الانتماء ويوسف الصائغ

 

 

من اكثر الإشكاليات التي تعرضت لها الشخصية العراقية المبدعة، إشكالية الانتماء والتي  تحيل الى اختلاط النظرة بين ماهو ابداعي بما هو أيديولوجي، وهذا الخلط يسبب في احيان كثيرة تغييب دور المبدع، على الرغم من اهميته بالنسبة لخريطة الابداع العربي".

وتنبع الإشكالية من الولاء للفكر والمعتقد من جهة والتخلي عنه من جهة اخرى، فما إن يتخلى ويتنازل الشاعر عنه حتى يتهم باكثر من تهمة من دون ان ينظر الآخر الى  اسباب  هذا التخلي والتنازل.

 وهذا المقال لا يدعي الدفاع عن المنحى الأيديولوجي ليوسف الصائغ، وانما يسعى الى الكشف عن الاسباب التي افضت بالصائغ الى عدم الايمان بأي شيء ولا أي  انتماء، وهذا بالنتيجة ينبع من سلسلة المواقف والنكسات التي مر بها الشاعر، والتي اوصلته الى هذه الدرجة من  الايمان بالشيء، بمعنى اتساع الهوة بين الشيء والايمان به.

وقبل ان نناقش هذه القضايا من موقف خارجي، سنحاول ان نجتهد في بيان هذه الملامح من خلال ابداعه الذي بدا واضحا في تجسيد فكرة عدم الانتماء والايمان بالشيء، وقد تجسد الموقف صراحة من خلال مسرحيته "الباب" وروايته "المسافة"،  إذ يزيد بأن يقول - من خلال عمله المسرحي- الباب:

إن ما يكتبه الشخص ويؤمن به، يمكن رفضه في - مرة اخرى - تتعارض مع موقفه  الشخصي، إذ يقول الشخص - الشخصية المسرحية - الذي رفض الموت مع اقراره بذلك عند موت الحبيبة:

هو: لا حاجة للقراءة.... لقد كتبت ذلك... اجل... ومع هذا  اشعر  الساعة بينكم انني مسؤول  عنه، فهو لا  ينتمي لي، كأنما كتبه شخص غيري(1)

 إذ ان قوله "شخص غيري" يجسد صدق الرؤيا، في أن هذا الموقف المسرحي يعبر بالنتيجة عن احساس المبدع امام المواقف التي  اتخذها وتنازل عنها"

والموقف نفسه -  قبل ذلك - في رواية المسافة، إذ تتخلى الشخصية الروائية من موقفها الفكري والانتمائي امام  فكرة الموت، لينفذ -  الشخص - ما يطلب منه، فيعذب صديقه:

همس: اقتلني..... ستكون بطلا ان فعلت

-ولكن.......

-كل شيء سيمحى، وسنعود اصدقاء من  جديد.

-ولكن....

كنت اضغط على رقبته.... وكان مطر  ما يسقط في مكان من روحي.... مطر ولذة تعدل السقوط والخيبة واليأس....  كانت الحياة تنخر في صدري".. آه.... إه.... كنا بدائيين مثل الخطيئة الاولى

وصوته.........إع....خ...خ.......  وعندما انتهى كل شيء احسست بالراحة".....وبدأ مطر كثير بالسقوط(2).

إن تجسد فكرة عدم الانتماء والايمان بالشيء داخل العمل الابداعي يكشف لنا قلق وحساسية الشاعر امام فكرة  الانتماء للشيء والموت من اجله.

 اما الموقف من جانب خارجي - خارج الابداع - فبدا واضحا بسبب الازمات التي  مرت بالشاعر:

1- موت الحبيبة الاولى (جولي).

2- العذابات التي لحقته في سجن نقرة السلمان.

3- نكسة حزيران وما سببته من خيبات.

4- المضايقات المستمرة في عهد الطاغية صدام - في المدة الاولى لحكمه - الى حين اعلان براءته.

هذه المواقف - بالنتيجة - خلقت لديه احساسا بعدم   الايمان بكل  فكر  يمكن  ان  يوصله الى  التهلكة - على مبدأ - ( ادفع بالتي هي احسن )، لذلك تخلى عن  كل  شيء،  وهذا بالنتيجة يوصلنا الى امر مفاده عدم ايمان يوسف بالفكر الماركسي وامكانية تخليه عنه لينتمي الى فكر آخر يجنبه العذابات المستمرة، والمواقف الخارجية، هي التي سحبت يوسف الى تجريب فكرة عدم الانتماء داخل  العمل  الابداعي"

في الاخير يجب ان لا نؤمن بان سر العبقرية الابداعية هي التي تؤدي بالمبدع الى مثل هذا التصرف  - كما يقول مصطفى  سويف  -: "إن الصراع الذي تتعرض له الشخصية بين اهدافها الخاصة والهدف المشترك للجماعة يمكن ان يكون منشأ العبقرية"
(3)، لان يوسف طوال حياته الابداعية ظل مدافعا عن قضايانا، اقرأ على سبيل المثال قصيدة "رياح بني مازن" وقصيدة "مالك بن الريب"(4)،، وخروج يوسف عن انتمائه لم يبعده عن الوطن، لانه ما يزال يردد قول الجواهري:

سلام على هضبات الهوى

                  سلام على هضبات العراق

الهوامش:

1- ثلاث مسرحيات، يوسف الصائغ، الباب،  دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد، 1994: 11.

2- المسافة، يوسف الصائغ، منشورات  اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1974: 107.

3- الابداع في الفن، قاسم حسين صالح، دار الشؤون  الثقافية  العامة - بغداد، 1986: 55.

 ينظر: قصائد، يوسف الصائغ، دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد، 1992.


تصميم الحاسب الشامل