sang. Mots torches qui éclairent mes compagnes mes complices : d elles définitivement. ils me séparent Et sous leur poids je m`expatrie. قديما تمكنت شهرزاد من مواجهة الموت بالكلام. أرجأت الموت، خاتلته، دجنته، دحرت الصمت وتمكنت من منح الأنوثة ثاراتها، صار الحكي صنو الخلاص. حتما كانت شهرزاد تستسلم لفتنة السرد وتحقق متعتها الخاصة. لكن "أخت شهرزاد" آسيا جبار التي نذرت كتابتها لتواصل ثارات الأنوثة لم تعم ق اغترابها عن نفسها فحسب بل عمقت اغتراب النسوة اللاتي آلت على نفسها أن تنتشلهن من منافي الصمت. إن الكتابة مغالبة لهذا الاغتراب المزدوج. ثمة في أعمال آسيا جبار نزوع واضح للتخفيف من حد ة هذا الاغتراب. لذلك يصبح النص بمثابة فضاء فيه تمارس المؤلفة نوعا من التطهير الذاتي. هذا ما يفسر كون الكتابة لديها تتشك ل مخترقة بالرغبة في تبرير الكتابة في غير اللغة الأم . المطلوب من الكتابة أن تقر ب الإنسان من نفسه وتغرسه في ثقافته. لكن الكتابة في غير اللغة الأم تعمق الفجوة بين المرء ووجدانه. مطلوب من اللغة أن تفصح وتبين وتكشف لكنها في هذه الحال لا تكشف إلا بالقدر الذي تحجب وتباعد الكائن عن وجدانه. تعلن مغالبة الاغتراب المزدوج عن نفسها أيضا في ظاهرة الشفاهية التي تخترق النص إذ تعمد المؤلفة في أغلب الأحيان إلى ترجمة أقوال النسوة الجزائريات ترجمة حرفية بموجبها تضغط لغة الانطلاق ( العامية الجزائرية)على لغة الوصول ( اللغة الفرنسية) وترغم الجملة الفرنسية على أن تمتثل لبنية العامية الجزائرية ولسجلها اللغوي. نقرأ مثلا في المجموعة القصصية التي تحمل عنوان نساء جزائريات في شققهن (Femmes d`Alger dans leur appartement): -نامي يامه، يا عزيزتي، ياكبدي.(ص39) - فليكن الشر عنا بعيدا! همست. زار الموت إسماعين.(ص71) - مثلما تريد يا ابن خالتي، أخت أمي. (ص107) -((Yemma dort mon chéri mon foie!)) (Femmes -d Alger dans leur appartement p. 93(. -((que le malheur soit loin de nous! Murmura-t-elle. -La mort a rendu visite aux Smain.)) (Femmes d Alger -dans leur appartement p. 71) -((Comme tu veux fils de ma tante maternelle! -(Femmes d Alger dans leur appartement p. 107(. غير أن الشفاهية المعول عليها في جعل الشخصيات تفصح عن نفسها في اللغة الفرنسية بأسلوب أقرب إلى العامية الجزائرية إنما يعول عليها أيضا في خلق نوع من المصالحة بين لغة "عدو الأمس" (لغة الكتابة) واللهجة الجزائرية لغة الطفولة والعواطف. حتى كأن الفرنسية توسع على أديمها محلا للمختلف مستعمر الأمس. أو كأن هذه المواضع إنما تجسد خطوة يخطوها كل مختلف باتجاه الآخر. والشفاهية نفسها هي التي ترسم للنسوة الجزائريات المتحدثات أن يستخدمن الفرنسية وفق متطلبات لهجتهن الأم حتى لا يكون الاغتراب كاملا. إن الشفاهية هي مسافة الأمان التي تضمن للشخصيات المحافظة على الجذور. وبذلك تتشكل اللغة نفسها متلفتة إلى الثقافة الأم. هذه هي البنية التي عليها جريان حدث الكتابة عند آسيا جبار في رأيي: المراوحة بين التاريخ والسيرة الذاتية وحكايات ناس بسطاء عاديين لا ي لتفت إليهم عادة وهم من النساء عادة. إن المؤلفة أستاذة تاريخ وجميع أعمالها ترتكز على التاريخ. التاريخ في حد ذاته حكاية. لكنه حكاية تتكتم على عذابات بني البشر. لذلك مثل التاريخ في أعمالها منطقة للاستكشاف وإعادة البناء. بل إن التاريخ يمثل في أعمالها ثابتا من الثوابت ظل ت تعود إليه وتستلهمه في مجمل كتبها. مثلما تمثل ظاهرة الأصوات والحكايات المتراص ة ثابتا آخر ظل ت تعود إليه وتوظفه. فإذا نظرنا في رواية العطش La Soif الصادرة سنة 1957 ورواية عديمو الصبر Les Impatients الصادرة سنة 1958ورواية أطفال العالم الجديد Enfants du Nouveau Monde Les الصادرة سنة 1962 ورواية القبرات الساذجات Les Alouettes Naives الصادرة سنة 1967؛ نلاحظ أن ما جرى إبان حرب التحرير في الجزائر يضطلع بدور الأرضية التي تنغرس عليها السيرة الذاتية وحكايات الشخصيات التي تمنح فرصة التعبير عن نفسها. وفي حين ينفتح نص نساء جزائريات في شققهن Femmes d`Alger dans leur appartement الصادر سنة 1980 على حكايات المنفى ويصبح مدار الكتابة معاناة الجزائرية إبان حرب التحرير في الجزائر ومعاناتها في المنفى بتونس، تواصل المؤلفة لعبة الأصوات المتناوبة التي تمنح العديد من النساء مهمة تول ي حدث السرد وتعول من جديد على المراوحة بين السيرة الذاتية وأحداث حرب التحرير في الجزائر في روايتي الحب، فانتازيا L`Amour،Fantasia الصادرة سنة 1985 و رواية ظل سلطان sultane Ombre الصادرة سنة 1987. ثم ة في أعمال آسيا جبار ما يشير، وإن إيماء، إلى أن المؤلفة قد أدركت في لحظة محددة من مسيرتها الإبداعية أن أنها قد استنفدت موضوع تاريخ الجزائر وما جرى إبان حرب التحرير. أو كأنها أدركت أن التعويل على تاريخ الجزائر قد جعل نصوصها تترد ى في التكرار من جهة الموضوع على الأقل . لذلك عمدت في رواية بعيدا عن المدينة المنورة Loin de medine، الصادرة سنة 1991 إلى تنويع أسلوبها فغابت السيرة الذاتية واستبدل تاريخ الجزائر بما ورد عند مؤرخي الإسلام من أمثال ابن سعد وابن هشام والطبري حول مصائر زوجات الرسول والنساء عموما بعد وفاة الرسول. لذلك اكتفت الكتابة بإعادة ذكر حكايات زوجات الرسول وابنته فاطمة وبعض الشاعرات والنساء المحاربات. فتحولت الرواية إلى مجمع حكايات تتخللها تأملات الكاتبة. وهي تأملات وتأويلات ذات طابع إيديولوجي الغاية منه الإلحاح على أن تطبيق الشريعة الإسلامية بجزائر اليوم أمر مستحيل.غير أن الرواية تتحول إلى رحلة بحث في الماضي عن أجوبة لأسئلة الراهن. لذلك تحم ل الماضي هذه الأجوبة. حتى لتكاد النسوة في فترة الرسول والخلفاء من بعده يلهجن بمقولات معاصرة تخص حرية المرأة والمساواة بين المرأة والرجل. فيطغى الطابع الايديولوجي على حساب الفن الروائي ويرغم الماضي على أن يستجيب لأسئلة الراهن. ههنا أيضا تتنزل رواية واسع هو السجن Vaste est la prison. الصادرة سنة 1995 إذ تعود المؤلفة إلى استعراض ومضات من سيرتها الذاتية في الجزء الأول ثم تتكئ على التاريخ من جديد فيصبح مدار الرواية استدعاء أحداث وحكايات من عهد ماسينيسا الملك النوميدي الذي حلم بتوحيد شمال أفريقيا وتين هينان Tin-Hinan الملكة التوارقية ثم تعود الرواية في الفصل الأخير إلى حكايات نساء الجزائر من جديد. غير أن الناظر في رواية المرأة التي لا قبر لها La Femme sans sépulture الصادرة سنة 2002 يلاحظ أن ظاهرة التعويل على تاريخ الجزائر والمزج بين السيرة الذاتية والأحداث التاريخية ورصف الحكايات المتناوبة التي يراد منها أن تحو ل النص إلى فضاء فيه تسترد المرأة حقها في الكلام وتعيد تصحيح التاريخ تستعاد بالكل تقريبا.
استراتيجيات الكتابة إن المراوحة بين التاريخ والسيرة الذاتية وحكايات النسوة البسيطات العاديات في أعمال آسيا جبار هي التي تجعل الكتابة لديها قائمة على ما يمكن أن أسم يه قانون التراص النصي. وهو، في حد ذاته، طريقة في تشكيل الخطاب بموجبها تتعد د مستويات الرواية، وتتعدد الأصوات ومستويات السرد، وتتعدد الأزمنة، وتقع تشظية الكلام وتفكيكيه بالتعويل على توليد حشود من الحكايات الصغرى التي تتعالق فيما بينها وتتشابك، فتوهم، هذه الطريقة في التشكيل والبناء، بأن الرواية تشهد تصد عات داخلية فتتفتت أو تتحول إلى لعثمة في بعض الأحيان، أو تتخذ طابعا هذيانيا واضحا. يتولد هذا الطابع الهذياني من استراتيجية الكتابة واقترابها من أنساق السرد المتعارفة في المتون العربية القديمة وتباعدها عنها في الآن نفسه. لذلك توهم بنية الحكاية كما تبتنيها آسيا جبار بأنها إنما تنهض على إيراد حكاية أم مولدة تتعالق من حولها حكايات فرعية يديرها قانون التداعي أو التجاور والتتالي كما في ألف ليلة وليلة مثلا وفي رسالة الغفران وكتب السير العربية القديمة. وهذا في رأيي ما جعل المترجمة الانجليزية Dorothy S. Blair تستبدل عنوان رواية ظل سلطان Sultane Ombre بعنوان آخر هو أخت شهرزاد: Sister to Scheherazade (trans. London: Quartet، 1987) ففي رواية ظل سلطان Sultane Ombre مثلا توهم حكاية اسماء Isma بأنها عبارة عن حكاية أم مولدة من حولها تتعالق حكايات غزيرة تتوالد لا تكل هي حكايات حجيلة Hajila، وسيرة المؤلفة التي تروي طفولتها وتعليمها في المدرسة القرآنية وانتقالها إلى المدرسة الفرنسية، وحكايات النسوة الجزائريات اللاتي يروين تغريبتهن ومآسيهن. لا سيما أن أغلب أعمال آسيا جبار إنما تسطر محنة المرأة وتغريبتها المدوخة في عالم يطحن النساء طحنا ويحكم عليهن بالصمت المؤبد. غير أن طرائق انتظام هذه الحكايات هي التي تكشف عن حجم التباعد عن النسق التراثي. فلا وجود لحكاية يمكن أن تنعت بكونها حكاية أ ما مولدة وحكايات أخرى يمكن أن تنعت بكونها حكايات فرعية. ذلك أن الكتابة إنما تتشك ل وتفتتح مجراها كما لو أنها إضاءات أو إيماءات متزامنة إلى حشد من الأطوار والأحوال والأحداث، بموجبها تتم عملية بعثرة الحكايات جميعها وتوليف أقسامها توليفات فتتوالى الروايات وتتناوب فعل القص فتصبح الكتابة قائمة على الإرجاء والتلف ت والاستباق. وبذلك تصبح الكتابة محكومة بقانونين متضاد ين: التشظية والتوليف. تتولد التشظية والتوليف عن رصف الحكايات في شكل طبقات وسراديب متراكبة ومتنافذة في الآن نفسه. وهي حكايات تنهض بمهم ة توسيع دائرة الإضاءة ودائرة الرؤية، إذ تشمل أحداثا ووقائع تتزامن في أماكن مختلفة ووقائع أخرى تجري في المكان نفسه في أزمنة مختلفة. لاسيما أن الكتابة كثيرا ما تدفع الحدث السردي داخل مدارات حالما يرتادها ينفتح على ما تتيحه التقنية السينمائية والمسرحية والفن التشكيلي من إغناء ممكن للكتابة. وهذا الإغناء هو الذي يمكن الفن القصصي من تحقيق فرادته سواء فيما يخص علاقة المؤلفة بنصها ومفهومها للكتابة أو فيما يتعلق بكيفيات استقرائها للواقع والتاريخ واستراتيجيتها في بناء عالمها الروائي. تعلن عملية الإغناء عن نفسها وفق أكثر من طريقة فترد في مجموعة أقاصيص نساء جزائريات في شققهن Femmes d Alger dans leur appartement في شكل كتابة باللوحات والمشاهد. في أقصوصة "الموتى يتكلمون" Les Morts Parlent(*) تعتمد الكتابة على رسم مشهد الجدة الميتة وتتم الإضاءة بطريقة دورية منتظمة. فتنتقل من الميتة إلى المرأة المغطاة بلحاف أبيض، إلى وشوشات النساء وحركاتهن. إن الجامع بين حكايات النسوة في الحب، فانتازيا و ظل سلطان و نساء جزائريات في شققهن وبعيدا عن المدينة المنورة مثلا ، وهي حكايات تلجأ إليها الكتابة القصصية في رحلة بحثها عن توسيع دائرة امتداداتها، كونها إنما تمثل شظايا ومزقا من حيوات يتعالى عليها التاريخ. حتى كأن هذه الحكايات إنما ترد لتكتب تاريخا موازيا يقول حقيقة ما جرى. وهذا الذي جرى ليس مجرد احتلال لوطن يسمى الجزائر وتشريد الجزائريين. إن كلمة احتلال واستيطان وتشريد جميعها كلمات مدانة وقاصرة لأنها تحجب أكثر مما تكشف. فالوطن ليس خارطة وليس بقعة. إنه ناس وأمكنة وبيوت وأشجار وأحجار وهضاب ولكل فرد وبيت قصة، لكل شجرة قصة، لكل مكان حكايته الخاصة، ولكل بقعة تغريبتها الخاصة. وما جرى بعد موت النبي ليس استبعادا لزوجاته وابنته وكل امرأة رفضت الانصياع لسطوة الرجال وقهر التقاليد فحسب، بل هو امتداد لمؤامرة الذكورة على الأنوثة وهو جزء من تاريخ البشرية المأهول بالعنف والقتل وخسران بني البشر ، فمنذ فجر التاريخ انسحبت الأنوثة من التاريخ وخل فت العالم وراءها مرتعا للسطوة والغلبة والعنف. ومنذ فجر الإسلام أرغمت الأنوثة على أن تترك مكانها لذكورة كاسرة مزدهية بفعالها. بعيدا عن الشعارات والأمجاد وإعلاء البطولات الوهمية ينهض الحكي ويضطلع بأشد أدواره خطورة فيلملم الحكايات ويصهرها والرواية تنهض وتكون. وسواء كانت الحكايات تروي تغريبة امرأتين تقتسمان فراش رجل واحد في ظل سلطان Sultane Ombre أو تغريبة نساء روعهن الاستعمار في LAmour, fantasia أو نساء حظين بحب الرسول ثم أرغمن على الرحيل بعيدا عن المدينة المنورة درءا لكيد الرجال وسطوتهم في رواية بعيدا عن المدينة المنورة Loin de Médine فإنها تظل بمثابة مجمع للذاكرة. هذا ما تنهض الكتابة الروائية لتحق قه. لذلك تتشبث بالتاريخ لا لتسايره بل لترغمه على أن يفصح عما يتكتم عليه من وجع بشري تجسده الحكايات الصغيرة التي تتوالد. إن الحدث التاريخيي ستدعى ويتحول إلى قادح يفجر حشودا من الحكايات. حتى أن فعل القص نفسه يتحول إلى طقس جماعي تشترك فيه الشخصيات والموجودات جميعها. البشر يحدثون والأماكن ت حد ث والأشجار، ت حد ث وتنهض الحكاية لمقاومة النسيان. تنشأ بين الرواية والتاريخ من جهة كونه جماع الوقائع والأحداث علاقات تجاور وتناوب، أو تشابك وتماه. فتضعنا الكتابة الروائية في حضرة الغرائبي المتكتم على نفسه في صميم التاريخي. ويسل منا التاريخي (الوقائع والأحداث المتعارفة) إلى المنسي من الوجع البشري وفق نسق، بموجبه، تصبح علاقات التشابك والتناوب والتجاور التي تتوالى بشكل دوري بمثابة قانون إيقاعي لا يخلو من الدلالة: إن التاريخي مجرد غلالة تتستر على محنة الكائن المحجبة في أقاصيه وتلاوينه. والغرائبي هو البعد المنسي مم ا نحسبه أليفا ونخاله معادا متعارفا مكرورا. وبذلك تصبح الكتابة حدث ترحال في ذلك الحي ز الدقيق الممتد في المابين. إن الكتابة لا تصف واقعا بل تتحول هي نفسها إلى واقع. إنها عبارة عن لملمة لمزق من حيوات مخافة أن يطالها النسيان. لذلك تتمر د الرواية على نفسها من جهة كونها حكاية متخيلة وتنشد إلى الواقع حتى أنها تكاد تعلن عن نفسها لا باعتبارها حكاية مبتدعة على سبيل التوهم ومن قبيل التخيل بل باعتبارها تدوينا وإشهادا على ما يتكتم عليه التاريخ من وجع بشري. التاريخ يكتبه المنتصر كما يعبر غرامشي. والشخصيات جميعها في أغلب أعمال آسيا جبار مهزومة تحيا الرعب والخوف وتلقى أقدارها بشكل فاجع. إن التاريخ يكتبه المنتصر. ولا خيار قد ام المرأة باعتبارها قد غيبت من التاريخ وأرغمت على الصمت إلا أن تحتمي بالسرد حتى تدو ن الحكاية كي لا تنسى. لا سيما أن الذاكرة ليست مجرد إدراك يحفظ الوقائع. إنها ملكة مقاومة لسطوة الموت وسلطته. هكذا يتبين أن توسيع الكتابة لدائرة امتداداتها واحتضانها للحكايات والحيوات، هو ما يمنحها هويتها من جهة كونها حركة لا وجود لها خارج امتداداتها. لكن تلك الامتدادات لا تتم بواسطة قانون التداعي أو قانون التضاد . وما أعنيه بقانون التداعي إنما هو محاكاة الكتابة للكيفية التي تطرح حسبها الذاكرة مخزونها في شكل تداعيات أو ومضات. ذلك أن الامتدادات عبارة عن حشود من الحركات والحكايات التي تتوالد غزيرة لا تكل ولا يدركها التوقف. فتصبح حركات الكتابة ولوحاتها ومشاهدها وصورها كما لو أنها تتراءى على أديم مرايا مهشمة. أو لكأن الكتابة محكومة من الداخل بنوع من الفيض الدائم. ذلك أنها قائمة على نوع من التراكب بين مستويات الخطاب هو الذي يجعل من الحكي حدث تفكيك للتاريخ. لا يعلن حدث التفكيك عن نفسه صريحا، بل يتخذ لنفسه مسارب ملتوية مواربة. ويرد في شكل إيهام بأن الكتابة تتعمد خلق نوع من التوازي بين الواقعة التاريخية والسيرة الذاتية، فيما السيرة الذاتية إنما ترد لتخترق الوقائع التاريخية وتفضح ما يتخف ى وراءها. وهذا الذي يتخف ى وراءها إنما هو الحكاية كما جرت فعلا، حكاية المرأة الجزائرية والمرأة المسلمة كما يجب أن تدون وتحفظ وتؤثث ذاكرة الأجيال. لذلك تكف السيرة في أغلب أعمال آسيا جبار عن كونها سيرة فرد، وتصبح نوعا من الاستحضار لتغريبة المرأة المسلمة و تأريخا لناس يمضون لملاقاة أقدارهم المروعة ومصائرهم الفاجعة كأنصاف الآلهة، دون مواربة ودون دهاء. هذا أيضا ما تنهض الكتابة لتقوله فتتشكل لا باعتبارها مجرد حكي وإنشاء وتخيل، بل تنهض باعتبارها جسدا مأهولا بالفقد. والفقد هو ما يجعل منها خطاب إدانة وإشهاد. لذلك تبتني حشودا من المـشاهد تجسد الحيوات والأزمنة التي طالها الفقد وطواها الغياب. *** الثابت أن هذه الطرائق في تشكيل الكلام وتوليد الحكايات وتوزيعها هو الذي يوهم بأن الكتابة الروائية في أعمال آسيا جبار قد تحولت إلى فوضى عارمة بلغت ذرى لا يمكن لها أن تنتظم بعدها أبدا. لكن هذه الفوضى ليست سوى خدعة متأتية عن رغبة المؤلفة في إخفاء كنوز النص وتعتيم دلالاته حد اللبس والتعمية أحيانا. وبذلك يتم إيهام المتلقي بأن الفوضى واللعب المجاني بالأزمنة والحكايات هي المحرك الذي عليه جريان حدث السرد. لكن حالما يقع تمل ي طرائق الكلام في التشكل والتقدم والتعالق ينكشف النظام الصارم الذي لا يترك أي شيء للصدفة أو للاتفاق والبخت. فداخل هذه الفوضى ثم ة نسق يستند إلى عقل مدبر يمتلك مقدرة فائقة على استلال الحكاية من معدنها الأساسي أعني الحياة، حياة الناس البسطاء الذين عانوا من الاستعمار والقهر وعاشوا الإقصاء والتغييب قصد تدوينها وتأثيث الذاكرة لا بما يقوله التاريخ الرسمي، بل بما يتكتم عليه ويحجبه. ومن هنا بالضبط، تستمد الكتابة شرف الاسم. إن الكتابة لا تصف ولا تنقل بل تبتني الحقيقة التي تعلن عنها. وهو ما يحو لها إلى مدونة لحكاية تكشف عظمة الكائن حين يحاول أن يكون سيد سؤاله وسيد مصيره داخل تاريخ مسيج بالويلات والمظالم والدياجير.
ثارات النسق الروائي ومكر الاستشراق لقد مثل الاتكاء على التاريخ في نصوص آسيا جبار وحرصها على منح المرأة حقها في أن تقول ذاتها وإدراجها لمقتطفات من سيرتها الذاتية القوانين التي عليها جريان الكتابة. بل إن هذه القوانين نفسها هي التي مثلت سر قوة النصوص وأسهمت في ابتناء أدبيتها وهي التي مكنت آسيا جبار من تأسيس عالم روائي خاص . لكن ظاهرة العودة المستمر ة إلى القوانين ذاتها أعني توظيف التاريخ/وإدراج مقتطفات من سيرة المؤلفة/ورصف حكايات منتزعة من الواقع، قد وضعت الكتابة في حضرة مآزق عديدة تكشف عنها رواية آسيا جبار الأخيرة المرأة التي لا قبر لها La Femme sans sépulture. وهي رواية تشير صراحة إلى أن استخدام التقنيات ذاتها والعودة إلى المواضيع نفسها هي التي جعلت المؤلفة تحاكي نصوصها السابقة. كأن المؤلفة قد طلبت من التقنيات ذاتها أكثر مما تقدر على تحم له والإيفاء به فانقلبت عليها وأوقعتها في التكرار والاجترار . حتى أنه إذا تم التغاضي عن كون أغلب الروايات التي أنجزتها المؤلفة تتكئ على القوانين نفسها وتستعيدها استعادة تام ة أو تكاد فإن الناظر في روايتها الأخيرة المرأة التي لا قبر لها La Femme sans sépulture الصادرة سنة 2002 ، سرعان ما يدرك أن القوانين والثوابت التي درجت المؤلفة على تكريسها والاتكاء عليها (التاريخ/السيرة/حكايات نسوة عاديات) قد وصلت بها إلى الطريق المسدود. فلا شيء تقريبا يمكن أن يعد جديدا أو مبتكرا في رواية المرأة التي لا قبر لها. فمنذ سنة 1980، تاريخ نشر مجموعة القصص التي تحمل عنوان نساء جزائريات في شققهن Femmes d Alger dans leur appartement، لم تتمكن أعمال آسيا جبار من افتتاح آفاق جديدة من جهة بنية الرواية واستراتيجيات الكتابة ومن جهة الموضوعات. إن الرواية الجديدة تستعيد التقنية ذاتها فتزاوج بين التاريخ كما ترويه نساء جزائريات عشن في فترة الاستعمار وبعد التحرير وتضم المؤلفة صوتها إلى صوت النسوة اللاتي يتول ين فعل القص فتدرج بعضا من وقائع سيرتها الذاتية. وتعمد في الآن نفسه إلى الاتكاء على ما ورد في بعض الوثائق التاريخية التي ترى أنها تخدم عملها. حتى أن من يقرأ هذا العمل سيجد نفسه عائدا على عقبيه يستكشف طرقا كان قد تجول في كل تفاصيلها في رواياتها السابقة. للموضوع المحبب لدى آسيا جبار ثاراته أيضا. فلقد نذرت المؤلفة أعمالها لكتابة تغريبة المرأة المسلمة بهدف إعطائها فرصة الخروج من منطقة الصمت ودائرة العتمة. بل إن الكتابة قد نذرت نفسها للانتصار لقضايا المرأة الجزائرية والمسلمة عموما. وجاءت الكتابة لتفضح ما يتكتم عليه التاريخ من إقصاء للنساء وتغييب لهن. لقد تمكنت المؤلفة من تنويع الأرضية التاريخية التي تستند إليها في مجمل رواياتها. لكن الموضوع ظل واحدا يستعاد. وسواء تناولت الكتابة منزلة المرأة المسلمة بعد وفاة الرسول أو تناولت منزلة المرأة في عهد الاستعمار بالجزائر أو تحدثت عن المرأة بعد الاستقلال، فإن صورة المرأة تظل واحدة أو تكاد. إنها صورة نمطية معممة. صورة امرأة لا تملك قد ام سطوة الرجال سوى الاحتماء بالصمت والتشهير بالذكورية الكاسرة التي تحكم عليها بقدر لم تختره. نقرأ مثلا رواية ظل سلطان ص80: كنت تتخيلين الخارج الذي يعج بالذكور يتسكعون بإيقاع مرتجل... لكنك لم تكوني قد فهمت شيئا: حين يخرجون من البيوت إنما يكون ذلك ليعرضوا جراحاتنا، تلك الجراحات التي أثخنونا بها طيلة أجيال: آباء فظيعون، وإخوة متواطئون يلتذون بإخراس أجساد النساء. ((Tu imaginais le dehors encombré de males qui déambulent selon un rythme improvisé... Or tu n`avais pas compris : quand ils sortent c`est pour exposer nos blessures celles que pendant des générations ils nous ont appliquées en stigmates - Pères terribles frères tacitunes qui s ammurent - dans l ensevelissement imposé aux corps femelles ! -(Ombre Sultane p. 80(. إن تصوير المرأة المسلمة على هذا النحو القاتم الفاجع من شأنه أن يخدم الرواية ويخدم الطرح الايديولوجي الذي تنشد المؤلفة إيصاله إلى المتلقي. لكن هذه الصورة النمطية المعممة في الزمان والمكان تجعل الكتابة تترد ى في دائرة المطلقات. فتبدو الجزائر والعالم الإسلامي عموما عالما جحيميا كابوسيا. إنه جحيم المرأة الذي لا تملك منه فكاكا أو خلاصا. ومن هنا تتسلل الرؤية الاستشراقية الظلامية إلى أعمال المؤلفة. فلقد حرصت العديد من الخطابات الاستشراقية التي كتبها رحالة من أمثال بوكلير موسكاو في كتابه سيميلاسو في أفريقيا (1835) وضباط ساهموا في غزو البلدان العربية من أمثال جوزيف ماري موارية في كتابه مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر (1798) وروائيون فرنسيون من أمثال جورج ديهامل في روايته الأمير جعفر (1924)على أن ترسم للمرأة المسلمة صورة المرأة مقيمة في غياهب جحيم الشرق. والمرأة التي ترسمها آسيا جبار لا تختلف في شيء عن تلك التي وصفها هؤلاء. وتلك مكائد المتخيلات التي تبنتها الخطابات الاستشراقية. وهي متخيلات كثيرا ما تسل لت إلى الثقافة العربية وتلقفت الخطاب العربي المعاصر سواء كان رواية أو شعرا أو تفكيرا نقديا. |
|||||
|
|||||