اعترافات مالك بن الريب
ضمور الذات وامتزاج الهوية

 

فائز الشرع (ناقد وشاعر من العراق)


ليس من السهل أن تجوس محاولتك الاكتشاف نصا مفخخا بالانتماءات إلى نصوص أخر وإلى كيانات خارجية عن هذا النص، وكانت لصاحب النص القدرة على الاختزان الثقافي واستحضاره، والمهارة في الصياغة بما لا يدع مجالا  للشك في صنع أثر فعال نتيجة لصهر هذه المكونات بغيرها، وتأثيث عالم منسجم متكامل، تؤدي كل مفردة فيه واجبها الإيحائي والجمالي بالقدر الذي استوفته من حقوقها في دقة البناء وفنيته.

ومع أن هذه المكونات النصية لا تتخلى عما علق بها من دلالات وإيحاءات مخلصة للمرجع، الذي وفدت منه، فان هذه العوالق والترسبات لا تنحصر في فضاء كلي مكون من دون أن تنفتح على حدود المكونات الأخر لتشكيل نص متكامل.

ولا تروم هذه الورقة التي تقف أمام نص الصائغ كاشفة عن قصدها، الخوض في التفصيلات، ومحاولة إعادة اللبنات، الأساسية في بنائه، إلى مراجعها أو الفحص عن مقدار تفاعلها فنيا  مع غيرها بقدر ما تحاول إجراء هذه الممارسة ضمن كيان النص بأكمله، بكليته التي ينازعها وجودها التام كيان مناظر، له القدرة على الإفضاء بما تنطوي عليه بنية النص، المفترض انعتاقه منها، من دلالات رغب الشاعر في التعبير عنها من خلال مزجه بين كيانين كبيرين يشملان صوته ووجوده الشخصي وما يجول بداخله من أفكار أو ما تزجيه رؤياه من كشف، مع صوت آخر ووجود شخصي آخر يستعيره من تراكمات الماضي ومنجزاته وحوادثه، وقد وقع الاختيار في نص الاعترافات على شخصية تاريخية أدبية جمعت بين الفروسية والشعر، وأكثر ما أغرى الشاعر المعاصر في هذه الشخصية المنجز الفني الذي رسخ على نحو فائق معاناته الشخصية والحياتية.

الأمر يدور هنا حول اتخاذ الشاعر يوسف الصائغ شخصية الشاعر والفارس مالك بن الريب قناعا من خلال مأساته التي صورتها قصيدته ذائعة الصيت، التي عدت من عيون مراثي الشعراء أنفسهم. وذلك على وفق ممارسة شعرية شاعت بين كبار الشعراء بعد ترسيخ قيم ما يعرف بالشعر الحر أي في قصيدة التفعيلة، رغبة من هؤلاء الشعراء في تجاوز الشكل المألوف للشعر وانفراد صوت الشاعر الغنائي بتأديته، وللارتفاع به إلى مستوى الخطاب الدرامي الذي تزدوج فيه طاقة الإفضاء بين مصدرين يمثلهما صوتان هما: القناع وهو الشخصية البارزة في التعبير والصوت الحقيقي للشاعر المعاصر.

ولا يسعنا هنا التذكير بدواعي هذه الممارسة الشعرية أو الباعث عليها ومصدرها الذي يعود إلى الاحتكاك بالتجارب الشعرية العالمية ولاسيما الأوروبية، ولكنها - أي الممارسة - فيما سبق وعناصر قصيدة الشاعر يوسف الصائغ كانت أسلوبا  مميزا  للشعر الحديث جرب إنتاج النصوص بوساطته السياب والبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وغيرهم.

ما يهمنا في هذه الورقة هو الدخول في عالم النص والكشف عن خصوصية أسلوب الأداء لدى الشاعر يوسف الصائغ وهو يقن ع صوته وشخصيته بشخصية مالك بن الريب من خلال معادلة طرفاها الأداة (النص) والقضية (الفكرة)، وهما يدخلان في تفاعل لإنتاج ما يمكن أن يكون مادة للبحث محاورها (الذات، والجسد، والهوية) ويرتبط كل محور من هذه المحاور بجانب فالذات: تتعلق بالمستوى الشخصي المستقل لكل من شخصية القناع وشخصية الشاعر قبل النص فيما يرتبط محور الجسد بمستوى التعبير والجهة التي يصدر عنها الصوت داخل النص أما المحور الثالث وهو الهوية فيرتبط باتجاه الدلالة أو المضمون المراد التعبير عنه أو الحالة الفكرية المراد طرحها في النص.

والملاحظ على المحور الأول ضمور الذات ولاسيما الذات التي استعارت من يعبر عن همومها ومشاعرها من عصر مختلف وبيئة مختلفة ومستوى ثقافي مختلف ولكن تشابهها من حيث الجوهر وتفرض هيمنتها على كل ما يشغل حيز الاختلاف وكل ما يقع في العرض أو السطح.

ولا أدل على ذلك من التنازل عن الفعل الخاص بالشاعر لهذه الشخصية (القناع) وهذا الفعل هو الاعترافات التي جاءت على لسان مالك بن الريب، ولم يقف بوجه هذا الضمور حتى استعمال ما يشير إلى اسم الشاعر لأنه ورد في سياق يتجاوز التسمية المعهودة للشاعر الصائغ إذ ورد مشيرا  إلى شخصية النبي يوسف (ع) وضمن سياق معروف في قوله:

خذيني الآن إذن / مغتربا

غربة يوسف في الجب / وفي السجن

وإذ تدعوه امرأة في قصر الحاكم / لكن / يا يوسف اعرض عن هذا... (قصائد: 53)

يقابله ضمور في ذات الشاعر المتخذ قناعا  (مالك بن الريب) ولكن بمستوى أقل، وذلك لانتماء خطاب النص إلى ذات أخرى هي ذات الشاعر مع انها تقترب في كثير من مفاصلها من حياته، بل وتحتوي على نصوصه المباشرة من مرثاته المعروفة..

أما محور الجسد والمقصود به جسد النص أو مستوى التعبير فيه فان ما يتميز في هذا النص هو الازدواج غير المكتمل، إذ لا نجد توازيا  كميا  وكيفيا  في المستوى النصي القائم بين النص الأول القناع والنص المقنع، على الرغم من حضور النصين متجاورين في هذا النص، إذ يحضر نص مالك بن الريب بمفرداته الأصل من دون أن تؤدي وظيفتها النصية المؤثرة فيه لانحياز هذا النص إلى منتجه المعاصر الذي عمد إلى كبح جماح التأثير النصي للنص القناع بانتهاك مستوى بنائه الإيقاعي والنحوي، إذ لم نجد فيما ورد من أبيات لمرثاة مالك بن الريب إلا أبياتا غير مكتملة وتفتقر إلى الأداء الكامل لها، مما يجعلها تخضع لسطوة الحديث المعاصر الذي يشركها في تقديم لوحة التعبير باعتبارها خلفية تزيد من وضوح معالم اللوحة المعاصرة، غير متناسين الخبرة التشكيلية للشاعر بوصفه فنانا ماهرا.

وتشير المواضع المعدودة لاستخدام النص الأصل داخل منظومة النص المعاصر وتركيبها المتواشح المتصل بعناصره إلى ذلك وقد وردت على النحو الآتي بفصلها عن مواقعها في النص المعاصر.

طبيعة الإجراء النصي

النص الأصل داخل منظومة النص المعاصر

نقص وتصرف في البنية الهيكلية

(فيا صاحبي رحلي / دنا الموت.. فانزلا)

إدخال ما هو غريب على جسد

النص الأصل أدى إلى إنتاج بيت (ملفق)

(فليت الغضى والأثل لم ينبتا معا

فان الغضى والأثل قد قتلانيا

نقص بحذف الشطر الثاني للبيت (وليت الغضى ماشى الركاب لياليا)

(فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه)

نقص في مستوى اكتمال التعبير مع امتداد واتساع مساحته

(خداني فجراني ببردي إليكما

فقد كنت قبل اليوم صعبا  قياديا

وقد كنت عطافا  إذا الخيل أدبرت

وقد كنت..                 )

نقص بحذف باقي البيت من الشطر الثاني

(تذكرت من يبكي علي.. فلم أجد سوى السيف)

نقص بحذف باقي الشطر الثاني بأكمله

(يقولون لا تبعد.. وهم يدفنونني)

نقص بحذف باقي الشطر الثاني بأكمله

(فلا تحسداني بارك الله فيكما)

والملاحظ إن الشاعر لم يعمد إلى مزج هذه الاقتباسات بنصه، فقد عمد الى تسويرها بأقواس تضمن عزلها عن الذوبان في جسد النص وتلاحمها بعناصره، ومع ذلك فقد راعى عدم انفصالها عن النص ونتوءها المفارق لانسجام سطحه، لكونه أدرك سر  تأثيرها لدى احتلالها الموقع الذي تستلزمه، ولاسيما في اقتران مدلولاتها بما يوازيها من تعبير في النص الحديث.

ثالث المحاور هو محور الهوية إذ أن المفترض في استعمال القناع امتزاج الهوية التي تشير إلى المستوى الفكري المرتبط بالمضمون وينطلق من نقطة تشابه جوهرية لا يشوبها اختلاف إلا في الأعراض مما يوقع في ملابسات تخص كلا من الشخصية القناع في الماضي والشخصية المتقنعة في الحاضر (حاضر الشاعر زمن إنتاج القضية)، ولعل هذا السلوك يمس الجانب الشخصي للشاعر وهو ما لم يفصح عنه في هذه القصيدة، التي تجاوزت الجراح الشخصية واتجهت إلى الجراح العامة المتصلة بقضايا الإنسان العربي بعد نكسة الخامس من حزيران يونيو سنة 1967، إذ يعود زمن نشر القصيدة الى سنة 1971 وهي تخص الجرح العربي الكبير في فلسطين:

أحس إنني

والقدس

في كنيسة مهجورة

فلا حب.. ولا عبادة...

كأنما العذراء، لم تلد بها المسيح ذات ليلة.

أو إنها،

من بعد ما استوى نبيا 

أنكرت ميلاده        (قصائد: 57)

لذا فقد انطلق الخطاب من صميم هذه التجربة لا من خارجها، مستوعبا  جانبا  من جراح النخبة الفلسطينية، التي تزداد ملامح الفاجعة لديها متناسبة تناسبا  طرديا  مع مستوى وعيها، في زمن شغلت الثقافة موقعا  مهما  وكان لها دور كبير في محاولة الإمساك بملامح الفروسية المفتقدة ولاسيما في ما يحيط القصيدة من ظرف زمني:

تحتويني الرمال النظيفة تحت سماء الصحارى

تمددت في الوطن العربي

أهال على جسدي خيمة

 

ورأيت بلادي تتخثر فوق جراح الضحايا

       (قصائد: 62)

ومن هذا المنطلق تحولت التجربة الشخصية - بفعل توسيعي - إلى تجربة جمعية (قومية) تعكس هما  عاما  لم يترك مجالا  إلا وطال جميع مفاصله، ولكن هذا الانغماس في الهم الجمعي لم يمنع الشاعر من الاحتفاظ بالتجربة الخاصة المتواشجة مع الآخر من خلال جذور التشابه بين شخصيتي مالك بن الريب ويوسف الصائغ، ويعزز هذا الإصرار بين الشاعرين، القناع والمقنع به، الانبهار حد التماهي المتجه من الشاعر المعاصر إلى الشاعر القديم، قيام الشاعر بسحب هذا القناع إلى منطقة خارج مجال الشعر كونها تختص بالناحية الشخصية للافضاء بما جرى في الحياة الخاصة، هذه المنطقة يضمها كتاب الشاعر الذي يضمن سيرته فقد حملت عنوان "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب".

ولعل سر التمسك بمالك بن الريب في ظرف اتسع لكتابة القصيدة والمذكرات معا  هو أن مالكا، المتحدي لما هو صعب لا يتنازل عن فروسيته حتى في وقت ضاقت عليه عوامل توافر أدوات الصمود واثبات فاعليتها:

خذاني إلى حاكم

وليكن منكما شاهدان على "مالك"

إن ؛مالك« يشترط الكبرياء

اشترطت بلا ندم انطفي..

فكأني إذا عدت أسلك نفس الطريق

(فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه..)

              (قصائد: 63)

إن التداخل بين النصين والذاتين، بقصد معاصر، يتجه إلى الماضي. وما يختزنه التراث لم يكن غريبا  على ممارسة شعرية انزياحية تتجه إلى انتفاء هيكل التقابل على نحو مستقل بين النص - الذات المعاصرة ومقابلها في الموروث مع اختصاص ظرفه الفكري الفني بمعاصرة من نوع آخر وهذا الإلغاء للاستقلال وانتفاء الهياكل المتجاورة سوغه نظام الاستعارة وهو يؤدي وظيفة احلال الغائب عن الحضور بدمه ولحمه عن الزمن الحاضر محل الحاضر بدمه ولحمه وحضورية عواطفه وفكرة تجاه ما يحدث.

خذاني إلى الكاتب العدل..

ولتشهدا

إن مالك..

يعترف الآن بين يدي عصره:

اعترفوا / اعترفوا / اعترفوا

أيها الحاملون عذاباتكم..

إنني وطن المتعبين الذين،

يحس ون وحشة هذا الزمان !     

              (قصائد: 70)

ينظر قصيدة اعترافات مالك بن الريب، قصائد يوسف الصائغ، 51-70


تصميم الحاسب الشامل