يوسف الصائغ

 

أثير محمد شهاب (ناقد من العراق)


لست صامتا .. مع هذا يحتل الصمت

من تجربتي الحساب النهائي الأقرب للكرامة

أزمة الشعر والشاعر تتمثل في القدرة على

حل معضلة العلاقة الذهبية بين الخاص والعام

إنني شاعر عافت نفسه قصائده

التواضع ليس زينة دائما، ونكران الجميل فاكهة تضرس القلب

 

لا أعرف الوسيلة أو الكيفية التي يمكن من خلالها تقديم الشاعر يوسف الصائغ، وحينما اختبرت ذائقتي في كيفية وضع الشاعر يوسف الصائغ في صورته المناسبة، تهت وتعثرت بسبب تنوع إبداعه " شعر... مسرح... قصة... رواية... رسم... نحت... إخراج"، وهذا التنوع لم يفقده - وفي أيما لحظة - عملية الإبداع، فهو يجيد في كل فن يمارسه، إلى درجة تنوع حساده وعذاله، فحساد الشعر يعترفون بإبداعه، وعذال الرسم يقولون له: إنك شاعر... ما الذي جاء بك إلى هذا الفن ؟ وهكذا دواليك...

إنها لصعوبة أن تقدم مبدعا  يتقن هذه الفنون وبمهارة قلب غيور، يكتب الشعر فيستعين بالرسم والتشكيل ( قبرة بجناحي غراب، قمر من دم، كهان عور)..، ويرسم فيستغل مخيلته الشعرية... وأحسب أنه.. لا يدع فنا  إلا وقد نفث فيه من الشعر الشيء الكثير، لذلك وأنت تطالع أعماله النثرية... ( رواية... سيرة ذاتية... قصة ) تشعر بأنك تقرأ شعرا  يفوق ما يكتب.

لقد كان يوسف الصائغ من الشعراء الذين أضاعوا - بحسب ما تقول مجلة الكلمة العراقية - خيط الأجيال، بسبب وقوعه هو وسعدي يوسف في المدة الواقعة ما بين الجيل الخمسيني - جيل الريادة الشعرية، والجيل الستيني... وهذه المجايلة لم تمنعهما من أن يكونا من الشعراء الذين قد أضافوا للشعر العربي الشيء الكثير.

 

أما كان يمكن ؟

                 يوسف الصائغ

ها أنا، واقف،

فوق أنقاض عمري...

أقيس المسافة،

ما بين غرفة نومي... وقبري...

وأهمس:

واأسفاه..

لقد وهن العظم،

واشتعل الرأس.

واسود ت الروح،

من فرط ما اتسخت بالنفاق

سلام على هضبات الهوى

                         سلام على هضبات العراق

..................                                    

إنها الساعة الثانية

وثلاثون، من بعد منتصف الليل

بغداد... نائمة،

والهزيع... ثقيل

وحده النهر مستيقظ... والمنائر،

والقلق المتربص... خلف جذوع النخيل...

فجأة...

صرخت طفلة الخوف، في نومها،

وتململ، في العش... فرخ يمام

وصاح المؤذن، في غير موعده:

استيقظوا... أيها النائمون

وماد المدى...

وتجعد جلد الظلام...

واقشعر السكون...

ترى..

أما كان يمكن،

إلا الذي كان ؟

اما كان يمكن، إلا الذي سيكون ؟...

كان لا مناص، سوى

أن تخان على صدق حبك،

أو تخون ؟

......

قمر من دم

قد التصقت، كسر الخبز فيه...

دم... وتراب...

وهر.. على منكبيه، غراب...

ولقد نظرت بمقلتي ذئب، إلى وطني،

وأحسست الهواء يجيئني دبقا...

يبلله اللعاب...

ورأيتني، أتشمم الجثث الحرام،

أفتش القتلى،

عن امرأتي...

لكن..

صاح غراب البين...

فانشق المشهد قسمين:

مشهد عن يسار ضريح الحسين

وآخر، في ملجأ (العامرية)...

فرويدا...

حتى يبتدئ القصف،

وتصعد من بين شقوق

الإسمنت المحروق، تراتيل الخوف

ترافقها أنات مخاض...

تسقط أخرى، ينفجر الملجأ،

ينهدم السقف،

وتحترق الدنيا، فنموت...

ونسمع،

بين الموت،

وبين اليقظة،

صوت جنين يضحك تحت الأنقاض...

***

واقف، فوق أنقاض عصري...

كالصليب...

يمد يدين مضرجتين،

فما، بين يأس... وصبر...

ألا.. أيها الراهب، الأبدي، الجريح...

أما آن لك أن تستريح

وتدرك، أنك،

لست المسيح...

وإن اختيار الطريق إلى الجلجلة...

لم يعد معضلة...

ولكنه...

في زمان كهذا الزمان...

غدا مهزلة...

ومحض جنون

ترى...

أما كان يمكن إلا الذي كان،

ما كان يمكن إلا الذي سيكون ؟

بلى..

كان يمكن...

لكن خمسين عاما  من الحب،

لا بد تتعب..

والصبر.. يتعب..

والحلم.. والوهم..

هذا العذاب البريء...

في وداع حبيب مضى...

وانتظار حبيب يجيء...

....

وقد كنت من وحشه الروح،

أرنو لبغداد...

أبحث، عن منزل لي بها

وأذكر

إنك أهلي.. وبيتي...

وإن على بابنا،

جرسا  للمحبين

أقرعه، ثم أدخل

الله !!!

هذا اذا، كل ما قد تبقى ؟

سرير كسيح...

وغرفة نوم مهدمة،

ما تزال معاطف من رحلوا

معلقة، فوق جدرانها...

ومكتبة سقطت كل أسنانها،

وأهملها العاشقون..

علام اذا  يكتب الشعراء قصائدهم

ومم ترى يشتكون... ؟

فما زلت أذكر... أنا مشينا وحيدين

نبحث عن فندق للعناق...

وحين وجدنا الشوارع مهجورة،

والفنادق ممنوعة على العاشقين،

اخترعنا الفراق

سلام على هضبات زمان مضى

سلام على هضبات العراق

يومها،

كان للحب بيت صغير،

يعود له في المساء..

ولم يكن الحزن قد بلغ الرشد،

والخوف،

ما كان قد أفسد الكبرياء...

ولم يكن الشهداء

يموتون من قرف... أو رياء...

......

ابدا 

كان يمشي إلى الموت،

مكتفيا بمحض رجولته،

وبزهو الدموع التي في عيون الحبيبة...

وحين دنت ساعة المجد،

غالبه حبه..

فانحنى خاشعا...

وقتل، جلاده..

وصليبه...

***

واقف كالمرابي...

في تخوم الضياع، وعصر الخراب..

على كتفي،

ببغاء محنطة

وفي الصدر.

قبرة بجناحي غراب...

غير مستنكف من مشيئتي...

ولا نادم، لأني،

لمحض سراب.

هدرت شبابي...

ندمي.

إنني ما رهنت ضميري،

وما بعت،

 -  ساعة ضيقي - كتابي...

ولم أنس هذا الذي كان،

أو سيكون..

فانهضوا أيها العاشقون..

أنها الساعة الثالثة...

بعد منتصف الليل..

بغداد،

واقفة مثل مرضعة،

على كتفها قمر ميت..

وفي الرحم منها جنين عجيب...

رأينا على الأفق المستريب،

نحلة من حديد..  وأنياب ذيب..

والليلة،

سوف يسيل من القمر الميت،

خيط دم أسود

يعلق بالروح وبالأغصان

والليلة،

تنبت في الملجأ،

أدغال العصر الأمريكي الملعون،

وتكتمل الأحزان

وستطفو،

قبل الفجر،

خنازير سود،

ذات زعانف من لهب، وحديد.. ودخان..

......

وعما قليل..

تستأنف المجزرة..

فمن يشتري التذكرة ؟...

أني ابتعت، لهذه الليلة، تذكرتين،

فكنا اثنين،

أنا،

وحبيبة قلبي

في منتصف المشهد...

......

لكأني أرى،

مثلما يحلم النائمون..

عراقية،

تتفتح من فرح،

في الفراش الوثير..

وأراني،

أمشط شعر محبتها،

فترمقني بامتنان،

وتمسح فوق يدي بالحرير..

كأني أرى.. وأرى.. وأرى...

إنما، فجأة،

يفتح الباب...

يدخل مخدعنا، قنفذ من دم،

فتنطفي، الرغبات،

وتترك فوق السرير...

جثة امرأة، كنت أحببتها،

ستبقى بلا كفن، في ضمير الحضارة

إلى أن يدب الفساد بها...

فتفتضح، سر العلاقة،

بين القداسة، في ما نحب،

وبين الدعارة...

***

واقف،

فوق أنقاض بيتي..

أفتش عن جثة امرأتي..

ودميه بنتي..

ويسألني الناس،

للمرة الألف..

- ما كان يمكن ؟

 

أصرخ !

- لا.. أبدأ.. أيها الظالمون..

فان تك خمسون عاما

من الحب تتعب،

أو يكن الصدق يتعب،

فالكذب..

آه من الكذب..

هذا العذاب البذيء..

في اقتفاء النجوم التي لا ت ضيء..

والتثبت،

من قمري المحاق..

سلام على هضبات المنى

            سلام على هضبات العراق

يا زارع الحنة...

ازرع لنا ريحان...

ففي غد... ستنجلي المحنة..

وتذهب الأحزان

......

أما أنتم..

فانتظروا، ثانية

منتصف الليل

فان صار القمر المنذور،

على سمت الخيل،

اتجهوا للباب الشرقي،

ودقوا فوق جدار القلب..

حتى ينهض نصب الحرية ثانية...

ثم تبتدئ  المعجزة

***

فرس أشهب..

مقطوع الرأس..

رآه الحراس،

يحلق فوق الساحة

تتبعه عشرة أفراس..

وعراقي

يخرج من بين الناس،

ويصعد مثل براق من نور

في يده،

رأس مصنوع،

من ذهب ونحاس..

قال الناس،

رأينا الفارس،

يومي  للفرس المذبوح

فيقترب الفرس المذبوح

ويلتحم الرأس..

وسمعنا..

اذاك صهيلا،

يتردد مثل البرق،

امتد من الغرب

إلى الشرق

وفاحت في الساحة

رائحة النهرين.

****

جزدان خديجه

يوسف الصائغ

منذ كنت صغيرا

كان الناس يقولون

لمن يتوخى في سعيه أي نتيجة

فتش في جزدان (خديجه)

هذا جزدان (خديجه) ما مثله جزدان

في أي زمان... ومكان...

وتذكر

أن خديجه، أيضا،

ليست أي امرأة،

بين النسوان

يمكن أن يقصدها أي  كان..

أبدا...

أن خديجه أرملة عوراء...

لها في رأسها قرنان...

تنتقل راكبة فوق جمل...

لا يستر عورتها إلا جلد حمل...

وانطلقت،

من مطلع هذا القرن،

تفتش عن سر ولادتها،

دون أمل

حتى يئست

فانكفأت تخفي خيبتها

في جزدان

جزدان ما مثله جزدان

في أي زمان ومكان

ولهذا صار الناس يقولون،

لمن يبحث عن أي نتيجة...

فتش في جزدان خديجه...

الويل لكم...

ويل لي...

ماذا لو أن (خديجه)

ضيعت الجزدان ؟ ؟ ؟

***

حتى اسمي...

يوسف الصائغ

استوقفني لص في الليل

وهددني...

فحلفت له أني لا أملك شيئا...

قال: إذن.. قل لي ما اسمك

أو سوف تموت..

فضحكت،

وقلت له:

- صدقني.. يا لص الليل...

حتى اسمي

أخذوه مني !


تصميم الحاسب الشامل