|
|||||
|
أبناء جيل الستينيات الروائي في مصر عاصروا مرحلة سياسية غنية بالأحداث ادت إلى مرحلة اجتماعية مغايرة، جعلهم ذلك يجنحون إلى الكتابة الواقعية عن مدى التردي الاجتماعي الذي حاق بالواقع العربي. يعد كل من يوسف القعيد وجمال الغيطاني كاتبا من جيل الستينيات الروائي الذي ظهر بجلاء في مرحلة مفصلية من تاريخ الرواية المصرية تتمثل في نكسة 1967. ذلك الجيل الذي حمل على عاتقه مسؤولية تغيير طرائق الكتابة الروائية سعيا إلى ما يعرف بالكتابة الجديدة، واختار من مادة الواقع ما يقدم به صورة للمجتمع المعيش. وقد نشأ أبناء هذا الجيل في ظروف متباينة، بينما كانت هناك ظروف عامة بمثابة عامل مؤثر في هذا الجيل أولها أن التيارات الفكرية والمدارس الأدبية التي شاركت في صنع فكره وحساسيته (من جانبها الأيديولوجي والجمالي) لا يمكن حصرها بين ما هو قديم وما هو جديد، وبين ما هو مباشر قادم من الحركة الاجتماعية / الثقافية المحيطة بهم في مصر والعالم العربي، وغير مباشر قادم من مصادر التأثير العقلية الأجنبية من فلسفة وفكر سياسي وفنون وتاريخ وأعمال أدبية ونقدية وموسيقية وتشكيلية. والثاني هو تشابك كل تلك المؤثرات المباشرة وغير المباشرة الاجتماعية والعقلية وتفاعلها الدائم مع رغبتين متلاحمتين نبعتا- دون شك - عند أجيال سابقة من الأدباء المصريين ولكنهما بلغتا مستوى من النضج الواضح عند أدباء جيل الستينيات رغبة في تحليل الواقع المعيش والنظر إلى الثقافات السائدة - المحلية والواردة - في ضوء الفهم النابع من الاجتهاد الخاص لكل من هؤلاء الأدباء، ثم جنوحا إلى تأصيل الفكر الشخصى في ضوء إدراك الاديب لتجاربه الاجتماعية والذهنية وما حصله من تجارب الآخرين المعاصرين له من جيله أو من الأجيال الأخرى فحينما كان جيل الستينيات قد بدأ يدرك ذاته (كتب القعيد روايته الأولى "الحداد" 1969 بينما سبقه جمال الغيطاني بقصصه القصيرة "يوميات شاب عاش ألف عام") وهي نصوص كان لصدورها في مرحلة باكرة من عمريهما تمثيل لما حمله جيل الستينيات من نصيب مما وصل إليه من إرث آبائه منذ ظهور رواية محمد لطفي جمعة"وادي الهموم" 1905 - ثم "عذراء دنشواي" 1906 لمحمود طاهر حقي. فإذا ما انتقلنا سنوات عد ة بعدهم نجد أولى المحاولات الروائية التي صار في إطارها تحديد بدايات الرواية المصرية عندما صدرت رواية "زينب"(1). ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى تعددت المحاولات الروائية في اتجاه امتلاك يضعف ويقوي لأدوات الرواية كما فهمها الغرب في عصره الذهبي. وفي سنة 2291 أصدر عيسى عبيد روايته"ثريا"، ثم أصدر محمود تيمور "الأطلال" 1934. كما أصدر طاهر لاشين "حواء بلا آدم" 1934، وهكذا بدأت مساهمة المدرسة الحديثة في بناء الرواية تتضح شيئا فشيئا؛ فظهرت نصوص لكتاب أبدعوا في أنواع أدبية أخرى. إذ ألف توفيق الحكيم "عودة الروح" 1933 و"يوميات نائب في الأرياف" 1937 و "عصفور من الشرق" 1938، وألف طه حسين "الأيام" 1929 و"دعاء الكروان" 1934 و"أديب" 1935، وألف العقاد "سارة" 1938 والمازني "إبراهيم الكاتب" 1932 ثم إبراهيم الثاني(2)، وهكذا اشتملت هذه المرحلة على محاولات متفرقة في مجال الرواية. فإذا انتقلنا إلى رواية الأربعينيات نجد أنه ظهر ما يعرف بالرواية الاجتماعية. وفي إطارها يندرج عدد كبير من الروائيين وإن اختلفت انتماءاتهم الفنية. وتعتبر رواية "القاهرة الجديدة" 1944 لنجيب محفوظ - التي تجاوز بها مرحلة الرواية التاريخية التي بدأ الكتابة فيها بـ"عبث الأقدار" 1939 - ثم "رادوبيس" 1943، ثم "كفاح طيبة" 1944- حجر الزاوية الذي يعكس تحول محفوظ من مرحلة إلى أخرى، كما تعلن عن تبلور الاتجاه الواقعى الذي سيصبح مدرسة واضحة المعالم تبلغ قمتها مع الثلاثية "بين القصرين 1956 - قصر الشوق 1957 السكرية 1958"، وفيها جس م نجيب محفوظ الواقعية أفضل تجسيم عندما جعل الشخصية تخضع لشروط ثابتة خارجة عن نطاقها كالبيئة العامة والوراثة بمختلف أشكالها.
وقد تكاثر آنذاك كتاب الواقعية وتنوعت نصوصهم فرواية "الأرض" 1954 لعبد الرحمن الشرقاوي تختلف في موضوعها عن روايات نجيب محفوظ. إذ ركزت على الصراع بين الفلاح والسلطة واحتلت قضية الأرض وما يتعلق بها من أوجه الحياة في الريف المصري مكان مظاهر الحياة الشعبية في القاهرة القديمة، كما تبدو لنا في روايات نجيب محفوظ مما يبعدها أكثر عن مظاهر الرواية التسجيلية ويقربها من مفهوم رواية الواقعية الاشتراكية. ولئن اقترب فتحي غانم من الواقعية الاشتراكية في روايته "الجبل" 1959؛ فإن نصوصه الأخرى كانت أقرب إلى الواقعية الجديدة ولا سيما رواية "الغبي« التي استخدم فيها الحرف بديلا عن الكلمات حين تحول الغبي إلى حرف (غ). كما احتلت رواية"الحرام" 1959 ليوسف إدريس مكانة خاصة في هذه المرحلة حيث تصف الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها عمال فصليون (ترحيلة)، وتركز على المصائب التي ألم ت بفلاحة فقيرة تغتصب من أجل البحث عن قوت يومها وأطفالها وزوجها المريض، وتنجب حراما فتقتل الوليد وتموت مصابة بحمى النفاس. ولئن كان نجيب محفوظ قد أنجز نصوصا على قدر كبير من الأهمية قبل ثورة يوليو 1952 ثم انقطع عن الكتابة فترة زمنية امتدت إلى سبع سنوات حتى 1959؛ فقد أتاح الفرصة لمجموعة من الروائيين - من الجيل التالي عليه - أن ي ظهروا إبداعهم الذي يختلفون عنه من حيث منطلقاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية لكي يبدعوا في إطار الواقعية، وبذلك أضحت الواقعية واقعيات طبقا لتنوع كتابها، كما أن هذه المرحلة مكنت نجيب محفوظ من الانتقال إلى مرحلة جديدة من الواقعية. وإذا اعت برت رواية"أولاد حارتنا« التي صدرت مسلسلة في جريدة الأهرام 1959 "ضرورة فكرية تحتمها نهاية الثلاثية التي هي حصيلة لفلسفة نجيب محفوظ عامة في رواياته السابقة"(3)؛ فإن روايتي "اللص والكلاب والسمان والخريف" 1962 هما حجر الزاوية لمرحلة ما يسم ى بالواقعية الجديدة في مسيرة نجيب محفوظ التي اختتمها مع نهاية الستينيات. يصف غالي شكري نجيب محفوظ بأنه "روائي مرحلة الانتقال بحق. وهي مرحلة محلية وعالمية في آن، وهو انتقال فكري وحضاري معا؛ لذلك كانت شخوصه وأحداثه ومواقفه مزدوجة الوجوه والرموز والأغطية"(4). إن نجيب محفوظ الذي مر بتجارب مختلفة واستوعب أشكالا متنوعة فتح باب المغامرة الفنية أمام الروائيين الشبان أي جيل الستينيات؛ إذ هيأ القراء لتقبل المغامرات في الشكل، وأتاح لكل منهم أن ينفرد بتجربة محددة ويتابع مسارا محددا. هكذا أمكن أن تتعمق التجارب المتنوعة، فيصبح التراث منهلا بأشكال مختلفة عند جمال الغيطاني، كما تصبح التجربة السياسية المباشرة مصدرا ليوسف القعيد. وعلى هذا الأساس نعتبر هذه المرحلة تجاوزا. فقد ظهرت مجموعة من الروايات إلى جانب روايات محفوظ "جاءت تحمل معها مؤثرات التجاوز وتعمق الرؤية الواقعية من خلال أشكال جديدة مركبة تضرب في أعماق الذات الفردية والجماعية وتحقق الشعرية اللازمة عبر الفضح والاحتجاج" (5). وقد هيمن الاتجاه الجديد - الذي جاء مع كتاب جيل الستينيات - على هذه المرحلة فاستعملت مصطلحات كثيرة للتأكيد على صفة التميز فيها من بينها مصطلح "جيل الستينيات". وقد سجل اعتراض بعض نقاد الأدب على ذلك خاصة "أولئك الذين ينظرون إلى الأدب بوصفه جزءا من كلية اجتماعية تاريخية محددة، و لوحظ أن مصطلح" أدباء الستينيات "قد لاقى انتشارا واسعا في الصحافة ودور النشر وهو يعني "مجموعة من القصاصين والروائيين وربما بعض النقاد الذين ظهروا في الستينيات محاولين شق تيار متميز في الثقافة المصرية"(6). ويصف محمد برادة نصوص ع قد الستينيات الحافل بالتغيرات قائلا : "في الستينيات بدأت تظهر كتابات روائية جديدة تتميز بحساسية مغايرة للحساسية الرومانسية والواقعية والمثالية التي طبعت أعمال جيل الرواد والمؤسسين، وكان هذا التحول في الكتابة الروائية - وأيضا الشعرية والقصصية والمسرحية - متصاديا مع بروز وعي انتقادي متجه الى إعادة النظر في الموروثات والمستوردات من القيم وأنماط التفكير والتحليل ذلك أن نمو المجتمعات العربية لم يستجب لتطلعات الأغلبية نحو العدالة والتقدم والتوازن، وكانت الاستقلالات السياسية فترة لانجلاء الأوهام، وانكشاف سرابية الاختيارات الليبرالية والثورية، وجاءت الاحباطات لتؤكد المأزق الشامل، ولتفسح المجال أمام الأصوات الانتقادية التي تنأى عن الشعارات والخطابات المطمئنة المتفائلة لتعتنق التحليل التاريخي والاجتماعي، ولتصغي إلى اسئلة الواقع ولغته المعقدة الكاشفة للحقائق"(7). وتم ربط نشأة هؤلاء الأدباء بعلاقاتهم بالسلطة السياسية. فهم من ناحية أبناؤها الشرعيون الذين نشأوا معها وترعرعوا في أحضانها وشهدوا انتصاراتها وانتكاساتها، ومن ناحية أخرى يحاولون الخروج على مفاهيمها الفكرية ومناحي التوجه والسلوك لديها. وهكذا يظهر أن أبناء جيل الستينيات الروائي في مصر كما عاصروا مرحلة سياسية غنية بالأحداث ادت إلى مرحلة اجتماعية مغايرة، جعلهم ذلك يجنحون إلى الكتابة الواقعية عن مدى التردي الاجتماعي الذي حاق بالواقع العربي.
1- نص يؤكد بؤس الواقع من يقرأ نصوص الكاتب يوسف القعيد- التي بدأت منذ عام 1969 بنص رواية"الحداد" واستمرت لمدة أكثر من ثلاثين عاما وقد بلغت تسعة عشر عملا روائيا - يدرك أن القعيد يحمل هما اجتماعيا بكل تناقضاته وإيجابياته وسلبياته، ولهذا تكشف نصوصه الأدبية عن مدى التفاعل بين الذات وبين الواقع الذي تعيش فيه وتتأثر به، وقد اتخذ القعيد من الواقع المصري منبعا ثريا يستقى منه قضاياه مؤمنا بأن الأديب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل من الأدب وسيلة للتغيير والتجديد لكل ما يعتري المجتمع من أعطاب، ويمكن ارجاع ذلك إلى طبيعة الحقبة التي عاشها وعاصرها أي منذ ستينيات القرن الماضي، وقد حفلت بالكثير من التطورات المفاجئة والصراعات والتناقضات المعقدة على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد اختار يوسف القعيد نهج الواقعية وسار عليه منذ البداية، فكان واقعيا اشتراكيا يلتزم بقضايا الفقراء والمقهورين والفلاحين الذين يعانون مرارة الفقر والجوع والعري وبشاعة التخلف والجهل، وحرص على تقديم رؤية موضوعية للحياة المصرية منزهة عن الأحلام الرومانتيكية السابحة في عالم الخيالات والأوهام. وتشهد على ذلك موضوعات رواياته وعناوينها (الحرب في بر مصر- يحدث في مصر الآن - شكاوى المصري الفصيح - وجع البعاد)، فأزمة الواقع المصري، وقضية غربة الأبناء عن الوطن الأم احتلت جزءا متراميا من تاريخه الروائي. ومؤخرا صدر له نص "قطار الصعيد« عن دار الشروق بمصر. والنص مفعم بالتفاصيل التي لا يدركها سوى المصريين الكادحين، قصة رواية "قطار الصعيد" قد تكون تقليدية، لأنها رحلة يقوم بها صحفي بحثا عن تحقيق في جريمة قتل، وهذه التيمة ليست جديدة على الرواية المصرية، فهي تذكرنا بنص الجبل للكاتب فتحي غانم الذي ذهب بطلها المحقق كي يكشف سر قضية حيوية - في صعيد مصر السفلي - تتمثل في معرفة أسباب عدم ترك أهل الجبل له وحفرهم فيه إيمانا بوجود كنز عظيم. رواية قطار الصعيد هي الأخرى عبارة عن رحلة بحث، ولكنه ليس بحثا فقط، بل هو بحث مائز يكشف عن قضية قتل قامت بها سيدة في مدينة المنيا، وهو ليس قتلا عاديا، بل قتلا مزدوجا، حيث قتلت زوجها وحارسه في آن معا. ومن خلال هذه القضية التي قد تبدو عادية، ت لم س الرواية على قضايا شديدة الحساسية تستوثق المجتمع المصري، ليس في جنوبه - المتمثل في الصعيد- فحسب، بل في الواقع الاجتماعي لهذا المجتمع بأسره.
زمن النص يقع زمن نص "قطار الصعيد" للروائي يوسف القعيد في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، ومن المعروف أن هذه الحقبة من تاريخ مصر كانت أكثر الحقب غضاضة في تاريخ الأمة المصرية، حيث استفحلت عيوب الانفتاح الاقتصادي الذي أدى الى وجود طبقتين من الشعب، طبقة تعاني الفقر المدقع، وطبقة تعاني من الثراء الفاحش، أو كما يكتب عنها يوسف القعيد (طبقة تموت من الجوع، وطبقة تموت من التخمة) وبينهما الطبقة التي تقع في الوسط وبالكاد تلملم حياتها. وقد عبر النص عن عيوب هذا الزمن في لغة بليغة موجزة "هرب الرجال، هجرة جماعية، خرجت البنات، أموال البترول جاءت، والمجلات ملأت الشوارع، والتلفزيونات في كل بيت، وجوازات السفر في الأيادي، والدولار ظهر على المقهى وفي الحقل" (قطار الصعيد - ص 43) لقد أراد القعيد ان ينقد هجرة الأراضي الزراعية وترك الفلاحين لها بحجة السعي وراء لقمة العيش في الخليج، لكنه كشف أيضا عن مدى المساوئ التي تقع من جراء ذلك على الأمة المصرية، فينفق العائد كل أمواله على اللهو، ثم عندما تفنى يعود من حيث أتى، وكل هذا يتم على حساب الأرض الزراعية، وعليه تحولت القرية الجميلة التي كانت تنشر خيرها على المدن الى مدينة أخرى. ولأن النص تقع أحداثه في صعيد مصر (إحدى قرى مدينة أسيوط) وفي هذا الزمن - أيضا - كانت عملية الثأر متفشية بين العائلات، فقد أجاد الكاتب طرح هذا الفعل "فجأة دوى صوت الرصاص، هذا أقوى صوت سمعته في حياتي، رأيت بعينى رشاشات تنطلق منها النيران في الميدان، صفق واحد من الشبان الذين أطلقوا الرصاص وعندما جاءه صبي المقهى مرعوبا، سأله إن كان قد شاهد أو سمع أي شيء، نفى الصبي.. قال الضابط موجها سؤاله لكافة الجالسين: من رأى القاتل ؟ لم يرد على الضابط أحد، كانوا يتعاملون مع الحدث على انه عادي ويومي لم تكن هناك دهشة في الأعين ولا استغراب على ملامح الوجوه" (ص61) فالخوف من الإدلاء بمعلومات عن الحادث أكبر من سطوة الشرطة على الشعب، فعندما يسأل الضابط عن الفاعل او الحادث لم يجبه أحد، فهذا يعني سهولة سيل الدم في الصعيد وسرعته وحدوثه أي وقت، في بلاد الدم الذي يطغى فيها الصمت على الحقيقة، مما يدفع الى استمرار جريمة الثأر وتفشيها بدلا من النهوض للقضاء عليها. لقد سافر الصحفي في مهمة محددة الى جنوب مصر، لمعرفة دواعي جريمة قامت بها امرأة "زوجة شابة قتلت زوجها وعشيقها في لحظة واحدة، وسلمت نفسها للبوليس بعد ذلك". لكن من خلال زاوية النظر الصغيرة هذه يكتشف جرائم أكبر منها. ولئن كانت هذه الجريمة النكراء خلفها دواعيها النفسية والإنسانية التي طرحها القعيد بخبرة الكتابة التي مارسها منذ أكثر من ثلاثين عاما، فإن هذا النص كان مجالا فسيحا لذكر عيوب السبعينيات التي طرحت لأول مرة في تاريخ مصر مقولة عنصري الأمة (الأقباط / المسلمين) وقد كشف النص عما عاناه المجتمع بأثره من هذه التفرقة. ذهب الصحفي الى الصعيد كى يستكشف جريمة صغيرة، لكن هاله ما وجد من جرائم أخرى أكبر منها تنخر في جسد الوطن، وقد ظهرت جماليات اللغة الروائية للقعيد عندما كشف عن مدى القنوط الذي عاناه الصحفي واليأس الذي عاد م حملا به بعد فضح واقع الجنوب، فيعود من حيث أتى ويستصغر ما ذهب بشأنه أمام ما وجد، فلا يكتب. وهو يؤكد أنخ لا حرية لكاتب في مجتمع غير حر يعمد إلى قمع الحريات ومصادرة الأقلام وممارسة القهر والضغط على أصحاب المواقف الجريئة الثابتة. فالحرية للسلطة تفعل ما تشاء، ولشعبها مطلق الحرية في تأليه الحاكم والتمتع بصوره على شاشة التلفاز، وعندئذ ما حاجة الناس إلى الحرية في بلد يعاني القهر والضغط من جهة، والجهل والأمية والفقر من جهة أخرى؟. ففي عصر الانفتاح والديمقراطية الزائفة والحرية الهش ة التي آلت إلى هجرة الكثير من المثقفين إلى خارج مصر، كتب رئيس الدولة(أنور السادات) في مذكراته"أنا أصدر في كل قرار أتخذه وكل عمل أقوم به عن الإيمان الراسخ بحق الإنسان في الكرامة والحرية والسلام والمساواة"(8). وإزاء هذا الموقف يقع الصحفي المثقف الذي يمثله بطل رواية قطار الصعيد في هوة عميقة تفرق بين الشعار المعلن الزائف وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع، في زمن كان الإحساس بالحرية باعتبارها قيمة مهدرة يعود حسب رؤية القعيد"كان حديث العام عن الحرية يؤكد دائما أن الحرية السائدة هي حرية الفئة الحاكمة فقط في أن تفعل ما تشاء وليست حرية المجتمع كله أي حرية مجموعة مرتبطة بالحاكم والباقي مجرد استكمال ديكوري" (9). فضلا عن أن حبس الكلمات ومصادرة الأفكار واصطياد الخواطر هي المأساة الكبرى التي وقع فيها الصحفي/الراوي في مجتمع الصعيد فقدر المرارات والرقابة والممارسات السلطوية الضاغطة والقمعية الخانقة والشكل الزائف الهش الواهي للحرية المعلنة كلها دواعي لعودة الصحفي من مجتمع الصعيد الثأري دون ان يفعل شيئا. إن مفهوم يوسف القعيد لقضايا مجتمعه ترتبط بمفهومه للواقع وإحساسه به. فالعدالة الاجتماعية عند القعيد حق طبيعي ومطلب شرعي وضروري وعامل فاعل في حياة الإنسان. فالإنسان لا يستطيع تحقيق ذاته وأداء دوره في المجتمع الإنساني من دونها،أو على الأقل دون الحصول على درجة منها، والفقر والظلم والإحساس بالقهر والطبقية دلائل على غياب العدالة الاجتماعية، وانعدام التكافؤ الاجتماعي. قضية العدل الاجتماعي هي قضية العمر المحورية بالنسبة للقعيد الذي خرج من واقع اجتماعي ريفي ظل دائم التعبير عنه في رواياته كلها سواء في المرحلة التي كان الريف فيها هو محور اهتمامه، أم مرحلة تعبيره عن الواقع الاجتماعي المنحدر الذي تكسو به المدينة قاطنيها.
2- ثقب النوافذ الصعيد هو المرجعية الذهنية التي ينطلق منها راوى "نوافذ النوافذ" أحدث روايات جمال الغيطاني الصادرة عن دار الهلال بمصر، والغيطاني في هذا الجزء الثالث الذي سبقه بجزأين (خلسات الكرى ودنا فتدلى) من سلسلة ربما يكون من قبيل الحكي السيرذاتي، أي الذي ينطلق منه الكاتب وقد يضع بين ثنايا النص ما يتطابق مع بعض وقائع حياته. والصعيد / المكان هو الجامع المشترك بين رواية "قطار الصعيد« ليوسف القعيد و"نوافذ النوافذ" لجمال الغيطاني. يقول الراوي في الجملة الأولى من النوافذ "البيت الذي وفدت منه إلى الدنيا مثل بيوت الصعيد العتيقة كان مفتوحا على الداخل، الباب الرئيسى فقط يجتازه الداخل والخارج، الغرف حول الفناء المتصل بالكون لا سقف له، إلى الركن الأيمن الفرن، على مسافة منها الصومعة التي يحفظ فيها القمح أو الذرة أو حبات الدوم، غرف ثلاث تطل بأبوابها وعتباتها على الفناء" (ص7). في نوافذ النوافذ ينبغي أن نركز على دلالة العنوان، حيث النوافذ أطر تصور ما يراه الناظر عبرها كما أنها "تحدد وتعين المنظور وما يمكن للبصر أن يراه" وقد أراد جمال الغيطاني بهذا العنوان أن يؤكد عبر وجود المبتدأ( نوافذ) نكرة ثم تقديمه في جملة ناقصة معرف بـ"ال" تأكيدا على أن النوافذ هي الهادي للمتلقي لما سوف تقدمه "نوافذ" الأولى من إبهام وسوف تعين من يبصر من خلالها على اتساع الرؤية للواقع المحيط به. والغيطاني يوقع قارئه في شرك حكيه الـ"لامتواني"، فالمتلقي في النص واقع في أسر حكي الراوي فقط ولا فرار منه، فالراوي هو المهيمن الذي يقدم ما يقدمه ويحذف ما يحذفه ويدخل متلقيه في أحبولة من السرد الدائري الذي لا يستطيع عبره الفكاك من أسلوب ألف ليلة وليلة بأي حال، بل إن الغيطاني لشدة تأثره بأسلوب ألف ليلة وليلة -الذي اتبعته شهر زاد راوية البشرية الأولى- يذكره بالفعل في النص "بعد بدء قراءتي لألف ليلة وليلة استعيد بعض حكاياتها فكأنها من تجاربي المحسوسة لا ادري ايهما الحقيقي وأيهما المتخيل؟ كنت أحول السطور إلى صور ومواقف وانفعالات أحيانا أبكي ج ل د كازيمودو ومرة ألتزم الصمت حزنا على مصرع دارتنيان النبيل وأمسك أنفاسي عند خروج المحبوس من القمقم المختوم وتهديده للصياد الفقير". نوافذ أولى- نوافذ الفزعات - نوافذ الرغبة- نوافذ السفر-نوافذ الظهور-نوافذ الروح-نوافذ مؤدية. تلك هي العناوين التي ضمها النص وكل عنوان منها يمثل مرحلة من مراحل تنامي الراوي فالمرحلة الأولى هي التي تكشف لنا مهاد حياته بينما عبر المراحل الأخرى تنكشف حياة ذلك الراوي الذي يؤثر على نفسه ألا يعرفه أحد سوى من خلال المروي منه عن نفسه، أما الشخصيات غير المسماة في النص فليسوا أبطالا بقدر ما هم علامات دالة على سرد الراوي واستشهاده بهما هو في سبيل تدعيم النص ولسبغ المصداقية عليه. النوافذ الأولى تمثل الخطوة التي يقدمها الراوي كمقدمة للمراحل التالية التي تصب كلها في واقع استدعاء الكاتب لمسار حياته ومن يمرون على تلك الذاكرة الحية التي تحرك مسار الأحداث. ففي النوافذ الأولى يخلص الراوي في وصف المكان العتيق الذي ينتمي اليه وهو حي الجمالية بجانب حي الحسين أحد أحياء مصر المباركة (وهذا ما يذكرنا بثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة التي سردها عن المكان نفسه) يقول الراوي: "يخرج أبي بعد الظهر قاصدا مسجد وضريح مولانا الحسين، ثم إلى فندق الكلوب المصري حيث يلتقى بالقادمين من جهينة والنواحي الأخرى" وجهينة إحدى مراكز الصعيد حيث منشأ الراوي وذكرها يؤكد على التداعي الحر بين المكان القار فيه بالفعل والمكان الذي هاجر منه ولا يزال عالقا بالذاكرة. يقتصر السرد في النوافذ الأولى على مرحلة الطفولة والصبا للراوي والعادات المستشرية في درب قرمز بالجمالية حيث يسكن، وقد زاد في اسلوب شائق عبر ذكر سلوكيات الجيران النابعة من التواجد في الحي الشعبي "هذه شقة أم سعيد وتلك ام أحمد الاخوانجي (نسبة إلى الإخوان المسلمين) وتلك شقة سعودي الجزار في بيت الفص، لا أذكر إلا سيدة واحدة كانت تصفها بالحلبية ربما لأنها كثيرة الجار تقف حافية في الحارة وبدون ملاءة لف بقميص النوم الذي يبرز ولا يخفي تأتي من الحركات ما يدفع بالأمهات إلى إقصاء الأولاد عن النوافذ والشرفات حتى لا يخدش حياؤهم« فالحي الشعبي الموصوف -أيضا - عبر النافذة هو الذي يسلك أهله جزء من سلوكهم بما يتضاهى معه. فالمجتمع المغلق الذي يمثله الحي يجعل الكل يرصد حركات الكل في آن ويترصد لبعضه على أقل الأفعال في آن آخر. وكل سكان الحي خاضعون لرؤية الراوي وتحليله لهم عبر النافذة التي تمثل له الرؤية الثاقبة "بيت السني نسبة إلى الشيخ السني بمجرد ظهوره في الشرفة يعبق الهواء بالمسك حرفته قدرته التي لا ينافسه فيها أحد هي تركيب العطور لمحبي وزوار مولانا" هذا نموذج النموذج البشري الآخر "فتحي الكهربائي متوسط القامة عدو الشمس يرتدي قميصا وبنطلونا لباس معظم رجال الحارة الجلباب بنوعيه بلدي وافرنجي فتحي يعمل بورشة كهرباء لكنه يذاكر في مدرسة ليلية بالفجالة ليحصل على البكالوريا" والى جانب وصف الشخصيات الذين هم قطعة من المكان فقد حرص الراوي أيضا على أن يذكر بعضا من الاماكن الحية والعلامات الاثرية الموجودة مثل درب قرمز والمسافرخانة "في المسافرخانة كانت النوافذ تدير ظهرها للشوارع تطل على الداخل، حديقة البيت وفناؤه المتصلة بالسماء، النوافذ لم تكن سافرة إنما محجوبة بشبكات من الخشب المخروط في تشكيلات«، والمسافرخانة حيث ملتقى الفنانين التشكيليين والاثريين الذين يستقون من المكان مادة لعملهم وما ذكرها عبر سرد الراوي إلا لأهميتها. الجزء الأول من النص يمثل الحقبة الأولى من حياة الراوي التي عهد فيها على نفسه أن تكون حجر الزاوية لغرضه المعلوماتي في السرد، ومن ثم فإن التطور الذي حدث في سرد النوافذ ما هو إلا تطور لشخصية الراوي نفسه عبر مراحلها المختلفة وسط تداعيات الراوي الذي يذكر حادثا عاينه إبان مرحلة الشباب عندما أرادت مجموعة أن تلقي شابا في ترعة الإبراهيمية على مرأي من الراوي المنفي من القاهرة إلى المنيا للعمل في الجمعية التعاونية، تذكر هذا الحادث يجعل الراوي يدخل فيما ي عرف بالاسترجاع على الاسترجاع فالحدث المسترجع الأول هي الانتقال الوظيفى من المنيا إلى القاهرة، والحدث الثاني هو نزول الراوي إلى مدينة بيروت إبان زمن الحرب الأهلية عام ثمانين عندما اقتاد شخص غامض فتاة ونزع عنها ثيابها ثم احاط عنقها بأصابعه بعد أن لف شعرها الطويل حول رسغه وعندما بلغ ذروته صرعها فهمدت. إن جمال الغيطاني يرفض النموذج التقليدي للنص الروائي ليجعل من كل نص له مغامرة شكلية، وفي رواية "نوافذ النوافذ"، الموضوع بالنسبة له يفرضه الشكل الذي يجسد طوق الكاتب إلى التجديد عبر تجربته المروية الخاصة لتكون نوافذ النوافذ ورفيقتاها اللتان سبقتاها "خلسات الكرى ودنى فتدلى" هي بمثابة الواقع المعاصر سرديا لكنه التاريخ المضمر في محتوى النص فالموت والزمن والعالم الآخر كلها تجسد ذلك النص، وإن حمد للغيطاني اعتماد الراوي على الوصف لتوصيل المروى وتجديده الدائم لطرائق السرد ونوعية الحكي فالنهاية لا تقدم شفاء للمتلقي بل لا تضع حدا لسرد الراوي وكأنما لحديثه بقية في"نثار رهيفة" أشار لها الراوي.
الهوامش 1- صدرت مسلسلة في عام 1912، ثم طبعت كاملة عام 1914، حيث لم يكتب محمد حسين هيكل اسمه عليها إنما كتب "فلاح مصري". 2- اعتمدنا في تواريخ هذه النصوص الروائية على الببليوجرافيا التي أوردها عبد المحسن طه بدر في كتاب"تطور الرواية العربية". 3- محمود أمين العالم - تأملات في عالم نجيب محفوظ - الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر - ط1 - 1970 - ص 86. 4- غالي شكري- المنتمي "دراسة في أدب نجيب محفوظ" - ط5 - دار سعاد الصباح - القاهرة - دت - ص488. 5- محمد برادة - رواية عربية جديدة - مجلة الآداب - عدد 2 / 3 - 1980 - ص3. 6- محمد بدوي - مغامرة الشكل عند روائيي الستينيات: "مدخل لاجتماعية الشكل الروائي" مجلة فصول-ع2-مجلد 2- مارس 1982 – ص125. 7- محمد برادة - أسئلة الرواية أسئلة النقد - مطبوعات الرابطة - المغرب - ط1 - 1996 - ص 46. 8- محمد أنور السادات - رحلة البحث عن الذات "قصة حياتي" - ط2 - المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر - القاهرة 1978 - ص 328. 9- يوسف القعيد - الحرية الممكنة / الحرية المستحيلة - مجلة فصول - مجلد 11 - عدد 3 - جزء - 3 - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1992 - ص 332. |
|||||
|
|||||