|
|||||
|
يمثل عام 2005 مرور مائة سنة على وفاة تيبو تيب التي وقعت في عام 1905. وننشر هذه السيرة احتفاء بذكرى صاحبها. والتي ستكون مقدمة لكتاب سيصدر قريبا ضمن سلسلة اصدارات كتاب (نزوى) ويحمل نفس العنوان.
أسطورة تيبو تيب حقق "تيبو تيب" شهرة تقترب من الأسطورة التي سارت وسرت خارقة حدود القارات واللغات والثقافات. توفرت لهذه الشخصية الأسطورية عوامل معينة صنعت رواجها وانتشارها. ولعل أهم هذه العوامل هو العامل التاريخي، فقد جاء حمد بن محمد بن جمعة بن رجب المرجبي، وهذا هو الاسم الحقيقي لتلك الشخصية، في عصر الكشوفات الجغرافية. وكما هو معروف توجهت العقول في تلك الفترة إلى محاولة فهم جغرافية العالم وتاريخه. وكان من بين أبرز الأسئلة التي طرحت نفسها بقوة هو التساؤل عن مصادر نهر النيل وعن كنه القارة السمراء. ذلك النهر الذي قامت عليه إحدى الحضارات البشرية وهي الحضارة الفرعونية كما يشير إلى ذلك أبو التاريخ هيرودوتس الذي يقول: "لا يستطيع أحد أن يعطي الخبر اليقين عن مصادر نهر النيل. إنه يأتي من هناك".(1) و ظلت (هناك) لغزا محيرا كما بقيت المعرفة الكاملة لذلك النهر أمرا مفقودا يثير التساؤلات العديدة لدى الباحثين والمغامرين الذين لا يقفون عند حد. وقد أسهم تيبو تيب بشكل فعال في تذليل الطريق الموصلة للإجابة على ذلك التساؤل فقام بإرشاد المستكشفين الغربيين من أمثال سبيك (Speke) ولفنجستون (Livingstone) وكاميرون (Cameron) وستانلي (Stanley) . و قد توالت الكشوفات الجغرافية في القرن التاسع عشر، ففي سنة 1859 - وكما يشير المغيري - اكتشف برتون وسبيك بحيرة تانجانيقا وفي السنة نفسها انفرد الثاني باكتشاف بحيرة فيكتوريا نينانزا، وفي سنة 1988 اكتشف ستانلي بحيرة البرت نيانزا والبرت ادورد. وقبل ذلك توص ل الاسكتلندي مفجوبارك إلى منابع السنغال سنة (1805).(2) و يشير رزق إلى أن تلك الحركة الاستكشافية النشيطة ما كان لها أن تتم لولا جهود الجنود المجهولين من العرب الذين يمثل تيبو تيب واسطة العقد بينهم.(3) وتحت حمايته تمكن لفنجستون وستانلي من إكمال مهمتهما الشاقة والوصول إلى الطرف الشمالي لبحيرة تانجانيقا.(4) ومن العوامل التي شحذت بريق هذا الأسطورة هي المؤهلات القيادية أو ما يسمى بالكاريزما في شخصية تيبو تيب. فقد برزت سمات القيادة لديه منذ بداية حياته العملية التي بدأت وهو لا يزال صبيا لم يجاوز الثانية عشرة. ومن ذلك أنه عندما وجد أباه بعد افتراق طويل بينهما، حيث أن الوالد ترك ولده في زنجبار وتوجه إلى البر الأفريقي للتجارة، أراد الوالد أن يرسل الولد في أول مهمة تجارية في أدغال أفريقيا الشرسة. وأن تكون البضاعة تحت إمرة أحد التجار الخبراء من ساحل مريما. فما كان من الولد تيبو تيب إلا أن رفض ذلك بشدة مفضلا العودة من حيث أتى من زنجبار من أن يخرج في تجارة أبيه وغيره مسؤولا عنها ويصبح هو في وضع التابع.(5) وفي ذلك ما يدل على نزعة القيادة عنده وعلى روحه المغامرة. و في فترة لاحقة ترسخ نفوذ تيبو تيب في البر الأفريقي، وبدأ بالقضاء على الحكام الزنوج أو التحكم المطلق بهم عزلا وتثبيتا وذلك بغرض توطيد تجارته بالسيطرة المطلقة على مصادر العاج، خاصة ، وتأمين طرق تلك التجارة. والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى وهي مبثوثة في ثنايا هذه السيرة التي هي في أغلبها حديث صريح عن ذلك. و كمثال على روح المغامرة والتحدي التي يتمتع بها تيبو تيب يمكن أن نتعرض للصراع العنيف الذي دار بينه وبين زعيم زنجي ع رف ببطشه وغدره وهو السامو.(6) فقد نصحه من معه من العارفين بالمنطقة بعدم الذهاب إلى السامو فشخصيته لا تؤتمن، وهو يخدع التجار ببريق العاج ثم ينقض عليهم. وقد قتل الكثير من العرب والزنوج بهذه الطريقة. لم يستمع تيبو تيب إلى ما قيل له. وفي طريقه وجد أحد المسنين العمانيين واسمه عمر بن سعيد الشقصي الذي أكد له ذلك، وأنه نفسه تعرض للمصير ذاته منذ أعوام وقد ق تل من معه من العمانيين، وما نجا منهم إلا من كان سعيد الحظ وفر ملتجئا برؤساء المناطق المجاورة. ويستمر تيبو تيب في طريقه ويدخل في صراع مرير مع السامو يسقط فيه العديد من المحاربين من الطرفين، وتحاك له المكيدة تلو المكيدة بطريقة مثيرة جدا وقريبة من الخرافة مما توجد تفاصيله في هذه السيرة. وينتهي الأمر بالقضاء المبرم على السامو وذيوع خبر انتصار تيبو تيب عليه في مجاهل القارة الأفريقية، فيضيف ذلك أهمية كبيرة له، وتنحني له كثير من الرؤوس، وتترسخ حوله أسطورة الزعيم الذي لا يقهره شيء. وروح التحدي والبطش هذه هي التي جعلت الزنوج يطلقون على المرجبي عدة ألقاب وأولها هو كينجوجوا (Kingugwa) ومعناه الضبع الأرقش(7)، وتيبو تيب (Tipu Tip)،(8) وهو محاكاة صوتية لصوت إطلاق البندقية أو لر ف- ة في عينه(9). كما لقب بلقب ثالث وهو مكانجوانزارا (Mkangwanzara) أي الذي لا يرهب أحدا ، ربما يخاف المجاعة ولكن بالتأكيد لا يخشى الحرب.(10) أما الأوروبيون - وهم المستفيد الأول من تيبو تيب في التعر ف على مجاهل أفريقيا ودراستها دراسة علمية أولا ، ثم في تثبيت وجودهم السياسي ثانيا - فقد كانوا مأسورين بشخصيته وقيادته. فقد كان مثلا ممتازا للنبيل العربي الذي يظهر رقيا مميزا في حديثه ومظهره. ومن ذلك الوصف الذي أثبته ستانلي إذ يقول عنه: "ملابسه ناصعة البياض وعمامته جديدة وحول وسطه حزام مرصع وفيه خنجر من فضة، ومظهره العام دل على أنه السيد العربي الذي يعيش في رغد من العيش".(11) وقال عنه وايتلي، أحد أبرز المهتمين باللغة السواحلية، في مقدمته للترجمة الإنجليزية لهذه السيرة: "كان تيبو تيب رجلا مشهورا وله دور بارز في توسيع التجارة العربية في تانجانيقا والكونجو الأمر الذي يمنحه أهمية تاريخية. كما تمثل سيرته أهم سيرة ذاتية عرفت في اللغة السواحلية". وفي الفترة نفسها التي توطد فيها نفوذ تيبو تيب داخل القارة الأفريقية انتقل الاهتمام الأوروبي بهذه القارة إلى مرحلة جديدة. انتقل من مرحلة المعاهدات ذات الصبغة التجارية والتي بدأت في فترة حكم السيد سعيد بن سلطان (1792-1838) إلى أطماع سياسية للسيطرة المباشرة على الأرض والبشر.(12) وقد تزيت هذه الأطماع السياسية بمسوح يهدف ظاهرها إلى بث المدنية وسط الزنوج المتوحشين وإلى إشاعة الحرية والقضاء على تجارة الرقيق، أما باطنها وحقيقة أمرها فهي تهدف إلى استلاب الأرض والسيطرة على مقدرات هذه القارة من المعادن في باطنها ومختلف الخيرات من زراعة وسياحة وغير ذلك من على ظهرها. فبعد التقدم الصناعي الكبير في أوروبا كان البحث على أشده عن أراض جديدة توفر المواد الخام التي تحتاجها آلة الإنتاج الضخمة، وتفتح في الوقت ذاته أسواقا جديدة لتلك المنتجات الصناعية. بالإضافة إلى ذلك تزايد عدد السكان تزايدا مذهلا نتيجة للتطور المعاشي والرعاية الصحية، وتزايد معه البحث عن أراض بكر تستوعب هذا الكم المتزايد من البشر وتلك الطموحات الكبيرة في الكسب الوفير والسريع. ولعل ما ذكر هو من أهم الأسباب التي أدت إلى توسع الدول الأوروبية وامتداد نفوذها وراء القارة الأوروبية ليصبح بعضها إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، إشارة إلى اتساع رقعتها. إنه الامتداد ذاته الذي ولد في فترة سابقة دول العالم الجديد المتمثلة في أمريكا وأستراليا. أصبحت أفريقيا الآن محط الأنظار والأطماع. وتزايد التمثيل التجاري والرسمي للدول الأوربية في زنجبار. ويشير المؤرخ العماني المغيري الذي عاصر تلك الفترة إلى مؤتمر بروكسل سنة 1876 الذي اجتمعت فيه الأمم الأوروبية بقصد التباحث في نتائج الكشوفات العلمية وفي الطرق الناجعة لمساعدة الأمم الأفريقية، وإنقاذها من "عبادة الشجر والحجر، ومنعها من أكل البشر" كما يعبر عنه المغيري في صياغة تختزل المفارقة بين المخفي والمعلن.(13) غير أن هذه الأهداف النبيلة ما لبثت أن تحولت إلى أطماع سياسية مكشوفة لاحتلال الأرض والسيطرة على مقدراتها. وجاءت نتائج هذا المؤتمر مؤكدة للهدف الثاني فأسست الجمعية الأفريقية الدولية التي تهدف إلى تقسيم ما يسميه المغيري بـ"الغنيمة الباردة" بين بلجيكا وبريطانيا وفرنسا ومنع الشقاق بينهم عليها.(14) في السياق نفسه يأتي استغلال الأوروبيين لشخصية تيبو تيب ومعرفته بالبر الأفريقي وزعامته له. ونجد أحد المستكشفين الأوروبيين، والذين قدم لهم تيبو تيب خدمات جليلة في كشف مجاهل أفريقيا، وهو ستانلي يعود ثانية إلى زنجبار ويطلب المساعدة من تيبو تيب لتأسيس الوجود البلجيكي في قلب القارة الأفريقية. فقد جعله ملك البلجيك ليوبيد مهندسا لما سيسمى فيما بعد "دولة الكونغو الحرة" والتابعة للملك البلجيكي. ويقبل تيبو تيب هذا الدور، الذي سيبقى وصمة عار تلاحقه، ليس جهلا منه بالنتائج وإنما إدراكا لمدى التحكم الذي وصل إليه الأوروبيون مما لا يجعل أي مجال لرأي آخر. فالطرق جميعها مسدودة وقد ي قبل منه اجتهاده وقبوله بالأمر الواقع. وفي هذه السيرة يذكر تيبو تيب التردد الذي أبداه عندما عرض عليه ستانلي الأمر أول مرة بحضرة القنصل البريطاني للضغط عليه.(15) وكيف د فع لتوقيع اتفاق لم ينصفه أي بند من بنوده. فحتى الراتب الشهري الذي قرروه له مقابل أن يكون واليا للبلجيك هو ثلاثون جنيها وهو مبلغ زهيد جدا لتاجر وزعيم في حجم تيبو تيب. وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على مدى التحكم الأوروبي على العرب آنذاك وغطرسته في استغلال نفوذه. و ينقل تيبو تيب هذا الأمر إلى سلطانه السيد برغش بن سعيد الذي كان أكثر إدراكا منه لأبعاد الأطماع الأوروبية، والذي كان قد تحدث إليه في ما يشبه الخطبة المؤثرة عن حجم الكارثة مؤكدا أن سابقيه من السلاطين استراحوا بموتهم إذ لم يسمعوا بهذا الأمر. ثم نصحه بقبول العرض ولو أعطوه عشرة جنيهات فقط. وقد نجح تيبو تيب في تأسيس وتوطيد النفوذ البلجيكي فيما يعرف بمنطقة الكونغو، من خلال تأسيس مدن متفرقة ورفع العلم البلجيكي عليها، ومن خلال استمالة الزعماء العرب والزنوج لهذا الدولة، وفرض العشور - حسب تيبو تيب - أو الضرائب على تجارة العاج.(16) وقد نجح في هذا المهمة بشكل مذهل جعلت الأوروبيين يكتبون عنه ويهتمون بسيرته عرفانا بما قدم لهم. وهو أمر آخر كفل له شهرة بعد موته.(17) و تقدم هذه السيرة شخصية طموحة حفرت طريقها بأظافرها وبدأت من مرحلة الصفر وعاشت حياة مليئة بالأحداث ومليئة بتحدي المجهول. هي أسطورة لإنسان عادي من أسرة ضعيفة غاب معيلها وتكالبت عليها الظروف. غير أن تيبو تيب يتحدى كل ذلك وينجح بشكل كبير لدرجة تجعله قادرا على التعامل وأحيانا التفاوض مع حكومات عربية وغربية التي تقدر حجم النفوذ الذي يتمتع به هذا الرجل في داخل البر الأفريقي.
التعريف بتيو تيب: كتابة المستحيل هو حمد بن محمد بن جمعة بن رجب بن محمد بن سعيد المرجبي واحد من أشهر التجار العمانيين في شرق أفريقيا في مطلع القرن التاسع عشر. ويرد اسمه الأول في المصادر العربية(18) "حميد" بينما يرد في المصادر الأجنبية "حمد".(19) والمرجح لدينا هو "حمد" وذلك بالاستناد إلى رسالة كتبها بنفسه وذكر الاسم "حمد".(20) كذلك نجد برود وستانلي يرسمانه هكذا Hamed فالحاء مفتوحة و"حميد« حاؤه مضمومة. ولا يمكن أن يعتبر ذلك عدم دقة من المستفرقين (على نمط المستشرقين) الألماني والإنجليزي فالأول كان معاصرا له وبينهما معرفة وثيقة وقد ألف كتابا في إنصافه والرد على المغرضين عليه من أمثال ستانلي. أما الثاني فهو عالم لغوي وواضع لقاموس سواحلي - إنجليزي ومن الصعوبة أن يفوته أمر كهذا. ولعله من المهم هنا الإشارة إلى أنه من أساسيات التخصص الأكاديمي في اللغة السواحلية عند أوائل المستفرقين الأوروبيين هو إجادة اللغة العربية. واستعمال البعض لاسم "حميد" يمكن أن يفهم في السياق اللغوي وأن هذه الصيغة هي مصغر لـ"حمد"، وقد تكون ألصقت بالمترجم له في صغره وشاعت بين سكان زنجبار ومن بينهم اللمكي. ثم أنه لما كبر صار يقدم نفسه بالصيغة المكبرة وهي "حمد"، وهكذا عرفه المستفرقون ونزلاء زنجبار. والواقع أنه في عمان كانت تشيع ثلاثة أسماء تنتمي إلى جذر لغوي واحد هي حمد - حميد - حمدان. وقد يستخدم الفرد الواحد اسمين اثنين، أحدهما للخطاب الشفوي، حميد أو حمدان والآخر للخطاب الكتابي، حمد. و الأرجح أنه ولد في قرية تسمى كوارارا (Kawarara) في زنجبار عام 1840. نشأ بزنجبار وبها تلقى تعليما دينيا . وكان عليه أن يتم حفظ القرآن غير أنه لم يفلح في ذلك لدى معلمه الأول. وباءت جهود الأسرة بالفشل عندما نقل إلى معلم ثان لتحقيق ذلك الهدف. ويبدو أن ذكاء الطفل كان من ذلك النوع من الذكاء العملي الميال للحركة وليس من النوع الذي ينسجم مع السكون وعدم الحركة. بدأ في التجارة في فترة مبكرة من حياته لم يتعد فيها الثانية عشرة من عمره. واقترض اثني عشر ريالا اشترى بها ملحا سافر به إلى دار السلام وإلى المناطق التي لا تبعد كثيرا .(21) وكما يظهر من سيرته فقد بدأت خطواته الجادة في عالم التجارة عندما جعله والده على رأس قافلة تجارية خاصة به.(22) ثم ما لبثت مهاراته التجارية أن نشطت وأخذ يقوم بتجارته الخاصة مخضعا الزعماء الزنوج لسطوته، فقد عرف أن قافلة التجارة لا تسير إلا بحراسة مشددة وقيادة فذة. تاجر في العاج بشكل أساسي وفي الخرز والشبه ومختلف البضائع. ومن مصادر دخله المهمة هي العقود التي كان بموجبها يوفر العمالة للشركات الأوروبية المشتغلة بإنشاء البنى الأساسية في القارة الأفريقية،(23) ويؤمن الحماية للمستكشفين والمنصرين الأوروبيين. وقد أفادته صلاته القوية ببعض القبائل الأفريقية مما ساعد على نجاح تجارته وتقوية نفوذه حتى أن كثيرا من المستكشفين الأوروبيين للقارة الأفريقية نعموا بالحماية التي وفرها لهم واثبتوا ذلك في مراسلاتهم للجمعيات التي ينتمون إليها.(24) أصيب في أخريات حياته بمرض الاستسقاء ثم عوفي منه. وتضاءل الأمل في أن يحقق تيبو تيب أمنيتين عزيزتين على نفسه هما السفر إلى أوروبا ومشاهدة المدنية التي تتمتع بها وكذلك زيارة البيت الحرام بمكة المكرمة لأداء فريضة الحج.(25) وينقل لنا اللمكي اللحظات الأخيرة في حياته فيقول: ".. ولكن صحته بقيت ضعيفة فاشتد به الألم حتى كانت الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء العاشر من ربيع الأول (14 يونيو) قبضه الله إليه. وما شاع الخبر حتى توافدت الجموع إلى منزله وفي مقدمتهم قنصل جنرال امريكا "وفيس" قنصلها [هكذا] وتتابعت الجموع وسار في جنازته اناس كثيرون. وفي الصباح جاء قنصل جنرال الإنجليز وقنصل الألمان وغيرهما من معتمدي الدول والتجار الأجانب وأعيان العرب والهنود والزنوج لتعزية أهله. ونقل البرق خبر وفاته إلى العالم المتمدن فأتت جرائده مملوءة بالكلام عن سيرته".(26) و قد نعاه القنصل الألماني برود قائلا: "توفي تيبو تيب في زنجبار بالملاريا في 13 يونيو عام 1905. ومات وايزمان (Wissman) في اليوم التالي، أما ستانلي (Stanley) فقد مات قبلها بعام واحد. وعليه ففي فترة قصيرة من الزمن طوى الموت ثلاثة من أبرز الرجال العارفين بأسرار القارة المظلمة".(27) عاش تيبو تيب حياة مليئة بالمغامرة والتحدي والارتحال. وقد عاش انتصارات وهزائم بالشكل الحرفي لهاتين الكلمتين، مخلفا في كل مكان حل به إما أصدقاء يذكرونه فيشكرونه وإما أعداء يتربصون به الدوائر. فقد كان ملء الأسماع والأبصار. ومهما يكن من أمر فإن تيبوتيب يعتبر بلا شك حلقة من حلقات الوجود العماني في شرق أفريقيا. والتعرف عليه هو دليل على المعرفة الواعية بذلك الوجود ببعديه المضيء والمعتم دون فرح بالأول ودون مواربة للثاني.
ملحوظات على الترجمة و فيما يتصل بهذه السيرة فقد ك تبت باللغة السواحلية التي كانت لا تزال تكتب بالحرف العربي، ثم ترجم هذا النص إلى اللغات(28): الألمانية والفرنسية والإنجليزية. غير أن هذا الأصل لم نعثر عليه ووجدنا النسخة التي ن قلت إلى الحرف اللاتيني. ويشير المترجم الإنجليزي في مقدمته لهذه السيرة إلى أن هذا الأصل كان يوجد لدى الشيخ محمد بن ناصر اللمكي حفيد تيبو تيب وساكن زنجبار. وأنه قد طلبه منه سنة 1944، غير أن هذا الشيخ أجاب أنه لا يستطيع إظهاره قبل سنة 1955. وعندما عاود وايتلي الطلب في السنة المذكورة تأخر اللمكي عن إجابته. ولعل الحفيد كان يراعي الظروف السياسية العصيبة التي كانت تمر بها زنجبار في تلك الفترة. أو أنه ضن على المستغربين بهذا الأثر، إذ لا يثق في مآربهم. ولعل الأيام تبدي هذه النسخة. ويظهر الأثر العربي بالغا على مفردات هذه اللغة مما أشرنا إلى بعض منه في ثنايا التعليقات المصاحبة لهذه الترجمة. فالأرقام العربية تستخدم كما هي دون تغيير، وفي النص شواهد قرآنية وتعبيرات دينية كثيرة، ومفردات عربية لا يخطئها النظر. والحقيقة أن هذا النص من النصوص النادرة التي تعكس الأثر الكبير للغة العربية على اللغة السواحلية قبل أن تنجح خطط طمس الأثر العربي على تلك البقعة. ولهذا السبب بالتحديد فإن الحاجة تبدو ماسة لدراسة لغوية متخصصة لهذه السيرة تبرز ذلك التأثير. لا بد أن نشير انه من الصعوبة أن تفهم هذه السيرة دون تمثل لحالة إنتاجها. وهي أن منشئها المرجبي كتبها في فترة متأخرة من عمره، لذا فهو يتحدث من الذاكرة فيسترسل عند بعض النقاط ويختصر عند نقاط أخرى. وقد يأخذه الاستطراد إلى حكاية جديدة تلهب ذاكرته بما تحويه من مغامرات أو بما حققه من ثروات. وهنا نتذكر أن صاحبنا المرجبي من كبار التجار وهو يكتب هذه السيرة بعد عهد طويل بكثير من أحداثها لذا يقع في مزلقين اثنين. فقد تدفعه لذة سرد مغامراته إلى المبالغة والتزيد فيما حقق من ثروة أو أفنى من أعداء. وينتقل أحيانا من موضوع إلى موضوع دون رابط واضح ودون مقدمات. ويمكن أن نجد أرقام القتلى الذين حصدهم في مواجهته للسامو كدليل على أن نوعا من المبالغة يظهر هنا. ففي المرة الأولى يقتل مائتين منهم في مقابل قتيلين فقط ولا تجعل هذه الهزيمة النكراء السامو يتعظ بل انه ليعاود الهجوم ليخسر ستمائة من جنوده. وقد يعقل ذلك الفرق الكبير في الضحايا في إطار اختلاف السلاح حيث يواجه المرجبي سلاح السامو التقليدي (السهام والرماح) بسلاح فاتك وهو البارود، ولكننا لا نتصور كيف لم يأبه السامو لفارق السلاح. أما المثال الذي يمكن أن يقدم للحالة الثانية من حالات مزالق الحكي وهي الاستطراد و تداخل السرد بالتذكر في بعض حكاياته هي قصة الجماجم التي شاهدها (الفقرة رقم 27) جنوده أثناء تتبعهم للسامو. فعندما تحكي إحدى الأسيرات مقتل الباحثين عن العاج في ارض السامو يتدخل المرجبي (يلاحظ انه هنا يمثل دور السامع للأخبار التي يقدمها بشير بن حبيب) بإبداء ذكرياته أو معرفته لبعض الأماكن التي ترد في الخبر. والطبيعي جدا أن تعكس ترجمتنا المزالق المشار إليها. وفي مرات معدودة سنتدخل بإضافة جملة أو اقل منها عندما نجد انه من الصعوبة على القارئ العربي أن يتابع سير الأحداث دون هذه الإضافة وسنضع المضاف بين معقوفتين هكذا.
المصادر والمراجع أولا العربية: - بدوي، عبده (دت) شخصيات أفريقية (القاهرة) اللمكي، ناصر بن سليمان، حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو(مجلة الهلال، يوليو 1906)، ص ص 571-580 - المغيري، سعيد بن علي (1979) جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، (مطبعة عيسى البابي الحلبي: القاهرة) - مسعود، محمد (1325) تقويم المؤيد (القاهرة). - رزق، يواقيم رزق، حميد بن محمد المرجبي (تيبو تيب) والوجود العربي في الكونغو (رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، مركز البحوث والدراسات الأفريقية، 1975) - مجاهد، زكي محمد (1950) الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية، ج2، (القاهرة). - الموسوعة العربية العالمية، ج 25، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع (الرياض: 1996)
ثانيا الأجنبية: Brode، H (2000) Tippu Tip: The Story of His Career in Zanzibar (The Gallery Publications: Zanzibar) (1906???) Bennett، N (1986) Arab Versus European: Diplomacy and War in Nineteenth-Century East Central Africa (African Publishing Company a division of Holmes & Meier: New York London) Coupland, R (1945)Livingstones Last Journey (London) Elton، J (1879) Travels and Researches Among the Lakes and the Mountains of Eastern and Central Africa (London) Hindy, S (1897) The Fall of the Congo Arabs (London) Moorehead,A,1960, The White Nile (Penguin Books and Hamish Hamilton: New York) Islam,Christian and the Colonial Administration in East Africa (Muscat)(Soghayroun,I (1992) Stanley,H (1885)The Congo and the Founding of its Free State Stanley,H (1972) How I found Livingstone (London) Jameson,J (1890)The Story of Emin Pasha Relief Expedition (London.) الهوامش 1- Moorehead, A (1960) The White Nile (Penguin Books in Association with Hamish Hamilton: New York)، p. 7. 2- انظر المغيري، سعيد بن علي(1979) جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، (مطبعة عيسى البابي الحلبي: القاهرة)، ص 14. 3- رزق، ص 88. 4 - نفسه، ص 93. 5- أنظر الفقرة (3) من هذه السيرة. 6 - تنظر الفقرات (12-34). 7- فقرة (14). 8 - فقرة (30). 9- ينظر برود Brode، H (2000) Tippu Tip: The Story of His Career in Zanzibar (The Gallery Publications: Zanzibar), p. v. 10- فقرة (157). 11- رزق، ص 98. انظر كذلك 12- الصراع العربي الأوروبي على القارة السمراء بدأ منذ فترة مبكرة. ففي القرنين 13- المغيري، ص 193. 14- نفسه، ص 194 15- ينظر بشكل خاص الفقرات (168-169). 16- تنظر الفقرة (167). 17- تبرز قائمة المصادر والمراجع بعضا من ذلك الاهتمام. 18- ينظر اللمكي، ناصر بن سليمان اشهر الحوادث وأعظم الرجال: حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو (مجلة الهلال، يوليه 1906) ص ص 571-580. 19- ينظر برود، سابق ووايتلي صاحب الترجمة الإنجليزية التي لدينا. 20- رأينا من الضرورة إيراد هذه الرسالة وإلحاقها بهذه الترجمة. ينظر الملحق. 21- اللمكي، سابق، ص 573. 22- الفقرة (3). 23- في هذا السياق، تؤكد المصادر، خاصة الغربية، على الدور الكبير الذي لعبه تيبو تيب في تجارة الرقيق، وهم يستخدمون ذلك للنيل من هذا الرجل ولاتهام العرب عامة في شرق أفريقيا بإساءة معاملة السكان الأصليين. وموضوع تجارة الرقيق ومدى دور كل من العرب والزعماء الأفارقة وكذلك الأوروبيين في هذا الشأن من الموضوعات الدقيقة التي تحتاج إلى تفرغ خاصة من قبل الدارسين العرب. وذلك أمر ليس مجاله هذا المقام، ولكننا نسارع إلى الإشارة أنه ومن خلال هذه السيرة، لا نجد أي إشارة تدين تيبو تيب. وهو يذكر صفقاته التجارية التي قام بها ويذكر بالأرقام الفوائد التي جناها غير أنه لا يشير مطلقا إلى أنه تاجر بالعبيد. 24 - ينظر صغيرون الذي يشير على أن مفوض الملكة البريطانية السير جونستون (Jonston) أبان عن تقديره للدور المميز الذي يقوم به اثنان من كبار التجار العرب وهما الشيخ حمد بن محمد المرجبي والشيخ محمد بن خلفان البرواني في مساعدة الإرساليات الإنجليزية. Soghayroun, I (1992) Islam, Christian and the Colonial Administration in East Africa. (Muscat). P. 37. 25- برود، سابق، ص 132. 26- اللمكي، سابق، ص ص 579-580. 27- برود، نفسه. 28- الترجمة الانجليزية قام بها وايتلي W. H. WHITELY نشر اول مرة في مجلة شرق افريقيا للجمعية السواحلية بين عامي 1985 - 9 ثم اعيد طبعها بشكل مستقل في الاعوام التالية: 1966،70،71،74 . نعتمد هنا على الاخيرة. صدرت الترجمتان الالمانية والفرنسية كالتالي: BONTINCK, F (1974) L;autobiographie de Hamed ben Mohammed el-Murjebi Tippo tip (ca. 1840- (Academie voor Overzeese Wetenschappen: Brussel) HISTOIRE DOUTRE-MER:PARIS) (SOCIETE FRANCAISE DRENAULT، F (1987) Un potentat arabe en Afrique centrale au XIX siecle 29- أثبتنا هنا مراجع لم نستفد منها مباشرة في هذا العمل وإنما ذكرناها تسهيلا لباحثين قادمين بمصادر دراسة تيبو تيب. |
|||||
|
|||||